بالنّسبة إلى القدّيس سلوان، هذا هو التّحقيق الطبيعيّ لوصيّة المسيح: “أحبب قريبك كنفسك”. فالقريب عنده هو آدم الكُلِّيّ، أي البشريّة جمعاء. كثيرًا ما أبدى الأب صفروني إعجابه بهذه الفكرة كما يعبّر عنها إرمس الأودية الأولى من القانون الكبير للقدّيس أندراوس الكريتيّ، المُرتَّل في الصّوم الكبير: “اسمعي يا سماء فاتكلّم”. كان يقول: “عندما يتكلّم الشّخص الإنسانيّ (persona)، تصمتُ السّماء كلّها لتُصغي إليه”.
في التّراث النّسكيّ الشّرقيّ، نجدُ ذكرًا لهذه الصّلاة الّتي تشمل الكون عند القدّيسَين مكاريوس الكبير واسحق السّريانيّ، بَيدَ أنّها تأتي عند القدّيس سلوان كحجر الزّاوية في الحياة الرّوحيّة الرّهبانيّة.
إنّ الأب صفروني يعطي تفسيرًا لاهوتيًّا لهذه الصلاة. فمَن يصلّيها يتحقّق فيه صورة الله ومثاله. فكما يحيا الله الثّالوث ككيانٍ واحد، هكذا يحيا الإنسان حالة البشريّة كوحدة شاملة متكاملة. هكذا تتّحد البشريّة كلّها بالمحبّة، كمجموعة أشخاص، كما تتّحد الأقانيم الإلهيّة. يقول الأب صفروني في كتاباته:
“نادرًا ما يُعطى لأحد في هذا العالم أن يختبر مفهوم الشّخص الإنسانيّ persona اختبارًا حيًّا. على حذوِ صلاة المسيح، يتأتّى هذا الاختبار من صلاة الإنسان للعالم بأسره كما يصلّي لأجل نفسه، وِفقًا للوصيّة القائلة: “أحبب قريبك كنفسك”(متى12: 31). فإذا تلقّن الإنسان هذه الصّلاة بفعل الرّوح القدس، يحيا جوهريًّا على صورة الثّالوث. في هذه الصّلاة يعيش المرء مشاركة أجمعين في الجوهر نفسه، وينكشف لنا المعنى الكيانيّ للوصيّة الثّانية: يصبح آدم الكُلِّيّ إنسانًا واحدًا متمثِّلاً في الجنس البشريّ”.
من اللاّفت أنّ صلاة القدّيس سلوان لا تبقى نابعة من ذاته ولأجل نفسه، إنّما يصلّي عقليًّا عن البشريّة جمعاء، ولأجلها.
“أيّها الربّ الرّحيم، علّمنا، بالرّوح القدس”…
* * *