![]() |
تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166679891560521.jpg
تفسير سفر طوبيا - المقدمة أسفار واردة في الترجمة السبعينية (الأسفار القانونية الثانية) ما هي الأسفار الواردة في الترجمة السبعينية ولم ترد في الأسفار العبرية في العهد القديم؟ تضم الأسفار التالية التي تَقْبَلها الكنائس الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية كأسفار قانونية: طوبيت، يهوديت، تتمة استير، حكمة سليمان، يشوع بن سيراخ، باروخ [معها رسالة إرميا]، تتمة دانيال [تحوي قصة سوسنة، وقصة التنين والصنم بال Baal وصلاة عزريا مع تسبحة الثلاثة فتية، المكابيين الأول والثاني. كما تضم أسفارًا أخرى تَقْبَلها بعض الكنائس الأرثوذكسية كأسفارٍ قانونية: 1 إسدراس أو عزرا الأول؛ صلاة منسى، مزمور 151، أيضًا تضم بعض الكنائس المكابيين الثالث[1]. في القرن السادس عشر دعاها [2] Sixtus of Siena الأسفار القانونية الثانية Deutero-canonical، وهي أسفار من العهد القديم قانونية، لكن تعذَّر العثور عليها بسبب تشتُّت اليهود بين الممالك، كما أن البعض الآخر منها كُتِبَ بعد زمن عزرا الكاتب. لهذا لم تظهر في النسخة العبرية، وإنما ظهرت في الترجمة السبعينية اليونانية. لا تعني أنها ثانية في الدرجة، وإنما من جهة جمعها في الكتاب المقدس. سرّ رفض اليهود لها هو استخدام المسيحيين في القرون الأولى النسخة السبعينية في النقاش مع اليهود لتأكيد أن يسوع هو المسيّا المُخَلِّص، بل اعتمد الإنجيليون في اقتباساتهم عليها في كثير من الأحيان، مما جعل اليهود يرفضون الترجمة السبعينية، وبالتالي هذه الأسفار. يجب التمييز بين هذه الأسفار وأسفار الأبوكريفا، أي غير القانونية سواء التي نُسِبَت إلى العهد القديم أو العهد الجديد. وهي أسفار مدسوسة، قام هراطقة بكتابتها لنشر هرطقاتهم، رفضها المسيحيون بالإجماع. بعضها مزج بين الهرطقة وبعض الحقائق التاريخية. قبلت الكنيسة الجامعة هذه الأسفار التي وردت في الترجمة السبعينية كأسفار قانونية منذ بدء انطلاقها، وقد أَكَّدت مجامعها ذلك، وأيضًا كتابات الآباء، والقراءات الكنسية التي قدَّمت لنا الكثير من عباراتها. قدَّمت لنا بعض هذه الأسفار أضواء على الفترة ما بين ملاخي النبي أو نهاية عصر الأنبياء ومجيء السيد المسيح. 1. طوبيت: غايته تعزيات الله وسط الآلام. يرد هذا السفر بعد نحميا، كسفرٍ تاريخيٍ، يضم 14 أصحاحًا. 2. يهوديت: أرملة تقية قتلت قائد أشور الشرير وأنقذت شعبها. يرد بعد سفر طوبيت، يضم 16 أصحاحًا. 3. تتمة استير: الصلاة والعمل للتمتُّع بالخلاص. غالبيتها نصوص صلوات ورسائل وأحلام، في مواضعها في السفر، لكن الترجمة اللاتينية جمعتها معًا كملحقٍ للسفر. تدخل بنا هذه التتمة إلى عرش الله، لندرك أنه يستمع إلى صلوات أبنائه وبناته. وأن الله يُحَرِّك كل شيءٍ للبنيان حتى الأحلام، يضم الأصحاحات 10-16. 4. حكمة سليمان: اقتناء الحكمة والالتصاق بها؛ يرد بعد سفر نشيد الأناشيد[3]، يضم 19 أصحاحًا. 5. يشوع بن سيراخ: يحثّ على الحياة التقوية؛ يرد بعد سفر الحكمة[4]، يضم 51 أصحاحًا. 6. باروخ: كاتب إرميا؛ يلي سفر المراثي، وهو سفر نبوي، يضم 6 أصحاحات. 7. تتمة دانيال: عبارة عن 67 عددًا تقع بعد العدد 23 من الأصحاح الثالث، ويُطلَق عليها "تسبحة الفتية القديسين الثلاثة"، إذ تحوَّل الأتون إلى بَرَد، كما تشمل التتمة على الأصحاح الثالث عشر ويحتوي على قصة سوسنة العفيفة (دفاع الله عن الطاهرين)، والأصحاح الرابع عشر ويحتوي على قصتيّ الصنم بال Baal والتنين حيث فُضِح غش كهنة البعل وخداعهم. 8. 1 مكابيين: نصرة المكابيين من السماء؛ وهو سفر تاريخي يرد بعد استير، يضم 16 أصحاحًا. 9. 2 مكابيين: دور الله في حياة شعبه؛ وهو سفر تاريخي يرد بعد المكابيين الأول، يضم 15 أصحاحًا. 10. 3 مكابيين: خلاص اليهود في مصر، يضم 7 أصحاحات. 11. 1 اسدراس أو عزارا الأول: محاولات إعادة بناء الهيكل، يضم 9 أصحاحات. 12. صلاة منسى: توبة الملك الشرير. 13. المزمور 151: تسبحة داود الراعي في صباه الذي أنقذ شعب الله من جليات الجبار. يُدَلِّل أصحاب عدم قانونية تلك الأسفار بأن المتن اليهودي للكتاب المقدس لا يحتويها، كما أن زمن كتابة هذه الأسفار جاء بعد قيام الكاهن عزرا بجمع التوراة. كما يدَّعون أنها ليست ذات محتوى روحي مثل بقية الأسفار. بينما يذهب أصحاب القول بقانونية تلك الأسفار – أي الكاثوليك والأرثوذكس – إلى أن الترجمة السبعينية للتوراة التي قام بها الأحبار اليهود السبعون من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية سنة 280 ق. م. حوت تلك الأسفار وأن كتبة العهد الجديد اقتبسوا منها في كتاباتهم، بل ربّ المجد يسوع المسيح نفسه استخدمها في بعض أقواله. وصفها بعض آباء الكنيسة الأوائل بأنها مقدسة مُوحَى بها، بل وبعض المجامع المسيحية الأولى أَقرَّت بقانونيتها. بالرغم من أن هذه الأسفار غير موجودة في الكتاب المقدس عند اليهود المُسَمَّى التناخ يعترفون بأهميتها التاريخية. وتمّ الاحتفال ببعض أعيادهم مثل عيد الأنوار (الحانوكا) من المكابيين. سفر طوبيت في دراستنا لمدرسة الإسكندرية، لاحظنا أنها اهتمت بالتفسير الرمزي الروحي، خاصة في دراسة العهد القديم، حيث يرفع التفسير الرمزي قلبنا وفكرنا نحو المُخَلِّص المسيَّا الذي مهد العهد القديم لمجيئه ليعلن الحب الإلهي على الصليب، فنتمتَّع بغفران خطايانا وبنوتنا لله بالمعمودية، وجاء العهد الجديد ليعدنا لمجيئه الثاني، فيُقِيم منا ورثة الله ووارثين مع المسيح (رو 8: 17). ما يشغلنا في تفسير سفر طوبيت هو التفسير الرمزي الذي يمسّ خلاصنا بالمسيح يسوع فنتطلَّع إلى السبي الأشوري كرمزٍ لمملكة إبليس التي ما يشغلها أن تأسر المؤمنين في مملكة الظلمة والشرّ. ونتطلع إلى طوبيت كرمزٍ لكنيسة المسيح التي تتحدَّى التجارب الخارجية والداخلية، وتتحوَّل كل متاعبها إلى فرحٍ وتهليلٍ بملكوت الله العامل فينا. نرى في طوبيا إنسان الله الذي تشتهي الطغمات السماوية أن تخدمه من أجل مُخَلِّصه محب البشر. جوهر السفر أن تتحوَّل ضيقات طوبيت وسارة إلى إقامة عُرْس طوبيا وسارة الذي سكب بهجة وتهليلاً على الكثيرين. عُرْس طوبيا وسارة صار رمزًا للفرح السماوي، فرح الكنيسة القادمة من كل الأمم مع ربّ المجد يسوع مُحِب البشرية. هذا العُرْس الذي تفاعلت معه الطغمات السماوية فسبَّحوا الربّ بترنيمة الحمل، أو "الترنيمة الجديدة" (رؤ 14: 3). كلمة الله المتجسد يُعدّنا للعُرْسِ السماوي قلب هذا السفر أن طوبيا بن طوبيت خرج من بيت أبيه، وذهب إلى سارة (التي كان الشيطان يُعَذِّبها عند زفافها) وتزوَّجها وأتى بها إلى أبيه. سارة تُمَثِّل البشرية التي يود إبليس أن يُحَطِّمَها، فنزل إليها كلمة الله متجسدًا كي يُحَطِّم إبليس تحت قدميها، ويقتنيها عروسًا سماوية تشاركه المجد، وتتمتَّع بحضن الآب! أيوب البار الذي ليس من نسل إبراهيم، شهد للربّ بتسبيحه له وهو في بوتقة الآلام المُرَّة (أي 1: 21)؛ مُقَدِّمًا ذبيحة التسبيح التي فاقت كل الذبائح الحيوانية اليومية التي كان يُقَدِّمها عن نفسه وعن أسرته. الآن بين أيدينا قصة إنسانٍ تقي مسبيٍ، بقي شاهدًا لله مصدر الفرح الحقيقي ليُقَدِّم ذبائح الشكر والتسبيح في غربته، وخلال أحداثٍ تبدو غير مُحتملة! * لقد نزل كلمة الله من السماء، لكي يصير عريسًا للطبيعة الإنسانية، فأخذها مسكنًا له، لكي يخطبها ويقودها إليه فتلد ثمار الحكمة الروحية. القديس كيرلس الكبير * نرى أن الكتاب المقدس لا يُقَدِّم لنا الرب تحت اسم واحد، ولا تحت الأسماء المنوطة بلاهوته فقط، أو الدالة على عظمته، بل تارة يستعمل ميزات الطبيعة (خواصه الأقنومية)، فقيل: "الاسم الذي يفوق جميع الأسماء" (في 2: 9)، اسم الابن، والابن الحقيقي، والله الابن الوحيد، وقوة الله وحكمته وكلمته. وتارة، بالنظر إلى كثرة سبل وصول النعمة إلينا التي بصلاحه يمنحها لطالبيه حسب حكمته الكثيرة الأوصاف، يدعوه الكتاب المقدس بنعوت أخرى كثيرة، فهو يُسَمِّيه تارة الراعي، وتارة الملك، ثم الطبيب، فالعريس والطريق والباب والينبوع والخبز والفأس والصخرة. هذه التسميات لا تدل على طبيعته، كما قلت، بل على تعدُّد مظاهر النشاط الذي يبذله، رحمة منه بكل فردٍ من خليقته، وتلبية لحاجة كل من يسأله[5]. القديس باسيليوس الكبير غاية السفر أولاً: الإيمان العملي والإخلاص في التمتُّع بالحضرة الإلهية. غاية هذا السفر ليس عرضًا تاريخيًا مُجَرَّدًا بقدر ما هو حثّ المؤمن على الالتقاء العملي مع الله، أينما وُجِد وأيًا كانت ظروفه. فطوبيت لم عاش في مملكة إسرائيل وليس في مملكة يهوذا حيث تضم مدينة الله أورشليم التي بها الهيكل والعبادة، لكن قلبه وفكره وسلوكه كان مرتبطًا بهيكل أورشليم وبالشريعة التي تطالبه بالحضور في الهيكل في الأعياد الثلاثة الرئيسية: عيد الفصح وعيد الأسابيع أو البنطقستي (الخمسين)، وعيد المظال. مع أمانته في حياته مع الربّ وحُبّه للفقراء والمحتاجين لم يتذمَّر عندما سُبِي بواسطة الأشوريين، بل اعتبر سبيه بسماح إلهي ليسند المسبيين ويخدم المُضطهَدين ويدفن إخوته القتلى المُلقَى جثثهم في الطرق والشوارع والساحات! لقد تعلَّم طوبيت أن إلهه وضع له خطة شخصية ليتحدَّى ملك إسرائيل ورجاله الذين يطالبون الشعب ألاَّ يرتبطوا بشعب يهوذا وهيكل أورشليم! كما تحدَّى بروح القوة ضغط السبي الأشوري العنيف ليعيش في نينوى بجسده، أما قلبه وفكره وحياته الداخلية فمنطلقة نحو الله. تحدَّى العمى الجسدي الذي أُصيب به، وتمتَّع بالبصيرة الروحية التي تتعرَّف على الأسرار الإلهية. تحدَّى طوبيت إهانات زوجته لا بالحوار الجاف المُقنِع، وإنما بالحياة الروحية المملوءة حبًا، فتأهَّل لخدمة رئيس الملائكة رافائيل له ولأسرته! حياة طوبيت بالحقيقة تحثّ كل مؤمنٍ أن يتحدَّى الظروف الزمنية مهما كان ثقلها، مُطالِبًا أن يكشف له الربّ عن رسالته، فيُرَدِّد مع شاول الطرسوسي: "ماذا تريد يا ربّ أن أفعل" (أع 9: 6). ثانيًا: الرجوع إلى الله بالتوبة: في مرارة صرخ طوبيت إلى الرب، قائلاً: "لم يطيعوا وصاياك، فأسلمتنا إلى النهب والسبي والموت، فصرنا أضحوكة في جميع الأمم التي شتَّتَّنا بينها" (طو 4:3). ثالثًا: ممارسة محبة القريب التي تتحقَّق في وصيتين: "كل ما تكرهه لا تفعله بأحدٍ" (طو 4: 15). وكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم" (مت 7: 12؛ لو 6: 31). رابعًا: الصدقة، وهي مع الصلاة الفضيلة الرئيسية في السفر. أ. السخاء في العطاء الذي كان طوبيت يحثّ ابنه عليه، وقد أَكَّد الالتزام بروح الحكمة، فيتصدق حسب إمكانياته (طو 4: 8). ب. أَكَّد طوبيت في وصيته لابنه أن الصدقة تُنَجِّي من الموت، ولا تدعنا ندخل في الظلمة (طو 4: 10)، "الصدقة هدية ثمينة لجميع صانعيها في حضرة العليّ" (طو 4: 11). "تصدَّق من مالك، ولا تُحوِّل وجهك عن فقير، فوجه الرب لا يُحوَّل عنك" (راجع 4: 7). خامسًا: قدسية الزواج،يقوم الزواج على الحياة التقوية لا الشهوة. "قومي يا أختي لنُصَلِّي فيرحمنا الرب" (طو 4:8). يليق بالمؤمنين – متزوجين وبتوليين - ألا يفارق العُرْس السماوي الأبدي أعينهم. سادسًا: الاهتمام بتسليم الأبناء الإيمان العملي بقلبٍ ملتهبٍ بالحب. سابعًا:مركز الصلاة في حياة الأتقياء الاهتمام بالمتألمين ليتمتَّعوا بالمجد. ثامنًا:ممارسة حياة الشكر والتسبيح حتى في وسط الضيق. تاسعًا: وجود شركة حب بين البشر والسمائيين. يستخدم الله ملائكته لمساندة البشر. عاشرًا: يرى البعض أن السفر كُتِب في أواخر القرن السابع ق.م. في بلاد ما بين النهرين وذلك لمساندة اليهود وهم في أرض السبي وتأكيد رعاية الله لهم وهم تحت التأديب. كما كُتِب لهم كي يحفظوا الناموس ما استطاعوا ويتمسَّكوا بالوصية الإلهية[6]. عائلتان تقيتان في أتون الضيق يدور هذا السفر حول قصة عائلتين تقيتين من سبط نفتالي، عائلة طوبيت وعائلة رعوئيل، الأولى عاشت في السبي الأشوري وأقامت بنينوى، والأخرى أقامت في أحمتا بميديا. الأول جُرِّب بالعمى ومرارة تعيير زوجته وأصدقائه له، والثاني جُرِّب في ابنته سارة التي تَقَدَّم لها سبعة أزواج غالبًا كانوا وثنيين. وكان الشيطان يقتل كل واحدٍ قبل أن يقترب منها. لم تستطع التجارب مع شدتها أن تهز إيمان طوبيت وابنه طوبيا وأيضًا إيمان سارة ابنة رعوئيل. لم يذكر السفر أخطاء أو خطايا الأسرتين، سوى تعيير حنة لرجلها طوبيت، وقبول رعوئيل زواج ابنته من غرباء غير مؤمنين. لكن هذه التجارب مع قسوتها كانت سبب بركة للعائلتين، بل ولكثير من المؤمنين عبر الأجيال حيث كشفت عن المفهوم الروحي السليم للحياة الزوجية، والتسلُّح بروح الشكر والصلاة والتسبيح حتى في وسط نيران التجارب. أ. يقول الرسول بولس: "الذي يحبه الربّ يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6). حقًا ليس من إنسانٍ بلا خطية مهما بلغ إيمانه. فبالإيمان عبرت هذه التجارب بالعائلتين إلى حياة الصلاة والشكر لا التذمُّر والشكوى. ب. خلال الإيمان الحيّ وعدم التذمُّر وسط الضيق والالتجاء إلى الله بالصلاة. فأرسل الله أحد رؤساء الملائكة، رافائيل، متخفيًا ليخدم العائلتين. ج. أدركت العائلتان أن السعادة الحقيقية وفرح الروح يقومان على الحب الحقيقي لله، فيترنَّم المؤمن: "كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو 8: 28). د. كشف الضيق عن دور الملائكة في حياة المؤمنين. وكما يقول الرسول بولس إنهم "أرواح خادمة مُرسَلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 14). كما يقول المرتل: "ملاك الربّ حالّ حول خائفيه وينجيهم" (مز 34: 7)، "يوصي ملائكته بك، لكي يحفظوك في كل طرقك" (مز 91: 11). كاتب السفر واضح من كلام رئيس الملائكة رافائيل أن طوبيت وابنه هما اللذان كتبا السفر، إذ قيل: "عندئذ دعا (رافائيل) الاثنين سرًّا، وقال لهما: "باركا الله، قَدِّما له التشكرات. قَدِّما له التبجيل واحمداه فيحضور كل الأحياء من أجل أعماله معكما. صالح أن تباركا الله وتمجدا اسمه، وتعلنا أخبار أعمال الله العظيمة وأن لا تترددا في تقديم التشكرات له. من الخير أن تكتما سرّ الملك، أما أعمال الله فمن المجد أن تُعلَن. اعملا الخير، فلا يحلّ بكما شر... اكتبا ما حدث في كتاب" (طو 12: 6-7، 20). هذه النصيحة الملائكية الحكيمة تتممها الطغمات السمائية، فمع محبتهم لبعضهم البعض وتواضعهم، لا نجد في الكتاب المقدس أن الملائكة ينشغلون بمديح بعضهم البعض، إنما الكل بروح الحب والحكمة والتواضع يُسَبِّحون الله ويُمَجِّدونه. الإنسان الروحي الكنسي لا يُبالِغ في مديح أحدٍ من البشر خاصة وهو حيّ على الأرض. مما يؤكد أن كاتب السفر هو طوبيت وشريكه في الكتابة هو ابنه، الآتي: 1. كان ما يشغل قلب طوبيت وهو في إسرائيل أن ينطلق إلى أورشليم من وقتٍ إلى آخر، خاصة في الأعياد، ويتمتَّع برفع قلبه إلى السماء وهو في هيكل الربّ (طو 1: 4-6). 2. ما كان يشغل قلب ابنه معاملة رئيس الملائكة المتخفي طوال الرحلة إلى ميديا والعودة إلى نينوى، فكان قلب طوبيا يلتهب حبًا نحو الانطلاق إلى السماء. 3. يكشف السفر عن دراية الكاتب الواسعة للأسفار المقدسة، سواء الأسفار الخاصة بالناموس أو الحكمية أو النبوية... واضح أن الكاتب مؤمن يهودي تقي، يحفظ الناموس لا في حرفية، وإنما بروح التقوى[7]. بين سفر طوبيت وأسفار العهد الجديد جاءت بعض العبارات في العهد الجديد تكاد تطابق ما وردت في سفر طوبيت، مثل: أولاً: الصدقة "تصدق من مالك... ولا تُحوِّل وجهك عن فقيرٍ ما عندما تعمل الرحمة، فوجه الله لا يُحوَّل عنك. إِن كانَ لَكَ كَثير فاعمل منه رحمةً، وإِن كانَ لكَ قَليل، فاعمل من القليل رحمةً، ولا تَخَفْ. فإِنَّكَ تَذَّخِرُ لَكَ كَنْزًا حَسَنًا إِلى يَومِ العَوَز" (طو 4: 7-9). يقابل ذلك: "اعطوا تُعطوا كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا يعطون في أحضانكم. لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يُكَال لكم" (لو 6: 38). ثانيًا: التعامل مع الغير "كل ما تكرهه لا تفعله بأحدٍ" (طو 4: 15). يقابله في العهد الجديد: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم" (مت 7: 12؛ لو 6: 31). ثالثًا: اللقاء المُفرِح مع الابن "ثم خرج طوبيت إلى الباب وزلت قدماه، فجرى إليه الابن" (طو 11: 10). كذلك جاء في لقاء الابن الراجع إلى أبيه: "وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنَّن وركض، ووقع على عنقه وقبَّله" (لو 15: 20). رابعًا: تفتيح عيني الأعمى "ثم خرج طوبيت إلى الباب وزلت قدماه، فجرى إليه الابن. وأمسك أباه، وطلى عيني أبيه بالمرارة، وقال: "تشدد يا أبي". وإذ تألمت عيناه دلكهما بالمرارة، وسحب القشور البيضاء من طرفي عينيه، فإذ أبصر ابنه، ووقع على عنقه، وبكى، وقال: مبارك أنت يا الله، ومبارك هو اسمك إلى كل الأجيال. مباركة هي كل ملائكتك القديسين. لقد أدبتني، ولتكن رحمتك عليّ. هأنذا أبصر ابني طوبيا". (طو 11: 10-14). وجاء في إنجيل يوحنا: "قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا، وطلى بالطين عين الأعمى، وقال له: اذهب اغتسل في بركة سلوام الذي تفسيره مُرسل، فمضى واغتسل وأتى بصيرًا" (يو 9: 6-7). خامسًا: الملاك كشفيع قال رئيس الملائكة رافائيل: "عندما كنت تصلي أنت وسارة كنتك كنتُ أُقَدِّم صلاتكما أمام القدوس. وأيضًا عندما كنت تدفن الموتى كنتُ أيضًا أُرَافِقك" (طو 12: 12)، هذه الرفقة قامت بحماية طوبيت من الإمبراطور ورجاله. وجاء في سفر الأعمال: "صلواتك وصدقاتك قد صعدت تذكارًا أمام الله" (أع 10: 4). سادسًا: أورشليم الجديدة ما ورد في (طوبيت 13: 16-17) "ستُبنَي أورشليم بالياقوت والزمرد، وتُبنَي أسواركِ بالحجر الكريم، وأبراجكِ وحصونكِ بالذهب الخالص. تُرصَف طرق أورشليم بالزبرجد والبلور وحجارة مرصعة من أوفير" يُطابِق إلى حدٍ كبير ما جاء في سفر الرؤيا (رؤ 21: 18-21). تشير الحجارة الكريمة إلى الفضائل الإلهية التي يهبنا الله إياها بنعمته وعمل روحه القدوس لأجل تزيننا. فالأساس الذي نبني عليه في الأبديّة هو الفضائل الإلهية التي يهبنا عربونها في هذه الحياة خلال جهادنا، وهناك تتلألأ فينا في مجدٍ سماويٍ. لهذا يُعزي الرب الكنيسة المجاهدة، قائلاً لها: "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية. هأنذا أبني بالإثمد حجارتك. وبالياقوت الأزرق أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتًا وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة... هذا هو ميراث عبيد الرب وبرَّهم من عندي يقول الرب" (إش 54: 11-17). شخصية طوبيت 1. يكشف لنا السفر أن طوبيت كان مُخْلِصًا في حفظ شريعة الربّ بالحياة العملية. * قُدم لنا خادم الله، القديس طوبيت، كمثالٍ للالتزام بالشريعة لكي نعرف كيف نُمارِس عمليًا ما نقرأه، وأننا إذا ما حُوربنا بالتجارب يلزمنا ألا نهجر خوف الله، ولا نتوقَّع تعزية من (مصدر) آخر. القديس أغسطينوس 2. هل كان طوبيت مشغولاً بفضته وأمواله؟ لقد أودع عشرة وزنات من الفضة وهي تُمَثِّل مبلغًا كبيرًا، وإذ شعر أن الموت يلاحقه، أرسل ابنه ومعه الصك إلى غابيلوس بمنطقة ميديا ليسترد الوديعة. وظهرت زوجته حنة أنها تخاف على حياة ابنها الوحيد طوبيا من الرحلة الشاقة أكثر من استرداد المال. قالت حنة وهي تبكي: "لماذا أرسلت ابننا؟ أليس هو عكاز يدينا في دخوله وخروجه أمامنا؟ لا تجمع فضة على فضة، فلتكن فدية لابننا، ويكفينا ما أعطاه لنا الربّ لنعيش به" (طو 5: 18-20). غير أن السفر أبرز أن طوبيت لم يكن مُستعبَدًا لمحبة المال، وذلك خلال تصرفاته العملية التالية:أ. اعترافه بأن سبط أبيه نفتالي تمرَّد على بيت أورشليم مع بقية العشرة أسباط (المملكة الشمالية) وكانوا يعبدون العجل (طو 1: 5). كان يمضي وحده إلى أورشليم في الأعياد ومعه بكور المحصولات وجزز الغنم (طو 1: 6). هذا التصرُّف كان يُعَرِّضه لمضايقة ملوك إسرائيل الذين بذلوا كل الجهد لمنع الشعب من الذهاب إلى الهيكل في أورشليم وتقديم البكور والعشور للهيكل حتى لا يشتاقوا إلى الوحدة مع يهوذا وبنيامين تحت رعاية ملكٍ من نسل داود. ب. كان يُوَزِّع عطاياه على بني لاوي الخدام بأورشليم (طو 1: 7)، وعلى الفقراء في إسرائيل وأيضًا في أرض السبي. ج. طلب من ابنه أن يُزيد أجرة الرجل الذي رافقه، ولم يُحَدِّد قدر الزيادة وترك للابن أن يُقَرِّر ذلك، فأبرز الابن أنه يود أن يعطيه برضا وسخاء نصف ما حصل عليه (طو 12: 2). د. أحد البنود الرئيسية للوصية التي قدَّمها طوبيت لابنه هي الصدقة بسخاء وبروح الحكمة (طو 4: 8). 3. رجل صلاة: ضمّ السفر أشكال كثيرة من الصلاة: أ. عندما دخل كل من طوبيت وسارة في ضيقة شديدة التجأ كل منهما إلى الصلاة لله (3: 2-6، 11-15). ب. عندما طلب طوبيا وسارة أن يبارك الله زواجهما ويحفظهما من ضربات عدو الخير في ليلة زفافهما، صليا للرب حسب نصيحة رافائيل رئيس الملائكة (8: 4-8). ج. رعوئيل وعدنة Edna والدا سارة باركا الربّ وصليا له خشية حدوث نفس الكارثة في زواجها من طوبيا كما حدث مع السبعة رجال (10: 11-13). د. إذ أراد طوبيت وطوبيا أن يشكرا رافائيل، طلب الأخير منهما أن يشكرا الربّ على كل بركاته، موضحًا لهما أنه أُرسِل إليهما استجابة لصلواتهما للربّ (12: 6، 12-14). وطلب منهما أن يباركا الربّ كل يومٍ (12: 18-20). يكشف القديس أغسطينوس عن بعض سمات هذا الطوباوي البار . * عرف طوبيت كيف يكسر خبزه للإنسان الجائع، فتأهَّل أن ينال مكافأة سريعة وهي أن يجد خادمًا أجيرًا يُتَمِّم عمله... لقد وجد الأب والابن ملاكًا يوصيهما، وكانا يظنان أنه خادم أجير، وهو في مجدٍ سماوي. * ضُرِب طوبيت بكارثة العمى لكي يتقبَّل الملاك كطبيبٍ له. * الصلاة تصعد، والرحمة تنزل. مع أن الأرض في الأسافل العميقة، والسماء عالية، فإن الله يسمع للسان الإنسان متى كان قلبه طاهرًا. * دموع العينين كافية لأذني (الله)، فهو يسمع للدموع بأكثر سرعة من الكلمات. * صلاة الإنسان الذي يكره تُبعد تمامًا عن أذني الله. * نفس the soul الأب ونفس الابن واحدة مع أن كل منهما له أعضاؤه الخاصة به، فقد كان لهما وحدة الفكر. القديس أغسطينوس ضعفات طوبيت يحرص الكتاب المقدس على إبراز ضعفات القديسين، كي لا نيأس بسبب ضعفاتنا، ولإبراز أبوة الله الحانية، فهو يتعامل معنا كأبٍ حنونٍ وحازمٍ في نفس الوقت، وليس كديَّانٍ يتلقط الأخطاء والضعفات. من ضعفات طوبيت أنه اشتهى الموت، قائلاً: أنه أفضل من الحياة (طو 3: 6). وقد عُرِف عن أيوب البار الذي عاش قبل الناموس الموسوي (أي 3: 11) وموسى مُستلِم الشريعة (عد 11: 15) وإيليا النبي (1 مل 19: 4) ويونان (يونان 4: 3) أنهم اشتهوا الموت. موقف رافائيل الملاك من الأب وابنه أُرسل رافائيل كرسول من قبل الله، وقد أخفى شخصيته لكي يسمح لمن يتعامل معه أن يكون حرًا في تفكيره، وكي لا يرتعد منه كرئيس ملائكة. * الملاك الذي أُرسِل ليصنع لطفًا مجانيًا، فرح بفكرهما بخصوص أجرته. قال لطوبيت ولطوبيا: "لماذا تفكران في أجرتي بإفراط زائد؟ احتفظا بما وهبه الآب السماوي لكما. أنا أداة للشفاء، والله هو معطي الشفاء. إنكما لستما تعلمان من هو الخادم الذي ساعدكما لتتمتعا. إنكما لم تخافا من دفن الموتى في السبي. طوبيت، هوذا أعمالك قد صعدت إلى الربّ، لأنك تركت المائدة لتضع الموتى في راحة. لقد أحضرت لكما تقدمات ثمينة للربّ بسبب الدفن الوقور الذي قمتما به. إنني أُرسلت كعاملٍ في السوق السماوي. أنتما الاثنان دفنتما ميتًا ولم تخافا من شوكة الموت. لقد دافع المدفون عنكما بقوةٍ بصوتٍ صامتٍ. العمى الذي تمّ لاختبارك، جعل صبرك يقدم زينة بهية من السماء. أنا رافائيل، أحد السبعة ملائكة الذين يقفون أمام مجد الربّ (طو 12: 15). إنني لست في حاجة للتمتع بأجرة بشرية. إني خُلِقت غنيًا بسكناي في مجده الإلهي. الذي أرسلني غني، هو يأمر بأن تُصرَف عطاياه مجانًا... أرجو ألاَّ تُقَدِّما لي كرامة الشكر، لأنكما لم تنالا مني شيئًا بقوتي. مبارك الله، اشكراه، ومجداه، لأنه صنع معكما أمورًا صالحة". * أخفى الملاك اسمه عنهما. لقد قال: "أنا عزارياس بن حننياس العظيم" (راجع طو 5: 18). لم يقل أنا الملاك رافائيل. بالاسم الأول أخفى جلاله حتى لا يجعل مستأجريه في رعبٍ. لو قال: "أنا ملاك"، لما كان طوبيت استأجره. احتفظ بجلال اسمه، حتى يتضح في النهاية عظمة جلاله. انظروا أيها الأعزاء كم هي عظمة استحقاق عمل الصدقة. لقد تأهَّل (بالصدقة) امتياز أن يكون الملاك مثل عاملٍ يخدمه. انظروا فائدة دفن الموتى. إن هذا جعل تقدمته تصعد إلى العظمة السماوية خلال الملاك رافائيل. ها أنتم ترون الصدقة تُخَلِّص من الموت، وتُطَهِّر من الخطايا. إنها حقَّقت تطهير العينين. إنها خلَّصت من ظلمة الخطايا. شكرًا للملاك، إذ قاد طوبيا في الطريق، وسارة تزوجت، هذه التي فقدت رجالاً كثيرين[9]. * أُعطي لنا خادم الله القديس طوبيت بعد استلام الشريعة كمثالٍ، حتى متى حلَّت تجربة لا نتوقَّف عن مخافة الله، ولا نضع رجاءنا في نوال المعونة من مصدر آخر غيره، واضعين في ذهننا المكتوب: "كنت فتى والآن شخت، ولم أرَ صديقًا تُخلّي عنه، ولا ذرية له تلتمس خبزًا" (مز 26: 25). فمن يترجَّى الله بكل ذهنه لن يُخدَع أبدًا. حتى إن كانت التجارب تثور إلى حين خلال مناورات إبليس، فمن أمثلة القديسين تعلمنا أن هذه الأمور تحدث بسماحٍ من الله، فقط لأجل زيادة أكاليلنا. إننا إذ نحتمل التجارب برباطة جأش ننال هنا تعزية عاملة فينا، وفي الحياة العتيدة ننال حياة أبدية مع مجدٍ. إن ربنا عادل وليس عنده محاباة الوجوه (رو 2: 11). إنه يسمح لنا أن نُمتحَن لأنه يحبنا، حتى يهبنا مكافاءات كثيرة بعد المعاناة. حقًا عندما صلَّى الرسول كي ينزع الرب تجاربه، قال له الربّ: "تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل"، وكان ردّ الفعل عند هذا الرسول: "حيث أنا ضعيف فأنا قوي". كما قال: "إني أفرح في تجاربي كي تسكن فيّ قوة المسيح" (2 كو 12: 9-10). ليخبرنا الكتاب المقدس كيف كان القديس طوبيت جديرًا بالمديح. إذ لم يُحجم السبي من إخلاصه، ولم ينزع عماه بركة الله. وقلة موارده لم تُحد طريق البرّ والحق (طو 1: 3). بالحقيقة الاحتياج امتحنه وأكّد أنه بار، وأوضح أنه عادل يحفظ نزاهته، حيث حلّ فقره أبرز إخلاصه وكمال برّه. فإن الأمور التي تُسَبِّب نقصًا في (إخلاص البعض)، جعلت طوبيت يتأهَّل بالأكثر في الفضيلة. يُقَال إن الاحتياج يذل الإنسان، ومن يصير في مذلةٍ لا يستطيع أن يحفظ البرّ. أما نفس طوبيت فقد اعتمدت على الله، ولم يكسرها السبي، ولا أذلها الاحتياج، إذ كان يدفن جثث المقتولين بالرغم من قانون المنع لممارسة ذلك. كان متأكدًا من سخاء الله، فكان مُترفِّعًا حتى مع قلة إمكانياته، مُدرِكًا أن الله يُفَضِّل الحنو حتى بالأمور البسيطة. وذلك كما فعلت الأرملة التي مدحها الربّ في الإنجيل (لو 21: 2-4). فالإنسان المُخْلِص بالحقيقة الذي لا يشك في وعود الله، يعطي بسخاء من القليل الذي لديه. لذلك كان قلب طوبيت مملوءً بالرجاء في الحياة العتيدة، تكرَّس لله بقوة وشجاعة أثناء المحنة، مظهرًا أن من كان في عوزٍ يلزمه أنه يكون أكثر يقظة في مخافة الربّ. فإن كان العوز لا يدفع الإنسان أن يطلب عون الله بقوة، كيف يمكنه ذلك متى كان في أمانٍ؟!... بالحق إن الكوارث التي تصيب المؤمنين سواء كانت ضيقات أو إهانات علامة نوال المكافآت العتيدة. لهذا فإن البار طوبيت أرضى الله، فنال استحقاقاته للمكافأة المضاعفة. ففي الحياة الحاضرة شُفِي بواسطة وكالة الملاك، أي نال النظر الذي فقده، وأيضًا اغتنى بالمصادر النافعة في هذه الحياة. وبالنسبة للمستقبل صار وارثًا لملكوت السماوات. وذلك لكي نتعلَّم أنه عندما يطيع البعض شرائع الله بكل قلبهم ولا يشكّوا في وعوده، غالبًا ما يزيدهم الله من مواردهم في هذا العالم، ويهبهم الحياة الأبدية في العالم القادم. يوجد أيضًا أمر آخر يدفعنا إلى الطاعة لشرائع الله. فالقديس طوبيت لم ينل فقط المكافأة عن برّه، إنما يُضَاف إلى ذلك أنه نال مجدًا خلال الأعمال الصالحة التي يمارسها الذين يتمثَّلون به. فالذين يكونون قدوة يُمدَحون خلال الذين يتمثَّلون بهم. هذا يمكن أن يحدث لنا إن سلكنا في طريق يجعلنا قدوة أيضًا. القديس أغسطينوس لغة السفر[11] غالبًا ما كُتِب السفر بالآرامية، وإن كان هذا الأمر لازال موضوع بحث بين الدارسين. وُجِدَت مقتطفات منه بالآرامية والعبرية بين مخطوطات البحر الميت. توجد ترجمة له باليونانية في النسخة الفاتيكانية والنسخة الاسكندرانية، وأخرى في السينائية، ومقتطفات في مخطوطات أخرى. توجد ترجمة إلى اللاتينية، إذ طُلِب من القديس چيروم أن يقوم بها من أصدقائه الأساقفة. وقد أشار إلى أنه قام بها في يومٍ واحدٍ. وقد وضع إضافات في النص بقصد توضيح المعنى، هذه الإضافات غير موجودة في الترجمات اليونانية. غالبًا قام طوبيت بكتابة السفر بنفسه بعد أن تمتَّع برؤية نبوية عن عودة شعب الله إلى أورشليم الجديدة. https://st-takla.org/Pix/2019/St-Takla-org--divider.png بعض الأسماء الواردة في السفر 1. طوبيت (الأب)، طوبيا (الابن)، Tobit, Tobias, Τωβιθ 2. رعوئيل، راعوئيل Raguel, Reuel (Aramaic), Ραγουηλ 3. غابيلوس، Gabelus, Gabael, Γαβαηλω أقسام السفر 1. حياة طوبيت المقدسة 1-4. 2. رحلة طوبيا مع رئيس الملائكة 5-12. 3. تسبحة طوبيت وأحاديثه الوداعية 13-14. حول ظهور رئيس الملائكة وخدمته يتساءل البعض: لماذا قال رئيس الملائكة أن اسمه عزريا بن حننيا العظيم (طو 5: 13)، بينما عندما ظهرت ملائكة لإبراهيم ولوط ويعقوب لم ينكروا أنهم ملائكة، ولا ادَّعوا أن لهم أسماء بشرية (تك 19: 1). عندما سأل يعقوب الملاك عن اسمه قال له: "لماذا تسأل عن اسمي؟!" (تك 32: 29)؟ قال هذا لأسباب كثيرة. أولاً: كان ظهور الملائكة لكثير من أناس الله لتبليغهم رسالة من قبل الله لهم قدَّموها في لحظاتٍ أو ساعاتٍ قليلة ثم رحلوا عنهم. أما ظهور رئيس الملائكة رافائيل، فكان لخدمة أكثر من إنسان ولأيامٍ طويلة. فلم يكن ممكنًا لطوبيا أن يكون في رفقة رئيس الملائكة، ويدخل معه في حوارات كثيرة، وينطلق به من بلدٍ إلى بلدٍ دون أن يرتجف منه. لقد أراد رئيس الملائكة أن يعطي فرصة لطوبيا ووالده وأقربائه أن يتحدَّث معهم بدون رسميات، وأن يتقبَّلوا نصائحه كصديقٍ لهم وليس كأمرٍ ملائكي سماوي. ثانيًا: بهذا التصرُّف أراد أن يكشف عمليًا عن محبة السمائيين للبشر، وأنهم لا يستنكفون من أخذ أسمائهم وأن يصيروا على شكلهم. ثالثًا: يوضح رئيس الملائكة بهذا التصرُّف أنه إذ كان يخدم شعب بني إسرائيل مع رئيس الملائكة ميخائيل حسب نفسه كمن هو واحد من بني إسرائيل. رابعًا:ظهوره وخدمته لطوبيا وعائلته وسارة ووالديها، وتعامله مع غابيلوس كان رمزًا لتجسد كلمة الله وتأنسه، إذ حلّ بيننا وصار كواحدٍ منا (يو 1: 14). خامسًا:ظهور الملائكة يختلف من حالة إلى حالة حسب الرسالة التي يؤدِّيها الملاك. فظهر ملاك لهاجر وهي مُرَّة النفس على ابنها في وسط البرية، جعله يظهر بوضوح لكي تطمئن. وظهر ليعقوب في حلمٍ. وظهر لبلعام الساحر بطريقة خفية. أما ظهوره ليعقوب حين رفض أن يعطيه اسمه، فكان في الواقع هو ظهور للرب قبل التجسد، لهذا لم يكشف له عن اسمه. إنما تعرف إشعياء خلال النبوة على أن اسمه "عجيب" (إش 9: 6)، يفوق الإدراك البشري. وفي ظهور ملاكين مع ربّ المجد في هيئة ثلاثة رجال لإبراهيم ولم يدرك حقيقة شخصيتهم فصنع لهم وليمة وأكلوا. وكما قال الرسول: "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأنه بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عب 13: 2). النصوص اليونانية للسفر[12] أهم نصين للسفر باليونانية، هو النص المختصر (G I) وُجِد في النسخة الإسكندرانية للكتاب المقدس والنسخة الفاتيكانية وبردية Oxyrhynchus. أما النسخة السينائية فقدَّمت لنا النص المُطوّل (G II). كان الدارسون الأوائل حتى القرن التاسع عشر يُفَضِّلون النص المختصر (G I) بكونه هو الأصل واستخدمته الترجمات التالية للكتاب المقدس: King James Version (1611), Revised Standard Bible (1957). غير أن الدارسين المحدثين فيميلون إلى العكس[13]. النصوص الخاصة بالسفر في مخطوطات قمران كهف 4، وُجِدَت أربعة مخطوطات بالآرامية ومخطوط بالعبرية تتفق هذه المخطوطات مع النص المُطوّل بوجهٍ عام. تميل الترجمات الحديثة إلى النص المطوّل: Jerusalem Bible 1966; New American Bible 1970; New English Bible 1970; Good News Bible 1989; and New Revised Standard Version 1989. مع ذلك ما زال بعض الدارسين يُفَضِّلون النص المختصر، مثل: · Carey A Moore, Tobit – A New Translation and Commentary, N.Y, 1996. · Paul Deselaers: Das Buch Tobit: Studien Zu Seiner Enstehungs Komposition und Theologie (OBO 43, Freiburg: Universitäverlag. n1982). See the critical review of Deselaers by Irene Nowell.VBQ 46 (1984) 36-307. ملاحظة: حاولت مراعاة ما نشره كتاب The Orthodox Study Bible حتى يمكن للدارسين المتحدثين بالعربية أن تكون دراستهم متناغمة مع أحبائنا الذين يدرسون في خارج مصر. نظرة عامة لسفر طوبيت للقديس أثناسيوس الإسكندري سجَّل لنا البابا الإسكندري أثناسيوس الرسولي موجزًا لسفر طوبيت قامت سارة فان درباس بترجمته إلى الإنجليزية لأول مرة[14]، وقام چون ليترال بنشره[15]، استصوبت أن أقوم بتعريبه. طوبيت يفقد بصره في أرض السبي[16] يُدعَى هذا السفر "سفر طوبيت" إذ يضم قصته. كان من سبط نفتالي، أُسِر في نينوى، وكان رحيمًا يخاف الله. إذ كان في الأسر لم يأكل خبزًا في شركة مع الأمم، إذ كان يحفظ نفسه (من الدنس)، وكان يشرف على الأسواق لحساب الملك شلمناصر. كما أودع عشرة وزنات فضة لدى غابليوس Gabelus في مادي Madi. كرَّس طوبيت نفسه لدفن الموتى من أسرى اليهود، مما أغضب الملك سنحاريب، واضطر أن يهرب "طوبيت" حفظًا على حياته، وبعد موت الملك رجع بعد هروبه. عاد يدفن بعض الموتى، وإذ نام في العراء خارج بيته، وكعادته كان نائمًا وعيناه مفتوحتين، أصيبت عيناه بغشاوة بيضاء، وفقد بصره. سارة يقاومها الشيطان أسموديوس في أحمتا Ecbatana (بميديا) كانت سارة ابنة رعوئيل Raguel قريب طوبيت. وكان الشيطان أسموديوس Asmodeus لا يسمح أن تدخل في أي زواج. إذ قتل سبعة شبان أرادوا أن تكون لهم عروسًا. حزنت للغاية لهذا الأمر، فسلَّمت نفسها للصلوات. أرسل الله لها رئيس الملائكة رافائيل ليعينها. طوبيت يوصي ابنه طوبيا أوصى طوبيت ابنه طوبيا Tobias ألاَّ يتَّخِذ له زوجة من أي مكانٍ إلاَّ إن كانت من سبطه (نفتالي) ومن عشيرته، كما أخبره عن العشرة وزنات وطلب منه أن يذهب ويسأل عنها. لم يكن يعرف الابن الطريق كما لم يكن يعرف الرجل الذي طلب منه أن يذهب إليه. لذلك خرج يبحث عن مرشدٍ يقوده في رحلته. وبعناية الله وجد رافائيل الذي كان واقفًا خارجًا في مظهر إنسانٍ (طو 5: 5)، فاستأجره، إذ قال له الملاك إنه يعرف الطريق. لذلك رافقه الملاك متخفيًا في شكل إنسانٍ، وقال له إن اسمه عزارياس Azarias. طوبيا يغتسل في مياه نهر التيجر عندما بلغا مياه التيجر Tigris، أراد طوبيا أن ينزل فيها ليغتسل، وفجأة هجمت عليه سمكة كبيرة. أمره الملاك أن يمسك السمكة ويقطعها إلى أجزاء، ويُخرِج منها الكبد والقلب والمرارة ويحتفظ بها. فيما بعد عندما سأل الصبي (طوبيا) عما هو نفعها، أجابه الملاك: "الكبد والقلب عندما يوضعان على النار تهرب الشياطين، والمرارة تزيل الغشاوة البيضاء عن العيون." لذلك شكر الصبي الملاك على نصيحته ومساندته له. طوبيا جعل الشيطان يهرب، وجعل الملاك يقيده في الأماكن العليا في مصر. عندئذ أخذ سارة بنت رعوئيل، زوجة له. إرساله عزارياس إلى ميديا إذ مكث طوبيا مع زوجته، أرسل عزارياس كإنسانٍ إلى ميديا Media. وعندما استلم طوبيا العشرة وزنات (خلال عزارياس) عاد إلى والده مع عزارياس وأيضًا معه زوجته. إذ رجع مسح عيني والده بالمرارة. فسقطت قشور من عينيه، وللحال استعاد الشيخ بصره. رافائيل يعلن عن نفسه عندئذ أعلن الملاك أنه ليس إنسانًا، إنما هو ملاك مُرسَل من الله ليعينهم ويسند سارة. عندما شاخ طوبيت أمر ابنه أن يرحل إلى ميديا، لأن نينوى ستهلك بناء على نبوة يونان عنها. فارقته قوته ومات وهو في المئة وثمانية وخمسين عامًا. انتقل طوبيا إلى ميديا، وهناك دفن حماه وحماته وسمع عن أخبار دمار نينوى، ومات وهو في المئة وسبعة وعشرين من عمره[17]. أهم المراجع المُسْتَخْدَمَة في ترجمة النص ومراجعة الترجمة: 1. ترجمات للكتاب المقدس: The Orthodox Study Bible. By St. Athanasius Academy of Orthodox Theology: Thomas Nelson, 2008. جاء ترقيم الآيات بحسب OSB لاستخدام غالبية الأقباط المتحدثون باللغة الإنجليزية له في اجتماعاتهم الكنسية واجتماعات الشباب والدراسات الشخصية. القمص قزمان البراموسي: ترجمة حديثة لأسفار عزارا الأول، طوبيت... عن اليونانية 1978، وهو يكاد يطابق المرجع السابق. الكتاب المقدس (الطبعة اليسوعية): دار المشرق، بيروت – لبنان 1997. أهم الأحداث الواردة في سفر طوبيت[18] سنة / ق.م. الحدث 730 ميلاد طوبيت. 676 ميلاد طوبيا الابن. 668 طوبيت يفقد بصره (الابن في سن حوالي 16 سنة). 664 طوبيا الابن يتزوج وطوبيت يُشفَى. 618 طوبيت الأب يتنيح. 615 حنة الأم تتنيح. 615 طوبيا وسارة يتركان نينوى إلى راجيس بميديا. 612 خراب نينوى. 605 طوبيا يكتب سفره. 600 نياحة رعوئيل وزوجته عدنا. 585 سبى نبوخذنصر لبنى إسرائيل إلى بابل. 559 نياحة طوبيا بعد أن عاش مع سارة في راجيس. من وحي سفر طوبيت قوتي وتسبحتي هو الربّ، وقد صار لي خلاصًا! * هَبْ لي يا ربّ مع طوبيت أن أَتمتَّع بحضورك الإلهي. أينما وُجِد لا تنحرف عيناه عن التطلع إليك. لم تجتذبه عبادة العجل في بيت إيل ودان عن تمتُّعه بهيكلك بأورشليم. ولم تحبسه أرض السبي من رفع قلبه إليك، ولم تُفقِده التجارب المُرَّة الفرح بك. لاحقته التجارب أينما وُجِد، وسندته نعمتك على الدوام. كان دائم الشكر والتسبيح. * تأهَّل أن تُرسِل له رئيس الملائكة، يقود ابنه في الطريق، ويحرسه من كل خطرٍ. يدخل معه في صداقة وهو لا يدري! وصار له مُرشِدًا ومُعِينًا! * فتحت عيني قلبه فتنبَّأ عن دمار نينوى، وأدرك تأديب يهوذا إلى حين. شاهد بناء كنيسة العهد الجديد فتهلل! ورأى كل الأمم قادمة إلى بيتك المقدس! * بالحق فاق طوبيت كثير من الكهنة واللاويين، وتأهَّل أن ينضمّ إلى صفوف الأنبياء. وها هو في الفردوس يتهلل بك. * حياته كانت تسبحة لا تنقطع، فانضم إلى الشركة مع طغمات السمائيين المُسبِّحين. هب لي يا ربّ بنعمتك أن أختبر عذوبة الالتصاق بك! _____ |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166679891560521.jpg طوبيت في السبي افتتح طوبيت السفر بالكشف عن انتسابه لسبط نفتالي، أحد العشر أسباط التي تمردت على الملك الذي من نسل داود في أيام رحبعام بن سليمان. وُجِد قلة قليلة في الأسباط المتمردة ارتبطت بمدينة الله أورشليم وهيكل الرب هناك. في هذا الأصحاح أبرز طوبيت الحقائق التالية: 1. انتسابه للمملكة الشمالية، أما قلبه فكان مرتبطًا بمدينة الله أورشليم والهيكل [1: 9]. 2. السبي الأشوري: سُبِي طوبيت إلى نينوى، وبقي أمينًا لله ولشريعته، محبًا للعطاء والاهتمام بدفن جثث القتلى المطروحة في الشوارع والساحات [10-14]. 3. سنحاريب يطلب قتله بسبب دفنه للقتلى، وإذا بابني سنحاريب يقتلان أبيهما قبل خمسين يومًا من هروب طوبيت من وجهه [15-20]. 4. عودة طوبيت إلى نينوى ورجوع زوجته وابنه إليه، وردّ ممتلكاته التي صادرها سنحاريب [21-22]. 1. طوبيت من سبط نفتالي [1- 2] سِفرُ أخبارِ طوبيتَ بن طوبيئيلَ Tobiel بنِ حَنَنْئيلَ بنِ عَدوئيلَ بنِ غابيلوس (جَبَعْئيل)، مِن نَسْلِ عَسائيل Asiel مِن سِبْطِ نَفْتالي [1]. في أَيَّامِ شَلْمَنآسَر Enemesssaros، مَلِكِ الأَشُّوريين، سُبي مِن تِشْبَةَ Thisbe في جَنوبِ قادَشَ نَفْتالي في الجَليلِ فَوقَ أشِر Asher [2]. افتتح طوبيت السفر بذكر سبعة أنساب له تصعد به إلى انتمائه لسبط نفتالي، هؤلاء السبعة تنتهي أسماؤهم بكلمة "ئيل" والتي تعني "يهوه أو الله". ربما كان يود أن يؤكد بأن سبط نفتالي وإن كان أحد العشرة أسباط التي انضمت إلى يربعام الذي أقام نفسه ملكًا ضد رحبعام بن سليمان بن داود وذلك في القرن العاشر ق.م. وكوَّنوا مملكة إسرائيل المنشقة على مملكة يهوذا (سبطا يهوذا وبنيامين) البعيدة عن الهيكل. لكن وُجِد في هذا السبط من كان مرتبطًا بعبادة يهوه، حتى وإن انحرف البعض واشتركوا في عبادة العجل الذي أقامه يربعام في هيكلين واحد في بيت إيل والآخر في دان لكيلا يذهبوا إلى أورشليم للعبادة في هيكل الله. كلمة نفتالي معناها "مصارعات" وهي من أسباط إسرائيل. يرى البعض أن كلمة "طوبيت" معناها "المُطوّب"، ويرى آخرون أن النص الأرامي لكلمة "طوبي" Tobi اختصار طوبياهو (2 أي 17: 8)، معناها: "يهوه هو صلاحي أو خيري أو سعادتي my welfare". اتَّسَم طوبيت وابنه بممارسة الأعمال الصالحة حسب الشريعة، خاصة العطاء واحتمال الألم غير أن جمالهما الداخلي وبرّهما هو الربّ نفسه العامل فيهما. إن كان هذا البار وأسرته قد عاشوا في جو مملكة إسرائيل المتمردة لكنهم كانوا يحرصون على ارتباطهم بالله وهم تحت ظل الناموس، ولم يستطع السبي الأشوري أن يحرمهم من الحياة المقدسة في الرب، فكم يليق بنا ونحن في عصر النعمة أن نتمتَّع ببشارة الإنجيل المُفرِحة، وأن نرتبط بيسوع المسيح كلمة الله، مُخَلِّص العالم وطبيب النفوس والأجساد. * فن الطب – حسب ديموقريطوس Democritus يشفي أمراض الجسد، والحكمة تُحَرِّر النفس من هواجسها. أما المُعَلِّم الصالح – الحكمة – الذي هو كلمة الآب الذي أخذ جسدًا بشريًا، فيهتم بكل طبيعة خليقته. إنه طبيب البشرية الذي فيه كل الكفاية. المُخَلِّص، الذي يشفي الجسد والنفس معًا . * من هو؟ تعلَّموا باختصار أنه كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يُجَدِّد الإنسان، إذ يرده إلى الحق. إنه المهماز الذي يحث على الخلاص. هو مُحَطِّم الهلاك وطارد الموت. إنه يبني هيكل الله في الناس، فيأخذهم لله مسكنًا له. يحتاج المرضى إلى مُخَلِّص، ويحتاج الضالون إلى مُرْشدٍ، يحتاج العميان إلى من يقودهم إلى النور، والعطاش إلى الينبوع الحيَّ الذي من يشرب منه لا يعطش أبدًا، والموتى إلى الحياة، والخراف إلى راعٍ، والأبناء إلى معلمٍ؛ وتحتاج كل البشرية إلى يسوع! القديس إكليمنضس السكندري 2. طوبيت ومدينة الله أورشليم [3- 9] أَنا طوبيتَ كنت أَسلكُ في سُبُلَ الحَقِّ والبِرِّ جَميعَ أَيَّام حَياتي، وتَصَدَّقتُ كَثيرًا على إِخْوَتي وعلىَ بَني أُمَّتي الَّذينَ مضوا معي إلى السبي إلى نينَوى في بِلادِ الأَشُّوريين [3]. عندمَا كُنتُ في بِلادي في أَرضِ إِسْرائيل وكُنتُ شابًّا، تمرد كُلُّ سِبْطِ نَفْتالي أبي (جدي الأعلى) على بيت أُورَشَليم، المَدينةِ المُخْتارةِ مِن بَينِ جَميعِ أَسْباطِ إِسْرائيلَ حيث يقدمون ذَبائِحِهم، وحَيثُ بُنِيَ الهَيكَلُ مسكن العلي وقُدِّسَ لِجَميعِ الأَجْيال إلى الأبد [4]. وكانَ جَميعُ ِالأسباط التي تمردت وبَيتُ أبي نَفْتالي يَذبَحونَ لِلْعِجلِ [5]. أَمَّا أَنا فكَثيرًا ما كُنتُ أَذهَبُ وَحْدي إِلى أُورَشَليمَ في الأَعْياد بِحَسَبِ ما كُتِبَ في كُلِّ إسْرائيلَ بِفَريضةٍ أَبَدِيَّة، وكُنتُ أحضر الَبْكور وعُشور المحاصيل وبكور جِزَزِ الخِراف، [6] فأُقَدِّمُها لِلكَهَنَةِ بَني هارونَ عند المَذْبَح. وكنتُ أُقدِّمُ العُشورَ لِبَني لاوِيَ الذين كانوا يخدمون في أُورَشَليم. وأمَّا العُشورُ الثَّانِيَة فكُنتُ أبيعها وأُؤَدِّيها فِضَّةً وأَمْضي فأُنفِقُها كُلَّ سَنَةٍ في أُورَشَليم [7]. وكنتُ أُقَدِّمُ العُشورَ الثَّالِثَةَ لِلْمحتاجين المتعهد بهم، ِبحَسَبِ ما أَوصَتني بِه دَبورةُ أُمُّ أَبي، لأِنَّ أَبِي تَرَكَني يَتيمًا بَعدَ مَوته [8]. ولَمَّا صِرتُ رَجُلاً، تزوجت حَنَة مِنْ نَسْلِ قَرابَتِنا، وأنجبتُ مِنها طوبِيَّا [9]. بعد أن تحدَّث طوبيت عن سبطه أراد أن يؤكد أنه مع إقامته وسكناه في أرض المملكة الشمالية كان قلبه مرتبطًا بمدينة الله منذ حداثته. وكان هدفه واضحًا وهو السلوك في الربّ. لقد أبرز الجوانب التالية من جهة أفكاره وسلوكه: أولاً: لم يُشارِك الأسباط العشرة بما فيهم إخوته وأقربائه من سبط نفتالي في التمرُّد على الله. مع تغرُّبه عن المملكة الجنوبية بقي أمينًا في حياته كعضوٍ في شعب الله وملتزم بالناموس الإلهي. هكذا يليق بنا ونحن بعد في الجسد أن نسلك على الأرض، لكن قلوبنا منطلقة نحو السماويات. نُرَدِّد مع الرسول بولس: "وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أف 2: 6). "نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18). * نحن الذين في هذا العالم "متغرِّبون عن الرب" نسلك على الأرض. هذا حق، لكننا نسرع في طريقنا إلى السماء. إذ ليس لنا هنا موضع دائم، بل نحن عابرو سبيل ورحالة مثل سائر آبائنا . القديس جيروم الفرقة الأولى هي جماعة الكهنة (تث 12: 4-7؛ 18: 1-5) الذين يخدمون المذبح ويُقَدِّمون الصلوات عن كل العالم، خاصة عن شعب الله. الفرقة الثانية هي جماعة اللاويين ويقومون بجانب خدمة الهيكل بتعليم الشعب والاهتمام باحتياجاتهم الروحية والمادية والجسدية والثقافية. فالتعليم جزء لا يتجزَّأ من رسالة الكنيسة. أما الفرقة الثالثة فهم المحتاجون الذين يتعهَّدهم شخصيًا. فجدّته من أبيه دَبورة التي قامت بتربيته لأن أباه مات وهو صغير السن، علَّمته أن العطاء في بيت الرب لا يعفيه من الاهتمام بالفقراء والمحتاجين، خاصة الأيتام والأرامل.كان يحتفظ بنصيبٍ من عشوره في البيت للفقراء الذين يلجأون إليه. * كان أيوب غنيًا، لكنه لم يقضِ حياته في ترفٍ بلا حنوٍ (على الآخرين). كان بيته مفتوحًا لكل محتاجٍ بإرادته المملوءة حبًا. لم يُعَامِل أحدًا بظلمٍ، بل ساعد الذين كانوا يعانون من الظلم؛ كان يقدم الاحتياجات اللازمة للأرامل والأيتام. فإن هذه هي أعمال البرّ للغني البار . العلامة أوريجينوس * ماذا يشحذ منك الفقير؟ خبزًا. ماذا تشحذ من الله؟ المسيح القائل: "أنا هو الخبز الحيّ النازل من السماء". * إن أردت أن تطير صلواتك مرتفعة إلى الله، هب لها جناحين: الصوم والصدقة . القديس أغسطينوس جدته دبورة، تحدَّث عنها في عبارة واحدة، لكن أثر تربيتها المقدسة له في الرب شغل السفر كله. بعد هزيمة إسرائيل بواسطة أشور، أُخِذَ طوبيت وعائلته إلى السبي. تم سبي إسرائيل على عدة مراحل وسبي شعب السامرة كعاصمة سنة 722 ق.م. أما قلب طوبيت فلم يقدر أحد أن يسبيه. وقد سجَّل لنا اعترافًا يُخجِلنا: "أَنا طوبيتَ كنت أسلكُ في سُبُلَ الحَقِّ والبِرِّ جَميعَ أَيَّام حياتي" [3] اتَّسم طوبيت بالسخاء في العطاء، فكان يُقَدِّم البكور والعشور للكهنة واللاويين الذين يخدمون في الهيكل، ويعطي المحتاجين سواء في أورشليم أو في المملكة الشمالية (إسرائيل) وأيضًا المحتاجين من الأمم. مع محبته الشديدة للهيكل وخدامه لا ينسى المحتاجين من اليهود والأمم. خدمة طوبيت كانت رمزًا لخدمة السيد المسيح الذي جاء أولاً لإسرائيل حتى لا يحسبه اليهود أنه مقاوم للناموس ولشعبه، كما بسط يديه على الصليب ليحتضن العالم كله. يقول الرسول: "أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضًا بلى للأمم أيضًا" (رو 3: 29). 