إلى برية الأردن
بعد ذلك تركت رواق الكنيسة وانطلقت في رحلتي. وفيما كنت أغادر التفتَ إليّ إنسان غريب وأعطاني ثلاث قطع نقدية. أخذت المال وابتعت ثلاث خبزات أخذتها معي في رحلتي بمثابة هدية مباركة. استدليت على الطريق وسرت وأنا أبكي. مشيت بقية النهار وعند المغيب بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي على الأردن. وبعدما أدّيت الصلاة في الكنيسة نزلت إلى النهر وغسلت وجهي ويديّ في مياهه المقدسة. ثم ساهمت القدسات المحيية في كنيسة السابق وأكلت نصف رغيف. وبعد أن شربت من مياه الأردن استلقيت وقضيت الليل على الأرض. في الصباح وجدت مركباً صغيراً فعبرت إلى الضفة المقابلة. من جديد صليت لسيدتنا أن ترشدني إلى حيثما شاءتني أن أذهب، فوجدتني في هذه البرية. مذ ذاك وإلى هذا اليوم، وأنا متغربة، بعيدة عن الناس، أفر من الجميع، وأحيا ملتصقة بإلهي الذي ينجي كل من يتحولون إليه خائرين تكدّهم العواصف".
سألها زوسيما:
"كم لك من السنين في هذه البرية"؟
فأجابت: "سبع وأربعون سنة مرت، على ما أظن، منذ أن غادرت المدينة المقدسة".
سأل زوسيما: "ولكن أي مأكل تجدين؟"
فأجابت: "كان معي رغيفان ونصف حين عبرت الأردن. ولم يطل الوقت حتى يبسا وأضحيا أقسى من الصخر. وإذ كنت أتناول القليل استهلكتها بعد بضع سنوات".