«وَرَأَى ظ±للهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً.
وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً سَادِساً».
وَرَأَى ظ±للهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً هذه خاتمة بركات الله على عمله التام في اليوم السادس أي يوم الجمعة وفيها إشارة إلى قول المسيح يوم الجمعة الذي أكمل فيه الخليقة الثانية الجديدة «قد أكمل» (يوحنا ظ،ظ©: ظ£ظ ). ونرى من قوله تعالى هنا «حسن جداً» إن العالم قبل خلق الإنسان كان حسناً فقط وإنه على أثر خلقه صار حسناً جداً. وهذا الحكم يختص بالإنسان باعتبار كونه جنساً فيصح بعد السقوط كما صح قبله. فلا نزال على هذا نتيقن مع ما نزل بالإنسان من وفرة الشرور والمصائب من سوء تصرفه بالاختيار الذي وهبه الله له إن غاية الله في العالم هي رحمته لإظهار مجده وإنه تعالى يفرح بأعماله (مزمور ظ،ظ ظ¤: ظ£ظ، انظر أيضاً مزمور ظ¨ظ¥: ظ،ظ ورومية ظ¥: ظ،ظ¥).
والغاية من تكرار كلمة «حسن» في الأصحاح الأول توجيه أفكارنا إلى المباينة بين الحال الأصلية والحال الحاضرة لنعلم أنه مهما كان الآن من التشويش في العالم فذلك لم يكن قبل السقوط وإنه كان يتعدى الإنسان. ولنا من هذا الأصحاح تسع حقائق:
الأولى: وجوب الشكر لله على هذا النبإ الثمين الذي لا يقدَّر فإننا لولاه لتوغّلنا في أودية الأوهام ومجاهل الظلام والتخيلات الباطلة والتصورات العاطلة في أصل العالمين ومبدعها. وما كان أكثر الأسئلة التي تزعجنا وتعجزنا عن الإجابة لولا ذلك النبأ العظيم. إن هذا التاريخ الوجيز البسيط يحل أعظم المشاكل التي تشغل العقل البشري وتعجز العقول عن حلها إلى الأبد. فبه يستطيع الولد الصغير أن يعرف منه في ساعة واحدة أكثر مما عرفه علماء اليونان والفرس والمصريين والصينيين في ثلاثة آلاف سنة.
الثانية: وجوب أن نتعجب من جودة الله كما نتعجب من عظمة قدرته على الخلق «يَا لَعُمْقِ غِنَى ظ±للهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ ظ±لْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ ظ±لظ±سْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ ظ±لرَّبِّ، أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ» (رومية ظ،ظ،: ظ£ظ£ - ظ£ظ¥).
ما أعظم وما أوسع خزائن الحياة والوجود التي لله القادر على أن يوجد من العدم هذا المقدار الوافر من الكائنات الحية العقلية وأن يمنح الجميع مثل هذه السعادة وهذا السرور. إنه لم يخلق الخليقة العقلية لحاجة بل عمل ذلك من إرادته ومسرته الإلهية فإنه كان قادراً أن يبقى منفرداً إلى الأبد مكتفياً بكمالاته الأزلية ولكن جودته الفائقة المدارك حملته على أن يخلق من ملئه غير المحدود ألوفاً وربوات لا تُحصى من العالمين والبرايا العقلية وأن يمنحها طبيعة قابلة السعادة والسرور فما أعظم محبة الله ورحمته وحنوه. إن داود النبي دعا في المزمور المئة والثامن والأربعين كل المخلوقات إلى التسبيح لاسم الرب «لأنه أمر فخُلقت وثبتها إلى الدهر والأبد» كأن البشر والبهائم والجماد شركاء في الحمد والتسبيح.
الثالثة: إن خالق العالمين هو خالقنا فنحن مديونون له بكل قوى عقولنا وأجسادنا فعلينا أن نبذلها في خدمته وأن نخضع له ونسلم أنفسنا لك التسليم لإرشاده وحفظه.
الرابعة: إن الزيجة رسم إلهي يُقصد به نفع الإنسان وسعادته فإنه بالزيجة يتعلم الطاعة والخضوع للناموس والاعتبار لحقوق غيره في المال والإكرام. وبها يجد مبادئ الدين والآداب والعواطف الحسنة الطاهرة فأهل البيت مدرسة إعدادية.
الخامسة: إن عمل اليدين شريف ومكرّم فإن الله عيّن لآدم عمل اليد قبل السقوط.
السادسة: إن البهائم خاضعة للإنسان. فللأسد أنياب وللتمساح درع من جلده كالحديد وللطيور أجنحة وللسمك زعانف للمدافعة عن الحياة ولكن ليس للإنسان سوى القوى العقلية في هذا الشأن فيها يخضع الله له بمقتضى أمر الله.
السابعة: إن غاية الله من الخَلق إظهار مجده «يَكُونُ مَجْدُ ظ±لرَّبِّ إِلَى ظ±لدَّهْرِ. يَفْرَحُ ظ±لرَّبُّ بِأَعْمَالِهِ» (مزمور ظ،ظ ظ¤: ظ£ظ،).
الثامنة: إن القبائل الوثنية القديمة كلها حسبت الله والطبيعة شيئاً واحداً ولم تعرف إن الله مستقل عن العالم ولا أنه خلق العالم من العدم. وأما تلك الأمة التي عيّنها الله واسطة لتسطير التاريخ المقدس إلى أن يأتي ملء الزمان ومشتهى الأمم (حجي ظ¢: ظ§) فقد عرفت منذ البدء أن المادة ليست أزلية وأنها أُبدعت في زمان وفي بداءة الزمان. وإن الله العلي على العالمين علواً لا حدّ له كان منذ الأزل قبل إيجاده العالمين من لا شيء بقدرة إرادته على حسب قوله «قال الله ليكن... فكان». «لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ» (مزمور ظ£ظ£: ظ©).
التاسعة: إن التثليث ونسبة المثلث الأقانيم إلى الخلق أُعلنا أكمل إعلان في العهد الجديد بعد اتخاذ الابن طبيعة الإنسان بالمسيح وانسكاب الروح القدس على كل جسد. ولنا من ذلك أن العالم خُلق من الآب بالابن للروح «لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ ظ±لأَشْيَاءِ» (رومية ظ،ظ،: ظ£ظ¦). و «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا ظ،: ظ£). و «ظ±لْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كولوسي ظ،: ظ،ظ¦. وهو «ظ±لَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ظ±لْعَالَمِينَ» (عبرانيين ظ،: ظ¢).