3. طوبيت في السبي [10- 14] وعندما سُبيت إِلى نينوى، كانَ جَميعُ إِخوَتي وبني جنسي يأكُلونَ مِن طَعام الأمَم (الوثنيين) [10]. أَمَّا أَنا فكُنتُ أَصونُ نَفْسي مِن أَكْلِ طَعامِ الأُمَم [11]. وكُنتُ أَذكُرُ اللهَ بِكُلِّ قَلْبي [12]. أعطاني العَلِيُّ نعمةً لدى شَلْمَناسَر، فكُنتُ أَشتري لَه كُلَّ ما يَحْتاجُ إِلَيه [13]، فأَذهَبُ إِلى ميديا، فأَودَعتُ لدى غابيلوس (جَبَعْئيل)، أَخ جَابْرياس في راجيسَ عَشرَة وزنات مِنَ الفِضَّةِ [14]. راجيس: تعني "تمزيق repute"، وذلك بسبب كثرة الزلازل. كان بها المقر الرسمي للملوك الـ Parthian في الربيع. يذكر التاريخ أن سلوكس نيكانور هو الذي بَنَى راجيس سنة 300 ق.م. فكيف تُذَكر هنا؟ السبب أن راجيس كانت ضاحية صغيرة لمدينة أحمتا. وجاء نيكانور وجعل منها مدينة كبيرة، أو هو جدَّدها بعد أن هُدِمَت. وفي بعض النسخ كُتِبَت أحمتا بدل راجيس. * أُعطِي لنا خادم الله القديس طوبيت بعد استلام الشريعة كمثالٍ كي نتعرَّف كيف نُمارِس الأمور التي نقرأها (في الشريعة)، حتى متى حلَّت تجارب لا نتخلَّى عن مخافة الله، ولا نطلب عونًا من مصدر آخر غيره، واضعين في ذهننا ما هو مكتوب: "كنتُ فتى والآن شخت، ولم أرَ صديقًا تُخلّي عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا" (مز 36: 25). بهذا فإن من يضع رجاءه في الله بكل فكره لن يمكن أن يُخدَع . القديس أغسطينوس مملكة مادي أو ميديا[14] شرق أشور وشمال فارس، وكانت تتبع أشور في ذلك الحين. جنوب بحر كاسيبان Casipan، حاليًا جزء من إيران. يذكر هنا السفر قداسة طوبيت وبرّه حتى بعد سبيه. فالقداسة لا تظهر فقط داخل أسوار الكنيسة بل وفي السلوك الروحي خارج الكنيسة. قد يتساءل البعض: لماذا لم ينقذ الله طوبيت البار من السقوط في الأسر الأشوري؟ يُجِيب القديس كبريانوس بأنه مهما بلغت تقوى طوبيت، فإن السبي حلّ على كل إسرائيل دون تمييز بين إنسانٍ تقي بار وإنسانٍ شرير. مادمنا في هذا العالم يشارك المؤمنون غير المؤمنين متاعب المجاعات والسبي والتعرُّض للأمراض، حتى ينطلق الكل من العالم، فيُكَافأ الأبرار على صبرهم وشكرهم لله وسط الآلام، بينما يُدَان الأشرار على تذمُّرهم. فالضيقات والآلام والمتاعب تسكب بهاءً على الأبرار، وتعلن شرّ الأشرار وتفضحهم. * إلى أن هذا الفاسد يلبس عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت، فمشاكل الجسد عامة علينا نحن البشر. لذلك عندما تكون الأرض عقيمة في إنتاج المحصول، تحلّ المجاعة على البشر بلا تمييز بينهم، هكذا فإن غزو العدو على أية مدينة يجعلها موحشة بالنسبة للكل . القديس كبريانوس في ذات الحزن يمقت الشرير الله ويجدف عليه، أما الصالح فيصلي ويُسَبِّح الله . القديس أغسطينوس القديس أمبروسيوس ما هي العشر وزنات من الفضة [14]؟ تشير الفضة إلى كلمة الربّ، إذ يقول المرتل: "كلام الربّ نقي كفضةٍ مصفاةٍ في بوطةٍ في الأرض ممحوصة سبع مرات" (مز 12: 6). لقد أودع طوبيت عشرة وزنات من الفضة لغابيلوس الذي لا نعرف عنه أو عن أسرته شيئًا سوى أنه اتَّسم بالأمانة والحب، فسلَّم الوزنات لابن طوبيت خلال الرسول والمتخفي، وبفرحٍ انطلق إلى طوبيا كي يعلن فرحه به ويشاركه أيام عُرْسِه. يرى البعض أن غابيلوس يشير إلى جماعة الأمم التي تسلَّمت العشرة وصايا أو الناموس كوديعةٍ من اليهود. لقد طلب الملك بطليموس في القرن الثالث ق.م. ترجمة العهد القديم إلى اليونانية. وكان ذلك بسماح إلهي حتى متى تم الخلاص بالصليب يمكن للرسول الكرازة للأمم الذين بين أيديهم العهد القديم باللغة اليونانية، فيتعرَّفون على المُخَلِّص من النبوات والرموز. لم يجد الرسول بولس صعوبة في التبشير بالمُخَلِّص المسيح مشيرًا إلى ما ورد في العهد القديم قبل مجيء الربّ متجسدًا، وكانت محفوظة في مكتبة الإسكندرية. هذه الوديعة التي تسلَّمها بطليموس وأَودعها بمدرسة الإسكندرية فتحت الباب لأصحاب الثقافة اليونانية على قبول البشارة بالسيد المسيح. ولَمَّا ماتَ شَلْمَنآسَر مَلَكَ سَنْحاريبُ ابنُه بعده فأُغلِقَت طُرُقُ ميدِيا، ولم أَعُدْ أَستَطيعُ الذَّهابَ إلَيها [15]. في أَيَّامِ شَلْمَنآسَر، تَصَدَّقتُ كَثيرًا على إخوَتي بَني قَومي [16]. فكُنتُ أُقَدِّمُ خُبْزي لِلجِياعِ وملابسي لِلْعُراة، وإِذا رَأَيتُ أَحَدًا مِنِ بَني أُمَّتي قد ماتَ ومطروحًا خلف أَسْوارِ نينوى، كُنتُ أَدفِنُه [17]. وإِذا قَتَلَ سَنْحاريبُ وهو هارِب من اليَهودِيَّة أحدًا[11]، كنُتُ أَدفِنُه. لَقَد قَتَلَ في غَضَبِه كَثيرين مِن بَني إِسْرائيل. فكُنتُ أَسرِقُ جُثَثَهم وأدفِنُها. وكانَ سَنْحاريبُ يطلبها فلا يَجِدُها [18]. ومضى أحَد سُكَّانِ نينَوى وأَخبَرَ المَلِكَ بشأني بِأَنِّي أدفِنُها، فاختبأت. ولَمَّا علمت أَنَّ المَلِكَ علِم بِأَمْري وأَنَّه يَسْعى لِقَتْلي، خفت وهَرَبتُ [19]. فاستولى على كُلِّ ما هو لي ولم يُترَكْ لي شيءٌ، عَدا حَنَّةَ اَمْرأَتي وطوبِيَّا ابني [20]. لم يستطع أن يذهب إلى ميديا، إذ أُغلِقَت طُرُقُ ميدِيا ربما بسبب الحروب. اتَّسم طوبيت بفضائلٍ كثيرةٍ. كان الملك ورجاله في حالة ثورة ضده لا على خطأ ارتكبه، وإنما على ما يمارسه من إحسانات، أي اهتمامه بالفقراء والمحتاجين والمتألمين ودفن جثث القتلى. اهتمام طوبيت بدفن الموتى [17] هو نوع من الإحسان والحنو، صادر عن الإيمان بعقيدة القيامة العامة. لازال كثير من البلاد لا تتجاسر أن تهدم القبور مهما كان حالها وقِدَمها. أما ترك جثث الموتى المؤمنين بلا دفن فسببه أن بعض الوثنيين كانوا يعتقدون أن النفس لا تستريح حتى يُدفَن جسدها، فبعدم دفن جثث المؤمنين يريدون السخرية بهم حتى بعد قتلهم. يدعونا ابن سيراخ أن نبذل كل الجهد لنكسب صداقة إن أمكن مع كل إنسانٍ، خاصة في لحظات انتقاله. يقول ابن سيراخ: لتظهر حنو العطاء في حضور جميع الأحياء، حتى للموتى لا تمنع عنهم اللطف (سي 7: 33). ماذا يعني باللطف مع الميت؟ الاهتمام بدفنه في التراب بكرامةٍ لائقةٍ كما كان طوبيا يفعل (طو 2: 10)، والاهتمام بعائلاتهم إن كان عليهم ديون، والتصدق على من كان يعطف الميت عليهم. وردت قصة سنحاريب وقتل ابناه له في (2 مل 18، 19). وغالبًا كان اضطهاد سنحاريب لليهود بعد أن قتل الملاك 185000 رجلاً من جيشه، وعودته إلى بلاده في خزي. كيف شهد طوبيت للربّ؟ أ. الاهتمام بالعمل الإيجابي بروح الرجاء: لم ينشغل بما حلَّ به من ضيقات، إذ فقد ممتلكاته وحريته وحُرِم من الذهاب إلى مدينة أورشليم والهيكل، إنما انشغل بالمسبيين معه. يطوف بينهم، ويعطيهم من طعامه، ويُقَدِّم لهم الملابس، ومتى وجد إنسانًا مقتولاً يدفن جثته سرًّا بغيرةٍ مُتَّقدةٍ. ب. اهتم بتقديم البكور والعشور للاويين والدخلاء والغرباء. وكان يسند إخوته ماديًا خاصة في أرض السبي. طلب منه قريبه غابيلوس (جبعئيل) أن يقرضه عشرة وزنات فضة، وهو مبلغ كبير جدًا، فلم يمتنع (1: 14). ج. لم يسجد لعجول الذهب (1: 5)، ولا تنجَّس بأطعمة الأمم الدنسة (تث 14: 3-21) مثل أصدقائه وبني جنسه الذين بَرَّروا ذلك بأنهم مسبيون في أرضٍ غريبةٍ وفقدوا حريتهم (1: 11). د. كان يجول في السبي يحث إخوته ليعيشوا بأمانةٍ وإخلاصٍ. 5. طوبيت والملك آسرحدون [21- 22] ولم تمضِ خمسونَ يَومًا إلا وقَتَلهَ ابناه وهَرَبا إلى جبالِ أَراراط، فمَلَكَ آسَرحَدُّونُ ابنُه مَكانَه. وعيَّن أحيور (أخيكار) اَبنَ أَخي حنئيل على جَميعِ حِساباتِ مَملَكَتِه، وكانَ لَه سُلْطانٌ على تدبير جَميعِ الشُّؤُونِ الإِدارِيَّة [21]. فتَوَسَّطَ لي أَحيور فعُدتُ إِلى نينَوى. وكان أَحيور ابنَ أَخي رَئيسَ السُّقاةِ وأَمينَ السِّرِّ ورَئيسَ الشُّؤُونِ الإدارِّيَةِ والحِساباتِ، وجعله الرجل الثاني بعده [22]. جاء الملك آسرحدون بدلًا من سنحاريب، ولم يحمل عداوة لليهود، فأعاد لطوبيت ماله وعاد طوبيت إلى بيته. أحيور: عُرِف بأنه إنسان حكيم في أشور، حُفِظَت كثير من أقواله بالسريانية. في بدء القرن العشرين تم اكتشاف وثيقة بردية في مصر بالآرامية، تحتوي على سيرة مختصرة لشخص يُدعَى أحيور مع العديد من أمثاله . من وحي طوبيت 1 لاحقته التجارب فسكبت بهاءك عليه! * كثيرون إذ يسقطون في تجربة تحوط بهم الظلمة. أما طوبيت فكلما هاجمته التجارب ازداد بهاءً! أصر عدو الخير أن يحطم بهاءه. في مملكة إسرائيل كان ينطلق بمفرده إلى بيت الربّ. وفي السبي كرَّس حياته للعطاء ودفن القتلى، وفي إصابته بالعمي عيّرته زوجته. وفي إرساله طوبيا يستلم وديعة فضة عند غابيلوس بميديا. إذ قابل كل تجربة بالإيمان بضابط الكل. لم تحطمه التجارب، بل انفتحت أمامه أبواب الخدمة. لقد تحدى كل الظروف القاسية، ولم يستطع التهديد بقتله أن يُسبط همته في الخدمة. صمم الملك سنحاريب على قتله، فهرب، ولم يعبر خمسون يومًا فإذا بابني الملك يقتلان أبيهما! هب لي يا ربّ أن أخدمك حتى النفس الأخير! |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166679891560521.jpg طوبيت يحتفل بعيد الخمسين المقدس أعداء الإنسان أهل بيته في الأصحاح الأول سجَّل لنا طوبيت متاعبه الخارجية وكيف تحدَّاها بنعمة الله التي تُحَوِّل الضيقات إلى بركات، إذ لا يعرف المؤمن روح الفشل بل روح القوة والنصرة (راجع 2 تي 1: 7). 1. عاش في مملكة إسرائيل، وبروح الحق كان ينطلق وحده وهو شاب إلى مدينة الله أورشليم غير مبالٍ بما يأمره به ملوك مملكة إسرائيل. 2. لم يمنعه السبي من حُبِّه للعطاء وخدمة شعبه، خاصة دفن القتلى المطروحين في الشوارع والساحات. ولم يُعط ِاعتبارًا لسنحاريب الذي أراد أن ينتقم من اليهود في أرض السبي، لأن ملاكًا قتل في ليلة واحدة 185 ألفًا من جيشه المحاصر لأورشليم (2 مل 19: 35). إذ صمد طوبيت أمام التجارب الخارجية، سمح الله لاثنين من أبناء سنحاريب أن يغتالا والدهما ويهربا. وأعطى الرب نعمة لأحيور ابن أخ طوبيت ليصير الرجل الثاني بعد الملك الجديد، فعاد طوبيت إلى بيته إذ كان هاربًا من سنحاريب وردّ له كل ما صادره سنحاريب. والآن في هذا الأصحاح واجه تجارب لا من الخارج، بل من أهل بيته، وهما: أولاً: جسده الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، إذ أصيب بالعمى. لقد جُرِّب الرسول في جسده وصرخ إلى الله كي يرفع عنه هذه التجربة حتى يستطيع أن يخدم بكامل صحته، فقال له الرب: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل، فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل عليّ قوة المسيح" (2 كو 12: 9). ثانيًا: حنة امرأته التي عيَّرته. لقد أبرز السيد المسيح خطورة التجارب التي من الداخل بقوله: "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10 :34). * ما لم يمت الجسد لا تقدر الروح أن تعيش... ليُطَبِّق كل إنسان ذلك على نفسه كيف أنه بالحق إذ يصير ضعيفًا وهزيلاً بالصوم تكون نفسه مملوءة غيرة، وأفكاره ممتصّة بالكامل في اللَّه. ويُرَدِّد مرارًا وتكرارًا: "ما أجمل خيامك يا رب الجنود!"[1] * لم يتمجَّد الرسول بقوته بل بضعفه: "حيث أنا ضعيف حينئذ أنا قوي"[2]. القديس جيروم وعندما عُدتُ إلى مَنزِلي، ورُدَّت لي حَنَّةُ امرأتي وطوبِيَّا ابني. وذلك في عيدِ الخمسين الذي هو عيدُ السبعة الأسابيعِ المُقَدَّس، أُقيمَت لي مائدة فاخِرة، وجَلَستُ لِآكل [1] وعندما رأيت الكثير من الأطعمة قُلتُ لِطوبِيَّا ابني: "امضِ يا ابني، وكل مَن تَجدُه فقيرًا يَذكُرُ الرب بِكُل قَلبِه بَينَ إِخوَتنا، احضره. وها أنا في انتظارك." [2] هرب طوبيت من أمام وجه سنحاريب، لكن قُتِل سنحاريب لا بيد أعدائه بل بأيدي ابنيه. ظن أنه سينتقم من طوبيت لأنه تحدَّاه بدفن القتلى من اليهود، وليس من قوة تقدر أن تقف أمامه، وإذا بابنيه يغدران به. عاد طوبيت بعد قتل الملك، وقيل إن زوجته وابنه رُدَّا إليه، ولعل كان الملك قد أصدر أمرًا بحجزهما حتى لا يهربا إلى طوبيت؟! لم يُحَدِّثنا طوبيت عن لقائه مع زوجته وابنه عند عودته إليهما، إنما ما يؤكده أن ما حلّ به لم يمنعه عن الاحتفال بعيد الخمسين المقدس، حتى وإن كان في الأسر محرومًا من الذهاب إلى أورشليم وإلى هيكل الرب كعادته. كل ما كان يشغله أنه كإنسان الله يعمل ما استطاع في طاعة للشريعة، مع الشعور بالحضرة الإلهية أينما وُجِد. حول عيد الخمسين Pentecost اليهودي، وهو عيد سنوي يحتفل به اليهود بعد سبعة أسابيع من عيد الفصح. يُدعَى أيضًا عيد الأسابيع وعيد الحصاد، أو عيد البكورة إذ يذهب المزارعون إلى أورشليم ليُقَدِّموا باكورة محاصيلهم. في الفترة ما بين العهد القديم والعهد الجديد بدأ الشعب اليهودي في حفظ عيد البنطقستي كتذكار لاستلام الناموس على جبل سيناء، حيث حدث تجلي ناري لله أمام موسى النبي (خر 19: 18). وفي منتصف القرن الثاني ق.م صار عيد البنطقستي احتفالاً بتجديد العهد. لهذا يرى البعض أن ما حدث مع كنيسة العهد الجديد في يوم الخمسين (أع 2)، إنه صار عيد تجديد العهد[3]. فسفر الأعمال صوَّر حلول الروح القدس بكونه تأسيسًا للعهد بين الله والكنيسة بطريقة تُعلِن عن امتداد لما حدث على جبل سيناء[4]، لكن ليس خلال ظلام ورعود وبروق، إنما خلال ألسنة نارية حلَّت على الكنيسة لتمارس العمل الكرازي للإنجيل. يرى القديس أغسطينوس أن احتفال اليهود بعيد الفصح وعيد البنطقستي يشير إلى احتفالنا بالفصح الحقيقي خلال صلب السيد المسيح وآلامه واحتفالنا بعيد الخمسين بحلول الروح القدس. * إن كنا نحن نحتفل بعيد الخمسين "البنطقستي" من أجل حلول الروح القدس، فلماذا يحتفل به اليهود؟... قيل إنه في يوم الخمسين أَعَدّ طوبيت وليمة، ودعا بعض أصدقائه الذين تأهَّلوا إلى الاشتراك في هذا العيد، لأنهم يخافون الربّ. بالحقيقة سبعة أزمنة (أسابيع) تعادل رقم 49 (7 x 7)، يضاف إليه رقم 1 من أجل الوحدة معًا حتى نعيد في الرأس، أو البداية. فالوحدة في الحقيقة تضم الجموع. وإن لم تلتحم الجموع معًا بالوحدة تصير كومًا لشعب متنازع ومتخاصم فيما بينهم. على أي الأحوال إن وُجِدَت ألفة بينهم يصيرون نفسًا واحدة. يؤكد الكتاب المقدس هذا، عندما يتحدث عن الذين نالوا الروح القدس. فيُقَال: "كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة" (أع 4: 32). هكذا صار الخمسون يومًا سرّ البنطقستي. إدًا لماذا يحتفل اليهود بالبنطقستي، ما لم يكن احتفالهم رمزًا له؟ انصتوا إليّ باهتمام. أنتم تعرفون أنه عند اليهود يُذبَح حمل الفصح. وهكذا يُعيّد الفصح كرمزٍ لآلام الربّ التي حدثت فيما بعد. ليس من إنسانٍ مسيحي يمكنه أن يجهل ما أقوله. أنتم تعرفون أنهم أُوصوا أن يوجد حمل بين الماعز والقطيع (خر 12: 5 الترجمة السبعينية)؛ لكن هل يوجد حمل بين الماعز والقطيع؟ هذه الوصية مستحيلة! لكنها تشير إلى إمكانية أن يأتي المسيح (حمل الله) بربنا يسوع، الذي بحسب الجسد وُلِد من نسل داود، وجاء في نسبه خطاة (مثل راحاب الزانية). حسب الأنساب التي سجَّلها البشير (مت 1: 17؛ لو 3: 23-38) نجد خطاة كثيرين، إذ جاء من نسل خاطئ. والكنيسة اليوم تجتمع من أبرارٍ وخطاة . القديس أغسطينوس قيل: "أُعِدَّت له مائدة"، ربما لأن زوجته وابنه طوبيا شعرا بأنهما حُرِما من وجود طوبيت لمدة 50 يومًا، وحُرِم هو من أسرته وعاش في شبه عُزلة حتى لا يعرف سنحاريب مكانه فيُرسل من يغتاله. لم يفكر طوبيت أن يكتفي بحضور زوجته وابنه اللذين حُرم منهما فترة هروبه من نينوى، إنما تطلع إلى الطعام الذي على مائدته ولم يستطع أن يمد يده ويأكل، إذ حُرِم كثيرون من الطعام بسبب الفقر والعوز. طلب من ابنه الوحيد أن يخرج ويبحث عن أناسٍ من بني قومه الذين حُرِموا من الاحتفال بالعيد، ويأتي بهم ليشتركوا مع الأسرة في المائدة. 2. طوبيا يخبره عن مقتل شخصٍ من أمته [3- 8] عادَ فقال: "يا أَبَتِ، ذُبِحَ واحِدٌ مِن أُمَّتِنا وأُلْقِيَ في الساحَةِ مَذبوحًا" [3]. فوَثَبتُ قَبلَ أَن أَذوقَ شَيئًا، ورَفَعتُ الجُثَّةَ مِنَ السَّاحة ووَضَعتُها في غُرَفة معينة، إلى أن تَغيبَ الشَّمسُ [4]. ورَجَعتُ واغتَسَلتُ وتَناولتُ الخُبزَ حَزينًا [5]. فتذَكَرتُ نبوة عاموسُ حَيثُ قال: "ستُحوَّلُ أَعْيادُكم نَوحًا وجَميعُ أناشيدِكم رِثاءً"، فبَكَيتُ [6]. ولَمَّا غَرَبَتِ الشَّمسُ، ذَهَبتُ فحَفَرتُ قبرًا ودَفَنته [7]. وكانَ جيراني يضحكون قائلينَ: "إنه لم يَعُدْ يَخاف أن يُقتل بِسَبَبِ مِثلِ هذا الأمر، فهَرَب وهوذا يَعودُ إِلى دَفْنِ المَوتى" [8]. انطلق الابن الذي يحمل سمات أبيه من حبٍ لله والناس، وممارسة الرحمة. انطلق إلى الساحة فوجد قتيلاً من بني جنسه مات مخنوقًا. عوض البحث عن فقيرٍ يشترك مع الأسرة في مائدة العيد. عاد إلى أبيه ليخبره بما رآه. وثب الأب في الحال قبل أن يمد يده للطعام، وذهب إلى الساحة ورفع الجثة ووضعها في إحدى الغرف إلى أن تغيب الشمس. اغتسل وتطهر، لأنه يُحسَب كمن تدنس لأنه لمس ميتًا. جلس على المائدة وتناول الخبز وهو حزين. كان يفكر فيما تنبأ به عاموس أن الله يُحَوِّل الأعياد إلى نوحٍ، والأناشيد الخاصة بالعيد إلى مراثٍ. كانت دموعه تنهار حزنًا على بني قومه. تطلع جيرانه إليه وهو منطلق إلى الساحة ليهتم بالقتيل الذي كانت جثته مطروحة أرضًا، واندهشوا كيف لم يتعلَّم مما حدث له في أيام الملك السابق. كيف يُعرض نفسه للموت بدون خوفٍ؛ كيف حفر القبر بنفسه ليدفن جثمان القتيل؟ نرى عظمة طوبيت في الآتي: 1. ما أن سمع أنه توجد جثة في الساحة ترك الأكل والوليمة وذهب ليحمل الجثة. 2. احتفظ بالجثة في بيته. 3. عرَّض نفسه لعقوبة من الملك. 4. في تقواه لم يتذمر على الله ظانًا أنه ترك شعبه اليهودي ينكل بهم الملك، بل أرجع هذا لخطية الشعب وتذكَّر نبوة عاموس (عا 10:8). 5. ثبت في خوف الله شاكرًا له طول أيام حياته. وهذا ما قاله بولس الرسول: "متفاضلين فيه بالشكر" (كو 7:2). 6. لتمسكه بالناموس عمل الوليمة ليحتفل بيوم عيد الرب؛ وظهر أن طوبيا كان بارًا كأبيه فذهب بسرعة ليخبر أبيه بوجود الجثة، فالأب قدوة لأبنائه. * مرة أخرى بدأ يشترك في تلك المسئوليات، إن كان لديه أية مئونة يبحث عن غريبٍ يشاركه طعامه. وهكذا عندما عاد مُجهدًا من قيامه بالدفن، وكان الطعام قد وُضِع أمامه وقد أرسل ابنه يبحث عن أحدٍ يشاركهما المائدة. إذ دُعِي الضيف، وإذ جاءته إخبارية عن وجود جثمان غير مدفون، ترك المائدة حاسبًا أنه ليس من التقوى أن يأكل طعامًا بينما توجد جثة مطروحة علنًا عارية. هذا كان عمله اليومي، وبالحقيقة هو عمل عظيم. فإن كانت الشريعة تتطلب أن نغطي العرايا من الأحياء، كم بالأكثر يلزمنا أن نغطي الأموات. إن كنا قد اعتدنا أن نرافق الذين ينطلقون في رحلاتٍ بعيدة، كم بالأكثر يلزمنا أن نفعل هذا مع المنطلقين إلى بيتهم الأبدي والذين لن يعودوا مرة أخرى إلى هنا. قال أيوب: "إنني نُحت على كل شخصٍ حزينٍ". بالأكثر يحزن أكثر على الميت. يقول الكتاب في موضعٍ آخر: "ابكوا على الميت!" ويقول الجامعة: "قلب الحكيم في بيت الحزن، وقلب الأغبياء في بيت الفرح". ليس من عمل أعظم من هذا الواجب، حيث تهتم بشريكك في الطبيعة ذاك الذي لا يرجع بعد وتخلصه من الطيور ومن الوحوش. يُقَال إن (بعض) الوحوش المفترسة تحنو على الأجسام الميتة، فهل يرفض البشر الاهتمام بالجسم الميت؟ القديس أمبروسيوس كانوا وهم أحياء يعطون أبناءهم تعليمات بخصوص دفنهم أو نقل أجسادهم. لدينا شهادة عن ذلك بشهادة الملاك أن طوبيت تأهَّل لإحسان الله لأنه كان يدفن الموتى (طو 2:9؛ 12:12 إلخ.). ربنا نفسه الذي كان سيقوم في اليوم الثالث أوصى وحث الآخرين أن يمدحوا العمل الصالح للمرأة التقية التي سكبت طيبًا ثمينًا على قدميه إعدادًا لدفنه (مت 26: 10، 13 إلخ.). ومدح الكتاب المقدس الأشخاص الأتقياء الذين استلموا جسده بعناية فائقة عندما اُنزل من على الصليب، وقدَّموا أكفانا ودفنوه بوقارٍ . القديس أغسطينوس حقًا كيف يرجع إلى بيته ويشترك في المائدة التي أُعِدَّت له ومعه أهل بيته والإخوة الذين استضافهم. ومن جانب آخر بحسب الشريعة الموسوية تدنَّس بلمسه جثمان ميت، ويحتاج أن يتطهر! شعر طوبيت أن ما حلّ به وبشعبه إنما هو ثمر خطاياهم وخطايا آبائهم. ليس من علاج للموقف سوى الرجوع إلى الله بالتوبة. 3. طوبيت يفقد بصره [9- 10] وفي تِلكَ اللَّيلَةِ التي فيها دفنته عُدت إلى بيتي، وإذ تدنست دَخَلتُ ساحةَ داري وألقيتُ بِنَفْسي بجوار حائِطِ الدَّارِ مكْشوفَ الوَجهِ [9]. وكان في الحائِطِ عَصافيرَ فَوقي لم أرها، فوَقَعَ روثها الساخن في عَينَيَّ فأَحدَثَ بُقَعًا بَيضاءَ، فذهبتُ إِلى الأَطِبَّاءَ ِلكنهم لم يعينوني. وأَعالَني أَحيور قَبلَ أن يَذهَبَ إِلى المايس Elymais (جلمايس) . إذ دفن القتيل، عاد إلى بيته؛ وإذ حرص على طهارة البيت اغتسل وألقى بنفسه على جدار الساحة ليستريح، وكان مفتوح العينين. سقط على عينيه ذرف العصافير الساخن. فانطلق إلى الأطباء ليعالج عينيه، لكن لم ينتفع شيئًا، بل ازداد عماه حتى فقد بصره تمامًا. يرى القديس أغسطينوس أن الله يسمح أحيانًا لبعض الأتقياء أن يفقدوا نظرهم، مُقَدِّمًا لهم البصيرة الروحية التي للنفس. فطوبيت تعرَّض للعمى، ووهبه الرب البصيرة الداخلية ليُعلِّم ابنه طوبيا روح الحب والتقوى والتمييز. تأهَّل الابن أن يُرافِقَه رئيس الملائكة رافائيل في رحلته وقام بإرشاده ورعايته وسلك مثل أبيه طوبيت كإنسان الله. هذا ما تمتَّع به اسحق بن إبراهيم الذي ضعفت عيناه جدًا، وإن كان لم يُمَيِّز في البداية بين ابنيه عيسو ويعقوب، غير أنه بالبصيرة الداخلية باركهما لينال كل منهما سؤل قلبه. فيعقوب تمتَّع بالسماء المفتوحة، وعيسو تمتَّع بالقوة الجسمانية والبركات الأرضية. تمتَّع يعقوب بالبصيرة الروحية، وتنبأ لأولاده عما سيكونون عليه في الأجيال القادمة هم ونسلهم (تك 48). * يا أيها النور الذي رآك طوبيت حين أُغلِقَت عينيه. فعلَّم ابنه طريق الحياة، هذا الذي سار قبلاً بقدمي المحبة اللذين لن يضلاّ. وإسحق الذي رأى (بالبصيرة الداخلية) عندما تعتّمت عيناه الجسديتان، فلم يستطع أن ينظر بسبب الشيخوخة، فسمحت له أن يبارك ابنيه ويتعرف علهما (تك 27: 1). هذه البصيرة التي تمتع بها يعقوب عندما أُصيب بالعمى في شيخوخته، واستنار قلبه ورأى أولاده بنورٍ وما سيحدث لشعبه في المستقبل وتنبأ لهم. لقد وضع يديه على شكل الصليب بطريقة سرّية على حفيديه ابنيّ يوسف، وقد أراد والدهما إن يصحح الوضع إذ نظر ما هو بالخارج، أما (يعقوب) فكان مدركًا التمييز بينهما (تك 48: 13-19) . القديس أغسطينوس لقد تزكَّى طوبيت بالأكثر أمام الله باحتماله الألم، وقد مدحه الملاك رافائيل بعد ذلك قائلاً: "أما أنا فأظهر لكما الصحيح ولا أخفى عليكما كلمة من الحديث المكتوم. والآن عندما كنت تصلي أنت وسارة كنتك أنا قدمت ذكر صلوتكما أمام الرب. * لقد أُصيب بالعمى بروثٍ سقط من عش سنونو، لكنه لم يشتكِ ولا حزن ولم يقل: "هل هذا هو جزاء أتعابي؟" لكنه حزن بالأكثر أنه حُرِم من القيام بالالتزام بالدفن بسبب عينيه. وحسب عماه ليس عقوبة حلَّت عليه، بل عائقًا لممارسة العمل[9]. القديس أمبروسيوس إذ سند طوبيت الكثيرين في أرض إسرائيل وأرض يهوذا وفي السبي، أعطاه الرب نعمة في عيني أحيور ابن أخيه الذي توسَّط له عند الإمبراطور ليعود إلى عائلته في نينوى [10]. ألهب الرب قلب أحيور بالرحمة تجاه هذا البار الذي لم يتوقَّف عن مساندة بني قومه. عاد طوبيت إلى بيته مثقلاً بالتعب، ليس بحمله جثمان الميت ودفنه، وإنما لأن أعياد إسرائيل تحوَّلت إلى حزنٍ، وعوض تقديم تسابيح الفرح بعمل الله صاروا في حزنٍ ومرارةٍ. خارت قواه فارتمى على حائط ساحة بيته، وإذا به يفقد بصره بواسطة ذبل عصفور صغير كان واقفًا على الحائط. حقًا لم يكن قادرًا على دخول بيته والشركة في المائدة المُعَدة له، لكنه كان يلزم في حزنه أن يصرخ إلى الله، طالبًا أن يهبه مع شعبه التوبة عن خطاياهم، والرجوع إلى الله. كان طوبيت بارًا، وحسنًا أن يشعر بمرارة الخطايا وثمارها المُهلكة، غير أنه استسلم للحزن عوض الاتكاء على صدر الله! على أي الأحوال، لم ينس الربّ نقاوة قلب طوبيت وإيمانه بالله وأعماله المملوءة حبًا، لذا سمح له بهذه التجربة كي تحفظه في الحب والتواضع، فينمو في الإيمان، ويتمتع هو وأسرته مع كثيرين مثل رعوئيل وأسرته وأقربائه وكثير من الشعب بأعمال الله العظيمة. 