لن تقودنا خريستولوجية الكنيسة إلى ضباب التأملات الباطلة أو إلى صوفيَّة حالمة، لأنها تؤمِّن لنا الأساس الأوحد والثابت والإيجابي للبحث اللاهوتي الصحيح. وعلى هذا الأساس يجد لاهوت الكنيسة مكانه الملائم والعضوي في بنية التدبير الإلهي للخلاص. ولن يبقى سوى البحث عن رؤية شاملة لسرّ خلاصنا وخلاص العالم.
أخيراً يجب أن نذكر أن هذا التمييز وهو أن الكنيسة ما برحت في “حالة الصيرورة” (in statu viae) لكنّها هي أولاً في “حالة الوطنية” (in statu patriae). فعندها حياة مزدوجة في السماء وعلى الأرض الكنيسة جماعة تاريخية منظورة وجسد المسيح في الوقت نفسه. فهي كنيسة المخلَّصين وكنيسة الخطأة البائسين على حدّ سواء. تاريخياً لم تبلغ هدفها الأخير بعد، لكن حقيقتها النهائية أُعلنت وكُشفت وأصبحت حقاً في متناول الجميع، رغم عدم الاكتمال التاريخي المؤقت الشكل. فالكنيسة جماعة سرّية، وهذه السرّية لا تقل شأناً عن “الانقضائية”. فالإنقضاء (to eschaton) لا يدلّ في الأصل على الحدث النهائي في سلسلة الأحداث الزمنية، لأنه الحدث الأقصى (والحاسم). وهذا الحدث يتمّ في خضمّ الأحداث التاريخية. ما “لا ينتمي إلى هذا العالم” صار هنا “في هذا العالم”، وهو لا يلغي العالم، بل يعطيه معنى جديداً وقيمة جديدة ويعيد إليه شرفه القديم. فما هو سوى توقّع و”أمارة” إلى الإنجاز الأخير. لكنَّ الروح يقيم في الكنيسة، وهذا هو سرّها: “فالجماعة المرئية المولَّفة من أناس ضعفاء هي الجسم الحيّ للنعمة الإلهية».