اللقاء
خرج زوسيما كسواه ودخل عمق البرية. كان في صدره رجاء أن يلتقي من هو كفيل، من النساك المجاهدين، بإشباع رغبته وإرواء توقه. هام على وجهه لا يفطن لتعب من احترار الشوق فيه، مسرع الخطو كمن يقصد مكاناً مألوفاً. هذه كانت حركة الروح فيه. فلما مضى عليه قرابة العشرين يوماً، جادّاً في سبر الأعماق، حدث عند الساعة السادسة(الثانية عشرة ظهراً عندنا) انه توقف واتجه قبلة الشرق وأخذ يُنشد خدمة الساعة السادسة ويتلو الصلوات المعتادة. فجأة لمح بطرف عينه، على رابية، شبة إنسان. فتوجس خيفة لعل ما رآه يكون من الشيطان. لكنه تحصّن بإشارة الصليب وبدد عن نفسه الخوف. وإذ تطلّع في ذاك الاتجاه تيقن من أن هيئة بشرية ما تنسل باتجاه الجنوب. كانت على عري، داكنة الجلد، كأن لهب الشمس أحرقها. شعرُ رأسها أبيض كالصوف، غير طويل، دون الرقبة قليلاً. شعر زوسيما لمرآها ببهجة غامرة فجدّ، عفواً، في إثرها، فلاذت بالفرار فلحق بها. فلما بات على مسافة الصوت منها نادى: "لم تفرين من عجوز خاطئ؟ يا أمه الإله الحق، اصطبري عليّ، كائنة من كنت، باسم الله أدعوك، بمحبة الله الذي من أجله تقيمين في البرية".