4. حنة المأجورة [11- 12] كانَت حَنَّةُ امرَأَتي تَقومُ بأَعمالٍ نِسائِيَّةٍ مَأجورة [11]، فتُرسِلُ الأَعْمالَ إِلى أَصحابِها وهم يَدفَعونَ لَها أُجرَتَها. وعندما دَفَعوا لَها أُجرَتَها قَدَّموا لَها جَديًا [12]. لأجل الاحتياج للمال اشتغلت امرأته في الحياكة (الخياطة) فيمشغلٍ. تُعتبَر حنة أول سيدة وردت في الكتاب المقدس قامت بالإنفاق على أسرتها لعدة سنوات في ظروف قاسية. وكانت أمينة في عملها حتى قدَّم لها الذين تعمل عندهم إكرامية، وهي جدي صغير تطبخه للعائلة، ربما لاقتراب عيد الفوريم. يحدثنا سليمان الحكيم عن المرأة الفاضلة فيقول: "تَطْلُبُ صُوفًا وَكَتَّانًا، وَتَشْتَغِلُ بِيَدَيْنِ رَاضِيَتَيْنِ. هِيَ كَسُفُنِ التَاجِرِ. تَجْلِبُ طَعَامَهَا مِنْ بَعِيدٍ(أم 31: 13-14). يشبِّه سليمان الحكيم المرأة الفاضلة بالتاجر العامل بسفينته القادمة من بعيد محملة بالبضائع، خاصة المئونة والطعام اللازم، كما يصدر بضائع أخرى بلا توقُّفٍ. إنها تشبه الرسل الذين يأتون إلى العالم بأخبار سارة سماوية كمؤونة روحية مُشبِعة للنفوس. المرأة الفاضلة الحكيمة لا تعرف الخمول ولا الكسل، إنما تجاهد وتعمل بكل طاقتها، وتجد بهجتها في تعب المحبة الذي تقدمه لأسرتها بكل رضا. تعمل في أمور كثيرة لكيلا تحتاج أن تشتري شيئًا قدر المستطاع. تجد بعض النساء الشريفات لذة في العمل المنزلي. وكانت العادة في الشرق أن تقوم النساء بغزل الصوف والكتان، وتشعر بمسؤوليتها نحو إعداد الملابس للأسرة كلها. وكن يفتخرن بأن ثياب أزواجهن وأبنائهن من صنع أياديهن. * اللواتي يردن أن يتساوين بسارة لا يخجلن من ممارسة الخدمات، ومساعدة المسافرين خاصة على الأقدام. فقد قال لها إبراهيم: "اَسرعي بثلاث كيلات دقيقًا سميذًا؛ اعجني واصنعي خبز مَلَّة" (تك 18: 6). كما قيل: (وأبصر يعقوب) راحيل بنت لابان خاله وغنم لابان" (تك 29: 9). يحوي الكتاب المقدس أمثلة بلا عددٍ للعمل الدؤوب وقيامهن بالعمل والتدرب على ذلك، دون عوز إلى آخرين. القديس إكليمنضس السكندري كانت أمينة وجادة في عملها، فقدَّم لها أصحابها الذين قامت بخدمتهم فيما تمارسه من حياكة، مع الأجرة الكاملة جديًا تطبخه لأسرتها. سمح الله لطوبيت الذي كان في غناه سخيًا للغاية أن يشترك أحيور مع حنة زوجة طوبيت في الانفاق على الأسرة. بهذا أكد له الرب أنه كما أعطى الكثير بفرحٍ لحساب الرب، فإنه جاء وقت يستخدم الله أحيور ليسند طوبيت وهو فاقد البصر. فكما يخدم المؤمن الآخرين، يشعر أنه في حاجة إلى خدمة الآخرين له. 5. نزاع بين حنة وطوبيت [13- 14] ولَمَّا دَخَلَت إِلَيَّ، أَخَذَ الجَدْيُ يَثْغو، فقُلتُ لها: "مِن أَينَ هذا الجَدْيُ؟ قَد يَكونُ مَسْروقًا، فرُدِّيه إِلى أَصْحابِه. فلا يَحِلُّ لَنا أَن نأكُلَ شَيئًا مَسْروقًا" [13]. لكنها قالَت لي: "قُدِّمَ لي هديةً فَوقَ أُجرَتي". لم أُصَدِّقْها، بل أَخبرتها أَن تَرُدَّه إِلى أَصْحابِه. وفي غضبٍ توهج وجهي. حينَئِذٍ أجابَتني قائلة: "أَينَ صَدَقاتُكَ وأَعْمالُ بِرِّكَ؟ ما أتاكَ مِنْها أنت تعرفه." [14] إن كانت قد دخلت حنة في مناقشة حامية مع رجلها البار، فإنها كررت تأكيدها أن الجدي ليس مسروقًا إنما هو إكرامية، قُدِّم لها من أجل إخلاصها واهتمامها بالعمل. إذ سمع طوبيت صوت الجدي، سأل زوجته: من أين هذا الجدي؟ أجابته حنة أن أصحابها الذين استأجروها في الحياكة قدَّموا لها هذا الجدي هدية فوق أجرتها. لسنا ندرك لماذا خشي طوبيت أن يكون هذا الجدي مسروقًا؟ انفعلت حنة، وقالت له: أنت تعرف تمامًا ما حلّ بك؟ ماذا انتفعت بصدقاتك وأعمال برّك؟ كانت زوجته تعيره قائلة له أين هو برّه، فيتطلع إلى ما يحتمله من آلام؟! أما هو فكان يتقوَّى بخوف الله ويتشدَّد متسلحًا بإيمانه، محتملاً الآلام، غير مُستسلِم لضعف زوجته التي كانت تُجَربه أثناء ضيقاته. فمن ضمن محاربات إبليس أن يستخدم أصدقاءنا وأقرباءنا (غير الثابتين في الله أو غير الفاهمين) للتشكيك في محبة الله (مثل زوجة أيوب). أما طوبيا فكان له عينان خارجيتان مقفولتان وعينان داخليتان يرى بهما الرب فلا يتشكَّك فيه. تشبهت امرأة طوبيت بزوجة أيوب التي عيَّرت رجلها بأن فشله ثمرة لأعماله الصالحة وبرّه. أُصيب بالعمى، فحسبت حنة أن إنفاقه الكثير على المحتاجين وأعمال البرّ سبَّب له الفشل والاحتياج (2: 14). أما هو فكان يزجرها قائلاً: "لا تتكلمي هكذا." لقد ثبت في مخافة الربّ، وكان يسبحه، كما قدم صلاة توبة بدموعٍ، مُلقيًا اللوم على نفسه، حاسبًا أحكام الله حقًا. قدَّم نموذجًا عمليًا للصلاة والتسبيح في وقت الضيق. * بعد أن قام طوبيت بأعمالٍ مجيدة، وبعد أن تأهَّل لثناءٍ مجيد من أجل رحمته، عانى من عمى عينيه، وفي نكبته كان يخاف الله ويباركه. بحزنه المتزايد في جسده كان يزداد في تسبيحه. وقد حاولت زوجته أن تدمره قائلة: "أين أعمالك الرحيمة؟ تطلع إلى آلامك!" أما هو فبثباتٍ وحزمٍ في مخافة الله تسلَّح لاحتمال الألم بالإيمان في تدينه دون أن ينحدر في آلامه لضعف زوجته، بل تأهَّل بالأكثر للتمتُّع ببركات الله بصبرٍ أعظم . القديس كبريانوس ويقول البابا كيرلّس الكبير: [وُجِد أناس كثيرون حول يسوع... لكن الأعمى شعر بحضرته وتمسَّك به في قلبه هذا الذي لم تستطع عيناه الجسديَّتان أن تراه.] أمّا سرّ شفائه فهو صوت المسيح واهب النور، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [صوت المسيح نور للأعمى، لأنه كلمة النور الحقيقي.] * الآن أي شيء نقتنيه أثمن من أن تكون لنا العين سليمة؟! يفرح الذين يرون النور المخلوق الذي يشرق من السماء حتى الذي يصدر عن مصباحٍ. ويا للبؤس الذي يبدو على العاجزين عن رؤية هذا النور. أينما تحدثت وتكلمت عن هذه الأمور إنما أحثكم على الصراخ حينما يعبر بكم يسوع (مت 20: 30). إني أتحدث عن هذا النور الذي ربما لا ترونه، إنه موضوع حبٍ لكم أيها الإخوة القديسين. صدِّقوا أنكم لستم ترونه، واصرخوا كي تروه. يا لخطورة التفكير في بؤس البشر الذين لا يرون النور المادي. متى صار إنسان أعمى للحال يُقَال عنه: "الله غضبان عليه. إنه ارتكب بعض الشرور". هكذا قالت زوجة طوبيت لرجلها... لقد صرخ (طوبيت)... إنه لا يريد أن يسمع صوت أي شيء مسروق في بيته... أما هي فوبَّخت رجلها، وعندما قال: ليُرد ما هو مسروق"، أجابته باستخفافٍ: "أين هي أعمال برّك؟"... إنها كانت تفرح وهي ترى نور الشمس، أما هو فكان يفرح في داخله بنور البرّ. أيّ النورين أعظم؟! إني أحثكم على محبة هذا النور أيها الأحباء، حتى تصرخوا عندما يعبر بكم يسوع. ليُسمَع صوت الإيمان، فيسوع لا يزال واقفًا. إنه حكمة الله وجلال كلمة الله غير المتغير، خالق الكل، يفتح أعينكم. نفس الشي عندما أعطى طوبيت نصيحة (لابنه) وعلَّمه أن يصرخ، علَّمه الأعمال الصالحة. أخبره أن يعطي الفقراء، ويقدم صدقة للمحتاجين، قائلاً: "يا ابني الصدقة هي ألاَّ تسلك في الظلمة" (راجع طو 4: 10) . القديس أغسطينوس لم تستطع حنة أن تحتمل التجربة التي حلّت على الأسرة بإصابة طوبيت بالعمى، إذ قالت له: "أين صدقاتك وأعمال برّك؟ ما أتاك منها أنت تعرفه". يليق بنا حين تحلّ بنا تجربة تبدو قاسية للغاية أن نطلب من الله أن يهبنا روح الحكمة، فكثيرون سقطوا في الجهالة والغباوة لسببٍ أو آخر. لقد نصح أيوب زوجته حين طلبت منه أن يترك الله بسبب ما حلّ به، فقال لها: "تتحدثين كإحدى الجاهلات؟!" (أي 2: 14). في غباوة قالت راحيل لرجلها يعقوب: "أعطني أبناء" (تك 30: 1) الأمر الذي لم يكن في سلطانه. وفي غباوة طلبت امرأة فوطيفار ليوسف البار أن يضطجع معها (تك 39: 7). وفي غباوة قالت حنة لرجلها البار: "أين صدقاتك وأعمال برّك؟ ما أتاك منها أنت تعرفه" (طو 2: 14). في غباوة أغرت دليلة شمشون، أما هو ففقد طهارته وسلَّم نفسه للشهوات الجسدية. من وحي طوبيت 2 من يُنقِذني من جسدي المائت * لم يستطع ملوك إسرائيل أن يمنعوه من الذهاب إلى هيكل الربّ بأورشليم، ولم تستطع نينوى أن تُلزِمه بالشركة في الأطعمة الوثنية. ولم يقدر سنحاريب الملك أن يشلّ يديه عن دفن قتلى شعبه. فالتجأ عدو الخير إلى بيت طوبيت وجسده. أُصيب طوبيت بالعمى فَشَلّ حركته في العمل لينفق على الفقراء، وعن حفر مقابر لدفن القتلى. التزمت حنة امرأته بالعمل في الحياكة والإنفاق على الأسرة. من أجل جهادها وإخلاصها وأمانتها، قَدَّم الذين استأجروها جديًا مع أجرتها. وجد العدو فرصته لخلق جو من الخلاف العائلي. صمَّم طوبيت على ردّ الجدي لئلا يكون مسروقًا. انفعلت حنة عليه وعيَّرته أن صدقاته وخدمته للمقتولين ليست إلاَّ مظهرًا بلا روح.ٍ تألم طوبيت وتوقَّف عن الحوار معها ورفع قلبه للصلاة! قدَّم الاثنان درسًا لنا في الخلافات، إذ صمت الاثنان. لم يستطع الخلاف أن يفسد حبّهما لبعضهما البعض. وكلما مرَّت الأيام والسنوات ازداد حبهما لبعضهما. صارا مثلاً رائعًا لابنهما كما لنا. وأوصى طوبيت ابنه أن يخدم أمه، وأن يدفنها معه في قبره! هكذا لم يُفقِد العمى طوبيت روح التسبيح، ولم يُفسِد النزاع حب الزوجين في الربّ! ملحق طوبيت 2 طوبيت البار وقطعة شعرية عن دفن الموتى للأب برودينتيوس الروماني يُقَدِّم لنا الشاعر المسيحي الغربي Aurelius Prudentius Clemens، قطعة شعرية رائعة عن دفن الموتى، وقد أبرز مشاعر طوبيت وهو يقوم بهذه الخدمة في نينوى عاصمة أشور حيث تعرَّض اليهود لاضطهادٍ عنيفٍ. منع الإمبراطور الأشوري أن يمد إنسان يده ليجمع جثث موتى اليهود أو القتلى ويقوم بدفنهم. هذا الشاعر روماني مسيحي وُلِد في ولاية رومانية تُدعَى Tarraconensus (حاليًا شمال أسبانيا) في عام 348م، ومات في Iberian Peninsulaبعد عام 405م، يُحتمَل أنه مات عام 413م. أما موطن ميلاده فغير أكيد . نظرة الشاعر لدفن الموتى في هذه القطعة الشعرية لم يتطلَّع الكاتب إلى دفن الموتى بمنظارٍ عاطفيٍ ضيقٍ، بكونه كشف عن الترفُّق بالإنسان حتى وهو جثة ملقاة على الأرض، لا يستطيع أحد أن يقترب إليها بناءً على الأمر الإمبراطوري أو الملكي الجاحف الذي ليس فيه أي اعتبار إنسانيّ. كانت نظرة هذا الأب مُتَّسِعة للغاية، أذكر منها الآتي: 1. يتحدَّث الأب الشاعر عن طوبيت الممارس لهذا العمل بكونه شيخًا قديسًا، لا يعطي لنفسه عذرًا أنه شيخ طاقاته محدودة بسبب شيخوخته، بجانب أنه مسبي تحت سلطان الإمبراطور الأشوري الذي يجد مسرَّته في إذلال المسبيين، إنما وهو يتطلع إلى المائدة المُعدَّة للعيد، وإذا به يترك أهل بيته وربما أصدقاءه حول المائدة، ويعطي الأولوية للقيام بهذا العمل الذي يقاومه الإمبراطور الشرير. [69 - 76] * والد القديس طوبيا، هذا الشيخ القديس العظيم في شجاعته بينما كانت وليمة العيد مُعدّة، حسب الالتزام بدفن (الموتى) له الأولوية. [69-72] * بينما كان خدامه منتظرين (على المائدة)، ترك الكؤوس وأطباق الطعام، تمنطق وانطلق وهو يبكي على جثمانٍ محزنٍ (مُلقَى على الأرض). [73-76] 2. كان طوبيت بجسده يعيش في السبي الذي يحرمه إلى حدٍ كبير من التحرُّك بحرية لإتمام هذا العمل المحبوب لدى الله. أما بفكره وقلبه وبكل إمكانياته الداخلية فكان يتطلَّع إلى السماء ليفعل ما يرضي إلهه. لم يشغله أن يرى نور الشمس بعينيه الجسديتين إنما أن تتمتع أعماقه بالبصيرة الداخلية التي ترى النور الإلهي. لقد استرد طوبيت فيما بعد النظر الجسماني، وذلك بمسح عينيه بمرارة السمكة، أما البصيرة الداخلية فلم يفقدها قط، لالتصاقه بالنور الأبدي. لم يشغله موقف الإمبراطور منه، إنما رضا الربّ. إنه يَعْلَمُ أن مكافأة السماء سريعة وصالحة وعظيمة، ألا وهي التمتُّع بالأحضان الإلهية. [77-80] * نال مكافأة سريعة من السماء، ودُفِع له أجر عظيم صالح (من عند الرب)، لأن عينيه التي لم تعرفا أشعة الشمس (إذ أُصيب بالعمى)، أنارها الربّ بمسحة من مرارة كبد (السمكة). [77-80] 3. بعد ممارسته لهذا العمل الصالح، أي دفن الموتى أُصِيب بالعمى ولم يتذمَّر. وكان العلاج فيما بعد أن تُمسَح عيناه بمرارة السمكة علامة احتماله مرارة الآلام ليس ثمرة لخطايا معينة ارتكبها. حقًا ما كان يمكن لعينيه أن تسترد القدرة على البصر بدون مسحهما بالمرارة. كم بالأكثر ينال الشفاء الروحي لبصيرته الداخلية خلال مرارة الجهاد والصراخ إلى الله كي يتمتَّع ببهاء النور الإلهي الجديد كنعمةٍ مجانيةٍ. [81-84] * هكذا يُعَلِّمنا الآب السماوي، آلام الشفاء وقوته العظيمة. فالنفس التي تنغمس في ظلمة الخطية، تُبهر باشتعال النور الجديد. [81-84] 4. إنسان الله ينتهز كل فرصة كي يتعلم شيئًا جديدًا. [85-88] * تعلَّم أيضًا أنه لا يتمتع أحد بالنظر إلى الملكوت السماوي، ما لم يحتمل الآلام، بجراحاتها وظلمتها وأحزانها. [85-88] 5. يرى هذا الشاعر المسيحي الروحي أن طوبيت وهو يحمل جثث الموتى ليدفنها، يدرك أن الموت في نظر المؤمن بركة من قبل الله، فهو ليس حرمانًا من الحياة، بل دخول فيما وراء الحياة الزمنية. الموت في حقيقته انطلاق نحو الأعالي السماوية، ودخول إلى المجد من خلال الآلام والموت. [89-92] * الموت في حقيقته هو بَرَكة، آلامه تفتح الباب لدخول المؤمنين إلى الأعالي السماوية، إذ تقودهم آلامهم إلى المجد. [89-92] 6. كثيرًا ما يتطلَّع الإنسان إلى الموت أنه تدمير للجسد وفقدان لحيويته ونشاطه، خاصة إن تعرَّض لعذابات قبل موته أو لأمراضٍ خطيرةٍ. لكننا في المسيح يسوع الذي مات وقام لحسابنا، ندرك أن الجسد الذي يتعرَّض للعذابات والأمراض يستعيد هيكله في صورة مجيدة تليق بالحياة السماوية. [93 – 96] * الأجسام التي تعاني من عذابات هكذا، تستعيد هيكلها الذي فَقَد حيويته، في الحياة التي بعد الموت والتي بلا ضعفٍ. [93-96] بالانطلاق من هذا العالم سيلتقي المؤمنون الأمناء في الالتصاق بالربّ وحفظ وصيته، دون القدرة على التمييز بين شيخ جبينه مملوء بالتجاعيد، وقدراته ضعفت بل وذبلت وبين شاب مملوء نشاطًا وحيوية، إنما يحمل الكل انعكاس بهاء الربّ عليهم دون تفرقة بين شيخٍ وطفلٍ، رجلٍ وامرأةٍ، شابٍ وشابةٍ، فالكل يحملون أيقونة المسيح التي لا تشيخ. [101-104] * الشيخوخة بتدميرها خلال الغيرة الشديدة لن تشوِّه جمال الجبين الجذَّاب. ولن تُفقِد الأعضاء حيويتها النشطة. ولن تتركها تتضاءل جميعًا وتذبل. [101-104] 7. الجسد القائم من الأموات: علامة ضعف الجسد ومعاناته من الإرهاق والتعب والمرض أنه يتصبَّب عرقًا، أما في الحياة الأبدية فلا يعرف الجسد القائم من الأموات العرق بعد، لأنه مُلتحف بالمجد! في السماء نذكر ما حلّ بنا من أتعابٍ وآلام وأمراض وكيف كنا نعاني من العرق حين كنا نجاهد على الأرض. هذه الذكريات لا تُسَبِّب لنا ضيقًا هناك، بل نُمَجِّد الله الذي بمحبته قبل أتعابنا على الأرض شركة مع المصلوب، وصار لنا باب الأمجاد مفتوحًا. [105-112] * المرض المُعدي المميت، يُدَمِّر هنا أجسام البشر الواهنة، يعاني (الجسم) من عذابات (المرض). إذ يتصبَّب منه عرق العبودية القاسية. [105-108] * الجسم وهو على عرشه في السماوات، يصير منتصرًا وخالدًا. سيذكر أبديًا ما كان يندبه، الآلام التي سبَّبها لنفسه. [109-112] 8. إذ يتحدَّث الشاعر المسيحي عن بركة دفن الموتى، يُحوِّل نظره إلى الحشد الذي يودع الراقدين عند دفنهم، ويدهش للحشد المملوء حزنًا على انطلاق إنسانٍ من هذا العالم إلى الحياة السماوية. كان يليق بهم مع تألمهم على فراق الراقد لهم إلى حين، أن يشاركوه فرحه بالحياة الجديدة المتهللة في الربّ. [113-120] * ما هذا الحشد الحزين للأحياء، يتَّحِدون معًا، في تقديم مرثاة عقيمة؟ لماذا الحزن المُفرِط والمثير الذي يتنافى مع الشرائع المفيدة والمستقرة. [113-116] * ليت الحزانى النائحون يصمتون، والأمهات الحزانى يكفّون عن النحيب. ليته لا ينطق أحد بمرثاة عالية الصوت تفقد اتزانه. فهذا الموت ما هو إلاَّ تجديد مبهج. [117-120] 9. إذ يحاول هذا الشاعر المؤمن أن يبهج قلوب النائحين يُوَجِّه حديثه إلى القبر الترابي ويطالبه بالبهجة بذلك الجسد الذي يرى في القبر ليس سجنًا للجسد، وليس موضعًا يفسد فيه الجسم ويأكله الدود. إنما يرى في القبر كأنه حضن لطيف ورقيق يضم الجثمان الميت، فقد كان هيكلًا لله وروح الله ساكن فيه (1 كو 3: 16). هذا الجسد مات من أجل الشهادة لكلمة الله المتجسد المصلوب. يذكر برودينتيوس أن جسد السيد المسيح وُضِع في القبر يومًا ما، جعل منه بابًا ينطلق خلاله المؤمن إلى الجنة المفقودة. إن كنا نعتزّ بقبور الموتى فنُزَيِّنها بالزهور، ونسكب عليها الطيب، فإن زينتها ورائحتها الجميلة تدركها السماء التي تُرَحِّب بنفوس المؤمنين وتنتظر قيامة أجسامهم ليتمتع المؤمنون بالحياة السماوية الخالدة. [125-132؛ 161-172] * استقبليه أيتها الأرض لتحفظيه، فإن حضنك اللطيف الآن يضمه، إننا نطمئن لرعايتكِ لجسم الإنسان. الجثث التي نضعها راقدة ونبيلة. [125-128] 10. الجسد هيكل الرب (1 كو 3: 16): إن كان الإنسان الأول قد اختار أن يُعطِي ظهره لله ويهرب من وجهه، فإن الله من جانبه يجري وراءه ويقيم منه مسكنًا مقدسًا له، فلا عجب إن تحدث الرسل عن المؤمنين كهيكل الله يسكنه روح الله. "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟" يتحدث الرسول بولس عن الجسد بكل وقارٍ أنه هيكل الله (1 كو 3: 16، 17)، يلزم تقديمه ذبيحة حية لله (رو 12:1)، موضع سكنى الله (أف 2: 21، 22)، موضع مجد الله (1 كو 20:6)، موضع القداسة (1 تس 3: 7، مز 93: 5)، موضع السلام (في 3: 7، حجي 2: 9، يو 16: 33)، موضع إعلان المسيح (رو 8: 29، 2 كو 4: 10، 11)، أعضاؤه آلات للبرّ (رو 6: 13)، يتشبَّه بجسد المسيح (في 3: 20-21، 1 يو 3:2). * هذا الهيكل كان بيتًا للروح، الذي انبثق من الآب الذي في السماوات. لقد سكنت الحكمة المقدسة مرَّة في هذه الأعضاء. والمسيح كان رأسها وقائدها. [129-132]. 11. موت الجسد هو طريق عبورنا إلى الفردوس. يقول الشهيد كبريانوس[كثيرون من شعبنا يموتون بهذا الموت (الجسدي)، فيتحرَّرون من هذا العالم. هذا الموت الذي يحسبه (أهل العالم) كارثة، يراه عبيد الله رحيلاً إلى الخلاص. يموت الأبرار كالأشرار بلا تفرقة... لكن الأبرار يُدعون إلى الراحة، والأشرار إلى العقاب. سلام عظيم يوهب للمؤمنين، وعقاب لغير المؤمنين .] * هوذا الآن قد فُتِح للأمين الطريق البهي الذي يقود إلى الفردوس، ويُسمَح الآن للإنسان أن يدخل الجنة التي فقدها بسبب الحية. [161-164] * إلى المسكن المقدس يا أيها القائد العظيم. نسألك أن تأخذ نفس عبدك، لكي تستريح في وطنها... الذي تركته وذهبت إلى سبيٍ تجول فيه. [165-168] 12. حوَّل ربنا القبر إلى بيت العُرْسِ: إذ نزل ربنا إلى عالمنا وقَدَّم نفسه ذبيحة، لم يستنكف من أن يوضع جسده في القبر، ويُحَوِّل القبر إلى بيت العُرْسِ. يقول القديس مار يعقوب السروجي عن نزول الملائكة إلى القبر في صباح الأحد: [في نهار الأحد فُتِح لهم باب السماء الذي كان موصدًا يوم الجمعة في وجه الملائكة لئلا ينزلوا إلى الجلجثة، فأسرعوا لينحدروا بثيابهم البيض، ليستقبلوا ملكنا الذي خلَّص المسبيين وعاد عند أبيه. صار القبر الجديد بيت العُرْسِ، أُنشأ في الحديقة للعريس المذبوح، الذي أعاد العروس من حرب الأعداء. اجتمع وحضر إلى الباب الحسن، الملائكة في ثيابهم البيض، والتلميذات بأطيابهن (لو 23: 56). سمعان ويوحنا يركضان بسبب الأخبار السارة (يو 20: 3-8). كليوباس وأخوه (سمعان) تنفتح أعينهما بخبز البركة لينظرا القيامة علنًا. الأصدقاء يكشفون عن وجوههم، والمبغضون يطأطئون رؤوسهم. حنان خجل، وقيافا لا يستطيع أن يتكلم.] * إننا سنعتز بقبور الموتى، ونُزَيِّنها بالزهور وأكاليل الورد. ننحت الاسم على حجارتها. ونسكب عليها أطياب البلسم [169-172] الأب برودينتيوس استحسنت كتابة نص الأبيات الشعرية ببنط ثقيل بعد توضيح كل بندٍ حتى يمكن تجميعها معًا بسهولة. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166679891560521.jpg
