لأن أي طبيب هذا الذي يأتيه مريض فيُعنفه ويُعيره بمرضه أو يبكته بشدة ويوبخه عليه،
أو أي أب هذا الذي يجد ابنه مُصاباً بجروح خطيرة، وينزف ونفسه مكسورة، ثم يبكته أو يعاقبه، لأن الطبيب يُعالج المريض، والأب بإشفاق المحبة الخالصة يمد يده ليضمد جراح ابنه الأغلى عنده من نفسه، لأننا رأينا محبة الله الفائقة معلنه لنا في ملء الزمان لأنه مكتوب: لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؛ وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. (يوحنا 3: 16؛ رومية 5: 8)
فمن جهة التدبير الإلهي،
الرب لم ينتظر توبتنا أولاً ليُخلي نفسه ويأخذ صورة العبد ويتقدم للصلب ليموت من أجل خطايانا ويقوم لأجل تبريرنا، بل ونحن ما نزال خُطاة تحت نير الشهوات وأوجاعها الجارحة للنفس والمُدمرة لكل ملكاتها الروحية، أي ونحن ماكثين في ظلمة الإثم الثقيل تحت سلطان الموت محفوظين للهلاك، مات المسيح لأجلنا وقام وصعد بجسم بشريتنا ليفتح لنا الطريق لحضن الآب، لأن المسيح الرب لم يأتي ليُدين أحد بل ليُخلِّص العالم (يوحنا 12: 47)، لذلك قيل في المثل "وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً".