* نحتاج أيها الأحباء إلى اجتهاد عظيم في كل شيء، إذ سنعطي حسابًا، ونُسأل بكل دقة عن كلماتنا وأعمالنا.
لا تقف اهتماماتنا بما يحدث الآن، بل ما سيحدث بعد ذلك، إذ نقف أمام محاكمة رهيبة. "لأنه لا بُد أننا جميعا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان أم شرا" (2 كو 5: 10).
لنضع في ذهننا على الدوام هذه المحاكمة، حتى يمكننا في كل الأوقات أن نثابر على الفضيلة... فإن الذي يغفر خطايانا الآن سيديننا، الذي يموت من أجلنا سيظهر ليدين كل البشرية يقول الرسول: "سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه" (عب 9: 28). لذلك يقول في هذا الموضع: "لأن الآب لا يدين أحدا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب"[22-23]...
لكي تفهموا "قد أعطى" كما "قد ولد" اسمعوا ما قيل في موضع آخر: "كما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته"[26]. ماذا إذن؟ هل ولده أولًا ثم أعطاه الحياة بعد ذلك...؟
هل وُلد بدون الحياة؟ حتى الشياطين لن تتخيل هذا، لأنه غباوة عظيمة وشر!
فكما إن إعطاء الحياة يعني ميلاده الذي هو الحياة، هكذا إعطاء الدينونة هو إعطاء الميلاد له الذي هو الديان.
ولئلا عندما تسمعون إن الآب هو مصدره تحسبون وجود اختلاف في الجوهر أو نقص في الكرامة قال إنه سيأتي ويدينكم، مبرهنًا بذلك على مساواته. فإن من له السلطان أن يعاقب ويدين من يشاء، له ذات سلطان الآب.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* "لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن"[22]... عندما يدين الابن هل يبقى الآب بلا عمل ولا يدين...؟ قيل هذا لأنه لا يظهر للبشر في الدينونة سوى الابن. سيختفي الآب ويُعلن الابن.
كيف يُعلن الابن؟ في الشكل الذي به صعد. لأن شكل اللاهوت مخفي مع الآب، لكن يعلن شكل الابن للبشر...
بأية كيفية رأوه ذاهبًا؟ في الجسد الذي لمسوه، وامسكوه، والجراحات التي تحققوا منها باللمس؛ في هذا الجسد كان يظهر لهم أربعين يومًا، معلنًا عن ذاته بالحق، لا في خيالٍ أو بطلانٍ أو ظلٍ أو روحٍ، بل هو بنفسه لم يخدعهم: "جسّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون" (لو 24: 39). هذا الجسد بالحق صار متأهلًا للسكنى السماوية، لا يخضع للموت، ولا يتغير مع زوال الزمن.
القديس أغسطينوس