ارتفاع قلبين عجيبين إلى الحضرة الإلهية! المضايقات وروح القوة رأينا في الأصحاح الأول موقف طوبيت من المضايقات الخارجية، وكيف لم يستخدم قلمه ولا شهرته للهجوم على مضايقيه أو نقد المتهاونين: أولاً: مع خنوع الكثيرين من سِبْط نفتالي وعدم ذهابهم إلى مدينه الله أورشليم والاشتراك في العبادة في هيكل الرب، اكتفى بقوله إنه كان يذهب وحده إلى أورشليم دون مهاجمته لسبطه أو بقية أسباط المملكة الشمالية. ثانيًا: إذ اقتيد إلى السبي في نينوى، لم يصف المعاناة في الطريق إلى السبي أو طريقة حياته في نينوى، إنما ركَّز كل طاقاته وإمكانياته لخدمة المحتاجين ودفن القتلى سرًا. ثالثًا: إذ طلب سنحاريب قتله، اكتفى بالهروب من نينوى، فصادر سنحاريب كل ممتلكاته وتحفَّظ على حنة زوجته وطوبيا ابنه. في صمتٍ سلَّم كل شيءٍ في يدي الله؛ ولَم تمضِ خمسون يومًا وإذا بسنحاريب يُغتَال بواسطة اثنين من أبنائه. هكذا سلك طوبيت بروح القوة والرجاء والعمل الإيجابي لحساب ملكوت الله والشعب المسكين. وفي الأصحاح الثاني كان موقفه من جهة المضايقات الداخلية عجيبًا: أولاً: إذ فقد نظره لم يتذمَّر على الله، لأنه فقد قدرته على دفن الموتى، كما فقد قدرته على العمل، فاضطرت زوجته أن تعمل في الحياكة لكي تُنفِق على الأسرة. وإذ سمع صوت جدي أهداه الذين يتعاملون مع زوجته كي يذبحوه، غالبًا في عيد الفوريم. أخطأ إذ تشكَّك أن يكون الجدي مسروقًا، وأَصرّ أن تقوم حنة بردّه لمن قدَّمه لها. انفعلت حنة عليه واتهمته بأن ما حل ّ به يكشف عن أن صدقاته وأعماله الصالحة لم تصدر عن قلبٍ نقيٍ، وإلا ما كان قد حلَّت عليه هذه التجارب. لقد شاركت امرأة أيوب وأصدقاؤه في اتهامهم لأيوب. لعل طوبيت راجع نفسه في تسرُّعه واتهامه امرأته أنها قبلت جديّا مسروقًا. غالبًا ما ختم طوبيت هذا النزاع السريع الذي كان بينهما ربما لدقائق، وانطلق يصلي ويُسَبِّح الله، حاسبًا ما حلّ به إنما هو بسماح الله العادل والرحوم. وعوض تبادل الاتهامات مع زوجته، قَدَّم توبة عن نفسه وعن آبائه لله العادل والمُترفِّق بمؤمنيه. لقد تعلَّم من التجارب الخارجية والداخلية أن الحلّ الحقيقي هو الرجوع إلى الله والاعتراف بخطاياه وجهالاته وأيضًا خطايا آبائه وعصيانهم لوصايا الله. صلاة شخصية أم جماعية؟ يُقَدِّم لنا هذا الأصحاح صورة عملية رائعة لمفهوم الصلاة وفاعليتها في السماء وعلى الأرض. لقد رُفِعَت صلاتان معًا في مكانين مختلفين، واحدة في نينوى والثانية في احمتا التي تقع جنوب بحر كاسبيان Caspian وهي حاليًا جزء من إيران، إحداهما في منطقة أشور والثانية في ميديا. صعدت الصلاتان معًا في تناغمٍ عجيبٍ، وقدمتا لنا نموذجًا يلزمنا أن نقتدي به: كان الشيخ القديس طوبيت في ساحة بيته، وقد تمررت نفسه من تعييرات زوجته، قائلة له بماذا نفعته صدقاته وأعمال برّه، فقد خسر أمواله وتعرَّض للقتل من الإمبراطور، فاضطر أن يهرب حتى مات الإمبراطور، وها هو أعمى، تعمل زوجته لتنفق على الأسرة. في هذه الظروف الصعبة لم يدخل طوبيت مع زوجته في جدالٍ وحوارٍ، لكنه رفع قلبه إلى الله وقدَّم تسبحة شكر لله مع اعترافه بخطاياه وخطايا آبائه. وظن أنه يقف للصلاة كمن في عزلةٍ، لكنه يُقدم صلاة شخصية للربّ إلهه، غالبًا ما كانت بصوتٍ خافتٍ أو في صمتٍ، كان يصلِّي بقلبه الذي لا يسمعه أحد سوى الله. ظن طوبيت أنه ليس من أحدٍ غيره يذوق نفس المرارة مثله، ولا يوجد أحد سوى الله وحده الذي يعرف تمامًا مرارة نفسه، وعوزه، ومشاعره الخفية. لم يدرك أنه في ذلك اليوم، وربما في ذات الساعة كانت قريبته في أحمتا بميديا تمارس نفس الشيء، فقد تمرَّرت نفسها من تعييرات جواريها، لأنهن حسبن أنه بسببها قُتِل الرجال السبعة يوم دخول كل منهم عليها في ليلة زفافها. إنها ابنة وحيدة ليس لها أخ أو أخت. وقد شاع أمرها، فصار يخشى أي شاب أن يتقدَّم للزواج منها. لم يعد لوالديها أقرباء بجوارهما؛ فمن الذي يرثهما بعد موت ابنتهما؟! انطلقت الصلاتان معًا وكأنهما توأمتان في صحبة روحية رائعة، وإن كان طوبيت والفتاة سارة لم يعرفا بعضهما أو يسمع أحدهما عن الآخر، لكن الله سمع صلاتهما. إنها صلاة جماعية وعلاج مشكلة الواحد هي حلّ لمشكلة الآخر. فابن طوبيت تزوج سارة، وصارت العائلتان في سعادة تحت رعاية الله نفسه. لقد دخلت الصلاتان في حضرة الله في وجود رئيس الملائكة رافائيل الذي سُرّ أن يختاره الله ليظهر في نينوى في صورة عاملٍ أجيرٍ، يقوم بخدمة الأسرتين! في اختصار كشفت هاتان الصلاتان عن الآتي: 1. الصلاة الشخصية الصادرة من القلب تحمل أيضًا صلاة جماعية. فالمؤمن المُحِب لله يصلي بصيغه الجمع، حتى وإن تحدَّث بصيغة الفرد في صلاته. فهو يحمل في قلبه حبًا للكنيسة الجامعة من آدم إلى آخر الدهور، واشتياقًا إلى خلاص حتى غير المؤمنين والمُجَدِّفين والمُلحِدين غلال توبتهم، يطلب أن يُشرِق الربّ بنور صليبه وقيامته ليدرك الكل الحب الإلهي للبشرية كلها دون أن يُلزِمهم بذلك. 2. لا يمكن للزمن أو المكان أن يفصلنا عن بعضنا البعض، لأننا نتحدَّث مع الله بلغة الروح والحب التي لا يعوقها اختلاف الزمن أو بُعد المكان. كان طوبيت وسارة في بلدين، لكن كانت الصلاتان تلتحمان معًا في الربّ. 3. لا يستطيع عامل الجنس أن يفصلنا روحيًا، فطوبيت شيخ مقدس، وسارة فتاة مقدسة، التحمت صلاتهما معًا خلال نعمة الله الفائقة. 4. داود الملك والنبي كان يصلي من أجل الأجيال القادمة، وكثير من أحفاده تباركوا بصلواته حتى بعد نياحته، فتكررت عبارة "من أجل داود أبيك" أو "من أجل داود عبدي" أكثر من مرة (1 مل 11: 12؛ 2 مل 8: 19؛ 2 مل 19: 34؛ 2 مل 20: 6؛ مز 132: 10؛ إش 37: 35). هذا يدفعنا عمليًا إلى الآتي: - يليق بالمؤمنين أن يُصَلُّوا من أجل البشرية حتى نهاية الدهور. - يليق حتى بالأطفال أن يُصَلُّوا من أجل كل الأسرة: الوالدين والأجداد والأقرباء. - يلزم الاجتماعات المتخصصة في الكنائس ألاَّ تعزل نفسها عن غيرها، فخادم التربية الكنسية في افتقاده للشباب والأطفال يخدم الأسرة كلها بروح الحُبّ مع التواضع. - يليق برجال الكهنوت ألاَّ يحسبوا أنهم طبقة متميزة منعزلة عن الشعب. فالقديس يوحنا الذهبي الفم كان يقول لشعبه: "أنتم الأسقف"، لأن الطفل البسيط أقدر من الأسقف على جذب الأطفال للسيد المسيح، والسيدة الوقورة التي فيها مخافة الرب أقدر منه على الشهادة لإنجيل المسيح بين النساء خاصة في الأسواق وهكذا. كما كان يقول للأساقفة: "بدون الشعب أنت أسقف لمن؟!" 5. ربما كان طوبيت يظن أنه الوحيد يعاني من تعييرات زوجته، وسارة كانت تظن أنها الوحيدة تعاني من تعييرات جواريها، لكننا جميعًا نرى ربنا يسوع حمل كل التعييرات. إذ يقول "تعييرات معيريك وقعت عليّ" (مز 69: 9؛ رو 15: 3). 6. تُعتبَر صلاة كل من طوبيت وسارة صلاة توبة؛ وتُفتتح كل صلاة بتسبيح لله، حتى لا يحطم الحزن والمرارة نفس المُصَلِّي. 7. اشتهى كل من طوبيت وسارة الموت، بكونه خيرًا من الحياة. لكن واهب الحياة، الله نفسه بعث بخادمه الممتاز، رئيس الملائكة رافائيل، كي يسندهما ويعبر بهما من المرارة إلى العذوبة في الربّ. 8. مع تذوُّقهما مرارة التجربة التي حلَّت بكل منهما لم يُجَدِّفا على الله، ولا تجاهلا أنه صالح وبار وعادل في أحكامه، كما اعترفا بخطاياهما طالبين رحمته الإلهية. * هكذا ليتنا نفكر أولاً أن ربّ الجميع عادل وكل أحكامه حق، فلماذا إذن هو غير عادل مع الذين له. إنه يلدنا لا لكي نخطئ أو نتعذَّب، إنما يسمح بأن نتألم من أجل أحكام صلاحه . القديس هيلاري أسقف بواتييه 9. سمع الربّ لصلاتهما، واستجاب لهما، وإن كانا لم يُدرِكا خطة الله وإرساله لرئيس الملائكة إلاَّ بعد أن تمتَّعا بعمل الله معهما ومع العائلتين. كثيرًا ما نظن أن الله لم يسمع لنا ونكتشف فيما بعد خطته في الوقت المناسب. لقد أعطاهما أكثر مما توقَّعا أو تصوَّرا. 1. طوبيت يصلي ويسّبح الله [1 -6] واغتَمَّت نَفْسي، فنُحتُ وصَلّيت بِأَنين، قائلاً: [1] "عادِلٌ أَنتَ، يا ربّ وكل أَعْمالُك عادِلَة. وطُرُقُكَ كُلُّها رَحمَةٌ وحَقّ. أحكامك حق وعادلة إلى الأبد. [2] اذكرني الآنَ وانظر إليّ، ولا تُعاقِبْني على خَطاياي وجَهالاتي وخطايا آبائي التي أخَطِأوا بها إِلَيكَ [3] ولَم يطِيعوا وَصاياكَ. فأَسلَمتَنا إِلى النَّهْبِ والسبي والمَوت، فصرنا أضْحوكَةِ في جَميعَ الأُمَمِ الَّتي شَتَّتَّنا بَينَها [4]. والآنَ أَحْكامِكَ الكثيرة صادِقة إِذا عامَلتَني بِحَسَبِ خَطايايَ وخَطايا آبائي. لأِنَّنا لم نَحفظ وَصاياكَ ولَم نَسلُكْ بِحَقٍّ أَمامَكَ [5]. والآنَ فبِحَسَبِ ما يحسن أمامك عامِلْني، ومُرْ أَن تُطلب روحي مِنِّي، فأُتحرر من الأرض وأُصبِحَ تُرابًا. فالمَوت خَيرٌ لي مِنَ الحَياة. لِأَنِّي سَمِعتُ تعييرات كاذِبَة، وحلّ بي غَمٌّ شديد. مُرْ أَن أَتخلص مِن هذه الشِّدَّة. دَعْني أَمْضي حرًا إِلى الموضع الأَبديّ ولا تحجب وَجْهِكَ عنِّي." [6] سجَّل لنا طوبيت صلاته في وسط الضيق، وتُعتبر نموذجًا لنا نقتدي بها في وسط الشدة: أولاً: تكشف عن أسلوبه في التعامل، إذ يتحدَّث بصراحة مُعلِنًا أنه كإنسانٍ ضعيفٍ اغتمت نفسه من مرارة الألم، وعبَّر عن ذلك بدموعه ونوحه مع أنين في داخله [1]. كان هذا التقي البار يتحرَّك بدون خوفٍ من الإمبراطور ليدفن القتلى الأبرياء، لكنه كان مُرّ النفس. يليق بنا إن رأينا إنسانًا بارًا ينوح ويتنهَّد، أن نُشارِكه آلامه. لهذا يقول الرسول: "من يضعف وأنا لا أضعف؟! من يعثر وأنا لا ألتهب؟!" (2 كو 11: 29). وإن سقط إنسان في خطية نتحدَّث معه عن التوبة بروح التواضع، لئلا نسقط نحن في خطيته بسبب التعالي والتشامخ. * سبي إخوتنا يجب أن يُحسَب كأنه سبينا نحن. أحزان الذين في خطر هي أحزاننا. يلزمكم أن تتأكَّدوا بأنه يوجد جسم واحد لوحدتنا. ليست محبتنا وحدها بل وأيضًا تَدَيُّننا يدفعنا ويُشَجِّعنا أن ننقذ أعضاء أسرتنا . الشهيد كبريانوس كثيرون تغتم نفوسهم دون أن يقفوا أمام الله بروح الصلاة. هؤلاء يشبهون يهوذا الذي ندم على خيانته لسيده، وردّ الفضة التي استلمها مقابل هذه الخيانة، لكنه لم يرفع قلبه لله مُخَلِّصه طالبًا الرجوع إليه. أما بطرس فأنكر سيده ثلاث مرات، وإذ تطلَّع إلى سيده، سأله سيده: يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟ وكانت الإجابة: أنت تعلم يا رب أني أحبك! كثيرون أيضًا يُصَلُّون لكن بدون ندامه صادقة، فيتحوَّل الرجاء إلى استهانة بقدسية الحياة مع الرب. هكذا يليق بِنَا أن يتفاعل القلب والنفس مع الجسد. لقد ندم ديماس اللص، ورافقت ندامته صرخة الرجاء: اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك. ثالثًا: يفتتح الصلاة بالتسبيح لله، لأن أعماله عادلة وأحكامه حق [2]. تحت كل الظروف تدعونا الكنيسة في كل المناسبات أن نبدأ بالصلاة الربانية ثم صلاة الشكر قبل الترنُّم بمزمور التوبة (مز50) كتسبحة نُقَدِّمها لله غافر الخطايا ومُخَلِّص النفوس من الفساد، ومعيننا القدير. التسبيح في وسط الضيق يقتلع من النفس روح التذمُّر، كما يحفظها من اليأس. طوبيت هنا يُعَبِّر عن الطبيعة البشرية التي تئن تحت وطأة الضغوط النفسية القاسية، وهو يلجأ إلى الصلاة والدموع بدلًا من أن يسقط تحت اليأس، فلقد عانى موسى النبي من مثل هذه الآلام حين أخطأ الشعب واستحق عقاب الله، فطلب لنفسه الموت "فَإِنْ كُنْتَ تَفْعَلُ بِي هَكَذَا فَاقْتُلنِي قَتْلاً إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَة ً فِي عَيْنَيْكَ، فَلا أَرَى بَلِيَّتِي" (عد 11: 15). وكذلك إيليا النبي ضاق به الأمر، فاشتهى الموت "ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ، وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ! خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرً مِنْ آبَائِي!" (1 مل 19: 4) وأيوب الصديق قال: "فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنْقَ وَالْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هَذِهِ." (أي 7: 15) وقال يونان النبي: "فَالآنَ يَا رَبُّ خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي... وَحَدَثَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ رِيحًا شَرْقِيَّةً حَارَّةً، فَضَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِ يُونَانَ، فَذَبُلَ فَطَلَبَ لِنَفْسِهِ الْمَوْتَ وَقَالَ: مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي" (يون 4: 3، 8). طلب الموت هنا هو تعبير عن شدة الآلام والاحتياج إلى معونة عاجلة، وأما عبارة طوبيت هنا "ومُرْ أَن تُطلَب روحي مِنِّي، فأُباد وأُصبِحَ تُرابًا"، فقد عاد فأوضح المقصود منها "مُرْ أَن أَنجُوَ مِن هذه الشِّدَّة" وهكذا، فهي لا تعني اليأس في مفهومه المُجَرَّد. علينا إذًا أن نلجأ إلى الله عندما تشتد بنا الآلام، وسوف تهبنا الصلاة في حضرته السلام الذي ننشده، وسوف نستدرّ مراحم الله بدموعنا والتي تجد الطريق إليه في سهولةٍ ويسرٍ. مزج التوبة بالتسبيح، فعِوَض الشعور بأن الله ترك شعبه للنهب والسبي والموت وسخرية جميع الأمم، يشهد أن الله عادل وكل طرقه رحمة وحق... وكما قال ديماس لزميله اللص الذي على يسار الرب المصلوب: "أما نحن فبعدلٍ (جوزينا)" (لو 23: 41). الله العادل يسمح لنا بالتأديب، لا لينتقم منا وإنما لكي ندرك مرارة ثمر الخطية والعصيان، فنهرب إلى مراحم الله لنطلب عطفه وحنانه! رابعًا: لم يُلقِ باللوم على الآخرين، وإنما وهو يذكر خطايا آبائه يبدأ أولاً بالاعتراف بخطاياه وجهالاته [3-4]. خامسًا: يطلب طوبيت من الله أن يذكره. خلال معاملات الله تعلَّم طوبيت أنه متى ذكر الله إنسانًا أو جماعة يُقَدِّم لهم رحمته. فعندما "ذكر الله نوحًا وكل البهائم التي معه في الفلك" (تك 8: 1)، أعلن الله رعايته ورحمته حتى على الحيوانات، فأجاز ريحًا على الأرض وهدأت المياه. إن كان الله قد أغلق باب الفلك على نوح، فهو لا ينساه وسط المياه، إنما يذكره في الوقت المناسب ليُنعم عليه كما بعالمٍ جديدٍ. وعندما تنهَّد بنو إسرائيل من العبودية سمع الله أنينهم، فتذكَّر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، ونظر الله بني إسرائيل (خر 2: 23-25). يطلب طوبيت: "اذكرني"، لا بمعنى أن الله قد نسي طوبيت، وإنما أن يتطلَّع إليه بعين العطف، لأنه إن حاكمه حسب خطاياه وجهالاته، فبعدلٍ يسقط طوبيت تحت تأديبات قاسية. هذا ما يؤكده الكتاب المقدس: "كيف يتبرر الانسان عند الله؟" (أي 9: 2)؛ ""كيف يتبرر الانسان عند الله؟ وكيف يزكو مولود المرأة؟" (أي 25: 4) "ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي." (مز 143: 2)؛ "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمَنّا نحن أيضًا بيسوع المسيح، لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبررُ جسد ما" (غل 2: 16). هذه حقيقة أنه ليس إنسان يتزكى أمام الله، ولا مولود امرأة يتبرر في عينيه، بسبب فساد الطبيعة البشرية. وكما سبق فقال: "من يُخرج الطاهر من النجس؟" (أي 14: 4). * "من هو الإنسان حتى يكون طاهرًا؟" فإنه بذات دعواه إنسانًا يوصف أنه أرضي ضعيف، فإن كلمة إنسان (بالعبرية) يُدعَى أرضًا (آداما adamah). كيف يمكن له أن يتحرر من الوصمة ذاك الذي خُلِق من الأرض، وبإرادته سقط في الضعف؟ لقد أضيف: "ومولود المرأة كيف يتبرر؟" فإن المرأة عرضت أول قطعة من الشر للإنسان في الفردوس. هكذا كيف يظهر بارًا من وُلِد من التي عرضت الشر؟ البابا غريغوريوس (الكبير) ها أنت ترى إذن كيف يعترف جميع القديسين بصدقٍ أن جميع الناس كما هم أيضًا خطاة، ومع ذلك لا ييأسون أبدًا من خلاصهم، بل يبحثون عن تطهيرٍ كاملٍ بنعمة الله ورحمته... لا يوجد أحد، مهما كان مقدسًا، في هذه الحياة بلا خطية. وقد أخبرنا أيضًا تعليم المُخَلِّص الذي منح تلاميذه نموذج الصلاة الكاملة...، إذ يقول: "واغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" (مت 6: 12). إذن إذ قَدَّم هذه كصلاةٍ حقيقيةٍ يمارسها قديسون، كما يجب أن نعتقد دون أدنى شك، من يمكنه أن يبقى عنيدًا ووقحًا ومنتفخًا بكبرياء الشيطان، فيظن أنه بلا خطية[3]. الأب ثيوناس القديس أغسطينوس سابعًا: إن كان طوبيت قد اشتهى الموت، وحسبه أفضل من الحياة على الأرض، لكنه لم يبلغ إليه اليأس، ولا فقد رجاءه في الحياة الأبدية، إذ يقول: "دعني أمضي إلى الموضع الأبدي"، كما يثق أنه سيرى الربّ وجهًا لوجه، إذ يقول: "لا تحجب وجهك عني" [6]. يقول الرسول: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، لكن حينئذ وجهًا لوجهِ. الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عُرفتُ."(1كو 13: 12) * هذه الرؤية محفوظة كمكافأة لإيماننا، يقول عنها الرسول يوحنا: "إذا أُظهِر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" (1 يو 2:3). نفهم "وجه" الله هنا [6] إعلانه، وليس جزءًا من جسد مادي[5]. * نبدأ يكون لنا الجسد الروحاني كما وُعدنا في القيامة، لننظره حتى في الجسد، إما برؤية عقلية أو بطريقة إعجازية، حيث أن الجسد الروحي لا يمكن وصفه. سوف نراه حسب قدرتنا بدون حدود للمكان، ليس متسعًا في جزء وضيقًا في آخر، فإن هذا ليس بجسدٍ بل هو حاضر بكامله في كل موضع . القديس أغسطينوس تاسعًا: إذ سمع اتهامات باطلة، في ضعفه اشتهي الموت فيرجع جسده إلى التراب، خير من الحياة ويسمع هذه التهديدات التي تجلب على نفسه حزنًا [6]. عاشرًا: لم يُقَدِّم لله حلولاً بشرية، وإنما بثقةٍ في أُبوّة الله، طلب "بحسب ما يحسّن أمامك عاملني" [6]. â†گ انظر كتب أخرى للمؤلفهنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 2. مرارة نفس سارة وصلاتُها [7- 15] وفي ذلك اليَومِ سارةَ بنت رَعوئيلَ Raguel السَّاكِنِ في مَدينةِ أَحْمَتا Ecbatana، بميديا، سَمِعَت هي أَيضًا تعييرات مِن جَواري أَبيها [7]، لأِنَّه كانَ قد عُقِدَ لَها على سَبعَةِ رِجال، وكان أَسموديوس Asmodeus، الشَّيطانُ الخَبيث، يَقتُلُهم قَبلَ أَن يَدخُلوا علَيها. فقلن لَها: "أما تعلمين أنكِ خنقتِ رجالك؟ والآن تزوجتِ سَبْعَةِ، ولم تنتفعي بأَحَدِهم! [8] لماذا تُعَذِّبينَنا؟ ماداموا قد ماتوا، الحقي بِهم! فإننا لم نرَ لَكِ ابْنًا ولا ابنة!" [9] إذ سمعت ذلك اغتمت نَفْسُها جدًا وأَرادَت أَن تَشنُقَ نَفْسَها. إلا أنها قالت: "أنا ابنة وحيدة أبي، إن فعلت هذا أجلب عليه عارًا، وأُنزِلَ شَيخوخَةَ أَبي بحزنٍ إِلى مَثْوى الأَمْوات [10]. حينَئِذٍ بلغت نَحوَ النَّافِذَة وصَلَّت، فقالَت: "مُبارَكٌ أَنتَ يا رب، يا إلهي، ومُبارَكٌ هو اسمك القدوس المُمَجَّد في كل الدهور، ولتسبحكَ كل أَعْمالُكَ إلى الأَبَد. [11] الآنَ يا رب أَرفَعُ إِلَيكَ عينيّ ووجهي [12]. مُرْ أن أَتحرَّر مِنَ الأَرض ولا أَسْمَعَ تعييرات بَعدَ [13]. إِنَّكَ، يا رَبُّ، عالِمٌ بِأَنِّي ما زِلْتُ بريئة من كُلِّ دَنَسٍ مع رَجُل. [14] ولم أُدَنِّسِ اسمي ولا اسْمَ أَبي في أَرضِ سبيي. إِنِّي وَحيدة أبي، ولم يُرزَقْ طفلاً آخَرَ يَرِثُه، ولَيسَ لَه أَي قَريبٌ، ولا تبنَّى ابنًا أحفَظُ نَفْسي لأِكونَ زَوجةً له. ها إِنِّي فَقَدتُ سَبعَةَ أَزْواج، فلِماذا أَحْيا بَعدَ؟ وإِن لم تَشأْ أَن تَقتُلَني، فمُرّ بالعناية بأبي، وارحمني فلا أسمع تعييرًا." [15] أحمتا أو اكباتانا [7]: كانت توجد في ميديا مدينتان باسم راجيس، إحداهما دُعِيَت باليونانية اكباتانا Ecbatana وهي المدينة التي كان يُقِيم فيها غابيلوس والثانية كان يُقِيم فيها رعوئيل[7]. اسموديوس [8]: جاء في العبرية "ملك الشياطين" في تلك المدينة، وهو يثير الشهوة في البعض لكي يُحَطِّمهم[8]. يُدعَى الشيطان "اسموديوس" ومعناه "المُخَرِّب". جاء عنه في In Tyndale Bible Dictionary TBD أنه شيطان شرير ومحب حبًا شريرًا في قصة طوبيت. يقول السيد المسيح عن الشيطان إن اللص الذي يأتي ليسرق ويقتل ويُهلك (يو 10: 10). ربما كانت قصة زواج سارة بسبعة رجال دون أن تُنجِب منهم في ذهن الصدوقيين أثناء حوارهم بخصوص القيامة من الأموات (مت 23:22-33). * ماذا يعني: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 2: 24). أنتم ترون أن هذا الوحش الشرير (الشيطان) رأى أن أول كائن بشري خُلِق ليكون خالدًا، وسمته الشريرة (هي الحسد) قادته إلى عصيان الوصية، وبهذا جلب عليه عقوبة الموت. بهذا فإن الحسد يُسَبِّب خداعًا، والخداع عصيانًا، والعصيان موتًا... عدو خلاصنا أدخل سمة الحسد التي له، وجعل الإنسان الأول يسقط تحت عقوبة الموت مع أنه كان خالدًا. لكن بمحبة الرب الرعوية أعاد لنا الخلود بموته، فصرنا في امتيازٍ أفضل مما كنا عليه. الأول نزعنا من الفردوس، والأخير قادنا إلى السمو. الأول جعلنا تحت حكم الموت، والأخير منحنا الخلود. الأول حرمنا من مباهج الفردوس، والأخير أَعَدّ لنا ملكوت السماوات. أرأيتم إبداعات ربّكم الذي وجَّهها ضد رأس العدو بذات سلاحه (حسد إبليس) الذي هو مكره ضد خلاصنا. بالحقيقة ليس فقط تمتَّعنا بامتيازات أعظم، وإنما جعله أيضًا خاضعًا لنا بالكلمات: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب" (لو 10: 19) . القديس يوحنا الذهبي الفم القديس أغسطينوس * عندما صلَّت سوسنة سُمِع لها وأُرسِل ملاك ليُعِينها. هكذا أيضًا في حالة طوبيت وسارة. فإنهما عندما صليا سُمِعَت طلبة الاثنين في نفس اليوم، وفي نفس الساعة وأُرسِل الملاك رافائيل ليشفيهما معًا (طو 3: 17)[11]. القديس هيبوليتس الروماني تُرَى ما هي الاتهامات الكاذبة التي جعلت جواري سارة يُعَيِّرونها؟ أولاً:إلقاء اللوم على سارة فيما حدث مع أزواجها السبعة، عوض اتهامهن لأنفسهن بجهلهن ما حدث مع أزواجها، إذ قام أحد الشياطين بقتلهم. ثانيًا: في جسارة وهن جواري يسألونها أن تنتحر، قائلات: "الحقي برجالك السبعة الذين قمتي بقتلهم" (راجع طو 3: 9). ثالثًا: اتهمن سارة ظلمًا أنها عاقر، ليس لها ابن أو ابنة [9]. رابعًا: كان يليق بهن أن يسألن سارة، ويطلبن منها أن تفسر لهن علة موت هؤلاء الأزواج قبل أن يحكمن عليها. خامسًا: دفعن سارة الابنة الوحيدة لوالديها إلى الغم الشديد، حتى أرادت أن تنتحر. وإن كانت لم تستجب لهذه المشاعر، بل انطلقت إلى النافذة المُطِلَّة نحو أورشليم لتصلِّي، وهي في هذا تشبَّهت بدانيال النبي الذي قيل عنه: "فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة (أن من يطلب من إله أو إنسان غير ملك بابل يُطرَح في جب الأسود)، ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم، فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم وصلَّى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك" (دا 6: 10). وذلك حسب وصية الله وحسب قول سليمان الذي حثّ الشعب أن يُصَلُّوا متجهين نحو الهيكل . في صلاة تدشين الهيكل طلب سليمان من أجل الذي يبسط يديه في وسط الضيق نحو الهيكل أيقونة السماء، يقول: "فاسمع أنت من السماء سكناك، واغفر واعطِ كل إنسانٍ حسب طرقه، كما تعرف قلبه" (1 مل 8: 38-39). حسن لنا في وقت ضيقنا أن نتَّجِه ببصرنا الداخلي نحو مدينة أورشليم العليا، فتنطلق قلوبنا نحو السماء، ويتحوَّل الضيق من ضيق القلب والمرارة إلى اتساعه وتذوُّق عذوبة الأبدية. يرى القديس أغسطينوس أن الذين يريدون أن يطيروا ويصعدوا إلى الله، فيقطنون في أورشليم السماوية، حيث لا يوجد أصحاب شفاه الكذب واللسان الغاش يعيشون لله في حالة تغرُّب عن مدينتهم السماوية. * ويلي لغربتي، قد صارت (أورشليم السماوية) بعيدة". لقد رحلت عنكِ، صرت غريبًا. لم أبلغ تلك المدينة التي سأعيش فيها دون وجود شخصٍ شريرٍ. لم أبلغ بعد إلى صحبة الملائكة حيث لا أخشى أية أذية... هناك جميعهم أبرار وقديسون، يتمتَّعون بكلمة الله بدون قراءة، وبدون حروف، لأن ما هو مكتوب لأجلنا على صفحات سيدركونه هناك خلال وجه الله. أية مدينة هذه؟ إنها مدينة عظيمة بالحق، بائسون هم التائهون عنها . القديس أغسطينوس القديس باسيليوس الكبير 3. ارتفاع الصلاتين معًا في حضور المُبَجَّل رئيس الملائكة رافائيلُ [16- 17]استجيبت صَلَاة كليهما في حضور المُبَجَّل العظيم رافائيلُ [16]، فأُرسِلَ لِيَشْفِيَ كِلا الِاثْنَينِ، ويُزيلَ القشور البَيضاءَ عن عَينَي طوبيت، ويُعطِيَ سارةَ ابنة رَعوئيلَ زَوجةً لِطوبِيَّا بنِ طوبيت، ويقيد أَسموديوس الشَّيطانَ الخَبيث. فمِن حَقِّ طوبِيَّا أَن يرثها. في ذلكَ الحين رجع طوبيتُ ودخل بَيتِه، وأَمَّا سارةُ ابنَةُ رَعوئيل فنَزَلَت مِنَ عُليتها [17]. سمع الربّ لطوبيت وسارة من أجل ما حلّ بهما وأرسل لهما رئيس الملائكة رافائيل كي يكشف عن رأفة الله. أما عن دور الملائكة في حياتنا، فقد قال عنهم بولس الرسول أنهم "أرواح خادمة مُرسلَة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 14). وهنا نرى صورة تطبيقية لما قاله بولس الرسول. فالله أرسل رئيس الملائكة رافائيل ليُسَهِّل أمور أولاده. وكم من مرة يحدث معنا ذلك دون أن ندري. وربما ننسب حلول مشاكلنا للصدفة أو الحظ أو لذكائنا ويكون الله هو الذي سهَّل لنا الأمور بواسطة ملائكته، فقد قيل: "ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم". (مز 7:34) "يوصي ملائكته بك، لكي يحفظوك في كل طرقك". (مز 11:91) "يقول إبراهيم لعبده: يرسل ملاكه أمامك". (تك 7:24) وهكذا قال يعقوب: "الملاك الذي خلصني من كل شر يبارك الغلامين..." (تك 16:48) قيل عن سارة قريبة طوبيت الساكنة في راجيس Rages أو أحْمَتَا أو اكباتانا Ecbatana عاصمة مادي، إنها صلَّت بجوار النافذة (3: 11)، متطلعة نحو الهيكل في أورشليم. يكشف السفر عن رعوئيل وزوجته إدنا Edna مع ابنتهما سارة أنهم أناس إيمان. قال رعوئيل: "لا أشك أن الله قد قبل صلواتي ودموعي أمامه"؛ أما إدنا فأمسكت ابنتها وأدخلتها إلى المخدع، وهي تقول لها: "تشجَّعي يا بنية، ورب السماء والأرض يهبك نعمة عوض الحزن الذي قاسيتِ منه" (7: 17). نعَيِّد بتكريس الكنيسة التي باسم الملاك رافائيل في 3 من النسي، بناها البابا ثيؤفيلوس البطريرك الثالث والعشرون. يُعتبَر الملاك رافائيل شفيع المرضى، والحامي والراعي للملاحين والمسافرين، ونصير الأطباء وأخصائي العيون، والمشتغلين بتحضير الوصفات الطبية، وشفيع الراغبين في الحياة الزوجية السعيدة. يروي القديس يوحنا الذهبي الفمرؤياه الخاصة بالملاك رافائيل في عظة ألقاها عن رئيس الملائكة رافائيل في يوم تذكاره في الكنيسة التي بناها الملك أركاديوس، قال فيها: [قال لي: لا تخف، أنا عبدُ زميل لك. اسجد لله... أنا رافائيل رئيس الملائكة الذي أسلمك المسيح ليدي منذ صغرك، ولم أتركك منذ ولادتك إلى اليوم ساعة واحدة ولا طرفة عين، ولن أتركك حتى اليوم الذي أصحبك فيه إلى الملك المسيح.] وللملاك العظيم القديس رافائيل مساعدات وظهورات لكثير من الشهداء والقديسين، من بينهم الشهيد الأمير تادرس الشُطبي والقديس فيلوثيئوس والشهيد الأنبا إيسي والقديس توماس السائح والملكة التقية والمحبة لله أوفيمية. [كل الأجيال الذين كانوا من آدم إلى اليوم، يجدون رافائيل حصنًا للبشرية. وكل واحد من القضاة والأنبياء والأبرار والملوك والصديقين، كان ناصرًا لهم. وآباؤنا القديسون الرسل هو الذي أرشدهم حتى ردّوا المسكونة إلى معرفة الحق. والشهداء المجهادون الذين لربنا يسوع المسيح لم يُفارقهم جميعًا حتى لبسوا الإكليل الغير المضمحل. والنساك المختارون التائهون في البراري، كان رافائيل يحيط بهم حتى أكملوا سعيهم. ملاك الرب يُحيط بكل خائفيه يحرسهم ويُنَجِّيهم. فلنُمَجِّد الثالوث المقدس المساوي لكي يحفظنا من التجارب. اشفع فينا يا رئيس الملائكة الطاهر رافائيل مُفَرِّح القلوب ليغفر لنا خطايانا.] ذكصولوجية الملاك رافائيل – الإبصلمودية السنوية ما هي ثمرة هاتين الصلاتين؟