ثانيًا: البركة واللعنة في ضوء سفر التثنية
* البركات
بدراسة الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التثنية نجد أن البركة تثمر بالزيادة والكثرة والراحة والسلام. وقد تؤثر البركة على الصحة والعمل والأولاد والعمر والنصرة على الأعداء، وتشمل البركة أيضًا الأمور الروحية فتهب الإنسان رضا الله، وتجعله ضمن شعب الله وبالإجمال هي تشمل جميع نواحي حياة من يرضى عنه الله، كقول الكتاب: "وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ الْبَرَكَاتِ وَتُدْرِكُكَ، إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ" (تث28: 1- 2).
اللعنات
يشرح سفر التثنية كيف تصيب اللعنات صحة الإنسان وحالته النفسية والمادية والروحية، وبالإجمال قد تصيب اللعنة جميع نواحي حياة الأشرار كقول الكتاب: "وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتَتَّبِعُكَ وَتُدْرِكُكَ حَتَّى تَهْلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا" (تث28: 45).
* البركة واللعنة قانون سماوي واحد لا يتجزأ
البركة واللعنة وجهان لقانون إلهي واحد وهما مكملان بعضهما بعض. لقد وضع الله أمام الإنسان البركة واللعنة على السواء، وعلى الإنسان أن يختار البركة، أو أن يجلب لنفسه اللعنة كقول الكتاب: "اُنْظُرْ. أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: الْبَرَكَةُ إِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ. وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْ تَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَزُغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا" (تث11: 26- 28).
* مقاصد الله من مباركة الإنسان أو لعنه
الله لا يشاء هلاك إنسان، ولكنه يشتاق إلى خلاص الجميع، ولهذا فهو يسند طالبيه وخائفيه ببركاته ونِعَمِه، وأيضًا يؤدب معانديه بما يصيبهم من لعنات؛ علهم يفيقون قبل فوات الأوان. لقد أمر معلمنا بولس الرسول بحرمان خاطئ كورنثوس من بركات شركة الكنيسة المقدسة، لعله يفيق من شره قبل فوات الأوان فيخلص؛ وبالفعل بعث الرسول العظيم في رسالته الثانية لأهل كورنثوس طالبًا قبوله في شركة الكنيسة بعدما تاب كقول الكتاب: "مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ، حَتَّى تَكُونُوا * بِالْعَكْسِ * تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ" (2كو2: 6- 7).
إن البركات أو اللعنات على كثرة أنواعها سواء أصابت ممتلكات الإنسان أو صحته أو أي أمر أخر يخصه هي أولًا وآخرًا عمل إلهي موجه من إله السماء نحو الإنسان بقصد خلاصه، كقول الكتاب عن الذل والاستعباد الذي حل بشعب إسرائيل في السبي البابلي: "لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إِنِّي عِنْدَ تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً لِبَابِلَ، أَتَعَهَّدُكُمْ وَأُقِيمُ لَكُمْ كَلاَمِي الصَّالِحَ، بِرَدِّكُمْ إِلَى هذَا الْمَوْضِعِ. لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً" (إر29: 10- 11).
â†گ اقرأ هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت كتب أخرى لنفس المؤلف.
ثالثًا: الله الديان العادل الذي يخرج من فمه السيف ذو الحدين
لقد فسر البعض السيف ذو الحدين الخارج من فم الله، والذي كتب عنه سفر الرؤيا بالبركات واللعنات التي تخرج من فم الله كديان عادل، وقد شُبِهت بالسيف لأنها لا بُد أن تتم كما خرجت من فم الله. إن لعنات الله التي تقع على الأشرار هي نوع من دينونة الله، وهي تُعَبر عن عدم رضاه على الأشرار، لأنه من غير المعقول أن يتساوى الأشرار مع الأبرار عند الله كقول الكتاب: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ" (رو1: 18).
وقد فسر معلمنا بولس الرسول سبب اللعنات التي حلت بشعب إسرائيل في ضوء معاملات الله القدوس والديان العادل قائلًا: "فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فعلي الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ. وَهُمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَدَمِ الإِيمَانِ سَيُطَعَّمُونَ. لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطَعِّمَهُمْ أَيْضًا" (رو11: 22-23)
فيما يلي نشرح ذلك في النقاط التالية:
* الله له حق الانتقام (اللعنة) من الأشرار في الأرض وفي السماء
أوصانا الرب يسوع بمباركة من حولنا حتى ولو كانوا أعداء لنا، ولكن ذلك لا يعني أن الله يبارك فقط، ولا يلعن، لأنه كيف يكون الله ديانًا وليس له الحق في مجازاة الأشرار؟! لقد نهانا الرب عن الانتقام لأنفسنا، لكنه يحتفظ لنفسه بحق مجازاة الأشرار كديان كقول الرب: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 19).
