ج ـ على "ديدات" أن يذكر لنا متى رأى يسوع المسيح من قبل متنكرًا؟ أنه لم يتنكّر قط لا في ثياب بستاني ولا في غيره إنما كان دائمًا في منتهى القوة.. ألم يُعلّم تلاميذه أن لا يخافوا من الذين يقتلون الجسد (مت 10: 28)؟.. ألم يطرد التجّار من الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام (مت 21: 12، 13)؟.. ألم يتحدى الكتبة والفريسيين وبكّتهم على أفعالهم وصبَّ عليهم الويلات؟ (مت 23: 13 ـ 15).. ألم يقف كالصخر الذي لا يلين أمام بيلاطس أثناء المحاكمة؟.. لم يكن السيد المسيح متنكرًا في زي بستاني ولكن مريم المجدلية ظنته هكذا لأن الوقت كان مبكرًا، والمكان الذي فيه القبر عبارة عن بستان، فمن المستبعد أن يوجد في هذا المكان وفي ذلك الوقت غير البستاني، ولعل الدموع التي كانت تفيض في عينيها مثلت عائقًا في التأكد من شخصية السيد المسيح.
د ـ لو كان السيد المسيح لم يمت ونجح في الخروج من القبر بطريقة لم يذكرها "ديدات"، فهل يُعقَل أنه يظل واقفًا في مكمن الخطر منتظرًا المجدلية أو غيرها؟ أم أنه يفلت بحياته ويهرب بعيدًا بعيدًا؟ وهل مثل هذه الظروف وهو يهرب من الموت تسمح له بالتنكُّر والتمثيل الذي كان يقوده إلى الضحك؟! حقًا ما أعجب هذه التهيؤات الديداتية؟!
هـ ـ كالعادة يورد السيد "ديدات" النص الإنجيلي (عب 9: 27) مبتورًا، ويقول الأستاذ "ناجي ونيس": "أمّا الأمر الثاني فهو ليس بغريب عليك أن تأتي بأنصاف النصوص الإنجيلية، وكثيرًا ما تكون النصوص الإنجيلية التي تطمسها في نفس الأصحاح الذي تأخذ منه، أمَّا هنا فأكثر من ذلك لأنك طمست الجزء الثاني من النص الذي أخذت منه كلامك، يا للعار يا سيد "ديدات"! وإليك الآن النص الذي سيضايقك ويفحمك وسوف أبدأ بما كتبته أنت وانتهى بما سرقته "وكما وُضِعَ للناس أن يَموتوا مرَّةً ثم بعد ذلك الدَّينونة، هكذا المسيح أيضًا، بعدما قُدِّم مرة لكي يَحْمِل خطايا كثيرين، سيَظْهَر ثانيةً بلا خطيَّة للخلاص للذين ينتَظِرونه" (عب 9: 27، 28) فإن هذا النص كُتِب خصيصًا للسيد المسيح إلاَّ أنك أخذت الجزء الأول وتركت الجزء الثاني الذي يشرحه، ألاَّ تخجل الآن عندما تقرأ هذه الكلمات؟ فإنها توضّح أسلوبك الرخيص المفضوح، وتوضّح أيضًا إيماننا بأن السيد المسيح مات فعلًا ولن يموت مرة أخرى، فلترى لك يا سيد "ديدات" لعبة أخرى، فلقد حققت فشلًا ذريعًا وتناقضًا مدهشًا"(275).
و ـ وتتفلسف يا "ديدات" وتقول أن قول مريم المجدلية: "حملته" لا تعني أنه ميت بل أنه حي!!.. وعندما تقول له: "قُل لي أين وضَعْتَهُ وأنا آخُذُه" (يو 20: 15) فأنها لا تشير إلى إنسان ميت، ولو كانت تقصد إنسان حي لقالت "أرشدني إلى مكانه وأنا أذهب إليه"، وبلا شك بأن الجميع حتى الأطفال الصغار يعلمون أن ألفاظ "حملتـه" و"وضعته" لا يمكن أن نطلقها على إنسان حي قادر على الحركة. إنما تُطلق على طفل رضيع، أو إنسان مشلول غير قادر على الحركة، أو على إنسان ميت.
يا سيد "ديدات" لم تكن مريم تتكلَّم الإنجليزية حتى تقول أنها استخدمت الضمير him ولم تستخدم it إنما كانت تتحدّث الآرامية، والإنجيل كُتِب باللغة اليونانية، وفي اليونانية الفعل "وضع" يستخدم للعاقل وغير العاقل، ولهذا قال السيد المسيح عن نفسه: "أنا أضَعُ نفسي عن الخِراف.. لأني أضَعُ نفسي لآخُذَها أيضًا.. أضعها أنا من ذاتِي. لي سُلْطَان أن أضَعَهَا ولي سلطان أن آخُذَها أيضًا" (يو 10: 15 ـ 18) ونفس الفعل اُستخدم لغير العاقل فقال الإنجيل عن السراج: "لا يوقِدون سِراجًا ويضَعُونه تحت المكيال" (مت 5: 15) وقال رئيس المتكأ عن الخمر: "كل إنسان إنّمَا يَضَع الخَمْر الجَيِّدة أولًا" (يو 2: 10).
