ثانيًا - من الناحية الأُسرية:
الأضرار التي تلحق بالمقترنين بالغرباء وبأبنائهم:
ويمضي أبناؤنا وبناتنا في غيهم وشرودهم متغافلين عن الأضرار والنتائج النفسية السيئة التي ستلحق بهم وبأبنائهم وبناتهم الذين سينجبونهم، نتيجة اختلاف ديانتهم عن ديانة من يقترنون بهم. هذه الأضرار والنتائج التي تنبه إليها أصحاب العقول المستنيرة في مجتمعنا ومنهم:
أ - الأستاذ / إحسان عبد القدوس. الأديب الروائي والكاتب الصحفي الذي عبَّر عنها بأسلوب قوي واضح في قصة بعنوان "الله محبة"(3) يقول فيها "هذه القصة تحكي مأساة شاب مسيحي تعلق بفتاة غير مسيحية وأراد أن يتزوجها، ولكن قام صراع شديد بين كل طرف منهما وعائلته وقف حائلًا أمام تتميم الزواج ودفع كلًا من الشاب والفتاة إلى أن يقدما على الانتحار ولكن نجا أحدهما بينما لقى الآخر حتفه".
وقد كتب الكاتب في مقدمة القصة عبارة صارخة وكأنها استغاثة موجهة لمَن يريد حل مشاكل المجتمع الذي تحدث فيه أمثال هذه القصة فيقول:
"ليس لي فضل في هذه القصة إلا فضل كتابتها... فقد سمعتها من فتاة... قصة كتبتها لأنها مشكلة تعيش في أكثر من بيت ويروح ضحيتها أكثر من قلب، مشكلة لن يحلها تجاهلها".
ومما تضمنته هذه القصة قول الكاتب "إن الزواج ليس مجرَّد الجمع بين طرفين وحسب، ولكن الزواج هو الأولاد والمجتمع. والإقبال على زواج فيه الطرفان مختلفان في الدين جريمة ترتكب في حق أولاد لم يولدوا وفي حق المجتمع، خصوصًا إذا تصورنا الأولاد عندما ينشأون وهم لا يدرون إن كانوا من هذا الدين أو ذاك، لا يعرفون إلهًا يقدسونه ولا يعرفون أولياء وشهداء يتشبهون بسيرتهم ولا يسمعون هذه القصص الدينية التي تترك في نفوس الأطفال خطوطًا عميقة تنمو معهم وتصون مبادئهم، ولا يمارسون هذه التقاليد والطقوس الدينية التي تحيط القلوب الصغيرة بأغلفة من السمو الروحاني وتقطر فيها الإيمان قطرة قطرة حتى تصبح قلوبًا كبيرة محصنة أمام الشر وأمام الخطية. إن صلاح الإنسان هو في طفولته ونشأته عندما ينشأ عارفًا دينه وإلهه وتتربى مخافة الله معه ويشرب الصدق والإخلاص وبقية المثل العليا من سن الطفولة.
وليس من العدل أن يخرج إلى الوجود أولاد يجدون أنفسهم حيارى بين أم تؤمن في قرارة نفسها بدين وأب يؤمن في قرارة نفسه بدين آخر، وكل منهما يخاف أن يروي لأولاده قصص دينه ويمارس أمامهم تقاليده وطقوسه". هذا رأي أحد كبار كتاب وصحفيي مصر في جيله.
ب - الأستاذة / أمينة السعيد. إحدى رائدات التوجيه النفسي والاجتماعي على مستوى الإعلام الصحفي في مصر حيث بنفس القوة والوضوح كتبت ردًا على شاب غير مسيحي عرض عليها مشكلة حبه لفتاة مسيحية قائلًا:
"بدأت مشكلتي منذ التحاقي بالجامعة وكانت زميلة لي بالكلية تختلف عن الأخريات في كل شيء. فهى ليست بالجميلة ولا بالأنيقة. مجرَّد فتاة عادية. ولكنها تميزت ببساطتها ووقارها وتحفظها مع سماحتها. قلما يوجد لها مثيل في بنات هذا الجيل. ولقد استوقفت شخصيتها اهتمامي منذ الأسبوع الأول لدخولي الكلية. وشعوري نحوها خلال الشهور الأولى لم يتخط حدود الإعجاب. ولكني لم آخذ حذري حتى أني لم أتنبه إلا وأنا أحبها. وأعترف بصراحة أنني قاومت هذا الحب وحاولت أن اتجه إلى نواح أخرى لأنني كنت أعرف أنه حب بلا رجاء ومن المستحيل أن يكلل بالزواج لأنها مسيحية.. ولكن هذا الحب كان يزداد على مرور الأيام"
هذا عرض موجز للمشكلة أما إجابة الكاتبة الصحفية عليه فكانت كالآتي:
