4- النظام الهيلينى في آسيا الصغرى:
لقد كانت تحكم أغلب المناطق الداخلية في أسيا الصغرى حكومات ثيوقراطية ، أما المدن اليونانية فقد تعدت شيئا فشيئا على ممتلكات وامتيازات المعبد القديم. وقد أسس السلوقيون والأتاليديون الكثير من هذه المدن، وكان معنى ذلك – أحيانا – إقامة نظام جديد، أي إقامة حكومة مدنية يونانية في المدينة القديمة مع إضافة سكان جدد، وفي أغلب الأحيان كان هؤلاء السكان الجدد من اليهود الذين كان السلوقيون يعتبرونهم أهلا للثقة، والأرجح أن اليهود في أنطاكية بيسيدية (أع 13: 14) كانوا من هذه الطبقة وكان الغرض من هذه المدن صبغ البلاد بالصبغة الهيلينية وأن ينتقل تأثيرها إلى المدن المجاورة. وكان التناقض واضحا بين نظام الحكم الشرقى المطلق ونظام المدن الإغريقية والرومانية. وفي القرون الأولى من تاريخ الامبراطورية الرومانية، كانت هذه المدن تتمتع بنوع من الحكم الذاتى، وكان القضاة ينتخبون، وكان الأغنياء في نفس المدينة ينافسون بعضهم بعضا، كما كانت كل مدينة تنافس الأخرى، في إقامة المبانى العامة الفخمة وإنشاء المدارس ونشر التعليم وكل ما تعنيه الأمم الغربية بالحضارة. ودخل – عن طريق المدن الإغريقية – البانثيون (مجمع معابد الآلهة) اليونانى، واقتصر دور آلهة هلاس على مجرد إضافة أسمائهم إلى أسماء آلهة البلاد، فحيثما نجد تفصيلات عن عبادة في داخل الأناضول نرى على الفور الملامح الأساسية للإله الأناضولى القديم تحت ستار الإله اليوناني أو الرومانى.
لقد احتقر الإغريق على الدوام تطرف الديانات الأسيوية، كما أن ثقافة اليونانيين من أهل الأناضول، الأكثر تقدما، لم تستطع أن تقبل هذه الديانات المنحطة التي سعت للحفاظ على الأوضاع الاجتماعية التي قامت في ظلها، في أقبح صورها وأحطها. " لكن المجتمع في الريف كان أفضل من ذلك بينما ظل النظام الاجتماعى البدائي سائدا في المعابد العظيمة كواجب دينى ملزم للطبقة المقدسة في فترات خدمتهم في المعبد.. وكانت الفجوة التي تفصل الحياة الدينية عن حياة الثقافة تزداد باستمرار اتساعا وعمقا. كانت هذه هى الأحوال السائدة عندما دخل الرسول بولس إلى هذه البلاد، فحيثما كان التعليم قد أنتشر فعلا، فإن الرسول كان يجد أناسا مستعدين وتواقين لقبول رسالته " ويفسر لنا هذا " التأثير العجيب السريع لكرازة الرسول في غلاطية، كما جاء في سفر الأعمال" ( سير وليم رمزى: مدن وأسقفيات فريجية – ص 96).