2
الديداكيّة أو الذيذاخي
أو
تعليم الرب للأمم بواسطة الاثني عشر رسولاً[47]
جاءت كلمة "ديداكيّة" أو "الذيذاخي" Didache عن الحروف اليونانيّة الأولى لعنوان عمل يسمى "تعليم الربللأمم بواسطة الاثنى عشر رسولاً". يُعتبر أهم وثيقة بعد كتابات الرسل، تكشف لنا عن الحياة الكنسيّة الأولى من كل الجوانب: السلوكي والليتورچي والتنظيمي. كما يقول Quasten: [بين أيدينا ملخّص لتوجيهات تعطينا صورة رائعة للحياة المسيحيّة في القرن الثاني. في الحقيقة نجد هنا أقدم نظام كنسي، نموذجًا قيِّمًا لكل التجمّعات القديمة الخاصة بالنظم والقوانين الرسوليّة؛ هذا النموذج هو بداية القانون الكنسي شرقًا وغربًا[48].]
ويرى[49]F. L. Cross أن هذا الدليل السلوكي التعليمي والنظام الكنسي هو أهم اكتشاف في حقل أدب الآباء في المائة سنة الأخيرة.
وقد خدمت الديداكيّة الكثير من الأعمال الليتورچيّة والكتابات الخاصة بالقوانين الرسوليّة الدسقوليّة السريانيّة Didascalia والتقليد الرسولي لهيبوليتس Apostolic Tradition والقوانين الرسوليّة Apostolic Constitutions.
كان لها أهميّة خاصة في العصور الأولى حتى حاول البعض ضمها إلى أسفار العهد الجديد، فانبرى الكتَّاب الأوّلون يوضحون عدم قانونيتها، مثل البابا أثناسيوس السكندري[50] والمؤرّخان يوسابيوس[51] وروفينوس[52].
وقد استخدم إكليمنضس السكندري[53]وإيريناؤس عبارتين يُشتم منهما معرفتهما بالديداكيّة، وأيضًا واضع كتاب[54]De Alatoribus المنسوب لكبريانوس.
على أي الأحوال لم يتعرّف الدارسون الغربيون على الديداكيّة حتى اكتشفها الميتروبوليت فيلوثيؤس برينيوس Philotheos Bryynnius مطران نيقوميديا[55]عام ١٨٧٥م ضمن المخطوط القسطنطيني لعام ١٠٥٦م (حاليًا في أورشليم)، وقام بنشرّها عام ١٨٨٣م، فأثار ذلك ضجة في الأوساط العلميّة، خاصة في ألمانيا وانجلترا وأمريكا[56]لم يحدث مثلها في أي اكتشاف أدبي سابق.
محتويانها
ليست الديداكيّة عملاً واحدًا قام أحد الكتاب بتأليفه، إنّما هو تجميع حاول جامعه أن يربط أجزاءه معًا فلم يستطع، فقدّم لنا ثلاثة أعمال مع خاتمة،
أو قل ثلاثة أقسام بخلاف الفصل الختامي:
القسم الأول: يمثّل الحياة العمليّة السلوكيّة فصل ١ – ٦.
القسم الثاني: الحياة الليتورچيّة والسرائريّة فصل ٧–١٠، ١٤.
القسم الثالث: الترتيبات الكنسيّة فصل ١١–١٥.
الخاتمة: عن بَرُّوسيّا الرب أو مجيئه الأخير فصل ١٦.
القسم الأول: الحياة العمليّة السلوكيّة
كنا نتوقّع من العنوان "تعليم الرب للأمم بواسطة الاثنى عشر رسولاً" أن تتحدّث الديداكيّة عن العقيدة المسيحيّة والمفاهيم اللاهوتيّة. لكن إذ يخبرنا القدّيس أثناسيوس الرسولي إنّها كانت تستخدم في تعليم الموعوظين قبل عمادهم، كان غايتها تذكير طالبي العماد – بعدما قبلوا الإيمان – أن يعلنوا إيمانهم بأعمالهم، كأنّها تضع لهم دستور الحياة الجديدة التي في المسيح يسوع: حقًا ان المسيحيّة ليست مجموعة أخلاقيات، لكنها إيمان عملي مُعاش، شهادة حيّة لعمل المسيح في حياة المؤمن عمليًا.
