ثانيًا: عوائد الزواج:
كانت عوائد الزواج -في الكتاب المقدس- تشمل حادثين هما: الخطبة والزفاف.
(أ) الخطبة:
كانت الخطبة- في بلاد الشرق الأوسط- تعتبر ملزمة مثل الزواج تمامًا، فكثيرًا ما تسمي "المخطوبة" -في الكتاب المقدس- بزوجة، وكانت تحت الالتزام بالأمانة (تك 29: 21، تث 22: 23 و24، مت 1: 18 و20). كما كان "الخطيب" يسمي "يسمي "بعلًا" أو "زوجًا" (يوئيل 1: 8، مت 1: 19). ولكن الكتاب المقدس لا يذكر حقوق الخطيبة في حالة فك الخطبة، لكن قانون حمورابي (المواد 159 و160) يقرر أنه إذا فك زوج المستقبل الخطبة، كان لأب العروس الحق في الاحتفاظ بكل هداياه للعروس. ولكن إذا كان أبو العروس هو الذي فك الخطبة، فكان عليه أن يعوض العريس بضعف قيمة الهدايا. ويفترض وجود نوع من إشهار ذلك علانية، ولكن لا نعلم مدي تلك العلانية، فقد أراد يوسف تخلية العذراء مريم سرًّا (مت 1: 19).
ويصور هوشع النبي محبة الله لشعبه بالقول: "وأخطبك لنفسي إلي الأبد، أخطبك لنفسي بالعدل والحق والإحسان والمراحم. أخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب" (هوشع 2: 19 و20).
1- اختيار شريك الحياة:
كان والدا الشاب- عادة هما اللذان يختاران له الزوجة ويرتبان كل شؤون الزواج، كما فعلت هاجر مع إسماعيل (تك 21: 21)، ويهوذا مع عير (تك 38: 6). وأحيانًا كان الشاب نفسه هو الذي يختار كما فعل شكيم (تك 34: 4 و8)، وشمشون (قض 14: 2). ونادرًا ما كان الشاب يتزوج ضد رغبة والديه كما فعل عيسو (تك 26: 34 و35) وكانت الفتاة تُسأل أحيانًا لابداء رأيها كما في حالة رفقة (تك 24: 58). وكان يحدث أن يختارا والدا الفتاة من يمكن أن يكون لها زوجًا كما فعلت نعمي (راعوث 3: 1 و2)، وشاول (1 صم 18: 21).
2- تبادل الهدايا:
كانت هناك ثلاثة أنواع من الهدايا بالارتباط مع الخطبة:
· المهر: كما في حالة دينة ابنة يعقوب التي اغتصبها شكيم بن حمور الحثي (تك 34: 12). وفي حالة ميكال ابنة شاول الملك (1 صم 18: 25). كما يذكر المهر تلميحًا- لا تصريحًا- في حالة رفقة (تك 24: 53)، وفي خدمة يعقوب سبع سنوات من أجل راحيل (تك 29: 18)، كما رعي موسي غنم حميه يثرون (خر 3: 1) وكان المهر يعتبر هدية من العريس لعائلة العروس، كما كان يعتبر ختمًا للعهد الذي يربط الأسرتين. ويري البعض أن المهر كان يعتبر ثمنًا للعروس، لكن لا أساس لهذا، لأن الزوجة لم تُشتري كما تُشتري الأمة.
· هدية للزوجة أو للزوج من والد العروس، كانت تشمل عددًا من الجواري والعبيد (انظر تك 24: 59 و61في حالة رفقة، 29: 24. في حالة ليئة)، أو قطعة من الأرض (قض 1: 15 كما في حالة عكسة، 1 مل 9: 16 في حالة ابنة فرعون التي تزوجها سليمان)، أو غير ذلك من الهدايا.
· هدايا العريس للعروس وكانت تتكون عادة من الحلي والثياب كالتي قدمها عبد إبراهيم لرفقة (تك 24: 53).
وتوجد بعض أمثلة في الكتاب المقدس للعقود الشفهية، كتعهد يعقوب بخدمة لابان سبع سنوات (تك 29: 18)، وتعهد شكيم بأن يعطي إخوة دينة ما يطلبون (تك 34: 11 و12).
(ب) مراسم الزفاف:
كانت أهم إجراءات مراسم الزواج هي الإقرار العلني بانعقاد الرابطة الزوجية، مع ملاحظة أنه لم يكن من المحتم اتباع كل الخطوات التالية:
1- ثياب العروس والعريس: فكانت العروس -أحيانًا - تلبس ثيابًا مطرزة (مز 45: 13 و14)، وحليًا (إش 61: 10)، ومنطقة (إرميا 3: 32)، وبرقعًا (تك 24: 65). كما كان العريس يتزين بعمامة (إش 61: 10). كما نجد إشارات مجازية إلي الثياب البيضاء للكنيسة عروس المسيح (أف 5: 27، رؤ 19: 8، 21: 2).
