اولاً:
الايمان والشفاء
تقديم
يسوع
في شفائه للمفلوج أبرز لنا عدم تذمره،وفي نفس الوقت علمنا أنه ساتر الخطايا، يظهر
ما للمفلوج من حسنات بينما ينتهره خفية.
والدرس
الثالث الذي يقدمه لنا،انه رغم عدم ايمانه لكنه لم يحرمه من الشفاء. فالله الخالق
يحب الكل ويعطي البركات الجسدية بلا حساب حتي للذين يسيئون اليه ” فانه يشرق
شمسه علي الأشرار والصالحين ويمطر علي الأبرار والظالمين “مت54: 5
لكنه
في الشفاء الروحي لا يهبه إلا للمؤمنين به كفادي ومخلص لنفوسهم.
شفاء
رغم عدم الايمان!!
دعنا
نتأمل السيد المسيح وهو يشفي المفلوج ” فدخل السفينة واجتاز الي مدينته واذا
مفلوج يقدمونه اليه مطروحاً علي فراش فلما رأي يسوع ايمانهم قال للمفلوج ثق يابني
مغفورة لك خطاياك ” مت 1: 9،2.
إنه
كان أقل إيماناً من قائد المئة، لكنه أكثر ايمانا من المفلوج الملقي بجوار البركة
لأن قائد المئة لم يدعو الطبيب لزيارته ولا جاء بالمريض اليه بل تلامس معه كإله
قائلاً ” قل كلمة فيبرأ غلامي ” لو 7: 7.
هؤلاء
الرجال (حاملوا المفلوج) لم يدعوا الطبيب (لزيارة المريض) في البيت وكانوا أبعد ما
يكون عن أن يتساووا مع قائد المءة اذ احضروا المريض الي الطبيب ولم يقولوا ”
قل كلمة فقط “.
غير
أن هؤلاء كانوا أكثر إيماناً من المريض الملقي عند البركة لأن هذا قال ” يا
سيد ليس انسان يلقيني في البركة متي تحرك الماء “يو6: 5. أما هؤلاء الرجال
فعرفوا السيد المسيحانه ليس بمحتاج الي ماء أو بركة أو شيء من هذا القبيل.
وقد
شفي يسوع غلام قائد المئة من مرضه،وكذلك الإثنين الأخرين،ولم يقل لأحدهما
“لأنك قدمت درجة قليلة من الإيمان يكون شفاؤك قليلاً “إنما صرف الرجل
الذي أعلن ايماناً عظيماً بمديح وكرامة.. أما الذي أظهر إيماناً أقل فلم يمدحه لم
يحرمه من الشفاء. لا بل حتي لم يظهر إيماناً بالمرة شفاه!!
وكما
أن الاطباء عندما يعالجون نفس المرض،يأخذون من شخص مئة قطعة من الذهب،ومن اخرين
نصف المبلغ، واخرين لا ياخذون منهم شيئاً بالمرة. هكذا ايضاً المسيح أخذ من قائد
المئة ايماناً عظيماً لاينطق به (لو9: 7) والثاني ايمان أقل والثالث لم يأخذ منه
حتي الإيمان العادي.. لكنه شفي الجميع
لماذا
وهب الشفاء لمن يقدم ايماناً بالمرة؟ لأن فشله في اظهار الإيمان،لم يكن عن كسل أو
عدم احساس في الروح، انما عن جهله بالمسيح وعدم سماعه قط عن أي معجزة صنعها،لاكبيرة
ولاصغيرة.
لهذا
السبب نال هذا الرجل ترفقاً. وقد أشار الإنجيلي عن ذلك بطريقة غامضة بقوله
“فلم يكن يعلم من هو” يو 13: 5. انما عرفه فقط.. عندما أضاء عليه في
المرة الثانية.
ثانياً:
يسوع يريد ايمانك انت
يقول
البعض بان هذا الرجل قد شفي لمجرد ايمان الحاملين له ولكن هذه ليس الحقيقة لأن
القول ” فلما رأي يسوع ايمانهم ” مت 2: 9 لا يشير الي ايمانهم وحده بل
وايمان الذين كانوا يحملونه لماذا؟
تقول:
ألم يشفي أحد لاجل ايمان أخر؟
في
رأيي ما أظن هذا إلا في حالة عدم نضج السن (القاصر) أو الضعف الشديد لدرجة عدم
القدرة علي الايمان.
تقول
كيف هذا فإنه في حالة المرأة الكنعانية،الأم أمنت والبنة شفيت،وفي حالة غلام قائد
المئة أمن القائد أن يسوع قادر أن يقيم الغلام من فراش المرض وقد تم ذلك.. ذلك لأن
المريضين في الحالتين كانا عاجزين عن أن يؤمنا.
أما
في الحالة التي أمامنا فلا نقدر أن نقول هذا،لأن المفلوج أمن. كيف يظهر هذا؟من
طريقة إقترابه للسيد المسيح فلا تصغي بلا اهتمام الي العبارة القائلة انهم دلوه من
السقف بل تأمل كيف أن مريضاً يمكن أن يكون له الثبات علي مكابدة إنزاله مدلياً من
السقف. أنت تعلم أن المرضي قلوبهم واهية حتي أنهم غلباً ما يرفضون المعاملة التي
يلاقونها وهم علي أسرة مرضهم غير راغبين في إحتمال ألام العلاج مفضلين احتمال الام
المرض عنها. أما هذا الرجل فكان له من العزم أن يخرج من المنزل ويحمل وسط السوق
ويصير منظراً وسط الجماهير. مع أن عادة المرضي أنهم يفضلون الموت عن أن تنفضح
مصائبهم الخاصة.
