أما الابن فيبقى إلى الأبد". [35] لعله يشير هنا إلى طرد إسماعيل وعدم تمتعه بالميراث (تك 21: 10-14). ليس للعبد حق الميراث من الأسرة التي نشأ فيها. أما الابن الشرعي فله هذا الحق. بل ومن حقه أن يحرر أي عبدٍ في الأسرة، وأن يتصرف في ميراثه كما يشاء.
الحرية التي افتخر بها اليهود هي وهم وخيال، إذ لم تكن لهم الحرية الداخلية ولا الحرية الخارجية. هذا ما تفعله العبودية للخطية، إذ توهم عبيدها بالحرية، فيظنون في ممارستهم للشر ممارسة للحياة الحرة بلا قيود، وتحطيم لما يظنوه قيود البرّ والإيمان. الحرية الحقيقية هي في المسيح يسوع حيث يرى المؤمن دستوره الحب الحقيقي، حتى وإن كان ثمنه بذل النفس من أجل الغير، وإمكانياتها إلهية حيث يتمتع المؤمن بالشركة في الطبيعة الإلهية، لا تقدر الأوهام والزمنيات أن تأسره، بل يجد مسرته في تناغم إرادته مع إرادة الله أبيه السماوي.
* إن قلت: "فلِم ذكر البيت إذ خاطبهم مذكرًا إياهم بخطاياهم؟ أجبتك: لكي يريهم كما أن السيد في بيته متسلط، كذلك هو متسلط، وسيد الخليقة. بقوله: "لا يبقى" يعني أنه بلا سلطان أن يهب امتيازات، لأنه ليس سيدًا للبيت. أما الابن فهو رب البيت. فإن هذا ما يعنيه بالقول: "يبقى إلى الأبد"، كمجاز مُستعار من الأمور البشرية. فلكي لا يقولوا: "من أنت" قال: "كل شيء هو ملكي؛ أنا هو الابن الساكن في بيت أبي"، مظهرًا بقوله "البيت" سلطانه. ففي موضعٍ آخر يدعو الملكوت "بيت أبيه": "في بيت أبي منازل (مواضع) كثيرة" (يو 14: 3). وإذ كان مقاله خاصًا بالحرية والعبودية، لهذا استخدم المجاز ليخبرهم أنهم بلا سلطان على التمتع بالحرية (أو نوال المغفرة).
القديس يوحنا الذهبي الفم
* يدخل كثير من الخطاة الكنيسة. لهذا لم يقل "العبد ليس في البيت" وإنما قال: "لا يبقى في البيت إلى الأبد". رجاؤنا أيها الإخوة هو هذا أن نصير أحرارًا بواسطة الحرّ، وإذ يجعلنا أحرارًا يقيمنا عبيدًا.
لقد كنا عبيدًا للشهوة، ولكن إذ نتحرر يجعلنا عبيدًا للحب.
هذا أيضًا ما يقول الرسول: "فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة غير أنه لا تصيِّروا الحرية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا" (غلا 5: 13).
إذن لا يقول المسيحي: أنا حرّ، أنا دُعيت للحرية. كنت عبدًا وقد خلصت، وبخلاصي هذا صرت حرًا، أفعل ما يحلو لي. لا يصد أحد إرادتي ما دمت حرًا... لا تفسد حريتك بالخطية، بل استخدمها في عدم ارتكاب الخطية. فإنه متى كانت إرادتك ورعة عندئذ فقط تكون حرة.
تكون حرًا إن كنت لا تزال عبدًا متحررًا من الخطية وخادمًا للبرّ. وكما يقول الرسول: "لأنكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم أحرارًا من البرّ... وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيدًا لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية" (رو 6: 20، 22).
القديس أغسطينوس