وفي أحداث هذا المثل نجد أن التدني والحاجة والعوز،
هما من جعلوا الابن يسترد وعيه ليعود ليفكر في طياشة أفعاله ويستفيق من غفوته، فقد تذكر حاله السابق قبل انعزاله عن أبيه وخروجه من بيته، فهو في كورة بعيدة مُشرداً جائعاً ولا يهتم به أحد ليعطيه ولو طعام الحيوان نفسه، لأن كان له ذكريات غنى لا تُنسى، فالإنسان الذي ذاق الغنى وتربى في بيت أبيه الصالح، هو وحده مَن يشعر بشدة فقره وعوزه والحال المُذري الذي وصل إليه، وهذا يختلف تمام الاختلاف عن من تربى وعاش في الهوان من نعومة أزفاره، فبكونه عاش عبداً فقيراً تحت المذلة منذ البداية، فهو لا يشعر بمثل شعور هذا الابن إطلاقاً، الذي في وقت المحنة والجوع تذكر بيت أبيه الذي فيه حتى الخُدام والأُجراء لا يجوعون، بل يتبقى عنهم الخبز، وهو الآن يهلك من الجوع الشديد ولا يجد من يُعطيه ولو كسرة واحدة من طعام الخنازير، لأن طبيعة النفس الجائعة أنها دائماً تجد كل مُر حلو أمام عينيها، لأنها تُريد أن تشبع بأية طريقة مُمكنه، لذلك كان يشتهي أن يأكل طعام الخنازير التي كانت تعتبر حيوانات حقيرة للغاية لأنها في نظر الجميع نجسة.