طاقات الرجل بقيت، إلى حد بعيد، كامنة فيه إلى أن وجد نفسه فجأة، بعد السنة 379 م، سنة وفاة القديس باسيليوس، في الطليعة، وريثاً لاسم أخيه وشهرته وتركته اللاهوتية والروحية. إذ ذاك اصطلح، في قرارة نفسه وأخيه، وانطلقت مواهبه من عقالها لتستكين صلاته وتترسخ صلته بكل ما يمت إلى الحياة الملائكية الروحية وتعمق تأملاته الصوفية إلى حد بعيد. القديس غريغوريوس النيصصي هو أكثر الآباء تبحّراً في فلسفات الأقدمين ونجاحاً في سوقها إلى طاعة المسيح. وقد قيل إنه إذا كان القديس باسيليوس رجل عمل وإدارة أولاً والقديس غريغرريوس اللاهوتي النزينزي رجل شعر وبيان، فإن القديس غريغوريوس النيصصي هو رجل مستيكي وأول أعظم اللاهوتيين الروحيين في الكنيسة، باستثناء أوريجنيس المعلم لو لم يكن له شروده. وقد لقبّه آباء الكنيسة في زمانه بـ "عمود الأرثوذكسية" واعتبروه خليفة القديسين أثناسيوس الكبير و باسيليوس الكبير. كما أطلق عليه آباء المجمع المسكوني السابع، بعد أربعمائة سنة تقريباً من رقاده (787م)، لقب "أب الآباء".