الغريب أنه يتهم المسيحيين بما يقوم به هو نفسه!! وراح في أوهامه وتخيلاته يقول أنه: " لو بقيت تلك الأناجيل كلها لكانت أغزر ينابيع التاريخ في بابها ما قبل منها أصلا للدين وما لم يقبل ولرأيت لعلماء هذا العصر من الحكم عليها والاستنباط منها بطرق العلم الحديثة المصونة بسياج الحرية والاستقلال في الإرادة مالا يأتي مثله من رجال الكنيسة الذين اختاروا تلك الأناجيل الأربعة ورفضوا ما سواها "!!
هكذا يضع تخيلاته وأوهامه وتمنياته ويتكلم بغير علم ولا دليل، ويزعم أن رجال الكنيسة اختاروا الأناجيل الأربعة دون بحث!! ورفضوا بقية الأناجيل بلا سند أو دليل!!
ويتمنى ويتخيل ويتهيأ له، في أحلام اليقظة، أنه لو ظهرت هذه الأناجيل، التي رفضها رجال الكنيسة، ودرسها العلماء بطرق العلم الحديثة وبحرية إرادة، لأظهروا ما لم يظهره رجال الكنيسة!!
والغريب أنه وغيره يتكلمون فيما لا يعلمون ويزعمون ويدعون معرفة ما ليس لهم به من علم أو معرفة؟!! فلا الكنيسة اختارت الأناجيل الأربعة دون سند، ولا رفض رجالها الكتب الأخرى دون دليل!! وكل ما زعمه، هو وغيره، يدل علي عدم معرفة.
أولا: لأن جزء من هذه الكتب تم اكتشافه وظهر وبصفة خاصة في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، كما تم اكتشاف مكتبة غنوسية كاملة في نجع حمادي سنة 1947م تضم معظم هذه الأناجيل المفقودة وغيرها من الكتب الغنوسية الأخرى، وهي موجودة بالمتاحف وجزء منها في مصر!! وترجمت إلى عدة لغات، وهي موجودة في متناول من يريد قراءتها أو بحثها سواء بلغاتها الأصلية أو مترجمة إلى اللغات الحية كالإنجليزية مثلا!! وقد قمنا بترجمتها، جميعا إلى اللغة العربية، كما بينّا أعلاه.
ثانيا: لأن الكنيسة لم تترك هذه الفرصة لدراسة وتحليل هذه الكتب وطبقت عليها أساليب النقد الأعلى والنقد النصي وكل ما له صلة بمثل هذه الدراسات لمعرفة محتواها ومن هم الذين كتبوها وزمن كتابتها والخلفيات التي كتبت على أساسها، فهي التي سبق أن درست محتوى هذه الكتب ومضمونها ورفضتها، وقت ظهورها، في القرون الأولى لأنها لم تخرج من دائرة تلاميذ المسيح ورسله ولا كتبت في زمانهم أو زمن خلفائهم بل كتبت، جميعها فيما بين سنة 150م و450م، بل وبعضها كُتب بعد ذلك بكثير، وأن الذين كتبوها هم الهراطقة، خاصة الماركيونيين والغنوسيين والدوسيتيين الذين خلطوا بين المسيحية والفلسفة الأفلاطونية والديانات المصرية والكلدانية والفارسية، وقالوا أن المسيح، كإله، ظهر على الأرض كشبح وخيال!! لذا أسموهم بالخياليين. وكانت الكنيسة تعرفهم بالاسم:
قال القديس إيريناؤس (175م): " أن الهراطقة الماركونيين أصدروا عددا لا يحصى من الكتابات الأبوكريفية المزورة والتي زيفوها بأنفسهم ليذهلوا عقول الحمقى "(9).
وقال يوسابيوس القيصري (264-240م): " أنها معروفه عند معظم الكتاب الكنسيين، وانه في مقدورنا أن نميز بين هذه الكتب القانونية وتلك التي يصدرها الهراطقة بأسماء الرسل مثل إنجيل بطرس وانجيل متى (المنحول) وغيرها، أو مثل أعمال أندراوس، ويوحنا، وغيرهما من الرسل، فلم يحسب أي واحد من كتاب الكنيسة أنها تستحق الإشارة إليها في كتاباتهم. وفى الحقيقة أن أسلوبها يختلف اختلافا بينا عن أسلوب الرسل، كما أن أفكارها ومفاهيمها بعيدة جدا عن الأفكار القويمة الصحيحة، وهذا دليل على أنها من صنع خيال الهراطقة، ومن ثم وجب ألا تحسب بين الكتابات المزيفة فحسب، بل يجب أن ترفض كلية باعتبارها سخيفة ونجسة "(10).
وقال فوتيوس بطريرك القسطنطينية في النصف الثاني من ق 9(11) " أن لغتها خالية تماما من النعمة التي تتميز بها الأناجيل وكتابات الرسل، وغاصة بالحماقات والمتناقضات ". ثم يختم بقوله أنها تحوي " عشرات الآلاف من الأشياء الصبيانية التي لا تصدق، السقيمة الخيال، الكاذبة، الحمقاء، المتضاربة، الخالية من التقوى والورع، ولا يجافى الحقيقة من ينعتها بأنها نبع وأم الهرطقات "(12).
كما أن العلماء، علماء هذا العصر، الذين قال عنهم هذا الكاتب أنه سيكون لهم " من الحكم عليها والاستنباط منها بطرق العلم الحديثة المصونة بسياج الحرية والاستقلال في الإرادة مالا يأتي مثله من رجال الكنيسة الذين اختاروا تلك الأناجيل الأربعة ورفضوا ما سواها لم يتركوا هذه الفرصة، بل درسوا هذه الكتب وحللوها وأثبتوا فسادها وأن الكنيسة كانت علي حق عندما رفضتها "، قد قاموا بدراستها بالأسلوب العلمي، الذي قال عنه، وتأكدوا من فسادها وزيفها وأنها تحتوى على قليل من الفكر المسيحي والكثير من الفكر الوثني والإيمان بآلهة عديدة لا حصر لها وأن كانت تؤكد على عدة حقائق في صلب وجوهر الإيمان المسيح صدمت هذا الكاتب وأمثاله وأحبطت أمالهم في أن تأتي هذه الكتب بما يضاد ألوهية المسيح وصلبه وفداءه للبشرية أو كما تخيلوا أنها يمكن أن تتكلم على نبي سيأتي بعد المسيح!!
قال د. سويت، في تعليقه علي إنجيل بطرس (لندن 1893) " انه حتى التفاصيل التي تبدو جديدة تماما أو التي تتعارض مع الأناجيل القانونية، يمكن أن تكون مأخوذة عنها. وختم بقوله " أنه بالرغم من الجديد فيها فليس هناك ما يضطرنا لاستخدام مصادر خارجية عن الأناجيل القانونية "(20).
وقال بروفيسور أور عن إنجيل بطرس، أيضاً، أن الأصل الغنوسي لهذا الإنجيل يبدو واضحا في قصة القيامة والمعالم الدوسيتية فيها(21).