الحقيقة الثانية: هذه الحياة الداخلية لكي لا تتعرض للضعف أو التصدع من جراء الصراعات والتيارات المضادة يجب غلق الحواس التي هي مداخل المعرفة عن كل ما يعثر الإنسان من كلمات وتصرفات ومظاهر سلوكية خادعة من أهل العالم، والانتباه إلى عدم تسرب أي اتجاهات أو عوامل غريبة من الخارج تؤثر فيه أو تغير مبادئه أو قيمه. ويقتضي هذا أخذ الحذر من مناقشات المغرضين ومن أساليب معاملاتهم التي يبغون من ورائها تحويل الفكر والقلب. فوق ذلك يحتاج الأمر إلى إماتة الحواس ذاتها من الداخل أي إماتة ميولها الحسية الجسدانية بالإرادة القوية، تلك الإرادة التي تكون ثمرة شركة آلام صليب المسيح كما نطلب في صلاة الساعة التاسعة "أمت حواسنا الجسمانية أيها المسيح إلهنا".
وغلق مداخل المعرفة عما يعثر، وإماتة الحواس عن الشهوات ليس عملًا عدوانيًا على الذات، لكنه عمل روحي لمن يحيا حياة التوبة ونقاوة القلب. ثم إنه عمل ملحّ وضروري خصوصًا في ظروف تشتد فيها الحرب المضادة للإيمان وحملات التشكيك في صليب المسيح من جهة، وانتشار العثرات ومشجعات الانحراف من جهة أخرى، بل هو فوق ذلك عمل يساير روح الإنجيل وأقواله المقدسة.
فمن جهة غلق مداخل المعرفة قال المسيح له المجد "إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا" (مت24: 23-26، مر13: 21-23) ومعلمنا بولس الرسول ينصح تلميذه تيموثاوس بالثبات على ما قد تعلمه قائلًا له "وأما أنت فاثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفًا ممن تعلمت" (2تي3: 14)، ويقول يوحنا الحبيب "إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم (تعليم المسيح) فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة" (2يو9-11).
ومن جهة إماتة الحواس يقول المسيح له المجد "إن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم" (مت5: 29-30) ويقول بولس الرسول "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض" (كو3: 5).
بل إن غلق العينين والأذنين عما يجاهد العالم في إقناعنا به ضد ما هو في أرواحنا، وكذلك الموت عن الذات وميول الجسد الطبيعية، كلاهما عمل يشير إلى ثبات الإيمان والحياة المختبرة المتلامسة مع المسيح، حياة الإيمان المبنية على الصخر.
الحقيقة الثالثة: إن المسيحي الحقيقي يجب أن يتخطى الموقف السلبي من مجرد مقاومة التأثر من الخارج عن طريق تتميم العزلة بالجهاد الداخلي بهدف تأمين الذات وتحصينها ضد قوى الشر الخارجية، ويتعداه إلى الموقف الإيجابي الذي يمتد إلى الشعور بمسئولية التأثير في الأشخاص الآخرين المحيطين به ولا يتأثر هو بهم، يستوعبهم ولا يستوعبونه، يستغرقهم ولا يستغرقونه هم في دائرتهم الفكرية أو السلوكية.
وهذا ليس أمرًا صعبًا على المسيحي الحقيقي لأن نور وحرارة المحبة المنبعثين من وصايا إنجيله، وقوة الروح التي تملأ قلبه وفكره، والمتمثلة عمليًا في سلوكه، كلها قادرة بنعمة الله على تبديد ظلمة جهالة العالم وتحطيم جمود الوثنية والمادية وعلى تغيير النفوس من حال الظلمة تلك إلى النقاء والطهر والوداعة والمحبة. فحرارة الوصية وقوة الإيمان والامتلاء بالروح هي القوى الإلهية الساكنة فينا، ويمكن أن تعمل بكل مداها كلما هممنا بتنشيطها وإلهابها فينا دائما بالصوم والصلاة والتأمل وشركة ذبيحة المسيح ومداومة الاطلاع في كلمة الله فلا تستطيع مياه غزيرة أن تطفئها، ويضحى عملها وتأثيرها قويًا غير منقطع. ويذكر لنا سفر الأعمال أن أبولس الإسكندري الجنس كان رجلا مقتدرًا في الكتب خبيرًا في طريق الرب، وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب، وساعد كثيرًا بالنعمة الذين كانوا قد آمنوا لأنه كان باشتداد يفحم اليهود جهرًا مبينًا بالكتب أن يسوع هو المسيح (أع18: 24-28).
كما يحكي لنا تاريخ الكنيسة الأولى أنه إذا كان قد لوحظ على أحد الوثنيين تحسن في سلوكه أو معاملاته فإنهم كانوا يبادرونه بالقول "هل قابلت مسيحيًا اليوم" أي أن مجرد مقابلة المسيحي كانت كافية للتأثير العجيب على الإنسان الوثني لكي تغيره وتطوعه وتجدد حياته وتضمه إلى المسيح. لذلك كانت الكنيسة الأولى تنمو كل يوم وتزداد كما يذكر الكتاب " وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع2: 47).