نرى أيوب "متمسكًا بكماله" ويقابل بثبات وهدوء كل المصائب المؤلمة والصدمات العنيفة التي كان مُصرَّحًا للشيطان بأن يأتي بها عليه، والأكثر من ذلك يرفض نصيحة امرأته ويعتبرها نصيحة جاهلة، وقصارى القول نراه وهو يتقبل كل شيء كما من يد الله ويحني رأسه اجلالًا أمام تدبيراته الغريبة وأعمال عنايته العجيبة"(2).
ويقول " ديفيد أتكنسون": "لقد رأى أيوب يد الله خلف هذه الأحداث، وبشكل مذهل كان رد فعله الأول هو أن يتجاوب مع الله بالعبادة... إننا أمام رجل تغلَّب على بلايا متضاعفة، فقد ابتلىَّ بخسارة تلو الأخرى: لقد كانت حسرته واقعية غير مُبالغ فيها ولا يمكن تحملها... فقد كان متشبعًا بالشركة مع الله، فرأى أن الله هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ"(3).
إذًا أيوب لم يعبد الله من أجل أية منافع شخصية، فبعد أن صارت جميع ممتلكاته، بل وأولاده في خبر كان، تجده يخر ويسجد لله ويعبده... أية فضيحة للشيطان المُدعي الكاذب!! ثم وضع أيوب أمام عينيه أن حياته ستنتهي ويعود للأرض، فالأرض أُمّنا منها أُخذنا جميعًا وإليها نعود كقول الرب لآدم: "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُود" (تك 3: 19)... " فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا" (جا 12: 7)... " لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ" (1تي 6: 7)... حقًا قال المثل اللاتيني: "لا يمكن أن يصل أحد إلى حالة من الفقر المدقع أكثر مما كان عندما وُلِد".
ولقد غاب عن أيوب أن الشيطان يقف خلف الستار، وأن حسده هو السبب في كل هذه الكوارث، وظن أنه الله ملك الكون وضابطه هو مصدرها، ومما زاد لهيب ناره عجزه عن تفسير ما حدث له وهو لم يخطئ الخطية التي تستوجب كل هذه العقوبات الطاحنة، ودخل في دائرة الغضب الإلهي دون ذنب جناه، ومع ذلك فأنه ظل محتفظًا بكماله متجاوزًا هذه الصدمة العظيمة بنجاح باهر، إذ بارك الله... فهل أخطأ أيوب في كل هذا؟ كلاَّ... بشهادة الله أن أيوب لم يخطئ، إنما هو عبَّر فقط عن مشاعره الإنسانية بتمزيق جبته وجزَّ شعر رأسه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. أنه أب فَقَدَ جميع أولاده في لحظة واحدة، وكانت هذه الصدمة كفيلة بالإطاحة بحياته، لكنه تماسك وحافظ على توازنه، وبارك اسم الله... حقًا أن الكتاب شهد له بوضوح: "فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً" (أي 1: 22) فلم ينزلق لسانه للشتم واللعن، ولم يتهم الله بالقسوة، بل ظلّ أيوب كما هو أيوب الكامل المستقيم الذي يتَّقي الله ويحيد عن الشر... يا لِعظمة إيمانك يا أيوب!! ويا لِفرحة السماء بك يا أيوب وأنت غارق في أحزانك وجبتك ممزقة وأنت حليق الرأس وجالس على الأرض..!! ويا لِخزي وخيبة وعار الشيطان وجنوده وأعوانه!!