هذا
المريض لم يفعل هذا فحسب،بل وعندما رأي أن مكان الاجتماع مزدحم والمقربين متكتلين،وميناء
الأمان معاق،خضع للتدلية من السقف.
لم
يقل لأصدقائه: مامعني هذا؟لماذا هذا الإزعاج؟ لماذا هذا التعجل؟لننتظر حتي يفرغ
البيت وينفض الإجتماع وتنصرف الجموع. فنقترب اله علي إنفراد متداولين في هذه الأمور.
لماذا تعرضون مصائبي وسط كل المشاهدين وتدلونني من قمة السقف سالكين طريقاً شاذاً؟
لم
ينطق هذا الرجل بشيء من هذا في فكره ولا علي لسانه لحامليه،بل نظر علي كرامة في أن
يشهد كثيرون شفاءه.
ونحن
نتفطن الي ايمانه لا من هذا فحسب،بل ومن كلمات السيد المسيح ايضاً. لأنه بعدما
ألقوا به وقدموه للسيد،قال له ” ثق يابني مغفورة لك خطاياك ” وعندما سمع
هذه الكلمه لم يغتظ ولا تذمر،ولاقال للطبيب ” ماذا تقصد بهذه الكلمات؟إنني
أتيت لتشفيني من شيء وها أنت تشفيني من شيء أخر هذا عذر وإدعاء واخفاء للعجز. هل
تغفر الخطايا لأنها غير منظورة؟”
انه
لم يفكر في هذا ولانطق به، بل انتظر تاركاً للطبيب أن يتبني طريقة الشفاء التي
يريدها.
لهذا
السبب ايضاً لم يذهب السيد المسيح اليه بل انتظره حتي يأتي اليه،لكي يعلن ايمانه
أمام الجميع. لأنه ألم يكن في قدرة يسوع أن يسهل له طريق الدخول اليه؟ لكنه لم
يفعل شيئاً من هذا حتي يعلن غيرة هذا الرجل وإتقاد ايمانه أمام الجميع.
فكما
ذهب السيد المسيح الي الرجل الذي كان يعاني من المرض ثمانية وثلاثين عاماً اذ ليس
له إنسان يعينه،هكذا انتظر هذا المريض أن يأتي اليه،لأن له اصدقاء كثيرون حتي يعلن
ايمانه.
وهكذا
يعلمنا عن وحدة الرجل الأخر (المخلع) بذهابه هو اليه كاشفاً صبره واحتماله،ويكشف
عن غيره الأخر أمام الجميع خاصة بالنسبة للذين كانوا حاضرين.
ثالثاً:
شفاء الروح أولاً!!
اعتاد
بعض اليهود الحاقدين أن يحسدوا أقرباءهم علي البركات التي تُوهب لهم. محاولين
إيجاد خطأ يوجهونه ضد السيد المسيح في صنعه للمعجزات. فأحيانًا من جهة الزمن (أنه
كاسر للسبت) وأحيانًا من جهة سلوك من تصنع معهم المعجزة. لو كان هذا نبياً لعلم من
هذه المرأة التي لمسته وما هي (إنها خاطئة)” (لو 39: 7)، غير عارفين أن هذه
هي علامة الطبيب أنه يضم الضعفاء ويراعي المرضي دون أن يجتنبهم أو يهرب منهم. وهذا
ما عبَّر عنه بقوله للمتذمرين: “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي”
(مت 12: 9).
فلكي
يصدهم عن توجيه الاتهامات ضده مرة أخري أكد قبل كل شيء أن الذين يأتون إليه ينالون
الشفاء بالايمان،فاعلن انعزال الأول (أي له عذره في عدم ايمانه)وكشف اتقاد ايمان
الثاني وغيرته. كذلك شفي الأول في السبت والثاني في غير السبت حتي إذا ما اتهموه
في الرة الثانية تنكشف نيتهم انهم لم يتهموه (ككاسر للسبت) من أجل احترامهم لفظ
الشريعة بل لأنهم لم قدروا أن يضبطوا خبثهم.
ولكن
لماذا لم يقدم للمفلوج الشفاء بل قال له ” ثق يا بني مغفورة لك خطاياك ”
مت 2: 9.
لقد
صنع هذا بحكمة،لأن هذه عادة الأطباء أن ينزعوا أصل المرض قبل أن ينزعوا
(أعراض)المرض ذاته. فكمثال عندما تكون العين موعوكة بسبب مرض مفسد،فان الطبيب قد
لا يصنع بالنظر شيئاً بل يهتم بالرأس الذي عن طريقة أصل الضعف. هذا ما صنعه يسوع،أذ
أزال اولأ مصدر الشيء لأن الخطية هي أصل كل الشرور ومصدرها،هذه التي (قد) تتعب
أجسادنا. لهذا قال له ” ثق يابني مغفورة لك جطاياك ” وفي موضوع أخر قال
” ها قد برأت فلا تخطيء ايضاً لئلا يكون لك أشر ” موعزاً الينا أن هذه الأمراض
ينبوعها الخطية..
وقد
أكد بولس هذا عندما وبخ اهل كورنثوس عن خطية معينه قائلاً ” من أجل هذا فيكم
كثيرون ضعفاء ومرضي ” 1كو30: 11.
لهذا
أزال السيد المسيح سبب الشر وقال ” ثق يابني مغفورة لك خطاياك “. لقد
رفع الروح وأقام النفس المطروحة،لأن قوله هذا كان كافياً.. فلا شيء يخلق السرور
ويعيد الثقة قدر التحرر من العذاب الداخلي (الناجم عن الخطية)، وحيثما توجد مغفرة
للخطية توجد البنوة،لذلك لا نقدر أن ندعو الله الأب إلا بعدما تزال خطايانا في
بركة الماء المقدس (المعمودية).. فنقول “ابانا الذي في السموات ”