استخدمت الديداكيّة نظام "الطريقتين Two ways" يختار الإنسان طريق الحياة أو الموت. هذا الأسلوب استخدمه اليونان في المجامع الهيلينيّة، واستعارته الكنيسة ليتناسب مع طالبي الإيمان الذين من أصل هيليني، لكن بروح مسيحيّة، مستقاة من "الموعظة على الجبل"، وقد استخدمه اليهود أيضًا[57].
القسم الثاني: الحياة الليتورچيّة
كشفت لنا الديداكيّة عن بعض الطقوس والمفاهيم الكنسيّة للعبادة المسيحيّة:
المعموديّة: تتحدّث عن العماد بالتغطيس في ماءٍ جارِ، أي في الأنهار. كانت هذه العادة قائمة في عصر الرسل وما بعدهم مباشرة. وإذا لم يوجد ماء جارِ يتم العماد بالتغطيس في ماءٍ آخر، وعند الضرورة يمكن سكب الماء على المعمَّد ثلاث دفعات باسم الثالوث القدّوس.
ومن الاستعدادات اللازمة للسرّ أن يصوم طالب العماد وخادم السرّ ومن الغير ما استطاع – يومين أو يومًا قبل العماد. ولا تزال هذه العادة ساريّة في الكنيسة القبطيّة، إذ يصوم خادم السرّ والإشبين والمعمَّد اليوم الذي يتم فيه العماد.
الصوم والصلاة: لكي لا نشترك مع اليهود في أصوامهم – يومي الاثنين والخميس – نصوم يومي الأربعاء والجمعة، على أنّه يليق بنا ألاَّ نصوم أو نصلي برياء.
تأمر الديداكيّة المؤمنين أن يصلّوا الصلاة الربانيّة ثلاث مرّات يوميًا.
الإفخارستيا: سبق معالجة هذا الموضوع بشيء من التوسع في كتاب "المسيح في سرّ الإفخارستيا[58]". ووصلنا إلى أن الفصلين ٩-١٠ يصوّران ليتورچيّا الإفخارستيا للمعمَّدين حديثًا، والفصل ١٥ يتحدّث عن خدمة الإفخارستيا العاديّة التي تقام يوم الأحد[59].
الاعتراف: يمارس قبل الاجتماع في الكنيسة (الفصلان ٤،١٤)، كما يُلتزم به قبل التمتّع بشركة الأسرار المقدّسة (الإفخارستيا).
الكنسيّات: الكنيسة في مفهوم واضع الديداكيّة "جامعة"، تضم العالم كلّه، من كل شعب وجنس، ليس فقط الذين آمنوا بل والذين يؤمنون يومًا ما... وهو يطلب الصلاة لكي يجمعها الرب من الرياح الأربع. أما من جهة الرئاسة الكهنوتيّة فلا يشتم منها افتراض أسقفيّة واحدة رئاسيّة في العالم. كما ركّز على وحدة الكنيسة وقدسيّتها، رابطًا بين وحدتها ووحدة الخبز الإفخارستي.
القسم الثالث: الترتيبات والتنظيم الكنسي
تحدّث بشيء من الإطالة عن الإدارة الكنسيّة: الرسل والأنبياء والمعلّمون والأساقفة والشمامسة.
أثار هذا القسم مع القسم السابق الكثير من الجدل بين الدارسين:
يرى Connolly, Vokes أن ما ورد بالديداكيّة من ترتيبات كنسيّة هي من أصل ماني، إذ يعتمد على وجود أنبياء. غير أن هذا الرأي يصعب قبوله إذ لم يرد في الديداكيّة شيء عن ماني وأتباعه، ولا حملت العنف النُسكي الذي تميّزت به هذه البدعة، ولا عارضت الزواج الثاني والتوبة الثانية.
يرى Armitage Robinson أن الديداكيّة هي تجميع عن صورة الكنيسة الأولى مقتبس عن مصادر رسوليّة. وهذا الرأي أيضًا عليه اعتراضات منها أنّه لو كان هدف الجامع هكذا لما غفل الحديث عن الأسقفيّة والبتوليّة وظهور الاتجاه الغنوسي أو ما يضاده.
