إنّ الرّوح القدس يُرشد نفسَ كلّ إنسان إلى شعور بالرحمةٍ يفوق التصوّر والإدراك. فيتلقّن الإنسان أن يماثل الثّالوث في علاقاته بالآخرين. هذا هو معنى حياة القدّيس سلوان عينها: “إسأل الله من كلّ قوّتك أن يمنحكَ التواضع والمحبّة الأخويّة، لأنّ مَن يحُبَّ أخاه يُعطِه الرّبُّ نعمةً من دون حساب”. إنّ هذا الأمر قريبٌ جدًّا ممّا نعيشه اليوم: فتواصُلنا مع الآخرين هو جوهر هويّتنا المسيحيّة الّتي تميّزنا عن غير المسيحيّين. من خلال القدّيس سلوان نفهم اليوم ما الوثنيّة وما المسيحيّة في جوهرها. يقول القدّيس بولس الرّسول: “أنتم تعلمون أنّكم كنتم أُممًا منقادين إلى الأوثان البُكم” (1كو12: 2). إنّ الوثن هو ما يحتلّ في حياتنا وفي روحانيّتنا محلَّ المثال. فنحن عندما نَعبُدُ الوثَن، نعترف به مثالاً أعلى. والوثن “الأبكم” رمزٌ للأنانيّة: هو أبكم إذًا لا تواصل، بعكس “اللِّسان” (بمعنى النُّطق واللُّغة اللّذَين يَهبُهُما الرّوح القدس). فالإنسان الوثنيّ الّذي يعبد صنمًا أبكم يبقى مجرّد كائنٍ حيّ. إنّه منغلق على ذاته، يتَمَحْوَرُ حولهَا، ولا يَتواصل، بل يحتقر العلاقة بالناس، ويتجنّبها[5]. ويمكن أن نربط هذا الموقف باختبار الأب صفروني لبعض الّتيارات الشرقيّة غير المسيحيّة، وهو ما أسماه فيما بعد انتحارًا روحيًّا. حصل له هذا الاختبار عندما لم يقبل في ذاته موهبته كشخصٍ له قدرةٌ على المحبّة الشّاملة الكونيّة الّتي تنفتحُ بالرّوح القدس، إنّما حاولَ تخطّي هذا الشّخص وإزالته لكي يصل إلى ما هو “أسمى من المحبّة وأبعد”، في اجتهاده للامتداد نحو المطلَق التّجاوزيّ. الّلافتُ أنّ الأناجيل لا تنفكّ تشدّد على سكنى الممسوسين في أماكن منعزلة لا اتّصال فيها بالآخرين: فمجنون كورة الجرجسيّين سكَنَ القبور (متى8: 28). وكما قال المسيح، إنّ الأرواح النّجسة تؤثِرُ الأماكن الجافّة (القَفر)(متى12: 43)، حيث لا حياة ولا اتّصال بالآخرين (لأنّه حيث لا مياه، لا حياة).