مضي الوقت، الذي كانت فيه الجماهير ترحب بالمسيح وبرسله، وظهرت بوادر أوقات عصيبة ، سيعامل فيها المسيح معاملة المجرمين وال "أَثَمَةٍ" . قبلاً كان الشعب يستمع له، مصغياً لكلماته ، ومرحباً بشخصه. والآن قد تسممت أفكار الشعب من جهته بما نفثها فيها الكتبة والفريسيون من سموم قاتلة . لذلك قصد المسيح أن ينبه التلاميذ، لتكون عيونهم مفتوحة ، وليهيئوا أنفسهم وينظموا استعدادهم ، وفق هذا الإنقلاب العظيم " فيلبسوا لكل حال لبوسها " . " لكِنِ الآنَ " يجب عليهم أن يعتمدوا علي أنفسهم ، وأن يستخدموا الحكمة في ترتيب معيشتهم ، وفي الدفاع عن أنفسهم ، لأن العالم كله سيقف ضد سيدهم وضدهم . من الواضح أن المسيح لم يكن محدثاً إياهم عن دفاعهم عنه . وكأني به يقول لهم : انا أكلمكم من جهة أنفسكم ، وأما من جهتي "37 لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ»" – الإشارة هنا إلي ما جاء في إشعياء 53 : 12 .
هذه أقوي حجة علي أن المسيح لم يطلب من التلاميذ أن يحملوا السيف ، ليدفعوا الموت عنه ، لأنه عالم أنه لابد أن يموت ليتم المكتوب ، ولأنه موقن أن بينه وبين الصليب يوماً واحداً (يوحنا19 : 30 ) : " مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ " .
عدد (38). غاب عن التلاميذ ذلك القصد الروحي الأسمي ، الذي كان يرمي إليه المسيح من كلامه المجازي هذا ، فظنوه أنه طالباً منهم حمل السيف البتار للمدافعة عنه ، فَقَالُوا: "«يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ»". – وما قيمة سيفين في أيدي أحد عشر صياداً ، لمواجهة كل قوات اليهود والرومان ؟!