الرأي الراجح نادى به Streeter, Creed, Klauser, Kleist أن الكاتب مجرّد جامع، عكس الترتيبات الكنسيّة والتعاليم الليتورچيّة في الفترة التالية لعصر الرسل. ربّما قام بهذا العمل كاتب بالإسكندريّة حيث جمع بين مخطوطين قديمين وصلا بين يديه، أحدهما عن "الطريقين" مصري الفكر والآخر مجموعة من أحكام الحياة الكنسيّة في نهاية القرن الأول، وقد غيَّر فيهما، ثم وضع الخاتمة (فصل ١٦) من عنده، وهي لا تمت بصلة مع بقيّة الديداكيّة.
الخاتمة: بَرُّوسيّا الرب
حملت الديداكيّة ككل الاتجاه الإسخاتولوچي (الأخروي) بصورة واضحة، كغيرها من الكتابات التالية لعصر الرسل. إذ كان الكل يتوقّع سرعة مجيء الرب الأخير.
تظهر هذه السمة في الصلّوات الإفخارستيّة الواردة بالديداكيّة، كما خصص الفصل الأخير الختامي بأكمله عن بَرُّوسيّا الرب مع إشارة إلى علامات المنتهى، والتزامنا قبالته.
كاتب الرسالة وتاريخ كتابتها
رفض الدارسون ما افترضه Deuchesne أن العنوان يوحي بأن كاتبها أحد الرسل. فإن العنوان في جوهره لا يشير إلى ذلك، إنّما يقصد واضع الديداكيّة أن يقدّم بصورة واضحة مختصرًا لتعليم السيّد المسيح للأمم كما علمها الرسل.
وإلى اليوم لم يستطع الدارسون التعرّف على كاتبها، بل اختلفوا في تاريخ كتابتها. فمال الدارسون الإنجليز والأمريكان إلى تحديد كتابتها ما بين عامي ٨٠، ١٢٠م، وظن Hilgenfeld أنّها كتبت ما بين عامي ١٦٠، ١٩٠م، بينما حدّد Brynnius, Harnack تاريخها ما بين عامي ١٢٠، ١٦٠م.
على أي الأحوال رفض الدارسون ما مال إليه القدامى من نسبتها ما بين عامي ٧٠، ٩٠م، ومال الأغلبيّة إلى نسبتها بالشكل الحالي إلى المنتصف الأول من القرن الثاني أو بعد ذلك بقليل[60]دون أن ينكروا وجود بعض فقرات ترجع إلى سنة ٥٠– ٧٠م.
لا يمكن أن ترجع إلى عصر الرسل للأسباب التالية:
1. لا تحمل أي تلميح عن اليهوديّة – المشكلة الرئيسيّة في عصر الرسل. وإن كانت الفصول الستّة الأولى يهوديّة في طبيعتها، لكنها تحمل فكرًا إنجيليًا تقوم على تعليم السيّد المسيح[61].
2. تجميع مثل هذه القوانين الرسوليّة تعني شيئًا من الاستقرار الكنسي، أي بعد كرازة الرسل.
3. خلال التفاصيل الواردة بالديداكيّة يظهر أن عصر الرسل انتهى.
4. اعتمد كثيرًا على إنجيل متى فلا يكون قد جمعها قبل عام ٩٠م.
غير أن الديداكيّة تحمل شهادة داخليّة أنّها جمعت في عصر مقارب جدًا للرسل، نذكر منها:
أ. التعميد في ماءٍ جارِ، وذلك في عهد الرسل والقرن الثاني، كما أن الليتورچيّا الواردة في الفصول ٧–١٠ تشير إلى بساطة العبادة التي كانت في القرن الثاني.
ب. بساطة اللغة الزائدة، التي اتّسمت بها كتابات ما بعد الرسل مباشرة. كما أن لغتها تكشف عن التحوّل ما بين كتابات العهد الجديد والكتابات الكنسيّة.
ج. لا نجد بها آثارًا لنص قانون إيمان أو تقنين للعهد الجديد، ولا يزال الأنبياء يقدّسون الإفخارستيا، الأمور التي تكشف أنّها قبل نهاية القرن الثاني.
د. جاء وضعها في المخطوط ما بين الرسائل الإكلمنضيّة ورسائل أغناطيوس، ربّما أراد الناسخ أن يشير إلى تاريخها ما بين إكليمنضس الروماني وقبل أغناطيوس، خاصة وأن النظام الكنسي الوارد بها يكشف أنّه سابق لما ورد في رسائل أغناطيوس.
