حرب ضروس
سأل زوسيما: "أيمكن أن تكوني قد عشت طوال هذه السنين، على هذا النحو، ولم تعاني، بشكل من الأشكال، من جراء تغيير هذا مقداره؟"
فأجابت: "إنك تذكّرني، أيها الأب زوسيما، بما لا اجسر على الكلام عنه. لأني حين أستعيد كل المخاطر التي قهرتها وكل الأفكار العنيفة التي بلبلتني، أشعر بالخوف من جديد منا لو كانت هذه المخاطر والأفكار على وشك أن تستأثر بي مرة أخرى.
"صدقني، يا أبانا، سبعة عشر عاماً مرت في هذه البرية وأنا أحارب الضواري-الرغبات المسعورة والأهواء. كلما عزمت على تناول طعامي اشتهيت اللحم والسمك في مصر. أسفت أيضا للخمر الذي طالما أحببته لأني كنت، في سابق عهدي، أحتسي منه الكثير فيما لا أجد هنا حتى ولا الماء. وكثيراً ما شعرتني أحترق وأترنح من العطش. والرغبة الجامحة في الأغاني المتهتكة كانت تجتاحني وتبلبلني. ولكن حين كانت مثل هذه الرغبات تتسلل إلى نفسي كنت أقرع صدري وأذكر نفسي بالنذر الذي قطعته على نفسي منذ أن دخلت البرية. كنت أعود، في أفكاري، إلى أيقونة والدة الإله التي اقتبلتني وأصلي إليها بصراخ. أبتهل إليها أن تصرف عني الأفكار التي أنوء تحتها. وبعد أن ابكي طويلاً وأضرب صدري كنت أرى أخيراً، نوراً يسطع عليّ من كل ناحية. بعد كل عاصفة هوجاء كان هدوء عميق ينزل عليّ.