هكذا يدرك المرتل طول أناة الله حتى على الأشرار، لكن يلزم ألا نتراخى فقد أعد السيف والقوس لإبادة الشر، السيف للضرب عن قرب والقوس للضرب عن بعد.
"إن لم ترجعوا سيصقل سيفه.
أوتر قوسه وأتقنها، وأعدَّ فيها أواني الموت.
صنع سهامه للملتهبين" [12-13].
بالفعل أستخدم السيف والقوس معًا في قتل شاول (1 صم 31: 3-4). الإثنان يشيران إلى الله نفسه، إذ عدله حاد وقاطع كالسيف وراشق وماضٍ كسهام الحرب. وقد مدّ الله قوسه وهيأه لضرب قلب الشرير وضميره القاسي، لكي يهبه التوبة بتحذيره وتبكيته، فإن الله يُريد أن يحرق بسهامه النارية الخطية لا الخاطي. يود أن تفنى الخطية بسيفه، أي بكلمة الله، فيصير الخاطي بارًا بالنعمة الإلهية.
يرى القديس أغسطينوس أن القوس هنا هو كلمة الله، إذ يقول: [هذا القوس فيه تظهر قوة العهد الجديد كأوتار...
هذا القوس أطلق الرسل كسهام، أي أرسلهم كارزين بالكلمة الإلهية. هذه الأسهم جعلها (الله) مهيأة للذين هم ملتهبون، أي يضطرمون بنار حب الله عندما تطعنهم هذه السهام. فبأي سهم آخر طُعنت نفس القائل: "أدخلتي إلى بيت الخمر، أقامني بين الأطياب. اسندوني بأقراص الزبيب. انعشوني بالعسل، فإني مجروحة حبًا" (نش 2: 4 lxx)].
أية سهام أخرى تقدر أن تشعل بالنار ذاك الذي يقرر الرجوع إلى أحضان الله، هذا الذي يقطع تيهه، ويطلب عونًا ضد الألسنة الغاشة، قائلاً: "ماذا تُعطي وماذا تزاد بأزاء اللسان الغاش؛ سهام الأقوياء مرهفة مع جمر البرية" (مز 120: 3-4)؟! كأنه يُقال: إن طعنتُك هذه السهام واضطرمت فيك نار هذا الجمر، تحترق بحب ملكوت السموات، فتحتقر ألسنة مقاوميك الذين يريدون أن يصدّوك عن غايتك.
القديس أغسطينوس