يرى البعض أن الكاتب يهودي متنصر، إذ يتحدّث عن بكور المحصولات وعن الأصوام اليهوديّة في يومي الاثنين والخميس، كما يحض على تلاوة الصلاة ثلاث مرّات يوميًا، وأنّه يعرف العهد القديم.
مكان الكتابة
رأى البعض أنّها سوريّة الأصل، وذلك بسبب علاقتها بالقوانين الرسوليّة Apostolic Constitutions السريانيّة الأصل. ونسبها البعض لفلسطين بسبب غياب تعاليم الرسول بولس. ونسبها آخرون إلى بلاد اليونان وآسيا الصغرى. إلاَّ أن كثيرين[62]رأوا أنّها مصريّة وذلك للأسباب:
1. تشابهها مع رسالة برناباس (١٠٠–١٣٠)، التي استخدمت أسلوب "الطريقين" في الرسالة (فصول ١٨–٣٠).
2. وورد أسلوب "الطريقين" في كتابات مصريّة أخرى مثل "النظام الكنسي الرسولي Apostolic Church Order" الذي عرف بالنظام الكنسي المصري[63]كما وردت في سيرة الأنبا شنودة (القرن الخامس).
3. من المحتمل، وليس من المؤكد، أن إكليمنضس الإسكندري عرف الديداكيّة[64].
4. أخذ الأسقف المصري سيرابيون (القرن الرابع) مقتطفات منها في صلواته الإفخارستيّة.
5. كلمات التمجيد الواردة في الصلاة الربانيّة وفي صلاة الإفخارستيا تقتصر على الكلمتين "القوّة" و"المجد" دون كلمة "الملك". وهذا التمجيد كان شائعًا في مصر أكثر من سواها.
الديداكيّة والكتابات الآبائيّة الأولى
رأينا ارتباط الديداكيّة برسالة برناباس في تعليم "الطريقين"، وقد جاءت الآراء المتضاربة: هل أخذت الديداكيّة عن برنابا أم العكس؟ غير أن الرأي السائد أن الاثنين أخذا هذا التعليم من مصدر مستقل شكَّله المسيحيّون بما يليق بالفكر المسيحي، كل واحد حسبما يرى[65].
حاول البعض ربط الديداكيّة بكتاب "الراعي" لهرماس، دون أن يصلّوا إلى نتيجة محدّدة، غير أن بعض العبارات جاءت متشابهة في النصّين، لكن لا يوجد إلاَّ عبارتين جاءتا حرفيّتين.
حملت القوانين الرسوليّةApostolic Constitutions (٧: ١–٣٢) أكثر من نصف ما ورد في الديداكيّة. غالبًا بذات الترتيب مع تشابه قوي في العبارات. أمّا العبارات التي لم ترد فعلى أغلب الأحوال كانت قد فقدت ارتباطها بالقرن الرابع[66].
النصوص التقليديّة[67]
1. جاء النص باليونانيّة كاملاً في المخطوط الذي اكتشفه Brynnuis كما وردت أجزاء منه باليونانيّة في:
أ. حُفظ شيء من الفصلين الأول والثاني على جزء من برديّة وُجدت في البهنسا Oxyrhynehos بمصر، وهي تعود إلى القرن الرابع[68].
ب. جاءت الفصول الستة الأولى ضمن رسالة برناباس.
ج. شمل الكتاب الثامن من القوانين الرسوليّة Apos. Cons. السوري في القرن الرابع أغلب النص اليوناني للديداكيّة.
2. النصّان اللاتينيان، أحدهما في مخطوط Melk من القرن التاسع/العاشر، يحوي أجزاء منها، ومخطوط ميونخ (Cod. Monac. Lat. 6264) من القرن الحادي عشر.
3. وُجد نص قبطي لبعض أجزاء منها. ترجمة القرن الخامس، على بردي بالمتحف البريطاني (٩٢٧)، ورد بالمخطوط صلوات على زيت المسحة، غالبًا ما كان يستخدم في سرّي العماد والمسحة (الميرون).
4. توجد مخطوطات بها متقطفات لترجمات سريانيّة وعربيّة وأثيوبيّة وچورچية[69].