كذلك أبدى القديس شفقة على الأباطرة لأنهم عميان إذ يظنون أنهم يزيدون تيجانهم بهاء ولباسهم الأرجواني رونقاً إن تزيّوا بالزي الكئيب الذي يتزيّي به مقربوا الذبائح. إنهم لا يعرفون أن مثل هذه الوظيفة تحط من قدرهم وأنهم متى قاموا بها كانوا في موقع الطهاة، وهم الأباطرة، يقتلون الطيور ويطهونها، ويجوفون الحيوانات الميتة مستدعين من الناس الإحتقار والإزدراء، وهم كالجزارين ملطخة بالدم أيديهم وأثوابهم. وأثارت أقوال القديس سخط القضاة فأمطروه شتماً واتهموه بالكفر والتمرد، وأمروا به الجند فمددوه للتعذيب. وإذ أمعن جلادوه في تعذيبه لم يبدِ أية علامة من علامات الضعف بل أخذ يردد القول المزموري: "أبارك الرب في كل حين. تسبحته في فمي في كل آن"، حاسباً التعذيب واقعاً على غيره لا عليه. بعد جولة التعذيب ألقاه الجلادون في السجن. هناك انبعثت من السجن الأناشيد السماوية ليالي بطولها ومشاعلٍ لا عد لها أضاءت المكان. ولما أسرع الحراس إلى الداخل وجدوا الشهيد مرتاحاً وبقية المساجين يغطون في نوم عميق. أخيراُ ساد صمت عميق وحلت الظلمة دامسة.
بعد ذلك لما رأى القضاة أن جهودهم لاستعادة ثيودوروس ذهبت هباء وأن الوقت يزيده صلابة وثباتاً ويزيدهم بإزائه إحباطاً حكموا عليه بالموت حرقاً". وإذ تمت شهادته ترك لنا حياته مثالاً وموته إكراماً". وقد ورد في بعض المصادر القديمة كعظة خريسيبوس الكاهن الأورشليمي (479م) أن سيدة غنية اسمها أفسافيا أخذت رفاته وابتنت لها ضريحاً. ولعل موضع هذا الضريح كان، مذ ذاك، أوخاييطا.