سابعًا: نظرة العهد الجديد لأعمال الجسد:
أما نظرة العهد الجديد إلى أعمال الجسد في عمومها سواء المشروعة منها مثل العلاقات الزوجية والولادات الناتجة عنها، أو غير المشروعة مثل الزنى والزيجات المحرمة، فبينما كانت كلها هذه وتلك تتسم بالنجاسة وتحتاج إلى التطهير والتكفير عنها في العهد القديم فالعهد الجديد ينظر إلى العلاقات الزوجية على أنها فطر وليس نجاسة. وحوَّل القضاء على الزاني بالقتل إلى إعطاء فرصة له للتوبة من أجل الصفح عن خطاياه في استحقاقات ذبيحة المسيح التي كان غرضها الرئيسي إنقاذنا من الموت فلا نهلك بل تكون لنا حياة أبدية. إلا أن الحكم قديمًا على الزاني بالقتل أي إبادته وقطع حياته من على الأرض فيه تنبيه للمستهترين من أبناء العهد الجديد بأجسادهم والمستهينين منهم بخطية الزنا إلى مدى شناعة هذه الخطية ومدى غضب الله على فاعليها.
أما فترات التطهير فالعهد الجديد يأخذ بها حيث لا يسمح باقتراب الأم إلى المقدسات إلا بعد مدة 40 يومًا في حالة ولادتها ولدًا و80 يومًا في حالة ولادتها بنتًا وكذلك طول فترة الطمث أو النزيف. وطبعًا بعد الاغتسال الجسدي والاعتراف بالخطايا ونوال الحل والمغفرة بالصلوات الخاصة بذلك.
ثامنًا: أبناء العهد الجديد أحرى بدعوتهم للقداسة:
عندما دعا الله شعبه قديمًا إلى حياة القداسة وأن يكونوا متشبهين به لأنه هو قدوس أعطاهم سببًا مبررًا لدعوته هذه لهم وهو أنه هو الذي أنقذهم وخلَّصهم وحررهم من عبودية فرعون ليكون هو لهم إلهًا، وإذ هو إله قدوس فيكون من حقه عليهم أن يلتزموا بدعوته هذه فقال لهم "إني أنا الرب الذي أصعدكم من أرض مصر ليكون لكم إلهًا. فتكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا11: 45).
وإن كان مطلب القداسة هذا حق الله على شعبه قديمًا مقابل تحريرهم من أرض مصر وخلاصهم من قسوة فرعون خلاصًا جسديًا وبهذا الخلاص صار إلهًا لهم. فكم يكون حقه على شعبه في العهد الجديد مقابل فدائه لهم من موت الخطية وتحريرهم من عبودية إبليس وإعطائهم خلاصًا روحيًا أبديًا!
وإن كانت القداسة حقًا لله على أصحاب عهد التقديس بماء للتوبة فهي حقه بالأكثر على أصحاب عهد التقديس بالروح القدس ونار (مت3: 11). وإن كانت هي حقه على أصحاب ناموس الحرف والمواعيد الأرضية الزمنية فهي بالأكثر حقه على أصحاب شريعة الروح والنعمة والحق (يو1: 17) والمواعيد السماوية. وإن كانت حقه على أصحاب العهد الأول الذي به عيب (عب8: 7) وينتظر كماله فهي حقه بالأكثر على أصحاب عهد الفضل والكمال (عب8: 6) وإن كانت القداسة حق الله على أصحاب الكهنوت اللاوي كهنوت الخيرات الأرضية والمحاط بالضعف (عب7: 28) ويخدمه كهنة خطاة ويموتون (عب7: 23) ويقدمون ذبائح حيوانية (عب9: 12) فهي حقه بالأكثر على أصحاب كهنوت الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق (عب7: 17) رئيس كهنة الخيرات العتيدة (عب9: 11) الحي إلى الأبد ويخدم بذبيحة نفسه (عب9: 14) حملًا بلا عيب عن خلاص العالم (1بط1: 19).
نعم إن حق الله على أبناء عهد الإنجيل عظيم جدًا في مطالبتهم بحياة القداسة والكمال لأن عهد النعمة مقارنًا بالعهد القديم هو بعطاياه السامية وإمكانياته الإلهية ووسائطه الروحية يؤهل أصحابه لحياة القداسة ويمكنهم منها ومن ثم يوجبها عليهم. ولابد أن يدرك أصحاب عهد النعمة مسئوليتهم تجاه تحقيق دعوة الله لهم لحياة القداسة. وفي الفصل التالي نعرض لوصايا الله الخاصة بقداسة شعبه في العهد الجديد.