"هكذا وقعتَ في المطب الذي سبقك إليه كثيرون ولسوف يقع بعدك كثيرون ونصيحتي أن تبتعد عن هذه الفتاة تمامًا وتقطعها من حياتك وأن تقضي على هذا الحب مهما كلفك هذا من ألم وعذاب. وكما قلتَ بنفسك إنه محكوم عليه بالموت. فمن مصلحتك أن يموت الآن قبل أن يتمكن منك فتكون العاقبة وخيمة.. تصور مصير أولادك وهم يولدون ويشبون بين والدين أحدهما من دين والآخر من دين آخر وما سوف يترتب على ذلك من بلبلة دينية شديدة مهما بذلت من جهود في أن تشربهم عقيدتك. وتعال بعد ذلك إلى موقف الناس منكما. فكونك من دين وهى من دين آخر سيجعل مجتمعك الذي من دينك كله منحازًا إليك مبتعدًا عنها كأن بينه وبينها جدارًا صلبًا. لن يعترفوا بها واحدة منهم. والأمر بالمثل في حالتها هي بل بالأكثر. فالمسيحيون لا يسمح دينهم بالزواج من غير المسيحيين، ومثل هذا الزواج يعتبر في رأيهم نكبة أشد من نكبة الموت. وأنا شخصيًا أعرف أن أُسرًا مسيحية مثقفة وراقية وعندما تزوجت ابنة لهم من شخص خارج دينهم نشروا في الصحف نعيًا رسميًا لها وأقاموا المأتم بكامله وبعد ذلك اعتبروها ميتة وقطعوا صلتهم بها تمامًا. وحتى عندما توفى البعض من أهاليهم لم ينشروا اسمها في النعي ضمن أفراد الأُسرة. ولم تُخطر بالوفاة حتى ولو بالتليفون. إن معظم زيجات غير المسيحيين بالمسيحيات كان فاشلًا والذي دفع الثمن هو الزوجة المسيحية التي خسرت من أجل الحب الجلد والسقط وخرجت من المعمعة وما من معين. وأنا أعرف زوجات مسيحيات قتلهن الحنين إلى آبائهن وأمهاتهن وبقية أقربائهن واستدعى الأمر دخولهن مصحات للعلاج.
ولابد أن أعترف بأن غير المسيحيين الذين تزوجوا بمسيحيات من أهل بلادنا -كثيرون منهم ولا أقول جميعهم- لم يحفظوا العهد ولم يرعوا مقتضيات التضحية التي قدمتها زوجاتهم ثمنًا لحبهن لهم فطلقوا وعددوا الزوجات. وافتروا كما اعتادوا أن يفعلوا مع الزوجات من دينهم. مما حطم قلوب ونفسيات وعقول الضحايا المسكينات"(4). هل هناك وضوح أكثر من هذا لفساد زواج المختلفين في الدين؟!
حـ - الإعلام العالمي:
ولخطورة الآثار المترتبة على هذا النوع من الزواج نرى الإعلام العالمي يهتم به فيناقش على الهواء مباشرة "قضية زواج اثنين مختلفين في الدين" ويتساءل عن إمكانية نجاح مثل هذا الزواج مستطلعًا رأي أكثر من متكلم من أقطار عربية مختلفة ومن عرب يعيشون في دول غربية ومن مسلمين ومسيحيين. أما إجابات المشتركين في البرنامج فكانت هكذا:
دينا: يمكن أن ينجح هذا الزواج ولكن ليس في واقعنا العربي وإذا تم فإن الزوجة العربية تخسر أسرتها في هذه الحالة.
جمال (هولندا): ضغوط الأسرة هي المشكلة، ولكي ينجح الإنسان في هذا الزواج عليه أن يكون واثقًا من دينه، ووجود دينين في بيت واحد هو مصدر قوة. وفي تجربتي كل منا بقى على دينه وزوجتي مدرسة دين مسيحي. أنا أعلِّم أولادي الإسلام وزوجتي تعلمهم المسيحية. ولهم حرية الاختيار. ولا تشكل مسألة الدين مشكلة عندي لأن الدين هو من الله.
حسام: لي تجربة في الزواج ولكن لم تكتمل وأرى أنه يمكن أن تستمر العلاقة الزوجية بنجاح إذا كان هناك اختلاف في الدين. ولكن بعد إنجاب الأطفال تبدأ العقبات والمشاكل.
محمود (مصري في لندن): زوجتي برتغالية أسلمت بعد الزواج، ومع ذلك هناك اختلاف لأن الفروق الاجتماعية تظل موجودة بغض النظر عن الدين. يجب الاتفاق قبل الزواج على وضع الأبناء. بعد بلوغ كل من الابن والبنت سن الرشد له الحق أن يختار ما يريد.
محمود (الأردن): زواج المسلم بمسيحية أجنبية أسهل وأنجح بكثير من زواج مسلم بمسيحية عربية. والسبب إعطاء تضخيم كبير للمعتقدات الدينية في المجتمع العربي والذي ليس فيه تسامح للتفريط في الدين وضغوط العائلات هائلة.
ميشلين: ليس هناك تقبل سهل لهذا النوع من الزواج في المجتمعات العربية.
سالم العبد الله (موريتانيا): الدين يحرم هذا الزواج.
صلاح: تجربتي ناجحة. الدين لله. زوجتي كاثوليكية.