ونلاحظ هنا أن كل تفكير الابن يتجه في أنه يقترب من أبيه،
ويقف على بابه قارعاً، صارخاً بتوسل اعترافه أمامه مباشرة، لكي يُعيده ويدخله البيت كأجير، وهذا هو حال من يخجل من نفسه ومن خطيئته، وقلبه مكسور من أفعال قبيحة ارتكبها بحماقة، مع أنه لم يكن يظن أبداً أن أبيه ينتظره بشغف أبوته، وبالتالي لا يتوقع ترحيبه الشديد ليصل لحد الاحتفال بعودته، وهذا واضح من كلماته التي عزم أن ينطق بها أمام أبيه، لكن ما حدث واقعياً كان مُذهلاً:
+ وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً، رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ، وَرَكَضَ، وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ.
فالابن الخاطئ الذي شرد وترك بيت أبيه بإرادته عن قصد وبكامل وعيه، وبحريته التي لم يتدخل فيها أبيه ولم يمنعه قسراً أو يعوق مسيرته، وهو ما زال بعيداً لم يقترب بعد، رآه أبوه، لأنه يعرف ملامحه منتظراً عودته بشغف أبوي شديد (أرجعوا إليَّ فأرجع إليكم)، فأنَّتْ عليه أحشاء ابوته الحانية فركض بفرح محبة الأبوة الصادقة ليحتضنه بقوة ويضمه لصدره ويقبله، ولو ان الابن نفسه كان يتوقع عقوبة وربما رفض، لكن يا لعظمة ما وجده: "قُبلة"، وهذا هو العجب؛ لأننا كلنا حينما نحاول أن نقترب من الله الحي بخوف وخجل شديد، فأن الظنون تأكلنا ونعتقد أنه سيعاقبنا على خطايانا ويجلدنا وينهال علينا بكمات قاسية وتأديبات مُرعبة تتساوى مع خطايانا لكي ندفع ثمن ما ارتكبناه من معصية، فنخاف خوفاً عظيماً من أن نقترب منه، لكن حينما نجازف ونقول الوقوع في يد الرب خير من هذا العذاب في الشرّ وحياة الفساد والهبوط للتراب وضياع كرامة النفس، ونقترب منه بثقة الإيمان الحي ونرتمي بين يديه، نُفاجئ بحالة السلام التي تحل في قلبنا وشعور خفي مفرح يتخلل ظلمة تفكيرنا الخاطئ المحصور في العقوبة، لأن هذه هي معاملات ابوة الله الحانية: "فتحنن – ووقع على عنقه وقبله"