* أمثلة للعنات إلهية موجهة من الله للأشرار
1) "فَدَنَّسْتُ رُؤَسَاءَ الْقُدْسِ، وَدَفَعْتُ يَعْقُوبَ إِلَى اللَّعْنِ، وَإِسْرَائِيلَ إِلَى الشَّتَائِمِ" (إش43: 28).
2) "وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتَتَّبِعُكَ وَتُدْرِكُكَ حَتَّى تَهْلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا" (تث28: 45).
3) "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ، جَمِيعَ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي السِّفْرِ الَّذِي قَرَأُوهُ أَمَامَ مَلِكِ يَهُوذَا" (2أخ34؛ 24).
رابعًا: علاقة الوصية الإلهية بالبركة واللعنة
* البركة واللعنة مشروطة
حفظ وصايا الله والسلوك بمقتضى شريعته هي أساس كل بركة ينالها الإنسان من قبل الله، ومخالفة شريعته هي أيضًا أساس كل لعنة تصيب الإنسان كقول الكتاب: "وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَعَدَّى عَلَى شَرِيعَتِكَ، وَحَادُوا لِئَلاَّ يَسْمَعُوا صَوْتَكَ، فَسَكَبْتَ عَلَيْنَا اللَّعْنَةَ وَالْحَلْفَ الْمَكْتُوبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْهِ" (دا9: 11).
* هل تتحول البركات إلى لعنات؟!
إن الله يريد أن يبارك، ولكن عدم الطاعة وعصيان الله تُحَول البركات إلى لعنات كقول الكتاب: "إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَجْعَلُونَ فِي الْقَلْبِ لِتُعْطُوا مَجْدًا لاسْمِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَأَلْعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ" (مل2: 2).
* بلعام النبي الشرير يبارك شعب الله، بدلًا من أن يلعنه
اشتهى بلعام النبي الشرير أن يلعن شعب إسرائيل طمعًا في أموال بالاق ملك موآب، ولكنه نطق بالبركة بأمر الله مبررًا ذلك بقوله: "إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أُبَارِكَ. فَإِنَّهُ قَدْ بَارَكَ فَلاَ أَرُدُّهُ" (عد23: 20). لقد أوضح بلعام أن سبب أمر الله له بمباركة شعبه هو حفظهم لشريعة الله ووصاياه قائلًا: "لَمْ يُبْصِرْ إِثْمًا فِي يَعْقُوبَ، وَلاَ رَأَى تَعَبًا فِي إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ، وَهُتَافُ مَلِكٍ فِيهِ" (عد23: 21).
* بالغواية وكسر الوصايا لعن الشعب الذي سبق وباركه الله
تآمر بلعام الشرير بمكر، وأشار على بالاق بغواية رجال إسرائيل، ونجح الشرير في غوايته، وتعدى رجال إسرائيل على وصايا الله، وسقطوا في خطية الزنا وعبادة آلهة الوثنيين، وذلك بغواية بنات موآب، وهكذا غضب الله على شعبه، وأرسل عليهم لعنة الوباء، كقول الكتاب: "وَكَانَ الَّذِينَ مَاتُوا بِالْوَبَاء أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا" (عد25: 9).
* هبات الله بلا ندامة، ولكن...
لا ينكث الله بمواعيده أو عهوده كقول الكتاب: "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ" (رو11: 29). ولكن الإنسان هو الذي ينكث بعهوده فيخسر البركات، ويجلب لنفسه اللعنات. لقد تأسف الوحي الإلهي على الإنسان الذي ينكث عهوده مع الله قائلًا: "لَيْتَكَ أَصْغَيْتَ لِوَصَايَايَ، فَكَانَ كَنَهْرٍ سَلاَمُكَ وَبِرُّكَ كَلُجَجِ الْبَحْرِ" (إش48: 18).
الاستنتاج
إن إلهنا هو إله البركات الذي يعطي بسخاء، ولا يعير الذي قيل عنه: "الَّذِي يُشْبعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ" (مز103: 5). لقد بارك الله أبوينا الأولين آدم وحواء قبلما يفعلا خيرًا أو شرًا، ذلك لأنه يريد أن يبارك على الدوام، ولكن الإنسان الذي لا يُسر بالبركة يجلب لنفسه اللعنة التي أحبها كقول الكتاب: "وَأَحَبَّ اللَّعْنَةَ فَأَتَتْهُ، وَلَمْ يُسَرَّ بِالْبَرَكَةِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ" (مز109: 17).