العــــــــــــــــــودة

(1) فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ.
الابن هنا لم يجلس يفكر في الأمر ويُقلبه على كل وجه ويفتش عن كلمات وأعذار أو انحصر في مشكلته وظل يبكى ويتباكى عليها وينوح ويؤنب نفسه ويجلدها بكلمات لاذعة، بل أهمل وترك كل حياته القديمة وراء ظهره بحلوها ومرها ولم يفكر بها إطلاقاً، وتحوَّل عنها وتحرك بجدية وقام ليبدأ فعلياً في رحلة العودة إلى أبيه، لذلك فأن كل تباطؤ في التوبة والتفكير الكثير في الحال السيء الذي وصلنا إليه في أرض التغرب عن الله الحي سيثبط من عزيمة النفس ويعوقها ويعطل التحرك والقيام والحضور أمام الله الحي أبينا وسيد كل أحد، لأن أحياناً كثيرة ننشغل بالتفكير كيف فعلت هذا ولماذا، ونُدين أنفسنا ونحزن ونقول أننا غير مستحقين ولا يُمكن أن نفلح في الحياة الروحية، وكيف أن الله يقبلنا بعد أن فعلنا كل قُبح في عينيه وارتكبنا شروراً هذه مقدارها، وكل هذا نتيجة خداع الخطية والانحصار في حال السقوط، لأن مشكلة الخطية في حالة اليأس التي تضرب به النفس حتى يصير الإنسان مُعاقاً عن الحركة، وهذا يُسمى شلل روحي يجعل الإنسان يُقيد مكانه بلا حراك ويظل مشغولاً بأفكار مُدمرة لنفسيته وخانقة لروحة، حتى يُصاب باليأس الشديد مع الفشل والجمود في مكانه، ليدخل في حالة من الصراع مع أفكار نفسه المريضة، قد تصل به لحد الكآبة الشديدة، لأنه ما زال يحيا في نفس الدائرة المُميتة، مثل من يسبح في البحر وسط دوامة عظيمة ويظل يقاومها بلا طائل، حتى يتعب بشدة وتخونه عضلات جسده التي قد تصل لحد التمزق، ثم تأخذه الدوامة وتسحبه لأسفل حتى تخنقه وتقتله.