وبعد هذا أراد نبوخذنصر إظهار عظمته، فأقام تمثالاً ضخماً من الذهب ارتفاعه ثلاثين متراً وعرضه ثلاثة أمتار، وأمر كل رؤساء مملكته أن يأتوا ويسجدوا للتمثال في احتفال عظيم، عُزِفَتْ فيه الموسيقى بآلات كثيرة. ولم يحضر بالطبع الثلاثة فتية؛ لأنهم لا يسجدون إلاَّ للَّه ولم يحضر أيضاً دانيال. وهنا تقدم بعض الرجال الكلدانيين واشتكوا الثلاثة فتية للملك؛ لأنهم لم يسجدوا للتمثال وأنهم مستحقون أن يُلْقَوا في أتون النار، عقاباً لهم، كما أمر الملك. ويبدو أن مركز دانيال كان أكبر من أن يشتكوا عليه، فخافوا ولم يتكلموا عنه.
فغضب الملك واستدعى الثلاثة فتية، الذين أصروا على عدم السجود للتمثال؛ لأنهم يسجدون للَّه وحده. فاعتبر الملك هذا التصرف عصياناً له وأمر بأن يُحمَّى الأتون سبعة أضعاف ما كان مقرراً له ويُربط الثلاثة فتية بحبال، ويمسك بهم أناساً أقوياء ويلقون بهم في أتون النار، ففعلوا هكذا وحضر الملك بنفسه. وأمسك رجال الملك بالثلاثة فتية الموثقين واقتربوا من باب الأتون وألقوهم فيه. ومن شدة النار احترق رجال الملك الجبابرة. أما الثلاثة فتية فإن الحبال التي تربطهم انحلت ورآهم الملك يتمشون داخل الأتون ومعهم شخص رابع شبيه بابن الآلهة، إذ أن اللَّه أحاطهم في الحال بغلاف من هواء بندى، فلم تمسهم نار الأتون. وفرح الثلاثة فتية برؤية اللَّه داخل الأتون وأخذوا يسبحونه. فقالوا له مديح موجود في تسبحة الكنيسة، بدايته: “نتبعك بكل قلوبنا” (دا 3: 41-44)، ثم أنشدوا الهوس الثالث، أي التسبيح الثالث الموجود في كتاب التسبحة (دا 3: 52-90). وحاول رجال الملك تحمية الأتون، حتى ارتفعت النار إلى 24.5 متراً في الهواء وأكلت النار بعض الكلدانيين الذين اقتربوا من الأتون، فتعجب الملك جداً عندما رأى أربعة رجال يتمشون داخل النار، ثم نادى على الثلاثة فتية من النار، فخرجوا إليه. ولاحظ أن النار لم تمس حتى ثيابهم وليس فيها رائحة النار، فأعلن قوة إلههم التي تفوق كل قوة في العالم. وبهذا حوّل اللَّه هذه الضيقة العظيمة إلى وسيلة لتمجيد اسمه وإعلاء شأن أولاده الثلاثة فتية (دا 3).