5- الأدب المصري:
نجد بين صنوف الأدب المصري القديم التي حفظت لنا على مر العصور بعض النصوص الجنائزية التي جاءتنا من المقابر، وكتاب الموتى (وهو عبارة عن تعليمات للمائت وإرشادات له يستعين بها عندما يمثل للدينونة)، وترانيم للآلهة ومقطوعات مديح تخلد انتصارات الملوك والأمثال والقصص وأشعار الحب والمراسلات والوثائق للمعاملات اليومية والتجارية والنصوص الحسابية والطبية والسحرية.
ويمكننا أن نتبين شيئًا من العلاقة بين الأدب المصري القديم والكتاب المقدس فيما يأتي:
(1) بعض الكلمات العبرية في العهد القديم مشتقة من اللغة المصرية القديمة. فمثلًا كلمة يئور (مشتقة من ارو) وتعني النيل، واسم موسى (ربما كان من مسو التي معناها مولود من، وتظهر في أسماء الملوك مثل رعمسيس أي مولود رع)، واسم فنيخاس (من بنحسي، أي "النوبي").
(2) الشبه الذي يراه بعضهم بين قصة انبو وباطا المصرية القديمة وقصة يوسف وفوطيفار، وكذلك الاعترافات السلبية الواردة في "كتاب الموتى" والعشر وصايا ولكن الفرق بين هذه وتلك الاختلاف بينها شاسع إلى الحد الذي يجعل أي تشابه إن وجد ضئيلًا إلى الغاية.
(3) أشار إلى كثير من العلماء إلى التشابه الظاهري بيت ترنيمة اخناتون للإله آتون والمزمور المئة والرابعة ولكن يمكن أن يعزو أي تشابه، إِن وجد، إلى تشابه الموضوع الذي يتحدث عن الخلق والعناية فلا يمكن أن نثبت من ها أن هناك علاقة أدبية بينهما.
(4) يرى بعض العلماء تشابهًا بين أمثال امون-ام-اوبي التي كتبت حوالي 1100-950 ق. م. وبين كلمات الحكيم الواردة في أمثال 22: 17-24: 22.
(5) في عصر ما بين العهدين أصدرت الجماعة اليهودية في الإسكندرية كتابات مهمة وترجمات إلى اللغة اليونانية لها اعتبارها. فمن ضمن الابو كريفا اخرجوا المكابيين الثاني والترجمة اليونانية للحكمة أو سيراخ ومن بين السود ابيجرافا أو الكتب المنتحلة نجد رسالة ارستياس ووحي سبلين والمكابيين الثالث والرابع واخنوخ الثاني وباروخ الثالث. ومن أهم ما صدر عن الاسكندرية، الترجمة السبعينية وهي ترجمة للكتب المقدسة في العهد القديم من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية وقد بدأت كما يذكر التقليد في زمن بطليموس الثاني أو فيلادلفس (285-246) وقد جعلت هذه الترجمة الكتاب المقدس كتابًا مفتوحًا لليهود الذين كانوا يتكلمون اللغة اليونانية وللأمم وللمسيحيين فيما بعد.
(6) وقد ظهر في الاسكندرية الفيلسوف اليهودي فيلو الذي حاول أو يوّفق بين أفلاطون وفلسفته والكتاب المقدس وهو يستخدم بعض العبارات والوسائل في تفسير العهد القديم شبيه بعض الشبه بما نجده في إنجيل يوحنا والرسالة إلى العبرانيين. فيتحدث فيلو مثلًا عن اللوغس أو "الكلمة" كواسطة الخلق وهذا يشبه ما جاء في يوحنا 1: 3 "به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان"، أما الفرق العظيم بين ما كتبه فيلو عن الكلمة وبين ما كتبه يوحنا أن "الكلمة" في يوحنا شخص تاريخي متجسد في يسوع المسيح. ويشير فيلو إلى أن الهيكل الأرضي رمز إلى الهيكل السماوي كما يشير إلى هذا كاتب الرسالة إلى العبرانيين ص 9: 11 و 23 و 24. وكذلك يذكر فيلو "ملكي صادق" كرمز ومجاز للعقل الصائب الخيّر بينما يذكره كاتب الرسالة إلى العبرانيين رمزًا للمسيح الفادي والوسيط الأعظم.
(7) بعض الأقوال التي تنسب إلى المسيح في بعض الأناجيل الغنوسية القبطية التي ترجع إلى القرن الرابع أو الخامس الميلاديين والتي اكتشفت حديثًا في نجع حمادي في مصر العليا شبيهة بأقوال المسيح المذكورة في البشائر القانونية. إنما في هذه الأناجيل الغنوسية الكثير من الميول التقشفية والتنكسية وكذلك نجد فيها بعضًا من الأفكار الثنائية وهذه كلها بعيدة كل البعد عن العهد الجديد.