(ج) تاريخ عبادة الأصنام في إسرائيل:
عاش إبراهيم في عالم يعبد الأوثان، وكان سبب ارتحاله غربًا، هو أن يبتعد عن أور الكلدأنيين الوثنية، وأن يبحث عن موطن جديد يعبد فيه الله الحقيقي، ومما يستلفت النظر أن بين نسل إبراهيم ظهرت ديانات التوحيد الثلاثة.
وقد نهت الشريعة نهيًا جازمًا عن عبادة الأصنام، فجاء في إلي وصيتين من الوصايا العشر: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا إلي صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن إلي تعبدهن" (خر 20: 3-5) تث 5: 7-9، انظر أيضًا لا 9: 4) وكانت عبادة الأصنام تعتبر خيانة لله الحي الحقيقي، عقوبتها الرجم حتى الموت (تث 17: 2-7).
ويأمرهم الله أن يحترسوا جَّدًا لأنفسهم: "فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار، لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالًا منحوتًا، صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى، شبه ما مما على الأرض، شبه طير ما ذي جناح مما يطير في السماء، شبه دبيب ما على الأرض، شبه سمك ما مما في الماء من تحت الأرض، ولئلا ترفع عينيك إلى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم، كل جند السماء .. فتغتر وتسجد لها وتعبدها" (تث 4: 15-19-انظر أيضًا هو 4: 12، إش 44: 9 و10، مز 115). فعبادة الأصنام حماقة مطلقة. فالعبادة يجب أن تكون لله وحده، حيث أنه هو الإله الحي خالق كل الإشياء، وهو روح لا يمكن تصويره أو تمثيله بأي شكل. وتبدأ قصة عبادة الأصنام عند العبرانيين بحادثة سرقة راحيل لأصنام أبيها لابان (تك 31: 19). ولعل راحيل لم تكن تنوي عبادة هذه الاصنام، لأن ما أسفر عنه التنقيب في " نوزو" (في بلاد بين النهرين) يدل على أن رئاسة العائلة كانت تنتقل لمن يمتلك اصنامها، فلربما كانت راحيل تريد أن تجعل من يعقوب رأسًا لعائلة أبيها.
ولاشك في أن السنين الطويلة التي قضاها بنو إسرائيل في مصر، جعلتهم يُفتنون بأصنامها (انظر يش 24: 14، حز 20: 7 و8)، ولذلك تحدى موسى ألهة مصر فيما أجراه من معجزات (عد 33: 4).
وعندما غاب موسى فوق جبل سيناء، طلب بنو إسرائيل من هرون أن يصنع لهم ألهة تسير أمامهم (خر 32: 1) , ولأن أفكارهم كانت متشبعة بما رأوه في مصر، صنع لهم " عجلًا مسبوكًا، فقالوا هذه آلهتكم يا إسرائيل" (خر 32: 4). ومن عجب أن هارون " بنى مذبحًا أمامه، ونادى هرون وقال: غدًا عيد للرب" (خر 32: 5) وكان ذلك العجل الذهبي كان يمثل "الرب" (يهوه)، مما أدى بهم إلى أن يغنوا ويرقصوا عراة أمام العجل (32: 6 و18 و19 و25) مثلما كان يحدث في الاحتفال بالعجل "أبيس" في مصر. إلي شك أن هذا الغناء والرقص، كان مصحوبًا بنوع من الحركات المثيرة، حيث أن كلمة " اللعب" (خر 32: 6) تتضمن معنى مداعبات جنسية (انظر كلمة " يلاعب " أو يداعب في تك 26: 8)، مما أثار غضب الله وغضب موسى (خر 32: 7 و8 و19 و20) ويقول المرنم: "صنعوا عجلًا في حوريب وسجدوا لتمثال مسبوك، وأبدلوا مجدهم بمثال ثور آكل عشب" (مز 106: 19 و20).
كما وقع بنو إسرائيل في هذه الخطية في شطيم عندما افتتن رجال إسرائيل بجمال بنات موآب اللواتي دعونهم " إلى ذبائح آلهتهن، فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن" (عد 25: 1 و2).
وعندما دخل بنو إسرائيل أرض فلسطين، احتكوا بالكثير من إشكال العبادات الوثنية، ومع أن الرب أمرهم بأن يلاشوها تمامًا (تث 12 و2: 3)، إلي أنهم لم ينفذوا هذه الوصية تنفيذًا كاملًا (انظر قض 2: 11-14).
وكان في بيت يوإش الأبيعزري (أبي جدعون) مذبح للبعل، أمر الرب جدعون بأن يهدمه (قض 6: 25-32). كما أن الأفود التي صنعها جدعون وجعلها في مدينة عفرة، صارت فخًا لبيته ولكل بني إسرائيل (قض 8: 27). وحالما مات جدعون رجع بنو إسرائيل وعبدوا " البعليم وجعلوا لهم بعل بريث (بعل العهد) إلهًا" (قض 8: 3، 9: 4).