إن كان الشخص الذي صارع يعقوب هو الله، نقول أن يعقوب كان مرتعدًا من لقاء أخيه عيسو، وهو هارب منه منذ عشرين عامًا، وكان يعقوب يشعر أن ليست حياته فقط المهددة بالخطر، بل وحياة زوجاته وأولاده جميعًا. وإذ نظر الله للحالة النفسية ليعقوب والتي هبطت إلى الحضيض، وأراد أن يرفعه فوق هذه الآلام، ويرد له الثقة بنفسه، لذلك تنازل الله وظهر في شكل إنسان يصارع يعقوب، ومن اتضاع الرب أنه سمح أن يظهر وكأن يعقوب قد انتصر عليه، ولكن في الوقت نفسه أدرك يعقوب أنه أمام إنسان له طبيعة إلهية فائقة، ولاسيما عندما ضرب هذا الشخص فخذ يعقوب فأصابه، ولذلك تشبث به يعقوب، ولم يشأ أن يطلقه حتى نال منه بركة خاصة، ولكن يعقوب لم يكن يتوقع على الإطلاق أنه هو الله، ولذلك سأله عن اسمه، ورغم أن هذا الشخص لم يجاوبه على تساؤله، فإن أبينا يعقوب أدرك فيما بعد عظمة هذا الشخص " فدعى يعقوب اسم المكان فنيئيل. قائلًا لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي" (تك 32: 30) وهذا اللقاء يهيئ ذهن البشرية لفكرة التجسد الإلهي والفداء، وكيف سمح السيد المسيح الإله المتأنس للأشرار أن يفعلوا به كل ما أرادوا من أهوال العذابات، وصارت أهوال الصليب علامة أبدية على محبة الله للبشرية، وأن الإنسان قد صار بالصليب حرًا طليقًا من عبودية إبليس المُرة.
- يرى القديس أغسطينوس أن هذا الصراع بين الله ويعقوب إشارة للآلام التي سيجوز فيها السيد المسيح بإرادته. فيقول مخاطبًا السيد المسيح " أنت تبدو بلا قوة، والمُضطهد لك يستظهر بقوته عليك! إلاَّ أنك قد أظهرت ذلك من قبل ليعقوب أيضًا الذي ساد هو نفسه في مصارعته (مع الملاك): إنسان غلب ملاكًا! وهل يمكن أن يكون ذلك بأي حال إلاَّ إذا كان الملاك قد قَبلَ أن يُغلب بإرادته؟ وهكذا غَلبَ الإنسان وهُزم الملاك: وأمسك الإنسان المنتصر بالملاك وقال له: لا أُطلقك إن لم تباركني! يا له من سرٌ عظيم! فالذي يقف مهزومًا هو نفسه أيضًا مُبارِكًا للغالب! فهو مهزوم لأنه أراد ذلك ففي الجسد ضعيف وفي جلال مُلكه قوي... فقد صُلب من ضعف، وقام في قوة (2 كو 13: 4) " أيقظ جبروتك وهلمَّ لخلاصنا" (مز 80: 2)".