ويقول الشماس الإكليريكي "ناجي ونيس": "أما استخدام Him بدلًا من It في الإنجليزية فأنت تعرف أن الإنجيل المقدَّس كُتب باليونانية، أما عن الترجمة الإنجليزية فأنت تعرف أننا نؤمن بأن السيد المسيح هو اللَّه الظاهر في الجسد، فهذا الجسد الذي أخذه اللاهوت ليتمم من خلاله فداء الإنسان لا يمكن أن يُستخدم معه أسلوب غير العاقل It بل العاقل Him خاصة وأن اللاهوت لم يفارق هذا الجسد أثناء انفصال الروح البشرية عنه، وكذلك معرفة الوحي بأن الروح البشرية سوف تعود في اليوم الثالث وتتحد بهذا الجسد وتعود للحياة، ولكل هذا استخدمت الترجمـة الإنجليزيـة الضميـر الصحيـح Him احترامًا للجسد المتحد اللاهوت به"(276).
ز ـ عندما قالت مريم: "قل لي أين وضعته وأنا آخذه" لم تفكّر في ثقل الجسد مع الأكفان والأطياب. أنها تتحدَّث حديث المشاعر الذي لا يدركه الجاحدون.
ح ـ بينما يدّعي "ديدات" أن السيد المسيح منع مريم المجدلية أن تلمسه لأن جراحاته لا تتحمّل اللمس، فإنه عاد وقال في الصفحة التالية أنه سار مسافة خمسة أميال "وفي نفس ذلك اليوم في الطريق إلى بلدة عمواس، يرافق يسوع اثنين من تلاميذه، ويتسامَر معهما لمسافة خمسة أميال دون أن يتعرّفا عليه" (ص 104) فأيهما أيسر أن يترك الإنسان المجروح إنسانًا يلمسه أم أن يسير مسافة خمسة أميال بأقدام قد اخترقتها المسامير؟! وخلال هذه المسافة لا يظهر عليه أي نوع من الإعياء أو الإنهاك إنما كان في منتهى النشاط والحيوية يساير تلاميذه ويحدّثهم وهما لم يلاحظا قط أي أثر للإعياء!!
وبينما يدّعي "ديدات" أن يدي السيد المسيح لم تُسمَّر بالمسامير وقال: "على العكس من العقيدة السائدة، لم يُسمَّر يسوع إلى الصليب مثل رفيقيه بل رُبِط إليه" (ص 68) فإنه يقول هنا أن السيد المسيح لم يكن يتحمّل لمسة مريم المجدلية، ومن المعروف أن السلام يكون باليد، فإن كانت يد المسيح خالية من الجروح فلماذا خشى لمسة وسلام مريم؟! أليس هذا ما فهمه المترجم "علي الجوهري" عندما دوّن ملاحظته في حاشية الكتاب قائلًا: "تصوَّر حالة شخص مجروح اليد مثلًا يصافحه شخص بحماس وهو لا يعرف أن يده مجروحة، أو كم هو مريض أو مجروح" (ص 102).
ولم يكن قصد السيد المسيح من عبارة "لا تلمسيني" درء خطر وألم اللمس عن جسده المجروح، لأنه قام بالجسد الممجد البعيد عن الألم، والدليل القاطع على هذا أنه سمح لها في المرة الأولى وكانت معها مريم الأخرى أن يلمساه: "وفيما هُما منطلِقَتان لتُخبِرا تلاميذه إذ يسوع لاقاهُما وقال: سلامٌ لكُما. فتقدَّمتا وأمسَكَتا بقدَمَيه وسجَدتا له" (يو 28: 9) وفي مساء نفس اليوم قال لتلاميذه: "ما بالُكُم مُضطَربينَ، ولماذا تخطُر أفكَار في قُلُوبِكم؟ اُنظروا يدَيَّ ورجلَيَّ: إني أنا هو! جسُّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لَحْمٌ وعِظَام كما تَرَون لي. وحين قال هذا أراهم يدَيْهِ ورجلَيه" (لو 24: 38 ـ 40) وفي الأحد التالي دعا توما للمسه (يو 20: 27).
أنه قال لمريم: "لا تلمسيني" ليرفع نظرها من المستوى الجسدي إلى المستوى الروحي لأنه "إن كُنَّا قد عَرَفنا المسيح حَسَب الجَسَدِ. لكن الآن لا نعرفُهُ بعد" (2كو 5: 16) وليس هناك مجالًا لهذه العواطف بينما تنتظرها خدمة أفضل وعاجلة وهي توصيل البشارة بالقيامة للتلاميذ الحزانى.
ويقول قداسة البابا شنوده الثالث: "إن مريم المجدلية استسلمت للشكوك التي كانت قد نشرها رؤساء الكهنة حول القيامة. كانوا قد ملأوا الدنيا إشاعات أن الجسد قد سُرق من القبر، بينما كان الحُرّاس نيامًا. وكان من الممكن أن هذه الشائعات لا تترك تأثيرها مطلقًا في نفس مريم، لولا أنها رأت الرسل أنفسهم لم يصدّقوا القيامة.. فلمّا رأت المجدلية أن رسل المسيح لم يصدّقوها، ولم يصدقوا باقي النسوة، ولا تلميذي عمواس، بدأت تشك هي الأخرى.. إنها فتاة صغيرة، ربما ظنت ما رأته عند القبر حلمًا أو خيالًا. أهي أقوى إيمانًا من الرسل؟! هذا غير معقول. وفكّرت ربما يكون البعض قد سرقوا الجسد ونقلوه من موضعه! ليس الرسل وإنما آخرون، ربما البستاني مثلًا قد أخذه لسبب ما.
وطبعًا كل هذه شكوك ضد الإيمان لأنها رأت بنفسها القبر الفارغ، ورأت المسيح ولمسته وسمعت صوته، وسمعت بشارة الملاك ثم الملاكين..