* ما أقوله دومًا، أقوله الآن، أن المسيح لم يتطلع كثيرًا نحو كرامته قدر ما كان يتطلع إلى خلاصنا، فلا يهتم بتقديم منطوقات سامية علوية، بل ما يمكن أن يجتذبنا إليه. لهذا فإن أقواله العلوية القديرة قليلة ومخفية، أما أقواله المتواضعة فكثيرة وفيَّاضة في مقالاته...
فلم يكن يتحدث بالأولى بطريقة عامة، لئلا تسبب دمارًا لمن يأتون بعده، ومن الجانب الآخر فلا يمتنع عنها تمامًا، لئلا يتعثر الذين كانوا في ذلك الوقت. فالذين يعبرون من الانحطاط إلى الكمال يستطيعون بتعليمٍ سامٍ منفرد أن يبلغوا إلى كل التعليم، وأما أصحاب الفكر الضعيف فإنهم ما لم يسمعوا دومًا أقوالًا في مستوى ضعيف لا يأتون إليه نهائيًا.
في الواقع بعد أقوال كثيرة مثل هذه (علوية) كانوا يريدون أن يرجمونه ويضطهدونه ويحاولون قتله ويعتبرونه مجدفًا... فعندما جعل نفسه مساويًا لله؛ قالوا: "هذا الإنسان يجدف" (مت 9: 3). وعندما قال: "مغفورة لك خطاياك" (يو 10: 20) دعوه شيطانًا. وعندما قال أن من يسمع كلماته يصير أقوى من الموت، أو "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 8: 51) تركوه. مرة أخرى قاوموه حين قال إنه نزل من السماء (يو 6: 33، 60).
الآن إذ لم يستطيعوا أن يحتملوا مثل هذه المقولات، مع أنه نطق بها نادرًا جدًا وبالجهد فلو أن كل محادثاته كانت مشحونة دومًا بالأمور العلوية، من هذا النسيج، فهل كانوا يلتفتون إليه؟
لذلك كان يقول: "كما أوصاني الآب أتكلم" (يو 13: 31)؛ "لم آتِ من نفسي" (يو 7: 38)، عندئذ كانوا يؤمنون.
واضح أنهم آمنوا مما أشار إليه الإنجيلي قائلًا: "إذ قال هذه الكلمات آمن به كثيرون" (يو 5: 30). فإن كانت الأقوال التي تحمل تواضعًا تجتذب الناس إلى الإيمان، والكلمات العلوية تفزعهم، لذلك نطق بالكلمات المتواضعة من أجل السامعين.
القديس يوحنا الذهبي الفم