ولعل نفس الراحة، شعر بها الشهداء، والقياس مع الفارق.
وسط عذاباتهم وآلامهم، كانوا يشعرون براحة، إذ هم على وشك الالتقاء بالرب في الفردوس، والتخلص من رباط الجسد والمادة، والانطلاق إلى كورة الأحياء ومجمع القديسين...
وهكذا أيضًا، وكل من احتمل آلاما لأجل المسيح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وهكذا قيل عن الآباء الرسل القديسين، بعد جلدهم "وأما هم فذهبوا فرحين، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه" (أع 5: 41).
وهكذا الأب والأم يشعران براحة من كل تعبهما من أجل تربية أولادهما.
مهما بذلا من جهد جسدي في العناية بهؤلاء الأطفال، مهما احتملا من تعب في سهر الليل، وفي العناية بصحة هؤلاء الأطفال ونظافتهم، وفي الاهتمام بتعليمهم والإنفاق عليهم. في كل ذلك يشعران براحة. كما تشعر الأم براحة وهى تحمل جنينا في أحشائها، لأن الله وهبها ابنا، مهما كانت متاعب الحبل والولادة..
إن الراحة ليست هي مجرد راحة الجسد، إنما هي راحة الضمير أيضًا..
والضمير يرتاح حينما يؤدى رسالته، وحينما يقوم بواجبه، ويكلمه على أحسن وجه، ولا يهتم إطلاقًا بتعب جسده في سبيل إكمال عمله، وتحقيق هدفه الصالح. وكلما كانت آماله عالية، كلما تعب بالأكثر، ووجد راحة في تعبه. وكما قال الشاعر:
كلما كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجساد.
بعكس ذلك الذي يستريح جسديًّا، ويتعب ضميره.
كالإنسان الذي يكسل ولا يذهب إلى الكنيسة أو إلى الخدمة، بحجة حاجة جسده إلى الراحة. هذا الإنسان يستريح جسده، ولكن ضميره يتعب. أو الخادم الذي يكسل في افتقاد مخدوميه، أو بحجة تعب الجسد يقصر في زيارة مريض، أو في الذهاب لتعزية حزين، هذا يريح جسده بينما يتعب ضميره.
كذلك التلميذ الذي لا يذاكر، ويمتع جسده باللهو والراحة، تتعب نفسيته فيما بعد حينما يفشل في امتحاناته، ويتعب ضميره لتقصيره في واجباته. وبالمثل كل إنسان يهمل عمله، ويركن إلى الراحة، فيفشل أولا يخطى برضى رؤسائه..
تعب الاحتمال أيضًا فيه راحة للروح.
تعب النفس في تحويل الخد الآخر، وفي مشى الميل الثاني، وفي الصبر على من يخاصمك، ويأخذ ثوبك فتترك له الرداء أيضًا. وفي عدم مقاومة الشر (مت 5: 39-41). كل هذه الألوان من الاحتمال، حتى إن تعبت فيها النفس، ولو في أول الطريق، إلا أن الضمير يرتاح لأنه نفذ الوصية.
كذلك الذي يسهر الليل في الصلاة.
ويقوم في نصف الليل، ليسبح الله على أحكام عدله. وتسبق عيناه وقت السحر، ليتلو في جميع أقواله (مز 119).. هذا تجد روحه راحة بكل تعب الجسد. وكذلك تجد راحة في جهاده ومصارعته لقوى الروحية (أف 6)، والصبر إلى المنتهى حتى يخلص (مت 24: 13).
ومع كل ذلك، لم يحرمنا الله من راحة الجسد.
فمنحنا يوم السبت (الأحد حاليا) لنستريح فيه، جسديًّا وروحيًّا. لأن الله الذي خلق أجسادنا، يعرف أن هذا الجسد يحتاج إلى راحة يوم كل أسبوع. ولذلك قال الرب: "ليست إنما جعل لأجل الإنسان. وليس الإنسان لأجل السبت" (مر 2: 27).
من حقك إذن، بل من واجِبَك، أن تريح جسدك من الإرهاق، ومن المرض. وتعطيه حاجته من النوم. ولا تسبب له أمراضًا بإهمالك في القواعد الصحية. وأيضًا تعطيه كفافه من الغذاء. ولكن...