2- جواري العروس وصديقاتها: نقرأ في المزمور الخامس والأربعين عن العروس الملكة بأن "في إثرها عذاري صاحباتها" (مز 45: 14). ولابد أنه كان لكل عروس صاحبات يحطن بها في موكب عرسها. كما لابد للعريس أيضًا أصدقاء ورفقاء (انظر قض 14: 11، يو 3: 29). ولعل "رئيس المتكأ" كان أحد هولاء الرفاق (يو 2: 8 و9).
3- الموكب: كان الزفاف يتم عادة في المساء، فكان العريس يسير مع رفاقه في موكب إلي بيت العروس، تحف بهم الشموع والمشاعل. وكانت تمد وليمة العشاء هناك أحيانًا، بل كانت الظروف تحتم ذلك (تك 29: 22، قض 14)، والأرجح أنه في مثل العشر العذاري (مت 25: 1- 13) كان العريس يسير إلي منزل العروس لوليمة العشاء، وإن كان من المحتمل لأيضًا أن العريس كان ذاهبًا ليصطحب عروسه إلي بيت أبيه حيث تقام الوليمة (انظر مز 45: 14 و15، مت 22: 1- 14، وكان الزواج في هاتين الحالتين زواجًا ملكيًا).
وكان الموكب أحيانًا يسير علي نغمات الغناء والموسيقي والرقص (إرميا 7: 34) وأنوار المصابيح (مت 25: 7).
4- وليمة العروس: وكانت تقام عادة في بيت العريس (مت 22: 1- 10، يو 2: 9)، وفي الليل غالبًا (مت 22: 13، 25: 6). وكان يحضرها كثيرون والأصدقاء. وكان يرأسها وكيل عن العريس أو أحد أصدقائه (يو 2: 9 و10). وكان رفض الدعوة يعتبر إهانة (مت 22: 7). وكان الضيوف المدعوون يرتدون ثياب العرس (مت 22: 11, 12). وكان يمكن في بعض الظروف -كما سبق القول- أن تقام الوليمة في بيت العروس (تك 29: 22). ويسمي اجتماع المسيح مع قديسيه في السماء -مجازيًا- "عشاء عرس الخروف" (رؤ 19: 9).
5- تغطية العروس: جاء في العهد القديم مرتين أن العريس بسط ذيله على عروسه (راعوث 3: 9، حز 16: 8)، ولعل في ذلك إشارة إلي وضعها في حمايته. ويقول "ج. إسلر" (Eisler) إنه في بعض القبائل البدوية يغطي العريس عروسه بعباءة قائلًا لها: "منذ الآن لن يغطيك أحد سواي".
6- البركة: ويبارك الوالدان والأصدقاء العروسين ويتمنون لهما كل خير وفلاح (تك 24: 60، راعوث 4: 11).
7- العهد: وكان من الإجراءات الدينية، أن يقطع كل من العروسين عهدًا بالوفاء والأمانة كما نلمح ذلك في بعض الأقوال في العهد القديم (أم 2: 17، حز 16: 8، ملاخي 2: 14). بل جاء في سفر طوبيا أنهم "أخذوا صحيفة وكتبوا فيها عقد الزواج" (طوبيا 7: 16).
8- الحجلة أو مخدع العريس: كانت تُعد غرفة خاصة للعروسين تسمي "حفة" أو "حجلة" (مز 19: 5، يوئيل 2: 16)، وكانت أصلًا خيمة يحتمي تحتها العريس والعروس أثناء حفل الزفاف.
9- الختام: كان يزف العروسان إلي هذه الحجرة، وكثيرًا ما كان الوالدون هم الذين يزفونهما (تك 29: 23). وقبل أن يجتمعا معًا، أو كما يُعبَّر عن ذلك في اللغة العبرية: قبل أن "يعرف العريس عروسه" كان العروسان يرفعان صلاة إلي الله (انظر طوبيا 8: 4).
10- علامة العَذْرَة: كان يعرض قميص أو منديل ملطخ بالدم علامة علي أن العروس كانت عذراء (تث 22: 13- 21)، وما زالت هذه العادة سارية في بعض البلدان حتى الآن.
11- الاحتفالات: كان الاحتفال بالعريس يمتد أسبوعًا (تك 29: 27 في حالة يعقوب وليئة). وأحيانًا لمدة أسبوعين (طو 8: 23: طوبيا وسارة). وكان يتخلل هذه الاحتفالات الغناء والعزف علي الآلات الموسيقية (مز 45، 78: 63)، والتسلية بالأحاجي والألغاز (قض 14: 12- 18).