تناقضات تاريخية:
إن الضعف التاريخي في الكنيسة لا يخفي طابع التحدِّي الكليّ الذي تلتزمه بطبيعتها الانقضائية، فهي تتحدَّى نفسها دائماً. فبين الحياة التاريخية ومهمة الكنيسة تناقض. وهذا التناقض لن يجد له حلاًّ على الصعيد التاريخي. فهو إشارة دائمة إلى ما “سيأتي”، وهو متأصل في الخيار العملي الذي كان على الكنيسة أن تواجهه منذ بدء محجتها التاريخية. فإمّا أنها أُنشئت كجماعة “كليّانيّة” مقتصرة على أعضائها وتسعى إلى سدّ كل متطلبات المؤمنين “الزمنية” و”الروحية”، من دون أن تنبه إلى النظام الموجود وأن تترك شيئاً للعالم الخارجي أي أنها منفصلة عن العالم كلياً ومتخلِّية عنه ورافضة لكلّ سلطان خارجي، أو أنها أُنشئت لتنصير العالم كلّه ولإخضاع الحياة كلّها للنظام المسيحيين، ولإصلاح الحياة المدنية وإعادة تنظيمها وفقاً للمبادئ المسيحية، ولبناء المدينة المسيحية. في تاريخ الكنيسة نقدر أن نقتفي آثار هين الخيارين: الهرب إلى الصحراء وبناء الإمبراطورية المسيحية. الخيار الأول لم يُمارس في الحياة الرهبانية بكلّ اتجاهاتها فقط، بل في جماعات مسيحية أخرى وفئات متعددة. أمَّا الخيار الثاني فكان الخط الرئيسي الذي اتخذه المسيحيون في الشرق والغرب، حتى قامت العلمنة المناهضة. لكن هذا الخيار لم يفقد في أيامنا هذه سيطرته على الكثير من الناس. لقد ثبت بشكل عام إخفاقهما، ولذلك على المرء أن يقرّ بحقيقة مشكلتهما المشتركة وهدفها الواحد. فما المسيحية ديانة فردية ولا همُّهما “خلاص النفس” فقط، بل هي الكنيسة، أي جماعة الله وشعبه الجديد، التي تسيِّر حياتها الواحدة وفقاً لمبادئها الخاصة. ولا يجوز أن نشطر هذه الحياة إلى عدة أقسام يسود بعضها مبادئ أخرى غير متجانسة. إنه يصعب تحويل القيادة الروحية في الكنيسة إلى توجيه عرَضي يُعْطَى لأفراد أو جماعات تعيش تحت ظروف تناقض حياة الكنيسة. فشرعية هذه الظروف يجب أن توضع أولاً تحت التساؤل. يجب ألاّ نتجنَّب أو نبتعد عن مهمة إعادة خلق أو تركيب كلّ بنية الحياة الإنسانية. فالإنسان لا يقدر أن يخدم سيِّدين، لأن الولاء المزدوج حلٌّ ضعيف جداً. هنا يأتي حتماً الخيار الذي اشرنا إليه سابقاً، لأن كلّ شيء آخر هو تسوية مفضوحة أو إنقاص من المطالب الأساسية الشاملة. فإمّا أن يكون من واجب المسيحيين الخروج من العالم الذي يوجد فيه ربٌّ آخر إلى جانب المسيح (مهما يكن الاسم الذي يحمله هذا الرب: قيصر أو المال أو أي شيء آخر) والذي يختلف فيه نظام الحياة وغايتها عمَّا أُعلن في الإنجيل، أي الخروج منه وبناء مجتمع منفصل، أو أن يغيِّروا العالم الخارجي ويجعلوا منه ملكوت الله ويُدخلوا مبادئ الإنجيل إلى التشريع المدني.