أولاً: صعدتا معًا كأنهما صلاة واحدة ارتفعت إلى الله واهب التعزية الحقيقية. ثانيًا: عندما نسمع "في حضور المُكرم المُبجَّل رافائيل"، لا يعني أن هذا الملاك كان في الحضرة الإلهية كمن في عزلةٍ عن بقية رؤساء الملائكة وعن الطغمات السماوية الأخرى، إذ دستور السماء هو الحب والتسبيح الجماعي وأيضًا العمل الجماعي، وإن كان لكل طغمةٍ أو لكل عضوٍ في كل طغمةٍ عمل خاص. ذُكِر اسم رئيس الملائكة لأن الله اختاره ليقوم بدورٍ خاص في وسط ضيق العائلتين. ثالثًا: اسم "رافائيل" معناه الله يتراءف، أو الله يشفي. في تمجيد هذا الملاك (الذكصولوجية) تحسب الكنيسة أنه متُخصَّص في مساندة الشهداء، يُرَافِقهم حتى يدخل بهم إلى الفردوس. رابعًا: أزال الملاك القشور البيضاء عن عيني طوبيت الجسديتين، وفي نفس الوقت أزال كل جهالة أو ظلمة تفسد الرؤية الحقيقية لله والسماء! خامسًا: حثّ الملاك طوبيا على الزواج من سارة، وطمأنه، معلنًا أن هذا الزواج حسب إرادة الله. سادسًا: قيد رئيس الملائكة الشيطان الخبيث الذي قتل الأزواج السبعة الوثنيين الذين تقدَّموا للزواج من سارة. وقد سمح الله بقتلهم، لأنه لا يجوز لسارة التي من سبط نفتالي أن تتزوج رجلاً وثنيًا. لا نتعجَّب أن الشيطان الخبيث قتل الأزواج السبعة الوثنيين. يقول السيد المسيح عن الشيطان أنه كان قتَّالاً للناس منذ البدء" (يو 8: 44). غير أنه حين كان الله يسمح للشيطان أن يجرب أيوب كان يضع له حدودًا لا يتجاوزها (أي 2: 6). سابعًا: تعبير "من حق طوبيا أن يرثها" يشير إلى مفهوم الزواج، حيث يقتني الزوج امرأته كميراثٍ ثمين يتقبَّله من الله؛ وهي تقتني رجلها كميراثٍ تعتزّ به. هكذا كل منهما يقتني الآخر، فلا يجوز لأي من الطرفين أن يُسَلِّم جسده لغريبٍ. ليس للزوج أو الزوجة سلطان على جسده أو جسدها، بل كل منهما يحسب جسده ملك للطرف الآخر (1 كو 7: 4). ثامنًا: بعد الصلاة استراحت نفس كل من طوبيت وسارة. دخل الأول إلى بيته لأنه صلَّى في ساحة البيت كمن ليس له موضع يستريح فيه، الآن دخل في طمأنينة ينتظر عمل الله في حياته وفي حياة الأسرة كلها. ونزلت سارة من عليتها وهي تشعر أنها في حضرة الله. شفاعة الملائكة: يقول العلامة أوريجينوس [ليس فقط رئيس الكهنة يُصَلِّي مع أولئك الذين بالحق يُصَلُّون، بل والملائكة الذين يفرحون بخاطي واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لو 15: 7). وأيضًا نفوس القديسين الذين رحلوا. هذا واضح من حالة رافائيل الذي قَدَّم ذبيحة عقلية لله من أجل طوبيا وسارة (طو 12: 12) ...] إذ وجهت الجواري تعييرات قاسية ومُرّةَ لسارة، اتجهت نحو الله. لتُقَدِّم ذبيحة التسبيح (مز 51: 21). سبَّحت الله ليزداد حُبَّها له، وتتمتَّع بمراحمه. من وحي طوبيت 3 كنيسة تتحدَّى بُعْد المسافة! * يُقَدِّم لنا طوبيت بنينوى وقريبته الشابة سارة باحمتا درسًا رائعًا! مع قرابتهما لم يلتقيا قط، ولا عرف أحدهما عن الآخر شيئًا. وقف طوبيت فاقد البصر يُصَلِّي، وفي نفس الوقت وقفت سارة المُرَّة النفس تُصَلِّي. كِلاهما في ضيق يُسَبِّحان الله، وحملت صلاة كل منهما رائحة ذكية. تعجَّب رافائيل رئيس الملائكة من انطلاق الصلاتين من مدينتين أو دولتين مختلفتين. صعدت الصلاتان كما من كنيسة واحدة! كثيرًا ما صدرت صلوات من مبنى كنيسة واحدة، لكن لكل صلاة روحها المختلف! تأهَّل الاثنان أن يرسل الله لهما رئيس الملائكة ليعمل في الأسرتين، ويُقِيم منهما أسرة صغيرة مقدسة: طوبيا وسارة! هب يا ربّ للمؤمنين في العالم كله أن تنطلق صلواتهم بنفسٍ واحدة وروح واحدة (أع 1: 14). فقد طوبيت بصره، فأرسل له الربّ رئيس الملائكة يخدمه هو وأسرته وأقرباءه! فقدت سارة السبعة رجال المُتقدِّمين للزواج منها، فجاء الثامن ربّ المجد عريسًا لكل المؤمنين. عانى طوبيت وأيضًا سارة من تعييرات البشر لهما، فإذا بالربّ يُتَوِّجهما بالفرح والمجد والكرامة. حوّلت يا ربّ مرارة نفسيهما ومرارة نفوس العائلتين إلى عذوبة فائقة! هيئني يا ربّ وهيئ كل المؤمنون لنصير جميعًا العروس السماوية لك يا أيها العريس السماوي! |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166767014015281.jpg
الأصحاح الرابع وصايا طوبيت لابنه طوبيّا في الأصحاح الأول: كشف طوبيت عن التزام المؤمن أن يواجه التجارب الصادرة من الخارج، بالتصاقه بالرب وممارسته الشريعة لا في حرفية قاتلة، بل بالروح تتحوَّل التجارب إلى فرص رائعة لتمتُّعه بانتصارات باهرة. في الأصحاح الثاني: مع إبرازه قسوة التجارب الصادرة من جسده كما من أسرته، لكن هذه التجارب أيضًا تتحوَّل لبنيانه والكشف عن ملكوت الله في داخله. في الأصحاح الثالث: أوضح طوبيت أن التجارب تجمع المؤمنين المُقيمِين في بلاد مختلفة وبعيدة عن بعضها، فيصيروا أشبه بأُسرة واحدة. في المظهر يبدو أن كل مؤمنٍ في عزلة عن إخوته. لكن بالصلوات والعبادة الصادقة تنطلق صلواتهم معًا، ويتحقَّق فيهم قول الرب: إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم. خلال التجارب نتذوَّق بركة الضيقات، إذ نتلامس مع الكنيسة الجامعة المتألقة بالمصلوب القائم فيها، فنختبر الحياة المقامة في الرب. في الأصحاح الرابع: طلب كل من طوبيت وسارة المتألمان أن يأمر الرب بأن تنطلق نفسيهما من جسديهما ليتمتَّعا بالموضع السماوي وينظرا وجهه. لقد ظن طوبيت حسب فكره البشري أن هذا هو الحل لخروجه من التجارب التي لحقته. هذا ما دفعه أن يستعد للرحيل من هذا العالم. لقد سُمِح له بهذا الإحساس لا ليسقط في اليأس، وإنما ليكون دومًا مستعدًا لذلك. بهذا قدَّم لنا طوبيت المتألم مثلاً عمليًا في حياتنا لا أن نشتهي الخروج من العالم بروح الضعف واليأس، وإنما بروح الفرح والرجاء في الالتقاء مع القدوس السماوي. ماذا فعل طوبيت للاستعداد للرحيل؟ 1. اهتم بالجيل الجديد (ابنه) ليُقَدِّم له وديعة الفضة التي قال عنها المرتل: كلام الرب كلام نقي كفضةٍ في بوطة في الأرض ممحصة سبع مرات (مز 12: 6). لقد حفظ غابيلوس وديعة الفضة في أكياس مختومة. هكذا يليق بنا أن نحفظ كلام الله بدون غشٍ لتقودنا وتقود الأجيال القادمة بغير انحراف يمينًا أو يسارًا. 2. دعا طوبيت ابنه وأوصاه أن يُكرم أمه بعد موته ودفنه، ولا يتركها جميع أيام حياته، ويعمل على إرضائها ولا يُحزِنها، وأن يتذكَّر المخاطر التي تعرَّضت لها من أجله وهو في أحشائها، ويدفنها بجانبه في القبر نفسه [3-4]. تُرَى من هي هذه الأم التي يلزمنا أن نكرمها ونحرص ألا ننفصل عنها غير كنيسة المسيح، حواء الجديدة، أُم كل حي، نكرمها لما احتملته منذ بدء انطلاقها في يوم الخمسين (أع 2). بقيت في كل الأجيال الأم المصلوبة التي لم يَقْبَلها العالم كما لم يَقْبَل رأسها ربنا يسوع المصلوب. لنسمع لصوتها، ولا نحزنها بالانحراف عن وصية عريسها الرب يسوع المصلوب. نذكر المخاطر التي تتعرَّض لها منذ قيامها إلى يومنا هذا. دماء الشهداء التي لا تتوقَّف تكشف عن حيوية الكنيسة المتألمة. يُطالِبنا أن ندفنها معه في قبره، فكل القبور الأخرى كانت دنسة، كل من يقترب إليها يحتاج أن يتطهر، أما القبر الذي نزل إليه جسد الرب القدوس، فصار مصدر القداسة التي تقيم منا قديسين في المسيح بروحه القدوس. 3. بعد أن أوصاه بقبول وديعة الفضة، وبتكريم أمه، يسأله ألا يتعدَّى وصايا الرب، وأن يعمل البرّ بنعمة الرب ويرفض السلوك في سبل الإثم [5-6]. 4. الاتحاد بامرأة من نسل شعبه، وليس بامرأة غريبة. من هي هذه الزوجة الصالحة والمرأة الغريبة؟ الأولى هي الالتصاق بالحكمة الإلهية، والثانية هي تجاهل الحكمة الإلهية والالتصاق بالحكمة البشرية في تشامخٍ. الأولى هي الالتصاق بالوصية الإلهية، والثانية هي الاعتداد بالذات وتجاهل الوعود الإلهية. 1. طوبيت يستعد للرحيل [1 -3] في ذلكَ اليَوم، تَذَكَّرَ طوبيتُ الفضة الَّتي كان قد أَودَعَها عند (غابيلوس) جَبَعئيلَ في راجيسِ بميدِيا [1] وقالَ في نفسِه: "لقد تمنيتُ الموت، فلِمَا لا أَستَدْعي طوبِيَّا ابني لأُطْلِعُه عنها قَبلَ أَن أَموت؟" [2] فاستدعاه وقالَ له: كان طوبيت يظن أن الله سيحل مشكلته بأن يموت، لكن الله كان يُعِدّ له نهاية أروع. فالله يعطينا "أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر" (أف 20:3). القول: "تذكر طوبيت الفضة" يبرز أن هذا الأمر كان كما في طي النسيان لأنه محب للعطاء ومساندة الغير. ومن جهة أخرى كان الهدف الإلهي لرحلة رئيس الملائكة رافائيل ليس مجرد ردّ الوديعة، إنما لكي يقدم لطوبيا الفتاة المقدسة للزواج منها، وأيضًا يقدم لسارة الزوج المقدس. وخلال هذا الزواج المقدس تتمكَّن الأسرتان من السلوك في الربّ باستقامة. يؤكد طوبيت البار أنه في نفس اليوم الذي قدَّم صلاته للربّ وقدَّمت سارة صلاتها، اختار الله رئيس الملائكة رافائيل لخدمة الأسرتين. وكأن السماء قد تحرَّكت، أصبح الأمر بيد الله نفسه أولاً وأخيرًا. الصلاة لله بروح التسبيح والصراحة والانسحاق يستجيب لها الربّ سريعًا. تحرَّكت السماء من أجل الأسرتين اللتين كانتا في ضيقٍ، وتمنَّى طوبيت الرحيل من الأرض واللقاء مع الله، إله المتألمين والمحتاجين والمنبوذين. الله هو المُدَبِّر والعامل في حياة مؤمنيه المتألمين، غير أنه لا يعمل في المتهاونين. الأمور التي شغلت طوبيت أولاً:اهتم طوبيت بأن يكمل رسالته قدر المستطاع حتى النفس الأخير من حياته. ثانيًا: لم يكن قبلاً مشغولاً بالفضة التي أودعها عند غابيلوس، في هذه الفترة تذكَّر هذه الوديعة من أجل ابنه وأيضًا زوجته، حتى لا يتركهما في عوزٍ واحتياجِ. ثالثًا: لعله خشي أن يكون في قلب طوبيا أي ضيق من جهة والدته، من أجل تعييرها لوالده طوبيت، لذلك أوصى ابنه أن يهتم بها ويعمل على إرضائها حتى بعد موتها، بل يدفنها مع رجلها، مذكرًا إياه رعايتها له منذ حملت به في أحشائها. رابعًا: كما اهتم طوبيت بخلاص نفسه وراحة نفسية كل من ابنه وزوجته، كذلك اهتم بخلاص ابنه، مُقَدِّمًا له النصائح التالية: أ. أن يذكر الربّ في جميع أيامه. ب. أن يحرص على حفظ الوصية الإلهية. ج. الاهتمام على وجه الخصوص بالصدقة قدر ما يستطيع، ليُقَدِّمها هدية ثمينة لله نفسه. د. أن يحب إخوته، وهنا يقصد كل سبط نفتالي، ويتزوج من بناتهم ليس كمن هو مُلزم خلال الوصية، وإنما لأنه محب لإخوته ومحب للعفة والطهارة. ه. يحرص ألاَّ يسقط في الكبرياء، فالكبرياء تُفسِد حياة الإنسان وتجعله متراخيًا بطالاً في عوزٍ ومجاعة. * أبغض العظمة، لأنها الثمرة المملوءة موتًا. لأن آدم أكل منها في عدن، وأعطته الموت. وبها سقط الشيطان من البدء. بها سقط بيت آدم من الفردوس. ليس عند الله شيء بخس ومكروه مثل حب العظمة، والتشامخ بالكبرياء. القديس مار يعقوب السروجي ز. بالحب لا يفعل بأحدٍ ما لا يقبله لنفسه. ح. وضع الخبز والأطعمة على قبور الذين عاشوا مُحِبّين للفقراء، حتى في دفنهم في القبور يجد الجائعون طعامًا لهم فوق قبورهم. ط. دعا ابنه للتسبيح الدائم في كل حينٍ، وطلب نعمة الله القادرة وحدها أن تهبه الإرادة الصالحة حسب مشورة الله. ي. يدعوه ألاَّ يخف من الفقر، فمن ينعم بمخافة الربّ ويهرب من الإثم ويطلب رضا الله لن يفتقر قط. باختصار قَدَّم طوبيت لابنه وصية وداعية تمسّ كل جوانب حياته (4: 2-11): 1. بدأ بالأسرة، إذ أوصاه: "ادفن جسدي وأكرم والدتك... ادفنها بجانبي." 2. الاهتمام بخلاص نفسه: "احذر أن ترضى بالخطية، وتتعدَّى وصايا الربّ إلهنا... التمس مشورة الحكيم دائمًا... وبارك الله في كل حينٍ." 3. الاهتمام بالفقراء والمحتاجين: إذ أوصاه بحفظ الوصية الإلهية طالبه بترجمة الإيمان إلى عملٍ. "كن رحيمًا على قدر طاقتك... لأن الصدقة تُنَجِّي من كل خطية ومن الموت... وكل من خدمك بشيءٍ فأوفه أجرته لساعته... كل ما تكره أن يفعله غيرك بك، فإياك أن تفعله أنت بغيرك." 4. الربط بين المحبة لله ومحبة القريب، خاصة الفقراء. "ليكن الله في قلبك جميع أيام حياتك... ولا تحوِّل وجهك عن فقير، وحينئذ فوجه الرب لا يُحوَّل عنك." 2. تكريم الأم [3 -4] "يا ابني عندما أموت ادفني، ولا تتجاهل أمك، كِّرمها جَميعَ أَيَّام حَياتِك، واعمل على إرضائها ولا تُحزِنهاَ. [3] يا ابني أُذكُر المَخاطِرَ الَّتي تَعَرَّضَت لَها من أَجلِكَ وأَنتَ في أحشائِها. وعندما تموت، ادفِنْها إِلى جانِبي في القَبْرِ نَفْسِه. [4] كان طوبيت يهتم بدفن القتلى المطروحين في الشوارع مهما كلفه الأمر، وطلب من ابنه أن يهتم بدفنه ودفن والدته في نفس القبر. كان ترك الجسد دون دفن يُعدّ عارًا. ففي معركة داود مع جليات الجبار يذكر الكتاب المقدس: "َقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّ لِدَاوُدَ: تَعَالَ إِلَيَّ، فَأُعْطِيَ لَحْمَكَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَوُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. فَقَالَ دَاوُدُ: أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ. وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلَهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ. هَذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ. وَأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هَذَا الْيَوْمَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَحَيَوَانَاتِ الأَرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ لإِسْرَائِيلَ. (1 صم 17: 44-46) اهتم اليهود كثيرًا بأجساد موتاهم، وعظام أجدادهم، فإبراهيم أبدَى اهتمامًا ملحوظًا بجسد سارة امرأته، ويوسف أوصى بحمل عظامه من مصر. تختلف طريقة إكرام الميت من شعب إلى آخر، فالهنود، يحرقون أجساد موتاهم ليضعوا رمادهم في زجاجة يحتفظون بها، بينما أبغض اليهود عادة حرق الجثث. وتقوم بعض القبائل في مجاهل أفريقيا بذبح المحتضرين منهم ليأكلوا لحومهم كأفضل طريقة لإكرامهم بدلاً من دفنهم بعد موتهم وتعرض جثثهم للإهانة من الدود والتعفّن، ولكي بذلك تختلط اللحوم، لحوم الأحياء ببعضها البعض وتصبح البطون هي القبور![1] يا ابني أُذكُر المَخاطِرَ الَّتي تَعَرَّضَت لَها من أَجلِكَ وأَنتَ في أحْشائِها. وعندما تموت، ادفِنْها إِلى جانِبي في القَبْرِ نَفْسِه [4]. أوصى طوبيت ابنه بضرورة إكرام والدته، بسبب تعبها في ولادته وتربيته، ويقول الربيين إن العلاقة كانت قد ساءت جدًا بين الآباء والأبناء إلى الحد الذي اعتبروه سببًا في طرد بني إسرائيل من أرض الموعد لأنهم لم يسلكوا حسب الوصية "اكْرِمْ ابَاكَ وَأمَّكَ لِتَطُولَ أيَّامُكَ عَلَى الارْضِ." (خر 20: 12) ومن ثم فقد تعرَّضوا للسلب والنهب، ومن هنا فقد كان ومازال إكرام الوالدين والاهتمام بهم، هو تعبير عن الوفاء وعن الرغبة في أن يُكرم الشخص هو أيضًا من أولاده. 3. حفظ الوصية الإلهية [5- 6] واذكُرِ يا ابني الرَّبَّ إلهنا، جَميعَ أَيَّامِكَ، ولا تَرْضَ ِأَن تُخطئ وتَتَعَدَّى وَصاياه. اِعمَل البِرِّ جَميعَ أَيَّامِ حَياتِكَ، ولا تَسلُكْ سُبُلَ الإِثْم [5]، فإِن عَمِلتَ بالحَقّ، نَجَحتَ في أعْمالِكَ [6]. إذ قامت دبورة جدة طوبيت بتربيته وإرشاده، هكذا اهتم هو أيضًا بتربية ابنه وإرشاده حتى النفس الأخير من حياته. جاءت وصاياه تتناغم مع الوصايا الوداعية المذكورة في الكتاب المقدس (تك 47: 29-49: 33؛ يش 22: 24؛ أي 28-29). أوصى الله بني إسرائيل بحفظ وصاياه: ""فضعوا كلماتي هذه على قلوبكم ونفوسكم، واربطوها علامة على أيديكم، ولتكن عصائب بين عيونكم" (تث 11: 18). أخذ اليهود هذه النصيحة بطريقة حرفية، فكانوا يصنعون لهم علبة صغيرة من الجلد، لها طرفان من السيور، حيث توضع العلبة على الجبهة ثم تثبت عن طريق السيور من الخلف، وفي العلبة يضعون رقائق من الجلد كتب عليها أربع قطع من الشريعة وهي: وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إنَّهُ لِي. وأيضًا: "وَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: اذْكُرُوا هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجْتُمْ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَكُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَا. وَلا يُؤْكَلُ خَمِيرٌ. الْيَوْمَ أنْتُمْ خَارِجُونَ فِي شَهْرِ أبِيبَ. وَيَكُونُ مَتَى أدْخَلَكَ الرَّبُّ أرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأمُورِيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ الَّتِي حَلَفَ لآبائك أنْ يُعْطِيَكَ أرْضًا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً أنَّكَ تَصْنَعُ هَذِهِ الْخِدْمَةَ فِي هَذَا الشَّهْرِ. سَبْعَةَ أيَّامٍ تأكل فَطِيرًا وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عِيدٌ لِلرَّبِّ. فَطِيرٌ يُؤْكَلُ السَّبْعَةَ الأيَّامِ وَلا يُرَى عِنْدَكَ مُخْتَمِرٌ وَلا يُرَى عِنْدَكَ خَمِيرٌ فِي جَمِيعِ تُخُومِكَ. "وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاً: مِنْ أجْلِ مَا صَنَعَ إلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أخْرَجَنِي مِنْ مِصْرَ. وَيَكُونُ لَكَ عَلامَةً عَلَى يَدِكَ وَتَذْكَارًا بَيْنَ عَيْنَيْكَ لِتَكُونَ شَرِيعَةُ الرَّبِّ فِي فَمِكَ. لأنه بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَكَ الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ. فَتَحْفَظُ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا مِنْ سَنَةٍ الَى سَنَةٍ" (خر 13: 1-10)، "وَيَكُونُ مَتَى أدْخَلَكَ الرَّبُّ ارْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا حَلَفَ لَكَ ولآبائك وَأعْطَاكَ إيَّاهَا أنَّكَ تُقَدِّمُ لِلرَّبِّ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ وَكُلَّ بِكْرٍ مِنْ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لَكَ. الذُّكُورُ لِلرَّبِّ. وَلَكِنَّ كُلَّ بِكْرِ حِمَارٍ تَفْدِيهِ بِشَاةٍ. وَانْ لَمْ تَفْدِهِ فَتَكْسِرُ عُنُقَهُ. وَكُلُّ بِكْرِ إنْسَانٍ مِنْ أوْلادِكَ تَفْدِيهِ. "وَيَكُونُ مَتَى سَألكَ ابْنُكَ غَدًا: مَا هَذَا؟ تَقُولُ لَهُ: بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. وَكَانَ لَمَّا تَقَسَّى فِرْعَوْنُ عَنْ إطْلاقِنَا أنَّ الرَّبَّ قَتَلَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أرْضِ مِصْرَ مِنْ بِكْرِ النَّاسِ إلى بِكْرِ الْبَهَائِمِ. لِذَلِكَ أنَا أذْبَحُ لِلرَّبِّ الذُّكُورَ مِنْ كُلِّ فَاتِحِ رَحِمٍ وَأفْدِي كُلَّ بِكْرٍ مِنْ أوْلادِي. فَيَكُونُ عَلامَةً عَلَى يَدِكَ وَعِصَابَةً بَيْنَ عَيْنَيْكَ. لأنه بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ" (خر 13: 11-16)، اسمع يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلتَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ على قَلبِكَ. وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ. وَارْبُطْهَا عَلامَةً عَلى يَدِكَ وَلتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ. وَاكْتُبْهَا عَلى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلى أَبْوَابِكَ" (تث 6: 4–9)، وَتَحْفَظَ وَصَايَا الرَّبِّ وَفَرَائِضَهُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ لِخَيْرِكَ. هُوَذَا لِلرَّبِّ إِلهِكَ السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ وَكُلُّ مَا فِيهَا. وَلكِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا التَصَقَ بِآبَائِكَ لِيُحِبَّهُمْ فَاخْتَارَ مِنْ بَعْدِهِمْ نَسْلهُمُ الذِي هُوَ أَنْتُمْ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ كَمَا فِي هَذَا اليَوْمِ. فَاخْتِنُوا غُرْلةَ قُلُوبِكُمْ وَلا تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ الإِلهُ العَظِيمُ الجَبَّارُ المَهِيبُ الذِي لا يَأْخُذُ بِالوُجُوهِ وَلا يَقْبَلُ رَشْوَةً. الصَّانِعُ حَقَّ اليَتِيمِ وَالأَرْمَلةِ وَالمُحِبُّ الغَرِيبَ لِيُعْطِيَهُ طَعَامً وَلِبَاسً. فَأَحِبُّوا الغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ. الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي. إِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِهِ تَلتَصِقُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ. هُوَ فَخْرُكَ وَهُوَ إِلهُكَ الذِي صَنَعَ مَعَكَ تِلكَ العَظَائِمَ وَالمَخَاوِفَ التِي أَبْصَرَتْهَا عَيْنَاكَ" (تث 11: 13-21)، حيث كانوا يلبسونها أثناء العبادة، وأمّا المتشددون فكانوا يلبسونها طوال الوقت. كذلك كانوا يثبتون هذه الشرائط الجلدية على الذراع اليسرى بالقرب من القلب، ثم يقومون بتثبيتها بشرائط من الجلد أيضًا، تلف بطريقة تكون حرف الشين العبري حتى يصل آخر طرف الشريط الجلدي عند الأصبع (البنصر) وكانت العلبة التي توضع على الجبهة يرسم على كل من جانبيها حرف الشين العبري أيضًا، وهو الحرف الأول من كلمة شاداي ومعناها "القوي" وهي أحد ألقاب يهوه في العهد القديم، كما كان طرفا السيور الجلدية لعبة الجبهة يثبتان في العلبة، باثنتي عشر (غرزة) على عدد أسباط بني إسرائيل (ستة في كل جانب) وتسمّى هذه العلبة تيفيلين Tefillin وفي العبرية (توتابوت) ومعناها (عُصابة) وهي التي كان المسيح يقصدها في (وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ مت 23: 5) عندما وبَّخ الفريسيين على ريائهم، فعلى الرغم من أنهم يبالغون في صنعها إلاّ أنها كانت دليل ظاهري فقط على تقواهم، وكانت التيفيلن تُرتدَى بصلوات خاصة. إلى اليوم يضع بعض اليهود ما يُسمَّى بالمزوزا المقدسة mezuzah على قوائم أبوابهم، وهي تضم حافظة بها قطعة من جلد الماعز منقوش عليها عبارات من سفر التثنية، من أجل مباركة الله للبيت، ويعتبرها البعض أنها علامة على أن سكان البيت يهود. لهذا يوصي طوبيت ابنه بأن يجعل الله في قلبه ولا يتعدَّى الوصايا، فإن الذي يعمل الحق هو االله (راجع إر 5: 1، 2) يستدر عطف الله وعفوه ويستحق بركته، شأنه في ذلك شأن الآباء الذين وضعوا ثقتهم في الله وعملوا بالبرّ فباركهم الله . 