"فقالوا له: أين هو أبوك؟
أجاب يسوع:
لستم تعرفونني أنا ولا أبي،
لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا". [19]
اتهمهم السيد المسيح بجهلهم لمعرفة الله. حقًا لقد عُرف الله في اليهودية (مز 67: 1)، لهم بعض المعرفة لله كخالقٍ للعالم، لكن أعينهم أظلمت، فلم تستطع أن ترى نور مجده المشرق في وجه يسوع المسيح. أما علة جهلهم للآب فهو جهلهم لشخص المسيح الذي يعلن عن معرفة الآب.
* العبارة: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا" (يو 7: 28) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة "لستم تعرفونني أنا ولا أبي"[19]فخاصة بلاهوته... فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: "هذا نعلم من أين هو" (يو 7: 27) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت 2: 1). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن إخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت 13: 55). لهذا شهد للقائلين: "هذا نعلم من أين هو" قائلًا: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا". لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: "وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب" [14]، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو 1: 15).
العلامة أوريجينوس
ظن بعض الهراطقة أن في قول السيد المسيح "ولا أبي" للفريسيين إشارة إلى أن أباه غير الله الخالق الذي يعرفه الفريسيون خلال قراءتهم للعهد القديم. لكن عدم معرفة الفريسيين هنا تنبع عن شرهم. لا يعرف الأشرار الله حتى إن آمنوا به كخالقٍ، وتحدثوا عنه بكونه الله دون الالتصاق به والسلوك حسب مسرته.
* إن كان أحد ما قادرًا أن يقدم حسابًا كاملًا عن الأمور الخاصة بالله، وقد تعلَّم من آبائه أنه وحده ينبغي له السجود، فإنه ما لم يسلك باستقامة يقول الكتاب عنه أنه لا يحمل معرفة الله.
إن كان أحد بالحقيقة يعرف الأمور الخاصة بالخالق وخدمته الكهنوتية فمن الواضح أن أبناء عالي الكاهن كان لهم هذا، إذ أنهم كانوا يقيمون في موضع العبادة. مع هذا إذ أخطأوا كُتب عنهم في سفر ملوك الأول: "وكان بنو عالي بني الهلاك، لم يعرفوا الرب" (راجع 1 صم 2: 12)...
يمكننا أن نجد نفس الشيء ليس فقط بخصوص أبناء عالي بل وبخصوص حكام أشرار في إسرائيل ويهوذا. هكذا أيضًا لم يعرف الفريسيون الآب، إذ لم يعيشوا حسب إرادة الخالق.
العلامة أوريجينوس
* إذ تحدث الرب عن اللَّه أبيه أجابوه وقالوا له: "أين هو أبوك؟" لقد فهموا أب المسيح جسديًا، لأنهم يدينون كلمات المسيح حسب الجسد. لكن الذي تحدث كان الظاهر هو الجسد، وأما الخفي فهو الكلمة؛ الإنسان المنظور واللَّه الخفي... لقد احتقروه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يروه، ولم يروه لأنهم عميان، وهم عميان لأنهم لم يؤمنوا.
* نحن نراك وحدك، ولا نرى أباك معك، فكيف تقول أنك لست وحدك بل أنت مع أبيك؟ إلا فلترنا أن أباك معك.
القديس أغسطينوس