"ابْنُ اللهِ" فِي أَنْجِيلِ مَتَّى وَمَرْقُسَ وَلُوقَا
لَمْ يَشْهَدْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لِيَسُوعَ بِأَنَّهُ "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" فَحَسْبُ، بَلْ شَهِدَ أَيْضًا شَهَادَةً حَاسِمَةً قَائِلًا: "إِنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ» (يُوحَنَّا 1: 34). وَهظ°ذَا اللَّقَبُ يَقْتَرِنُ فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ بِـلَقَبِ "الْمَسِيحِ"، كَمَا يَظْهَرُ فِي اعْتِرَافِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ لَقَبَ "ابْنِ اللهِ" لَهُ بُعْدٌ مَسِيحَانِيٌّ وَاضِحٌ، يُعَبِّرُ عَنْ رِبَاطٍ ثَابِتٍ يُوَحِّدُهُ بِالآبِ. إِلَّا أَنَّ هظ°ذَا اللَّقَبَ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلِالْتِبَاسِ بِمَعْنًى أَرْضِيٍّ سِيَاسِيٍّ، كَمَا ظَهَرَ فِي تَجَارِبِ يَسُوعَ الثَّلَاثِ، حَيْثُ جَاءَ التَّحَدِّي: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ…" (مَتَّى 4: 3–7). فَكَانَ الْمُجَرِّبُ يُرِيدُ أَنْ يَجُرَّهُ إِلَى إِظْهَارِ بُنُوَّتِهِ بِاسْتِعْرَاضِ قُوَّةٍ وَسُلْطَانٍ، لَا بِطَاعَةٍ وَتَوَاضُعٍ وَحِمْلِ الصَّلِيبِ. وَلِذظ°لِكَ تَدَارَكَ يَسُوعُ هظ°ذَا الِالْتِبَاسَ، وَأَكَّدَ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّ الْمَسِيحَانِيَّةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا لَيْسَتْ مَسِيحَانِيَّةَ مَجْدٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ مَسِيحَانِيَّةُ الآلَامِ وَالْفِدَاءِ، فَقَالَ:"بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذظ°لِكَ الْحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَيَقُومَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21).
وَبَرَزَ هظ°ذَا الِالْتِبَاسُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الْمُحَاكَمَةِ، حِينَ طَرَحَ قَيَافَا، عَظِيمُ الْكَهَنَةِ، السُّؤَالَ الْحَاسِمَ: "أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ لِتَقُولَنَّ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟"(مَتَّى 26: 63). فَأَجَابَهُ يَسُوعُ بِطَرِيقَةٍ تَكْشِفُ الْحَقِيقَةَ الْعُلْيَا لِهُوِيَّتِهِ، مُشِيرًا إِلَى مَجِيئِهِ كَدَيَّانٍ أَعْلَى بِصِفَتِهِ ابْنَ الإِنْسَانِ: "هُوَ مَا تَقُولُ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمْ: سَتَرَوْنَ بَعْدَ الْيَوْمِ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقَدِيرِ، وَآتِيًا عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ" (مَتَّى 26: 64). وَهظ°كَذَا اتَّخَذَ لَقَبُ "الْمَسِيحِ" وَ"ابْنِ اللهِ" مَعْنًى إِلَهِيًّا خَالِصًا، وَيُبْرِزُ لُوقَا ذظ°لِكَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ حِينَ سَأَلَهُ شُيُوخُ الشَّعْبِ مِنْ عُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ: "أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟" فَقَالَ لَهُمْ: "أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي هُوَ"(لُوقَا 22: 70). وَلظ°كِنَّ مَوْتَ يَسُوعَ عَلَى الصَّلِيبِ بَدَّدَ كُلَّ التِبَاسٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ أَرْضِيٍّ؛ فَإِذْ رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ كَيْفَ مَاتَ يَسُوعُ، اعْتَرَفَ قَائِلًا: "كَانَ هظ°ذَا الرَّجُلُ ابْنَ اللهِ حَقًّا!"(مَرْقُس 15: 39).
وَتُظْهِرُ الأَنْاجِيلُ الثَّلَاثَةُ طَبِيعَةَ عَلَاقَةِ يَسُوعَ بِاللهِ: فَهُوَ "الِابْنُ". تَسُودُ أُلْفَةٌ عَمِيقَةٌ بَيْنَ الآبِ وَالِابْنِ، تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةً مُتَبَادَلَةً كَامِلَةً وَشَرِكَةً شَامِلَةً، كَمَا صَرَّحَ يَسُوعُ: "قَدْ سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيْءٍ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الِابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْنُ، وَمَنْ شَاءَ الِابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ" (مَتَّى 11: 27). وَلِذظ°لِكَ يُخَاطِبُ يَسُوعُ اللهَ بِصِيغَةٍ فَرِيدَةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ قَائِلًا: "أَبَّا، يَا أَبَتِ" (مَرْقُس 14: 36). وَهظ°كَذَا وَضَّحَ يَسُوعُ الْمَعْنَى الْكَمَالِيَّ لِلَقَبِ "ابْنِ اللهِ": إِنَّهُ الْمَسِيحُ الْمُنْتَظَرُ، الَّذِي يَخْلُصُ بِالطَّاعَةِ وَالْآلَامِ، وَيُعْلِنُ الآبَ لِمَنْ يَشَاءُ.