اهتم أن تكون خدمتك روحية وعميقة.
# روحانية الخدمة:
كثير من الناس خدمتهم مجرد نشاط يستهلك كل طاقاتهم: هم عبارة عن شعلة متحركة من الإنتاج والعمل، ولكن بلا روح. مثل هذه الخدمة لا تفيدك روحيًا، لأن الله لا نصيب له فيها.. بل كثيرًا ما يحدث أن هذا النشاط الحركي المتزايد، يعطل في مشغولياته العمل الروحي.
فتجد مثلًا أمينًا لمدارس الأحد، له طاقاته الواسعة من جهة تطبيق المناهج، وكراسات التحضير، واجتماعات الخدام، واجتماعات الشباب، والمكتبة والنادي، والنشاط الصيفي.. وتسأله عن نفسه وروحياته، فلا يجد لها وقتًا. فتفتر حياته، وبالتالي تفتر أيضًا خدمته، وتجدها مجموعة ضخمة من التنظيمات، بلا روح. لا تفيد حياته ولا تفيد الآخرين..
وتتحول الخدمة إلى أمور إدارية بحته.
وربما يحدث هذا الأمر أيضًا بالنسبة إلى الخدمة الاجتماعية، وإلى خدمة الملاجئ والمسنين، والمغتربين، ومجالس الكنائس.. وفي هذا العمل الإداري قد تكثر المناقشات والمجادلات والضجيج والصياح. وربما المنافسات أيضًا والحزبيات. وفي هذا كله تضيع روح الخادم. لأن الخدمة لم تتسم بالطابع الروحي. ولم يكن الله شريكًا فيها. ولم تدخل فيها الصلاة ولا التنفيذ العملي للوصية.
حاول إذن في كل خدمة تخدمها، أن تبعد عن الروتين والشكليات، وأن تدخل الله فيها، ويكون لها الطابع الروحي.. حتى في الأعمال الإدارية فلتكن لها "روحانية الإدارة". وهذه عبارة تحتاج منا إلى موضوع خاص يشرح تفاصيلها..
فرق كبير بين رجل الله حينما يدير، وأهل العالم في إدارتهم.
إذن في خدمتك، ابعد عن الأخطاء الروحية.
أبعد عن أسلوب الأمر والنهى، وليكن لك روح الاتضاع وأدب التخاطب مع الصغير كما مع الكبير. ومهما أوتيت من سلطة في الخدمة، لا تكلم الناس من فوق ولا تتعال على أحد، ولا تدخل إلى قلبك روح السيطرة والتسلط. وتذكر قول الرب "أكبركم يكون خادمًا لكم. لأن من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع" (مت 23: 11). وأيضًا "إن ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28).
لذلك لا تجعل الخدمة تفقدك وداعتك وتواضعك.
إن وجدت صوتك بدأ يعلو ويحتد في الخدمة، لابد أن تحترس وتراجع نفسك. وإن وجدت أنك بدأت تتحدث عن نفسك وما تفعله من أمور عظيمة، احترس أيضًا لئلا شيطان المجد الباطل يحصد كل ما زرعته في الخدمة. وإن نظرت باحتقار إلى غيرك، مقارنًا بين مستواه ومستواك، فاعرف أن الكبرياء قد دخلت إلى نفسك.. ضع أمامك إذن قول الرسول "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1تى 4: 16). قل لنفسك باستمرار: أنا ما دخلت إلى الخدمة لكي أقع في خطايا جديدة، إنما لكي أنمو روحيًا.
في الخدمة أيضًا أحترس من الذات الـEgo
لا تجعل الخدمة وسيلة لكي ترتفع بها أو تبنى كرامتك. فأنت فيها مجرد خادم للرب، تقول عنه كما قال القديس يوحنا المعمدان "ينبغي أن ذلك يزيد، وأنى أنا أنقص" (يو 3: 30) أو كما قيل في المزمور "ليس لنا يا رب ليس لنا. لكن لاسمك القدوس أعط مجدًا" (مز 115: 1).
احترس من إنذار الرب للرعاة الذين يرعون أنفسهم (خر 34: 8-10).
وليكن هدفك هو ملكوت الله، وخلاص الناس.. وليس نفسك وكرامتك.
الخدمة المفيدة روحيًا، هي التي تنسى فيها كلمة أنا.
كثيرون دخلوا في الخدمة. وبعد حين بدأوا يهملون أنفسهم، وينشغلون بتدبير الخدمة، ثم يصطدمون بالكنيسة، وكاهن الكنيسة، ومجلس الكنيسة، والعاملين في الكنيسة. ويتحدثون عن تصرفات هؤلاء وأولئك، وما يفعلونه من خطأ ومن صواب، ويركزون على الخطأ! وتصبح أخطاء الآخرين، أو ما يظنونها أخطاء، هي موضع حديثهم الدائم وإدانتهم المستمرة. بل يتحولون من الإدانة إلى التشهير، ويفسدون عقول غيرهم.
والعجب أنهم يغطون كل ما يقعون فيه من إدانة وتشهير، بتبرير هو الدفاع عن الحق!!
وباسم الدفاع عن الحق يقعون في خطايا لا تحصى. ويدخلون في خصومات وانقسامات. ولكي ينتصروا في حروبهم، يحاولون أن يكسبوا أكبر عدد ممكن ينضم إليهم في الإدانة والتشهير. ويَتَعَكَّر جوّ الخدمة، ويفقد روحانية، يفقد روح المحبة، ويفقد الوداعة والبساطة!! وهل كل هذا من أجل الدفاع عن الحق؟! دون أن يسأل أحد نفسه: هل من حقي أن أفعل كل هذا؟ ودون أن يسأل نفسه: هل هذا هو الأسلوب الروحي الذي أدافع به عن الحق؟! ما أكثر الذين ضاعوا وأضاعوا غيرهم، وهم في الخدمة!!
لكي تنتفع روحيًا، اهتم في خدمتك بالعمل الإيجابي وليس بالسلبيات.
دع أمامك المثل الذي يقول "بدلًا من أن تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة". كن قدوة للكل، وثق أن هذه في حد ذاتها رسالة وخدمة.. واعرف أن العمل الإيجابي البناء هو الباقي على الدوام، ولا ينتقدك فيه أحد، ولا تخطئ فيه إلى أحد. أما الانشغال بالسلبيات، فإنه يتعب فكرك وروحك. وربما تصل به إلى أسلوب الهدم ويوقعك في خطايا كثيرة.
أليس الأفضل لك أن لا تخدم، من أن تخدم بأسلوب يوقعك في الخطية؟!
وتصبح فيه عثرة لغيرك. وقد قال الرب "ويل لمن تأتي بواسطته العثرات" (لو 17: 1).