ولكن لا تكون راحة جسدك على حساب تعب روحك.
أنت "تقيت جسدك وتربيه" (أف 5: 29). ولكن في نفس الوقت "تقمع جسدك وتستعبده" (1كو 9: 27)، ولا تجعله يتمرد على الروح.. تعطى الجسد غذاءه، ولا تعطيه شهواته. تعطيه النوم للراحة، ولكن توقظه للصلاة، لكي تستريح الروح أيضا. وهكذا فإن الإنسان الروحي يحفظ ميزان الراحة بين الجسد والروح.
كثير من الناس يرهقون أجسادهم أزيد من احتمالهم، فترهق أعصابهم أيضًا. وقد يخطئون بسبب أعصابهم المرهقة، وتتعب أرواحهم بذلك. والأمر يحتاج إلى حكمة وإفراز.
وفى إراحة جسدك، ابعد عنه الخطاء النفسية التي تتعبه.
فالغضب والنزفزة من أمراض النفس، ويتعب الجسد أيضًا. وكذلك الاضطراب والقلب وحمل الهم والكآبة الزائدة، كلها متاعب في النفس، تسبب تعبًا للجسد أيضًا وقد قال الرب في علاج ذلك "لا تهتموا بما للغد يهتم بما لنفسه" (مت 16: 34).. لذلك فالإنسان الروحي، الذي يكون قلبه مرتاحا ونفسه في سلام، بحياة الإيمان والتسليم.. هذا أيضًا براحة روحه يريح جسده أيضًا من أمراض كثيرة..
والإنسان الروحي، كما يريح نفسه وجسده، كذلك بالأكثر يريح روحه.
يريحها من الخطايا، ومن العادات السيئة والطباع الرديئة. ويريحها من الشهوات ومن الاستسلام للإغراءات، ويريحها من مقاومة الجسد لها، الجسد الذي يشتهى ضد الروح (غل 5: 16، 17). ويريحها بالانتصار على حروب الشياطين، ومقاومتهم راسخًا في الإيمان راسخا في الإيمان (1بط 5: 9). ويريح روحه أيضًا بمنحها الغذاء الروحي الذي يقويها ويقربها إلى الله ويعمق محبته فيها.. ويريح روحه، بأن لا يعمل شيئا يتعب ضميره.
وتستريح روحه في طاعة الله. ويستريح الله بطاعته.
إن الله يستريح في القلوب المؤمنة به، المحبة له، التي تصنع مشيئته، وتتمم إرادته، كالملائكة "الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (مز 103: 20).
الإنسان الروحي، تستريح روحه في شركة الروح القدس (2كو 13: 14). فلا يعمل عملًا إلا إذا كان روح الله يشترك معه فيه. الروح تستريح حينما تقول لله في كل عمل "لتكن مشيئتك". فهذا تريح وتستريح. ما أجمل ما قيل عن موسى النبي إنه صنع كل شيء حسب المثال الذي أراه الرب على الجبل (عب 8: 5).
ننتقل إلى النقطة الأخيرة، وهى كيف يستريح الإنسان:
إذا استراح الإنسان من الداخل، يستريح من الخارج أيضًا. وإن تعب داخله، لا بُد أن يظهر عليه هذا التعب من الخارج.. نظرته إلى الأمور هي التي تتعبه. لذلك قال القديس بولس الرسول "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2)
يجب أن يقتنع الإنسان بفعل الخير، فتصير تصرفاته خيرة.
يجب أن يستريح قلبه تمامًا للسلوك بالروح. ولا توجد شهوة خاطئة تتعب الإرادة. وكما قال القديس ذهبي الفم "لا يستطيع أحد أن يؤذى إنسان، ما لم يؤذ هذا الإنسان نفسه". الإنسان المستريح في الداخل لا يتعبه أي سبب من الخارج. وهو أيضًا لا يتعب أحدًا. بعكس الإنسان غير الروحي، الذي طبعه النكد، ونفسيته غير مستريحة، فأقل الأسباب تتعبه، ويستقبلها هو بتعب.
التعب في داخله، وليس بسبب الأسباب الخارجية.
لأن الروحيين أحاطت بهم من الخارج أسباب متعبة كثيرة، ومع ذلك لم يتعبوا.