ثالثًا- الاضطهاد من الدولة الرومانية:
لا يكتفي الكتاب المقدس بأن يسجل اضطهاد الكنيسة، بل يبين أنها نمت وازدهرت في جو الاضطهاد، وكان الدافع الأول لاضطهاد المؤمنين، هو الكراهية الشديدة التي يكنها العالم لله ولمسيحه. فالإنسان الطبيعي " عدو لله" (رو 5: 10). ومحبة العالم هي عداوة لله، إذ " لا يقدر أحد أن يخدم سيدين" (مت 6: 24)، والنور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور" (يو 3: 19). و" اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع" (رو 8: 7).
وإذا كان الدافع لاضطهاد أولاد الله هو الكراهية لله، فإن الهدف منه، هو القضاء على الله لو يستطيعون، وقد صلبوا فعلًا ابن الله " رب المجد" (1 كو 2: 8)، ولما لم يكن في استطاعتهم أن يقضوا على الله نفسه، فإنهم صرفوا جهدهم إلى القضاء على الشهادة له، والتخلص من أولاده، وعندما كان شاول الطرسوسي يضطهد المؤمنين، قال له الرب من السماء: "أنا يسوع الذي أنت تضطهده" (أع 9: 5) فاضطهاد المؤمنين هو اضطهاد للرب نفسه.
ومما يستلفت النظر، أن كلمة " شاهد " و" شهيد " و" شهادة " من أصل واحد، و" الشهيد " هو " الشاهد " الذي ختم شهادته لله بدمه. ويقول الرسول بولس: "و لا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله" (أع 20: 24)، فالاضطهاد يكشف عن معدن المؤمن الحقيقي الذي فيه " من تعب نفسه يرى (المسيح) ويشبع" (إش 53: 10 و11).
ولا شك في أن "غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع 1: 20)، ولكن الله يستطيع أن "يجعل غضب الإنسان يحمده" (مز 76: 10)، لذلك لم يكن المؤمنون يطلبون من الله حمايتهم من الخطر، بل أن يمنحهم الشجاعة ليتكلموا بكلامه بكل مجاهرة (أع 4: 24-30).
والاضطهاد يؤول إلى تمجيد الله، فالعالم الشرير يهاجم القطيع الصغير بعنف وبلا هوادة،ولكن ماذا كانت النتيجة ؟ كان العالم يدمر نفسه، بينما كانت الكنيسة تزداد نموًا وقوة، وما أعجب أن يهاجم الذئب الحمل، فيعيش الحمل ويموت الذئب ! ومن غير الله يستطيع ان يفعل هذا، ويحِّول محاولات العالم للقضاء على كنيسته، إلى بركة لها !.
كان إدراك هذه الحقيقة لازمًا بشدة للكنيسة، فقد تحقق وعد المسيح لها عن طريق الاضطهاد، فقد وعد بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 16: 18). وقد قابل المؤمنون الاضطهاد بفرح " لأنهم حسبوا مستأهلين ان يهانوا من أجل اسمه" (انظر أع 5: 41).
وقد حدث أول اضطهاد للكنيسة من الدولة الرومانية في زمن نيرون (64-68 م.) في مدينة روما نفسها أولًا، كما يذكر تاسيتوس الروماني. فعندما ثار الرأي العام ضد نيرون لاتهامه بحرق روما، اتخذ هو من المسيحيين كبش فداء واتهمهم بأنهم هم الذين اقترفوا تلك الجريمة، وفي هذا الاضطهاد استشهد كل من الرسولين بولس وبطرس مع كثيرين غيرهم.
ولكن حدث اضطهاد أشد عنفًا في أجزاء مختلقة من الامبراطورية في أيام تراجان (98-117 م.)، وفي أيام هادريان (117-138 م.)، ولكنه بلغ أقصى مداه في أيام ديسيوس ودقلديانوس في القرن الثالث والرابع. فقد كتب إغناطيوس رسائله وهو في طريقه إلى روما ليستشهد فيها في 115 م.، بإلقائه إلى الوحوش، كما استشهد بوليكاربوس أسقف سميرنا وتلميذ يوحنا الحبيب، حرقًا بالنار في 155 م.
وفي 248 م. كانت روما تحتفل بالعيد الألفي لتأسيسها، وكانت ذكريات الماضي المجيد، في ضوء الظروف التي كانت كائنة وقتئذ، التي زادها سوءًا تهديد القبائل المتبربرة للامبراطورية، جعلتهم ينسبون كل ذلك لغضب الالهة، لهجران المسيحيين للمعابد الوثنية وتحريضهم الآخرين على ذلك، فرأى الأباطرة أنه لإرضاء أولئك الألهة، يلزمهم القضاء على المسيحيين "الملحدين"، وإجبارهم على العودة إلى عبادة "الآلهة" لدفع الخطر عن الإمبراطورية، وقد أصدر الإمبراطور "ديسيوس" (249-251 م.) مرسومًا بإجبار كل المسيحيين على تقديم الذبائح للالهة. ومن لم يقبل منهم ذلك، تعرض لمصادرة ممتلكاته، وللسجن والتعذيب والنفي أو الموت. ولكن رغم قسوة هذا الاضطهاد ووصوله إلى كل أجزاء الامبراطورية، فقد صمدت الكنيسة الحقيقية أمامه، كما صمدت أمام الاضطهاد الذي اعقبه في عهد " جالوس" (251-253 م.).