4. الصدقة [7- 11] تَصَدَّقْ مِن مالِكَ لكل صانعي البرّ، ولا تُحَوِّلْ وَجهَكَ عن فَقيرٍ ما عندما تعمل الرحمة، فوَجْهُ اللهِ لا يُحوَّلُ عنكَ [7]. إِن كانَ لَكَ كَثير فاعمل منه رحمةً، وإِن كانَ لكَ قَليل فاعمل من القليل رحمةً، ولا تَخَفْ، [8] فإِنَّكَ تَذَّخِرُ لَكَ كَنْزًا حَسَنًا إِلى يَومِ العَوَز [9]. لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنجِّي مِنَ المَوت، ولا تَدَعنا ندخل في الظُّلمَة [10]. الصَّدَقَةُ هدية ثمينَةٌ لِصانعيها في حضرة العَلِيّ [11]. التعليم عن مكافأة الصدقة والأعمال الصالحة هنا [7] مطابق لما ورد في (دانيال 4: 24). اهتم طوبيت بأن يوصي ابنه بالصدقة. وكأنه اختبر مقدًما ما قاله السيد المسيح فيما بعد: "لأني جعت فأطعمتموني... بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم" (مت 35:25-40). شعر طوبيت في صدقاته أنه يُقابِل الله شخصيًا، فأراد ألا يحرم ابنه من هذه البركة. يقول طوبيت إن الصدقة تنجّي من كل خطيئة ومن الموت، إذ يحفظه الله حتى لا يسقط في الخطايا، وإن سقط يسامحه بأن يوجه قلبه للتوبة. ركَّز طوبيت على ممارسة ابنه للصدقة بسخاء، وفي نفس الوقت بحكمة وتدبير حسن. * الأحرى بك أن تكون أبًا لأبنائك مثل طوبيت... أوصِ أبناءك كما أوصى طوبيت ابنه، قائلاً: "اسمع يا ابني لأبيك. اعبد الرب بالحق وابتغي عمل مرضاته. وأوصِ ابنك بعمل العدل والصدقات، وأن يذكر الله ويباركه كل حينٍ بالحق وبكل طاقاته" (راجع طو 14: 10، 11). وأيضًا قوله: "وأنت فليكن الله في قلبك جميع أيام حياتك، واحذر أن ترضى بالخطيئة وتتعدَّى وصايا الرب إلهنا. تصدَّق من مالك، ولا تُحَوِّل وجهك عن فقيرٍ، حينئذ فوجه الرب لا يحول عنك. كن رحيمًا على قدر طاقتك. وإن كان لك كثير فابذل كثيرًا، وإن كان لك قليل فاجتهد أن تبذل القليل بنفسٍ طيبة. فإنك تدخر لك ثوبًا جميلاً إلى يوم الضرورة. لأن الصدقة تُنَجِّي من كل خطيئة ومن الموت ولا تدع النفس تصير إلى الظلمة (جهنم). الصدقة في نظر الله العلي هي هدية صالحة لكل من يُقَدِّمها (طو 4: 5-11) . القديس كبريانوس * تمنع الشريعة إقراض الشخص بربا، وهذا مختلف عن الحالة هنا. طوبيت لم يطلب ربا، بل حذَّر ابنه ألاَّ يعصي وصية الربّ، وأن يُقَدِّم صدقات من ماله، لا أن يطلب ربا، كما طلب منه ألاَّ يُحَوِّل وجهه عن أي فقيرٍ. من ينصح هكذا يرفض الربا عندما يُقرض . القديس أمبروسيوس * الصدقة في حد ذاتها لا تقدر أن تكفر الخطية، وإنما هي تعلن عن قلب قبل الخلاص.القديس أغسطينوس وقد جعل القديس يوحنا الذهبي الفم هذه الآية، محورًا لكثير من عظاته عن الرحمة والشفقة بالمساكين، ذاكرًا في إحدى عظاته عن الصدقة، أنها نجت طابيثا من الموت (أع 9) وأمّا مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَاب (أم 21: 13)[6]. ويربط القديس يوحنا الذهبي الفم، بين الصدقة ونعمة البصر، قائلاً: [متى رُحِم الأعمى يبصر من يرحمه ويقوده بيده ويذهب به إلى ملكوت السماوات، فذاك الذي يتعثّر هنا وهناك ويقع في الحفر، قد صار لك مرشدًا ومرتقي تصعد به إلى السماء .] يُنظر إلى الظلمة هنا [10] أنها تعني جهنم، كما ورد في (مت 8: 12؛ 22: 13؛ أف 6: 12). يتمتَّع الكل بنور الشمس، البار مع الشرير، أما النور الإلهي الذي يهب استنارة داخلية، ويتمتَّع الإنسان بروح الحكمة والتمييز، فهذا هبة خاصة لمن يلتصق بالله ويَقْبَل وصاياه ويحفظها. يقول القديس أغسطينوس: [النور يشرق على الشخص البار. ما هو النور الخاص بالرجل البار أو المرأة البارة؟ يوجد نور مُعَيَّن لا يشرق على الظالم، يختلف عن النور الذي يشرق على البار والشرير على السواء (مت 5: 45). الذي سوف يعترف الأشرار في النهاية أنه لم يشرق عليهم قط: "دون شك قد ضللنا عن طريق الحق. لم يشرق علينا نور البرّ، ولم تشرق الشمس علينا (حك 5: 6). بينما يبتهجون بالنور العام يستلقون في ظلمة القلب. ماذا يفيدهم أن يروا نور النهار، إن كانت أذهانهم لا تقدر أن ترى النور البعيد؟ كان طوبيت أعمى، ومع هذا علَّم ابنه طريق الله. أنتم تعرفون أن هذا حقيقي، إذ نصح طوبيت ابنه: "أعط صدقات يا ابني، لأن الصدقة تنجّيك من الرحيل إلى الظلمة" بينما كان المتحدث نفسه في الظلمة (بسبب عماه). ألا ترى من هذا أنه يوجد نور مختلف يشرق على الشخص البار، والبهجة الصالحة التي ينالها مستقيمو القلب؟ ] * قَدَّم الأعمى نصيحة لاقتناء النور والتمتُّع به. يقول: الصدقات لا تسمح بالذهاب إلى الظلمة. دُهِش ابنه وقال: ماذا يا أبي ألم تقدم صدقات حتى أنك تتكلم وأنت أعمى، ألست أنت في ظلمة؟ ومع هذا تقول: "الصدقات لا تسمح بالدخول إلى الظلمة"؟ لكن لا، فقد عرف حسيًا ما هو النور، الذي يتحدث عنه مع ابنه. لقد عرف تمامًا ما رآه في داخل الإنسان. بسط الابن يده لأبيه ليساعده على السُكنَى في السماء . القديس أغسطينوس احترس يا ابنيَ من كُلِّ فسقٍ، واهتم أن تتخذ امرأة مِن نَسْلِ آبائِكَ. لا تتخِذِ امرأة غَريبةً ليست مِن سِبْطِ أَبيكَ، لِأَنَّنا أبناء الأَنْبِياء. أذكر يا ابني نُوحًا وإبراهيمَ وإسحقَ ويَعْقوب، آباءَنا مُنذُ القِدَم، أِنَّهم جَميعًا اتخذوا نِساءً من إِخوَتهم، فنالوا البَرَكَةَ في أَولادِهِم، ونَسلُهُم يَرِثُ الأَرض [12]. والآنَ، يا ابني، أَحِبَّ إِخوَتَكَ ولا يتكبِرْ قَلبِك على إِخوَتكَ أبناء وبنات شعبك، بل اتخذ زوجة مِنهن، لأن في الكِبْرِياءِ خَرابٌ وطيش عظيم، وفي البِطالَةِ فَقْرٌ وعَوَزٌ شَديد، لِأَنَّ البِطالةَ أُمُّ المَجاعة [13]. مع اهتمامه أن يكون بيت طوبيا مقدسًا، بزواجه فتاة من سبطه ليعيشا معًا في مخافة الرب، اهتم طوبيت بالالتزامات الأسرية. لقد اختلف طوبيت مع حنة زوجته بخصوص الجدي الذي قُدِّم لها هدية، لكن محبتهما لبعضهما البعض لم تُمسّ بسبب هذا الخلاف. اهتم طوبيت أيضًا بأن تُدفَن زوجته معه في نفس القبر، فلا تنفصل جثتاهما بعد الموت، كما لم ينفصلا عن بعضهما البعض في حياتهما. اهتم أيضًا باختيار زوجة من نفس سبطه لابنه طوبيا. البطالة يجب أن نعمل مادامت لنا قدرة على العمل، "يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أعمال الذي أرسلني مَا دَامَ نَهَارٌ" (يو 9: 4). كما أن لذّة الحياة تكمن في البذل والعطاء لا في الأخذ والاستهلاك، بغض النظر عن احتياج الإنسان لعائد عمله، فمن الرائع أن يكون لكلّ إنسانٍ دور في الحياة، كذلك فإن البطالة تجلب على صاحبها الفقر والهوان والمعاناة من مشاكل الفراغ. يقول ابن سيراخ: "اثبت على عهدك، واهتمّ به، وابلغ الشيخوخة في عملك" (سي 11: 18). فالمؤمن لا يتوقَّف عن العمل حتى الشيخوخة، بل وهو على سرير الموت، حيث لا يستطيع أن يعمل بيديه أو يتكلم بلسانه، ينطلق قلبه للحديث مع الله بلغة الصمت، ويطلب لا لنفسه وعائلته فحسب، بل من أجل خلاص العالم كله.6. المحبة الأخوية العملية [14- 18] لا تُبَتْ أُجرَةُ إِنْسانٍ ما يَعمَل عِندَكَ، بلِ ادفَعْها في الحال، وإِن خضعت للهِ تُكافأ. كُنْ متَيَقِّظًا يا ابني في جَميعِ أَعْمالِكَ، وحكيمًا في جَميعِ تَصَرُّفاتِكَ [14] وكُلُّ ما تَكرَهُه لا تَفعَلْه بِأَحَدٍ. لا تَشرَبْ خَمْرًا حتَّى السُّكْر، ولا يُرافِقْكَ السُّكْرُ في الطَريق [15]. مِن خُبزِكَ أَعْطِ الجائِع، ومِن ثِيابِكَ للعُراة. مِن كُلِّ ما تَوَفَّرَ لَكَ تَصَدَّق، وإِذا تَصَدَّقتَ فلا تَندَمْ عَينُكَ [16]. أَفِضْ خُبزَكَ على قُبورِ الأَبْرار، ولا تُعْطِ الخاطِئين شيئًا [17]. التمس مَشورةَ كُلِّ رَجُل حَكيم، ولا تَحتَقِرْ رأيًا سديدًا [18]. بقوله: "كُنْ متَيَقِّظًا يا بُنَيَّ في جَميعِ أَعْمالِكَ، وحكيمًا في جَميعِ تَصَرُّفاتِكَ" [14] يتناغم مع ما قاله بولس الرسول فيما بعد: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 12:10). وما قاله الحكيم: "قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 18:16). الحب هو القانون الذهبي في المعاملات، لذلك يقول: "كُلُّ ما تَكرَهُه لا تَفعَلْه بِأَحَدٍ مِنَ النَّاس". هذا من الجانب السلبي، أما الجانب الإيجابي فقد وضعه لنا السيد المسيح في شريعته الجديدة على الجبل بقوله: "فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ، افْعَلُوا هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ. (مت 7: 12) قَدَّم لنا طوبيت أمثلة عملية لممارسة الحب الأخوي، فالمحبة تتناغم مع الطهارة والعفة كما تتناغم مع محبتنا لله. * هذه الوصية إن أشارت إلى محبتنا لله فإنها تُحَطِّم كل رذيلة، وإن أشارت إلى محبة القريب، فإنها تُبطل كل الجرائم. فإنه لا يريد أن يدنس مسكنه، لهذا يليق به ألاَّ يدنس مسكن الله الذي هو نفسه. ولا يرغب أحد أن يؤذيه آخر، وبالتالي يلزمه ألاَّ يؤذي أحدًا . القديس أغسطينوس القديس أغسطينوس أولاً: المحبة الأخوية تثبت روح التواضع، فلا يتشامخ إنسان على إخوته. ثانيًا: إن كان الكبرياء يُفسِد إمكانية العمل في جدية وبحكمة، بالتالي إن مارس المتكبر عملاً ما يكون بلا ثمرٍ، لهذا يربط طوبيت بين الكبرياء والبطالة، وبالتالي بين الكبرياء والعوز الشديد. لا يجد ما يروي نفسه، ويُشبع قلبه وفكره. ثالثًا: لا يظلم إنسانًا، فإن استأجر أحدًا يدفع له الأجرة في ذات اليوم دون تأجيل. رابعًا: لا يشرب خمرًا حتى السُكر؛ كان الخمر والزيت والزيتون... مواد تُستخدَم في العلاج، لكن يلزم استخدامها باعتدال. وإن أخطأ إنسان وسكر، فلا يخرج خارج بيته. خامسًا: لا يساعد الأشرار بتقديم صدقة تُستخدَم في الشرّ كالعنف. سادسًا: الارتباط بالحكماء لأخذ المشورة، وليس للتظاهر بأنه منضم لجماعة الحكماء. سابعًا:"ضع خبزك على قبر البار، ولا تعطيه للخاطئين" (طو 4: 17). يبدو أن هذه العادة تشير إلى تقديم صدقات عن أرواح المنتقلين تُعطَي للفقراء والمحتاجين. وطوبيت يشير لابنه، أن الأفضل له أن ينفق أمواله بهذه الطريقة فيستفيد بها الفقراء، عن أن ينفقها في جلسات وولائم مع الأشرار. كثير من المُجَرَّبين والمتألمين يطلبون صلوات الإنسان البار، حتى بعد موته فيلجأون إلى قبره. فعندما يضع الإنسان خبزه على قبر البار، ينتفع به الفقراء والمتألمين. أما من يعطي خبزه للأشرار، فيشاركهم في ممارسة الشرور. فعمل الرحمة هنا يتم بدون حكمة وبلا تمييز. * مكتوب: "أعطِ الإنسان التقي ولا تساعد الخاطئ". الجزء الأخير من العبارة يبدو كمن يمنع عمل الخير، إذ يقول: "لا تساعد الخاطئ". لذلك يلزم أن نفهم الخاطئ هنا أنه يُمَثِّل الخطية، فلا تعين الخاطئ على ممارسة الخطية . القديس أغسطينوس * كذلك ليت الإنسان المسيحي إن كان لديه مالاً، يعطيه كمن لا يسترده بعد، أو على أي الأحوال يأخذ أصل المبلغ الذي أقرضه. بفعله هذا ينال نعمة ليست بقليلةٍ. وإلاَّ يكون من يقرض كمن يخدع وليس من يساعد. فإنه أية قسوة أكثر من أن تعطي مبلغًا صغيرًا وتطلب أن يرد الضعف؟ ذاك الذي لا يستطيع أن يرد المبلغ البسيط كيف يمكنه أن يرد ضعف المبلغ؟ ليكن طوبيت نموذجًا لنا، الذي لم يطلب قط المبلغ الذي أقرضه سوى في نهاية حياته، حتى لا يكون قد غشّ وريثه (طوبيا) وليس أن يطلب ربا عند استرداد ماله (طو 4: 21). الأمم غالبًا ما تتحطَّم بسبب الربا، إذ يُسَبِّب هذا خرابًا عامًا . القديس أمبروسيوس 7. الرب واهب الإِرادةَ الحَسَنة [19] باركِ الرَّبَّ إِلهَكَ في كُلِّ حين، واسأله أَن تَكون طُرُقُكَ قويمة فتنجح سُبُلُكَ ومَقاصِدُكَ. فلَيسَتِ الفِطنَةُ لأيةِ أُمَّة، وإنما الرَّبَّ نفسه هو الذي يُعْطيهِمِ كل الصالحات. وهو يَذل مَن يَشاءُ. والآن، يا ابني تذكر وَصاياي، لا تمحيها من قَلبِكَ [19]. بعد أن قَدَّم وصايا عملية للحب الأخوي، يؤكد أن ما يطلبه المؤمن ليس مجرد ممارسات حرفية، وإنما أن يحرص على إدراك إرادة الله في حياته كما في ممارساته. فإن كان ربّ المجد قد أعلن: "أنا هو الطريق" (يو 14: 6) فإن من ينحرف يمينًا أو يسارًا عن السلوك في الربّ لن يتمتع برضا الربّ، وتتحوَّل حتى الفضائل إلى رذائل، ويسقط الإنسان تحت التأديب الإلهي. 8. عِندَكَ خَيراتٌ كثيرة [20- 21] والآن أُعلِمُكَ يا ابني، بأَنِّي أَودَعتُ غابيلوس بنَ جَبْري عَشرَةَ وزناتَ مِنَ الفِضَّةِ في راجيس بميدِيا [20]. فلا تَخَفْ يا ابني، لأننا اَفتَقَرْنا. سيكون عِندَكَ الكثير، إن كُنتَ تَخافُ اللهَ، وتَهرُبُ مِن كُلِّ خَطيئة، وتَصنعُ ما هو مرضي أمامَه. [21]" ختم طوبيت وصاياه لابنه بالكشف عن الغِنَى الحقيقي، حتى لا يظن أن مجرد استلامه الوديعة التي عند غابيلوس ونواله الكثير من والديّ سارة صار بالحق غنيًا. فالغِنَى الحقيقي هو اقتناء خالق المسكونة، واهب العطايا. من وحي طوبيت 4 وصية وداعية لطوبيا! * لم تُعلن يا ربّ لطوبيت أنه حان وقت رحيله من العالم. تركته في تصوّراته أنه سيرحل سريعًا، فيستعد للخروج من العالم، ويفتح قلبه ليُقَدِّم كل خبراته لابنه الوحيد. جاءت وصيته تكشف عما في قلب طوبيت لنا جميعًا، فنشتهي أن نقتدي به. لا يخفي الأب عن ابنه شيئًا في أعماقه متى شعر بأنه حان وقت رحيله إلى الفردوس. * هب لي يا ربّ أن أشعر على الدوام أن لحظات رحيلي قد اقتربت. إنها الساعة الأخيرة، فلا أخفي معاملات الله معي عن أحبائي. * جاءت الوصايا الوداعية كنزًا يلزمنا أن نقتنيه. أول وصية لابنه: "يا بني عندما أموت ادفني". ماذا يعني بهذه الوصية سوى أن يشعر الابن أن أباه عاد إلى التراب الذي خُلِق منه؟! لا تفتخر بي أنني كنت بارًا، فبرّي لن ينفعك ما لم تسلك أنت ببرّ المسيح! إني أُحِبّك وأصلي لك في الفردوس، لكن لا تنتفع بصلاتي ما لم تتقدَّم للعمل بفرحٍ وسرورٍ. جهادك بنعمة الله هو مسرتي! * تذكر الكنيسة التي ولدتك في مياه المعمودية بعمل روح الله القدوس! إنها تألمت كثيرًا من أجلك! إنها عروس المسيح المصلوبة! أنت عضو فيها، فلتكن متهللاً على الدوام بعريسك السماوي المصلوب. * احفظ الوصية الإلهية، إنها ليست ثقيلة، بل على الدوام تهبك فرحًا ورجاءً في الميراث الأبدي! * حينما تقدم صدقة لمحتاج، اذكر أن يد الربّ ممتدة لتأخذ مما أعطاك. * لا تستصعب وصية العفة والطهارة والقداسة، لأن الذي يُقَدِّم لك الوصية، يقودك بروحه القدوس لتكون أيقونة للقدوس. * اقتن الحب، وتشبَّه بمُحِبّ البشر. لتحب أحباءك ومقاوميك، * اقتن الإرادة الصالحة، فواهبها يشتهي أن يُقَدِّمَها لك مجانًا. * اذكر أن كنزك ثمين، هو ربّ المجد يسوع المخفي في قلبك وعبادتك وسلوكك وكلماتك. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166767014015281.jpg
الأصحاح الخامس الابن المطيع في رفقة رافائيل الملاك إله المستحيلات يعمل في مؤمنيه إن كان طوبيت التقي احتمل التجارب الخارجية والداخلية بدون تذمرٍ، بل ألهبت التجارب قلبه للالتجاء إلى الله بالصلاة الصادرة من قلب نقي وارتفعت مع صلاة سارة إلى حضرة الله، فقد اكتشف أنه ليس لديه حلول بشرية لما حلّ به. لقد طلب من الله أن يأمر فتخرج نفسه من جسده وتنطلق إلى الأعالي وترى وجه الرب. طِلبته هذه وإن بدت للبعض أنها تكشف عن سقوطه في حالة من اليأس، غير أنه كان مملوءً رجاءً أنه سيرى وجه الرب. بدأ يستعد طوبيت للرحيل من العالم في جدية، وهو لا يعلم أن الله قد تطلَّع إلى نقاوة قلبه وإلى رجائه فيه، لذلك قدَّم الله له ما يبدو مستحيلاً. أرسل إليه رئيس الملائكة رافائيل يخدمه ويحلّ مشاكله، وهو في شكل إنسانٍ أجير، ويهبه أيامًا سعيدة لم تكن في تصوُّر طوبيت أو زوجته أو ابنه، أعطاهم الله ما يبدو لهم مستحيلاً. رئيس الملائكة ومحبته لخدمة البشر بسقوط آدم وحواء في العصيان لوصية الله، حزن السمائيون على بني البشر الذين خلقهم الله على صورته، فأفسدوها. لكن إذ يتحرَّك الله لخدمة البشر، ويُهَيّئهم لقبول التجسد الإلهي وذبيحة الصليب العجيبة، اشتاق السمائيون من جانبهم أن يخدموا البشرية التي يعمل الربّ نفسه على مصالحتهم بتجسده، وسفك دمه لخلاصهم. يرى بعض الآباء أن أعمال رئيس الملائكة رافائيل سمح بها الله لكي يعدّ الطريق لقبول تجسد الكلمة الإلهي. فإن كان رئيس الملائكة في طاعة لله وفي حُبّ للبشرية نزل متخفيًا كأجيرٍ، كم بالأكثر خالقه كلي الحب يليق به أن ينزل إلى العالم متجسدًا كي يُقَدِّم نفسه ذبيحة حب عن العالم. "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 6: 13). لقد نزل كحارسٍ لطوبيا يُرافِقه في الطريق، وكطبيبٍ يشفي سارة مما حلّ بها بسبب الشيطان، ويشفي طوبيت من العمى. هكذا جاء ربّ رافائيل، السيد المسيح، القائل أنا هو الطريق حتى يعبر بمؤمنيه إلى حضن الآب. وقال عن نفسه: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت 9: 12). ما فعله رئيس الملائكة إنما هو رمز وتهيئة لعمل الثالوث القدوس. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الصلاح الجوهري والمُطلَق هو عمل الآب والابن والروح القدس فقط.] ماذا فعل رئيس الملائكة في هذه المهمة الفريدة؟ سُرّ رئيس الملائكة أن يظهر في شكل إنسان يخدم الأربع عائلات: طوبيت وزوجته، ورعوئيل وعائلته، وطوبيا وعروسه، وغابيلوس. كانت مسرَّته أن يُتَمِّم بمسرَّة خطة الله إله المستحيلات لأجل بنيان هذه العائلات. لذلك انطلق في صحبة طوبيا نحو راجيس في رحلة عمل مشتركة بين كائن بشري وكائن سماوي. في هذه الرحلة قام بالأعمال التالية: أولاً: لم يقف الأمر عند ظهوره كإنسانٍ ليحمل اسمًا بشريًا، بل وحمل شكل عزريا بن حننيا، وتكلم كما على لسانه. ثانيًا: أخذ أيضًا دور البشر الأتقياء، فقام بتعليم طوبيت الشيخ، إذ قال له حين سأله عن اسمه وسبطه وعشيرته: "أتسأل عن سبطٍ أو عشيرةٍ أم عن أجيرٍ يذهب مع ابنك؟" (طو 5: 12). ثالثًا: رافق طوبيا في رحلته ولم يستنكف من أن يكون في رفقته أيضًا كلب طوبيا الذي كان اليهود يحسبونه من الحيوانات النجسة. رابعًا: أنقذ طوبيا من السمكة التي وثبت عليه لتبتلعه. قام بدور الحارس؛ فطوبيا كان شابًا في العشرينات من عمره، لا خبرة له بالطرق خارج نينوى. كان يجري معه أو وراءه كلبه المحبوب لديه، لكنه يعجز عن حماية طوبيا من مخاطر كثيرة تعترضه في الطريق. لقد قاده رئيس الملائكة إلى شاطئ نهر التيجر ليقضي ليلة هادئة. وإذ أراد أن يغتسل، وثبت عليه سمكة كبيرة لتبتلعه. لم يكن الأمر محتاجًا أن يتحرَّك رئيس الملائكة ويصدّها عن الفريسة. إنما اكتفى أن يطلب من طوبيا أن يمسكها فصارت في حالة من الضعف الشديد واستسلمت لطوبيا كي يشقها ويُخرِج من أحشائها الكبد والقلب والمرارة. خامسًا: تنازل وظهر لطوبيا كمن يحتاج إلى راحة، كي يستريح طوبيا عند شاطئ النهر، ويقضي معه الليلة الأولى من الرحلة. سادسًا: نزل رافائيل إلى العالم كطبيبٍ يعالج ما حلّ بعائلتي طوبيت ورعوئيل. خلال الحوار الذي يبدو حوارًا أخويًا، كشف رئيس الملائكة لطوبيا أن بين يديه أدوية غريبة تعالج ما حلّ بسارة ابنة رعوئيل وعيني أبيه طوبيت. سابعًا: كشف لطوبيا عن مفهوم قدسية الزواج، وأنه يهيئ له العروس التي تناسبه والتي تنطبق عليها وصايا الشريعة، وتأسيس عائلة مقدسة، أو كنيسة الأسرة الطاهرة. كما أرشده كيف يتخلَّص من الشيطان الذي كان يقتل كل من يتقدَّم للزواج بسارة. ثامنًا: إن كان موت الرجال السبعة الأمميين قد أثار كل مدينة راجيس، وأزعج الكثيرين، وحطَّم نفسية سارة، كما أزعج فكر طوبيا، فظن أن الزواج بسارة يحطم والديه تمامًا، إذا برئيس الملائكة يكشف لطوبيا عجز الشيطان الكامل أمام أناس الله كمؤمنين، سلاحهم الإيمان بالله والصلاة، لهذا قال لطوبيا: "لا تحسب لهذا الشيطان حسابًا" [16]. تاسعًا: عاد مع العائلة الحديثة الزواج: طوبيا وسارة، وأشار على طوبيا أن يُسرِع بالعودة إلى والديه ليشفي عيني والده طوبيت ويهيئ البيت لاستقبال العروس سارة. عاشرًا: وجَّه كلمن طوبيت وطوبيا ألاَّ يُقَدِّما له أجرة ولا شكرًا، لأن كل ما فعله في الحقيقة هو أعمال إله المستحيلات، محب البشر لأجل بنيانهما. حادي عشر: كشف لهما عن حقيقة شخصه ليُدرِكا أن السمائيين يعملون في طاعةٍ لله وفي حبٍ للبشرية. فأَجابَ طوبِيَّا، وقالَ له: "يا أبَي كُلُّ ما أَوصَيتَني بِه أَفعله" [1]، ولَكِن كَيفَ أَتمكن من الحصول على الفضة، وأَنا لا أَعرِف (الرجل)؟ [2] عندئذٍ أَعْطاه طوبيت الصك، وقال له: "ابحث لَكَ عن رَجُلٍ يمضي معك وأنا أعْطيه أجرَهُ، وأمضِ الآن لتحصل الفضة وأنا حيٌّ" [3]. * إني أقول لكم يا إخوتي... ليحذر كل واحدٍ من أن يعدل عن مشورة مرشده يمينًا أو شمالاً، لئلا تَفْتَح أرض عدم الطاعة فاهها وتبتلعه، مثل أولئك الأشرار الذين لم يطيعوا الطوباوي موسى، ففتحت الأرض فاهها وابتلعتهم (عد 11: 32). * الطاعة التي هي بنت التواضع ليست أن يصنع الإنسان ما يشاء... ولكن هي أن يقطع الإنسان جميع هوى نفسه، ويعمل هوى الذي ائتمنه على نفسه، يعني الأب الروحاني، دفعة واحدة. مار فيلوكسينوس المنبجي * يا لسعادة من يُمِيت إرادته، ويترك تدابير نفسه لذاك الذي أعطاه الله إياه أبًا ومعلمًا، فسيكون موضعه عن يمين يسوع المسيح المصلوب . * طريق الطاعة هو أقصر المسالك، وإن يكن أكثرها صعوبة . القديس يوحنا الدرجي (كليماكوس) * يقدر الشيطان على اصطياد الإنسان الذي يثق في فكره الخاص، ويطمئن إلى إرادته الذاتية وحدها، لكنه لا يقدر على إنسانٍ يعمل كل شيءٍ بمشورةٍ. الأب دورثيئوس * في حالة واحدة فقط يليق بالابن ألاَّ يطيع أباه، إن كان والده يأمره بما يُخالِف الربّ إلهه. لأنه بالحق يجب على الأب ألاَّ يغضب حينما يُفَضِّل الله عنه. لكن إن أوصى أب ما هو غير مضاد لله، يجب الاستماع إليه كما إلى الربّ، لأن من يطيع أباه إنما يطيع الله. * أحد سمات الطاعة الحقيقية هي عدم المماطلة والتأجيل، بل تكون عينا (الشخص) دائمًا مستعدة للنظر، وأذناه للسمع ولسانه للتكلم. القديس أغسطينوس 2. لقاؤه مع مرشدٍ يقوده [4- 8] فذهب يبحَثُ عن رَجُلٍ، فوَجَدَ رافائيلَ المَلاكَ، ولَم يَعرفه [4]. فقالَ لَه: "هل يمكنني أن أذهب معك إلى راجيس بميديا؟ هل أنت خبير بهذه الأماكن؟ [5] قالَ لَه الملاك: "سأمضي معك، ولي خِبرَةٌ بالطريق. وقد كنت مقيمًا عند ِأَخينا جَبَعْئيلَ (غابيلوس)" [6]. عندئذٍ قالَ لَه طوبِيَّا: "انتظرني حتَّى أُخبِرَ أَبي" [7]. قالَ لَه: "امضِ ولا تُبطِئ" [8]. كان طوبيا في ذلك الوقت في أوائل العشرينات من حياته، ولم تكن له خبرة واسعة تُمَكِّنه من القيام برحلةٍ طويلةٍ خطرة مثل هذه إلاّ برفقة دليل أو مُرشِد. مثل هذا المُرشِد كان معروفًا في الأزمنة القديمة، بل وإلى الآن، لاسيما في المناطق التي تتخللها الجبال الشاسعة والوديان والبحار، بحيث تكون له الدراية الكاملة بدروب الصحراء، يهتدى بالنجوم والكواكب، وعن طريق وضع علامات أرضية يهتدى بها عند الرجوع، وقد حدث في التاريخ كثيرًا أن ضلّ الدليل فهلكت القوافل. تلامس الملايين من البشر عبر التاريخ مع مساندة الملائكة لهم، خاصة الملاك الحارس، حتى أن بعض القادة السياسيين اعترفوا بذلك. قيل عن چورچ واشنطن كثيرًا ما تحدَّث عن ملاكه الحارس ويحسب أنه مدين له في نجاحه في وادي Valley Forge. وأيضًا ابراهام لينكولن كان يطلب من الملائكة شفاء الأمة من الموت والدمار، والتمتُّع بالحكمة. يفرح الملائكة بالأكثر بتوبة الإنسان وخلاصه. نراهم يُطَوِّبون المدعوين للعُرْسِ السماوي، إذ اشترك الملاك المرافق للرسول يوحنا في البهجة السماوية، وقال له: "اكتب طوبى للمدعوِّين إلى عشاء عُرْسِ الخروف... وقال هذه هي أقوال الله الصادقة" (رؤ 9:19). يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [يقال إنه يكون فرح عظيم وعيد مُبهِج في السماوات عند الآب مع ملائكته عند عودة خاطئ واحد وتوبته .] ويقول العلامة ترتليان: [السماوات والملائكة الذين فيها يفرحون بتوبة الإنسان. آه أيها الخاطئ كن في بهجةٍ صالحةٍ! انظر كيف يكون فرح في الرجوع والتوبة ؟!] * الفارق بين الملائكة والبشر عظيم، مع هذا فإنه يجلبهم ليقتربوا إلينا أسفل... إنهم يعملون من أجلنا، ومن أجلنا يسرعون هنا وهناك (لخدمتنا)، ويترقَّبون مجيئنا (إليهم). هذه هي خدمتهم، انهم يُرسلون في كل طريق لحسابنا. القديس يوحنا الذهبي الفم * افحص تصرفاتك كل يومٍ، وقارنها بأحداث اليوم السابق وجاهد نحو التقدُّم. تقدم في الفضيلة، لتصير في صحبة الملائكة. اقضِ وقتك في خلوة لا لأيام وشهور بل لعدة سنوات، تُسَبِّح ربّك بالأغاني، ليلاً ونهارًا، مقتديًا بالشاروبيم. إن بدأت هكذا، وانتهيت هكذا مسافرًا في الطريق المستقيم إلى وقت قصير لامتحانك، فإنك بنعمة الله تدخل الفردوس بسراج نفسك المنير ببهاءٍ، لتفرح مع المسيح إلى أبد الأبد. آمين . القديس باسيليوس الكبير * كل الأجيال الذين كانوا من آدم إلى اليوم، يجدون رافائيل حصنًا للبشرية. كان ناصرًا لكل واحدٍ من القضاة والأنبياء والأبرار والملوك الصديقين. ولآبائنا الرسل القديسين، هو الذي أرشدهم، حتى ردّوا المسكونة إلى معرفة الحق. وللشهداء المجاهدين، الذين لربنا يسوع المسيح، لم يفارقهم جميعًا، حتى لبسوا الإكليل غير المضمحل. كان رافائيل يحيط بالنساك المختارين، التائهين في البراري، حتى أكملوا سعيهم. ملاك الرب يحيط بكل الذين يخافونه، يحرسهم ويُنَجِّيهم. فلنُمَجِّد الثالوث القدوس المساوي، لكي يحفظنا من التجارب. اشفع فينا يا رئيس الملائكة القديس رافائيل مفرِّح القلوب، ليغفر لنا خطايانا. ذكصولوجية لرئيس الملائكة رافائيل * إنهم (الملائكة) قادرون وراغبون أن يتكيَّفوا مع الخدمة البشرية. القديس أغسطينوس تظاهر رئيس الملائكة أنه ذاهب إلى نفس المدينة التي سيذهب إليها طوبيا. إن كان رئيس الملائكة قد ظهر لطوبيا متخفيًا ليكون في صحبته ويخدمه هو ومن يتعامل معهم، بطرقٍ فائقةٍ، فإن خالق السمائيين والأرضيين تأنس وتجسد كي يصير بيننا كواحدٍ منا، ويقيمنا من سقوطنا ويرفعنا إلى حضن أبيه. 3. لقاء حار بين طوبيت والمُرشِد الملائكي [9- 16] فَمضى وقال لأبيه: "انظر! قد وجدت من يمضي معي. "فقالَ له أبوه: "اُدْعه إليّ فأَعرِفَ مِن أَيِّ سِبْطٍ هو، وهل هو أَمينٌ لِكَي يُرافِقَكَ" [9]. فدَعاه ودخل وسلَّم أحدهما على الآخر [10]. فقال له طوبيت: "أخي، أخبرني من أي سبط ومن أية عشيرة أنت؟" [11] أجابه: أتسأل عن سبط أو عشيرة أم عن أجير يذهب مع ابنك؟ أجابه طوبيت: "أريد يا أخي أن أعرف شعبك واسمك [12]. عندئذ قال: "أنا عزريا بن حننيا العظيم، من إخوتك" [13]. قال له: "مرحبًا بقدومك يا أخي ولتكن سالمًا! ولا تغضب عليّ لأني سألتك عن سبطك وعشيرتك لأعرفهما. فأنت قريبي من شعب عريق خيّر. وأنا أعرف حننيا ويوناثان ابني شمعي العظيم عندما كنا نمضي معًا لنسجد في أورشليم، ونُقَدِّم البكور وعشور المحاصيل. وهما لم يضلا فيما ضلّ فيه إخوتنا، فأنت يا أخي من أصلٍ عريق [14]. وإنما أخبرني ماذا أعطيك من أجرٍ؟ هل دراخمة كل يومٍ بخلاف احتياجاتك أنت وابني [15] وعندما ترجعان سالمين سأعطيك أجرك وزيادة" [16]. ماذا وراء هذا اللقاء الحار بين طوبيت التقي ورئيس الملائكة؟ ولماذا أورد السفر شيئًا من تفاصيل ما حدث في هذا اللقاء؟ أولاً: يرى البعض أن رئيس الملائكة إذ ظهر كإنسانٍ، أخذ نفس شكل عزريا، ولهذا دعا نفسه باسم من أخذ شكله. لم يتوقَّع طوبيت أن الذي أمامه ملاك، لهذا لم يسأله إن كان إنسانًا أم ملاكًا. لقد تعامل الملاك معه كإنسانٍ حتى لا يرتعب أحد منه. تظاهر رئيس الملائكة رافائيل باسم عزريا بن حننيا العظيم. الاسم الذي ذكره الملاك هنا هو تعبير عن الرسالة التي سيقوم بها. فعزريا تعني "الله يساعد"، وحننيا تعني "الله حنان"، وهما سمتا الملاك المرسل من الله، أو عون الله المرتبط بحنانه نحو بني البشر. وقوله "العظيم" يعود على يهوه. والمعنى أنا خادم الله العظيم الذي من حنانه أرسلني لأُقَدِّم لكم حنانه خلال خدمة عظيمة. الله العظيم بحنانه سيشفي طوبيت، وينقذ سارة، ويطرد الشياطين ويفنيهم. حقًا فالله لا يبقى مديونًا. لقد خدم طوبيت الله، فردّ له الله أضعاف مضاعفة. ثانيًا: قال عن نفسه إنه من بني إسرائيل ومن سبط نفتالي وأنه نزل عند أخيه غابيلوس، يعني أنه مُكَلَّف بحراسة شعب الله في هذا المكان، وأنه أتى من عندهم. (دا 12:10، 13، 20؛ خر 20:23). ومن ضمن الذين كان يقدم لهم خدمات غابيلوس، لذلك قال: "كنت نازلاً عند أخينا غابيلوس". على الرغم من أن الملاك طمأن طوبيا الشيخ بأنه سيرافق ابنه في الطريق التي يعرفها جيدًا والعودة به سالمًا، إلاّ أن الشيخ رغب في معرفة سبط الرفيق وعائلته، وهي عادة قديمة مازالت منتشرة حتى اليوم، وهي الرغبة في معرفة البلد والعشيرة التي ينتمي إليها الشخص ولا سيما أن هناك ما كان يربط الطرفين مصالح مُعَيَّنة، عسى أن يكون ذا قرابة فتستريح بذلك القلوب . ثالثًا: كانت العادة قديمًا، في مثل تلك الحالات، هي أن يأخذ الدليل أجرًا يتَّفِق عليه نظير الرحلة كلها، أو يُعطى أجرًا يوميًا بالإضافة إلى معيشته (طعام وشراب...). أمّا نحن ففي غربتنا هذه يصبح الله هدفنا والكتاب المقدس رفيقنا وسير الآباء وأقوالهم علامات الطريق. سُرّ طوبيت بأن طوبيا ابنه سيكون في رفقة شخصٍ أمينٍ يرافقه في الرحلة، ويعود الاثنان بسلام [15]. وسُرّ الآب أن يرسل ابنه الوحيد لكي يكون في صحبة المؤمنين به، يُقَدِّم لهم الخلاص ويصعد بهم إلى الأحضان الإلهية في السماء، ويصيرون "ورثة الله ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17). 4. طوبيا يستعد للسفر [17] اتفقا على ذلك، ثم قال لطوبيا: استعد للرحلة فستنجح. فاستعد ابنه للسفر، ثم قال له أبوه: "امضِ مع الرجل، والله الساكن في السماء ينجح سبيلكما، وليصحبكما ملاكه. فخرج الاثنان ومعهما كلب الفتى [17]. لم يكن يدري طوبيت أن الله استجاب لطلبته قبل أن ينطق بهذه الكلمات، وأن الذي مع ابنه هو رئيس الملائكة رافائيل. ربما يتساءل البعض لماذا قيل: فخرج الاثنان ومعهما كلب الفتى؟ هل كان لكلب الفتى دور في الرحلة؟ ماذا يشغل الكتاب المقدس إذ يُسَجِّل أن كلبًا كان يُرافِق طوبيا وهو في صحبة رئيس الملائكة رافائيل في رحلته؟ أوضح القديس باسيليوس الكبير أن الله خلق الحيوانات والطيور ليس فقط لخدمتنا، وإنما كي نتعلَّم منها. لأنها ما تفعله بالغريزة دون تفكير لا نُمارِسه نحن بالرغم مما وهبنا الله به من عقلٍ وإمكانياتٍ. من بين هذه المخلوقات الخفاش كمثالٍ حين ينام يمسك أحدها بأحد جناحيه فرعًا من الشجرة وبالجناح الآخر يمسك في جناح خفاشٍ آخر، وهكذا حتى يصير المنظر من الخفافيش أشبه بنصف دائرة والكل مرتبط ببعضه البعض، الأمر الذي كثيرًا ما يفشل البشر في ممارستهم مع بعضهم البعض. وتحدَّث القديس عن حيوان برمائي متى خرج كجماعة معًا إلى الشاطئ كان الصيادون لا يتحركون من الشاطئ متوقعين قيام عاصفة خطيرة من الأمواج خلال ساعات. والسمك في هجرته تتحرك آلاف من الأسماك تحت قيادة سمكة واحدة في طاعة عجيبة، الذي لا يستطيع الإنسان القيام به حتى في الجيوش المنظمة، إذ يحتاج القائد العام للجيش إلى قادة أقل منه في الرتبة وكل من هؤلاء القادة يعتمد على قادة أقل رتبةٍ. وأيضًا النحل يعمل معًا تحت قيادة ملكة واحدة. مثل هذه الأمور وغيرها يعجز الإنسان عن ممارستها. هكذا إن كان طوبيا قد انطلق في رحلته تحت قيادة رئيس الملائكة المتخفي، ولئلا يسقط في الكبرياء أنه يتمتع بالطاعة لمُرشِده، أراد الله أن يُظهِر له أن الكلب الأعجم يرافقهما مع شعور بالرضا والسعادة والطاعة، فيلزم لطوبيا أن يتعلَّم منه! * ماذا أقول عن الكلاب التي لها غريزة طبيعية لتُظهِر الاعتراف بالجميل وتحرس أصحابها لسلامتهم؟ هنا يصرخ الكتاب المقدس لناكري المعروف والكسالى والجبناء: "كلاب بُكم لا تقدر أن تنبح" (إش 56: 10). لقد أُعطِي للكلاب القدرة أن تنبح لأجل الدفاع عن سادتها وبيوتهم. هكذا يليق بك أن تستخدم صوتك من أجل المسيح عندما تهجم الذئاب المُفترِسة على قطيعه. لتكن الكلمة مستعدة على شفتيك لئلا تصير ككلب حراسةٍ صامتٍ، فبعدم أمانتك تفقد الثقة المعهودة فيك. مثل هذا الكلب كان صديقًا مرافقًا لملاكٍ. ليس باطلاً جعل رافائيل في السفر النبوي أن يرافق هذا الكلب ابن طوبيت عندما انطلق إلى رحلة، كي يطرد أسموديوس، ويتحقَّق الزواج. طرد الشيطان بالعرفان بالجميل والوحدة الراسخة. هكذا خلال الحيوان الأعجم كان الملاك رافائيل يُوَجِّه الصبي الذي وافق على الحماية ولديه نزعة العرفان بالجميل في داخله. كيف لا يشعر بالخجل إذا لم يقدم الشكر للذين يستحقّونه، حينما يرى حتى الحيوان لن يقبل الجحود؟ هذه الحيوانات تحمل ذاكرة شاكرة للمؤازرة المطلوبة. ألا تذكر أنت الخلاص الذي تقبَّلته؟ القديس أمبروسيوس يرى البعض أن الكلب يقوم بحراسة القطيع من اللصوص ومن الحيوانات المفترسة؛ هكذا يليق بخادم الكلمة أن يحفظ المخدومين من الأرواح الشريرة أو حيل الشيطان وخبثه، وأيضًا من الهراطقة. 5. حنة تبكي لسفر ابنها [18- 22] فبكت حنة أمه، وقالت لطوبيت: لماذا أرسلت ابننا؟ أليس هو عكاز أيادينا في دخوله وخروجه أمامنا؟ [18] لا تجمع فضة على فضة، فلتكن فدية لابننا [19]. ويكفينا ما أعطاه لنا الربّ لنعيش به [20]. فقال لها طوبيت: "يا أختي لا تقلقي، فسيأتي سالمًا وتراه عيناكِ [21]. فالملاك الصالح يسير معه، وسيُنجح طريقه ويعود سالمًا [22]. بكت حنة لأن ابنها الوحيد يذهب في رحلة طويلة لتحصيل ما أودعه زوجها لدى غابيلوس، وخشت أن تفقده في شيخوختها. بثقةٍ ويقينٍ قال لها طوبيت رجلها: "لا تبكِ، إن ولدنا سيصل سالمًا... إني واثق أن ملاك الله الصالح يصحبه". كان يطلب دائمًا في صلواته رفقة الملاك لابنه، والرب استجاب له. اعتبرت الأم السفر في هذه الحالة، مغامرة غير محمودة العواقب، وخافت على ولدها الصغير، من اللصوص والأخطار، ويُحسَب لها تقديرها للنفس البشرية أكثر من المال، على الرغم من الاحتياج الذي تعاني منه مع زوجها وابنها، حيث من المنتظر أن يعود طوبيا بمبلغ طائل يفك كربتهم، ويُبعد عنهم شظف العيش. لكن إيمان طوبيت هنا أيضًا يفوق إيمان زوجته حنة، كما أن ثقته في الله وفي الرفيق عظيمة جدًا، ولذلك طمأنها بثقة أن الله سوف يحفظه سالِمًا، وهكذا فإن الكلام الطيب يصرف الحزن ويُطَيِّب القلب، لاسيما إذا كان صادرًا من قلبٍ مؤمنٍ مختبرٍ لعمل الله في حياته. هنا يظهر بوضوح المدلول اللاهوتي للسفر، فطوبيت الأب يرمز للآب إذ أرسل طوبيا الابن رمز للابن المتجسد الذي جاء إلى العالم ليسترد ما فُقِد، ويقوم الملاك رافائيل بدور الرسول أو الخادم الكارز. أَكَّد طوبيت لحنة زوجته أن طوبيا سيأتي سالمًا وتراه عيناها. إنها صورة رمزية لعمل ربّ المجد فينا حيث نزل إلينا وسيعود بنا إلى بيت أبينا السماوي سالمين، أو صالحين حاملين شركة سماته فينا، إذ نصير بالحق أيقونة حية وعلى مثاله. إننا نعود إلى حالٍ أعظم مما كان فيه أبوانا آدم وحواء في جنة عدن. من وحي طوبيت 5 هَبْ لي أن أُقَدِّم وديعة الفضة لإخوتي! * ظن طوبيت أن الحل الوحيد هو الموت، كي ينطلق إلى الأحضان الإلهية. اعتاد أن يسمع له الله في كل طلباته، بدأ يستعد للرحيل من هذا العالم. لكن كيف يترك ابنه طوبيا فقيرًا فلا يُعطي بسخاء! تذكَّر وديعة سلَّمها منذ سنوات لدى غابيلوس. إنها عشر وزنات من الفضة، وهي تُمَثِّل رقمًا كبيرًا من المال. * ما هذه الوديعة إلاَّ الوصايا الإلهية أو وصايا موسى العشر؟! ماذا نُقَدِّم للجيل القادم أو الأجيال القادمة سوى كلمة الله التي عشناها؟! هذه هي أثمن وديعة نُقَدِّمها لأبنائنا وأحفادنا. يرون وصايا الله مُسَجَّلة بروح الله في قلوبنا. يرونها مكتوبة على أجسادنا المقدسة الطاهرة. ومترجمة بالعواطف الملتهبة حبًا لله والناس. هذا هو ما نُقَدِّمه ميراثًا لأحبائنا! وديعة طوبيت كانت لدى غابيلوس، لم يعرف طوبيا الطريق إليه ولا ما يثبت أنه ابن طوبيت صاحب الوديعة. * اشتاق طوبيت أن يسترد ابنه الوديعة، فلا يتركه محتاجًا. كان مستعدًا أن يُقَدِّم له صك الوديعة، ويدفع أجر من يُرافِق ابنه الطريق إلى غابيلوس. الصك بين أيدينا هو كلمة الله المُسجَّلة في حياتنا وعبادتنا وسلوكنا. أما الرفيق الذي يبلغ بنا إلى غابيلوس، فهو الشركة مع القديسين بعمل روح الله القدوس. * كان طوبيت يصرخ في قلبه أن يرسل الربّ إنسانًا مقدسًا ليكون ابنه ورفيقه في صحبة ملاك! استجاب الله له، فلم يرسل إنسانًا يصحبه ملاك، بل أرسل إليه رئيس الملائكة متخفيًا في شكل إنسانٍ! * كانت السماء في مصالحة مع طوبيت البار، فقدَّم لابنه رئيس الملائكة وهو لا يدري! هب لي يا ربّ شركة مع السمائيين، فتتمتع الأجيال القادمة بالشركة معهم! _____ |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166767014015281.jpg الأصحاح السادس سفر طوبيت والأسرة المقدسة (الرحلة إلى راجيس) أربع عائلات مقدسة يكشف هذا الأصحاح عن غاية السفر كله ألا وهو اهتمام الله نفسه والسمائيين وسرورهم بل وخدمتهم لإقامة عائلة بشرية مقدسة؛ وفي نفس الوقت مقاومة إبليس وملائكته الأشرار لأية أسرة مقدسة. يُقَدِّم لنا السفر أربع عائلات مقدسة، كل عائلة لها ظروفها المختلفة تمامًا عن بقية العائلات، لنتعرَّف على إمكانية العائلة المقدسة. العائلة الأولى: طوبيت وزوجته حنة وابنهما طوبيا بنينوى، وهم في الشتات أو في أرض السبي، يعجزون عن الذهاب إلى مدينة الله أورشليم والتمتُّع بهيكل الرب. اتَّسم طوبيت بالتقوى ومحبة العطاء ودفن القتلى، وهذا كان يُعَرِّضه للقتل، إذ يحسب الإمبراطور هذا العمل تحديًا له شخصيًا. لم نسمع أن زوجته قبل إصابته بالعمى اعترضت على عطائه بسخاء واهتمامه بدفن القتلى. بدأت مشكلة زوجته معه بعد أن أصيب بالعمى، فمع قيامها بالعمل بإخلاص للإنفاق على الأسرة، جاءت يومًا ما تحمل جديًا صغيرًا قُدِّم لها هدية من أجل أمانتها وإخلاصها في العمل وتقواها. إذ سمع طوبيت صوت الجدي لم يكن قادرًا على تصديق أن إنسانًا يعطي من تقوم له بالحياكة جديًا كهدية تذبحه في عيد الفوريم بجانب تقديم الأجرة لها. لقد ظن طوبيت أن الجدي مسروق، فرفض دخول الجدي بيته. انفعلت حنة لهذا الاتهام، وبدأت تهينه بكلمات جارحة! عبر الموقف ولم يُعاتِبها طوبيت على هذه الإهانة، بل وهو يتوقَّع موته، أوصى ابنه طوبيا أن يُحسن التعامل معها، ويسمع لها ويطيعها، كما طلب منه أن يدفنها في القبر الذي يُدفَن فيه. إنها صورة جميلة يُقَدِّمها طوبيت وحنة لابنهما طوبيًا، إنهما وإن اختلفا في الرأي لكنهما يعيشان بروح التقوى والحب. مرور الزمن لم يجعلهما شديدي الحساسية بسبب ضعف الأعصاب كما يشتكي كثيرون من المتقدمين في السن، إنما كان يزيدهما حبًا وحكمةً ووحدةً في الرب. صورة رائعة عكست بركات كثيرة على ابنهما الوحيد طوبيا! إن كان طوبيا يرمز للسيد المسيح في أمورٍ كثيرة، فقد كان ثمرة الحب الحقيقي بين أبيه وأمه وتحديهما لأية انفعالات بشرية ليعيشا في الرب، حافظين الوصية الإلهية. حقا كان لطوبيت وحنة ضعفاتهما، لكن معالجتهما للمواقف كانت رائعة، سترت على ضعفاتهما فلم يكن لهذه الضعفات أية آثار سلبية في حياة وحيدهما طوبيا! العائلة الثانية: رعوئيل وزوجته عدنا Edna وابنتهما الوحيدة سارة باحمتا (اكباتانا Ecbatana) في مادي Media،Madai . وهي عائلة تقية، تمُت بصلة قرابة لطوبيت، من سبط نفتالي. مع تقوى الأسرة غير أنهم كانوا يعيشون في مرارة بسبب التجربة التي حلَّت بهم. كانت سارة فتاة حكيمة رزينة وجميلة، كلما تقدَّم لها شاب ليتزوجها (غالبًا ليس من بني جنسها) يقتله شيطان يُدعَى أسموديوس قبل أن يقترب إلى سارة، تكرَّر هذا الأمر مع سبعة شبان. لم يكن أحد يعرف ما وراء هذا التصرُّف، غير أنه في مخطوطة قبطية قيل إن الشيطان كان يحبها ولا يريد أحدًا أن يتزوجها. أرجو أن يعطيني الرب فهمًا لتوضيح ما معنى حب الشيطان لها، وهو كائن لا يعرف الحب، بل يدعوه السيد المسيح "قتَّالاً للناس من البدء" (يو 8: 44)، مُبغِضًا للبشرية. كيف كان الشيطان يحب سارة؟ حُب الشيطان هو كراهية، لأنه يريد لمن يحبهم أن يشاركوه عذبات الجحيم. يقول القديس أغسطينوس ليتنا في نزاعنا مع إخوتنا نكون كالحمام الوديع، الذي في نزاعه ينقرون بعضهم البعض دون أن يُسَبِّبوا أية أذية، وبعد النزاع يطيرون معًا ويأكلون معًا كما لو لم يحدث أي نزاع. وفي تقبيلنا لبعضنا البعض لا نكون كالذئاب التي إن قبَّلت حملان تفترسها! فنزاع الحمام مُفرِح، وقبلات الذئاب مُهلِكة! ربما أدرك أغلب سكان المدينة، خاصة المحيطين بالأسرة، قصة قتل السبعة شبان في يوم زفاف كل منهم لسارة. قصتهم هذه كانت مثيرة وغريبة، حتى أن الجواري تجاسرن ووبَّخن سارة، متهمات هذه الفتاة أنها تقوم بقتلهم، وطلبن منها أن تموت هي معهم! كانت سارة مُحِبّة للصلاة، فلم تدخل في مناقشات غبية معهن، بل لجأت إلى الله ليرفع عنها مرارة نفسها. واستجاب الله لها كما سنرى في بقية السفر كما هيَّأ لها أن تتزوج إنسان الله طوبيا. العائلة الثالثة: طوبيا بن طوبيت وزوجته سارة ابنة رعوئيل. هذه العائلة التي هي ثمرة صلوات العائلتين التقيتين السابقتين. بالحقيقة على وجه الدقة هي ثمرة صلوات طوبيت والد طوبيا وصلوات سارة نفسها التي حملت نفس الروح. أحدهما كان يُصَلِّي في نينوى، والثانية كانت تُصَلِّي في أحمتا بمادي، رفع كل منهما الصلاة في نفس اليوم دون أن يعرف الواحد الآخر. تطلَّع الله نفسه إلى مرارة نفسيهما، مع الشعور بعجز الاثنين عن الوصول إلى حلٍ لمتاعبهما. الأول فقد بصره وصار موضوع سخرية زوجته في فترة ما من حياتهما، والثانية تسبَّبت في موت كل من تقدَّم للزواج منها قبل الاقتراب إليها، وصارت موضوع سخرية جواريها. تدخَّل الله في الاستجابة لصلوات الاثنين اللذين سبَّحا الله وشكراه، وتركا الأمر في يديه دون تقديم أي مطلبٍ مُعيَّنٍ. بلغت صلوات الاثنين في وقتٍ واحدٍ أمام الله في حضرة رئيس الملائكة رافائيل، الذي يُسرّ بالطاعة لله، وبخدمة البشر في الرب. كم كانت مسرته أن يُحَقِّق خطة الله للأسرتين بالظهور كخادمٍ يعمل بالأجرة؛ مع أنه غير محتاج إلى مالٍ أو إلى أية عطية أرضية. سرور رئيس الملائكة بهذا العمل يرمز لمسرّة كلمة الله أن يتجسد ويُصلَب كعبد ٍ من أجل البشرية. قال عنه الرسول بولس: "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلي نفسه، آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 6-8). كما قال: "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكّمله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2). العائلة الرابعة: لا نعرف عنها سوى الرجل وهو غابيلوس، ولا نعلم إن كان متزوجًا أم لا. إنما ما نعرفه أنه يحمل سمات رائعة بروح التقوى: أ. إنه أمين ومخلص، احتفظ بفضة طوبيت كوديعةٍ، كانت محفوظة في أكياسٍ مختومةٍ لم يفتحها طوال هذه السنوات. ب. كان يشعر بأنه محتاج إلى صلوات طوبيت وزوجته حنة لأنهما تقيين. ج. يحسب نجاح أصدقائه نجاحًا له. كثيرون يشاركون إخوتهم وأصدقاءهم في أحزانهم، لكنهم يحسدونهم ويغيرون منهم متى نالوا نجاحًا وبركات سماوية أكثر منهم. يصعب على كثيرين أن يجدوا من هم حولهم صاروا أكثر منهم في الغِنَى أو البركات أو النجاح حتى الروحي. 1. رئيس الملائكة ينقذ طوبيا من السمكة [1- 5] فكَفَّت عنِ البُكاء [1]. أما هما فمضيا في طريقهما، فبلغا في المساء إلى نَهْرِ دِجلَة، فباتا هناك [2]. وَنزَلَ الشاب لِيَغسِلَ رِجلَيه، فَوثَبَت سمكة مِنَ النهر وأَرادتَ أن تَبتَلِعَ الشاب [3]. فقالَ المَلاكُ لِلشاب: "أَمسِكْ بِالسمكة واقبِضْ علَيها". فقبَضَ عليها وألقاها عِلى الأَرض [4]. عندئذٍ قالَ لَه المَلاك: "شُقَّ السمكة وأَخرِجْ قَلْبَها وكَبدَها ومَرارَتَها وضَعْها في مكانٍ آمنٍ" [5] فَعملَ الشاب ما قاله الملاك، وشَوى السمكة وأَكَلا. انطلق طوبيا مع من كان يظنه خادمًا أجيرًا، وكان الكلب يتبع صاحبه طوبيا طوال الرحلة. لم يكن طوبيا على معرفة بالطرق التي تؤدي به إلى راجيس بميديا، وكل ما في قلبه أن يطيع أباه ويأتي إليه بصك الوديعة التي عند غابيلوس. لقد أخذ الملاك اتجاهًا مضادًا لراجيس، ليُحَقِّق خطة الله لطوبيا أن يذهب به إلى اكباتانا قبل الذهاب إلى راجيس. إذ حلّ المساء وهما على شاطئ نهر التيجر عسكرا بجوار النهر. فوجئ طوبيا بسمكة ضخمة جدًا هجمت عليه لتبتلعه. طلب منه الملاك أن يمسك بها ويلقيها على الأرض. دُهِش طوبيا إذ أمره الملاك أن يشق بطن السمكة ويستخرج منها المرارة والقلب والكبد، وأن يحتفظ بهذه الأجزاء في مكانٍ آمنٍ. وطلب منه أن يشوي قطعة من السمكة، وأن يلقي أحشاءها بعيدًا. يرى البعض أنه كان يليق بطوبيا ألاَّ ينزل بقدميه في مياه نهر التيجر. إن كان السيد المسيح قد نزل إلى عالمنا الشرير لكن مياه الخطية لم تلمسه، ولم يكن لرئيس مملكة الظلمة شيء فيه. ونحن إذ نكون في رفقة مسيحنا نسلك في العالم تحت قيادته، فلا يكون للخطية موضعًا فينا. ليلة فريدة على شاطئ النهر تمتَّع طوبيا كإنسان الله بفرصٍ رائعةٍ، يحسب كل فرصةٍ كأنها فريدة لم يسبق له أن تمتَّع بها، وحسب نفسه أسعد إنسانٍ على وجه الأرض. نومه على شاطئ النهر في صحبة من كان يظنه إنسانًا أجيرًا ومعه كلبه وراءه أو معه. كانت ليلة فريدة. يرى البعض أنه يذكرنا بآدم الذي كان في جنة عدن، كان في صحبة السمائيين وكانت الحيوانات خاضعة له مثل كلب صغير يجري وراء صاحبه[1]. إن كان عصيان آدم عزله عن نعمة الله، فصار غريبًا عن الطغمات السماوية، كما ثارت بعض الحيوانات عليه، لكن الله الذي خلقه على صورته ومثاله يريد أن يرده إلى الفردوس السماوي ويكون موضوع إعجاب السمائيين وحُبّهم! نام أول ليلة بمحاذاة النهر. المنظر هنا لطيف جدًا، فالجنة كانت في أرض دجلة والفرات (تك 10:2-14) وكان فيها الإنسان صديقًا للملائكة، والحيوانات تحت سلطانه. وها نحن أمام نفس الصورة، النهر هو نهر دجلة والإنسان يصاحبه ملاك، والكلب (الحيوان) يتبعه أي تحت سلطانه. إنها أول محطة نزلوا فيها واستراحوا وناموا. فإذا بسمكةٍ كبيرةٍ تريد أن تبتلعه، كما أرادت الحية أن تهجم على حواء وآدم لتحطمهما. هذا الوحش الذي هجم على طوبيا يرمز للضيقة التي تهاجم أولاد الله، والله يُخرِج من الجافي حلاوة (قض 14: 14). السمكة العظيمة هي رمز للشيطان يريد أن يجذب طوبيا للماء فيغرق في ماء هنا العالم. ولكن بمعونة وإرشاد الملاك جذب الشيطان وفي هذا إشارة لهلاك الشيطان النهائي، بل أخرج من السمكة دواءً للشفاء. وهذا ما حدث، استخدم الله حتى الشيطان أداة لتأديب البشر (2 كو 5:5؛ 2 كو 7:12-9). ماذا وراء قصة السمكة؟[2] أولاً: السمكة التي ذُبِحَت ليأكل منها طوبيا، ويطرد بكبدها وقلبها الشيطان المقاوم لسارة بلا عودة، وبمرارتها فُتحِت عينا طوبيت، تشير إلى عمل مسيحنا المصلوب في حياة المؤمنين. في الكنيسة الأولى، كانت السمكة أكثر الرموز تفضيلاً واستعمالاً، وهي تحمل معانٍ متعددةٍ، نذكر منها الآتي: أ. ترمز السمكة لمؤمني الله، ففي (مت 13: 7؛ لو 5: 4-10) استخدمها الرب نفسه رمزًا لشعبه. وعندما دعا تلاميذه قال لكلٍ منهم: "اتبعني فإني أجعلكم صيادين للناس". في هذا المعنى يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [السيد المسيح يصطادنا كما بسنارة لا ليقتلنا وإنما لكي يقيمنا أحياء بعد أن نموت.] ويتحدث القديس غريغوريوس النزينزي عن الشهداء: [إنهم يعتمدون خلال دماءهم، أما بقية المسيحيين فهم كالسمكة تكفيها مياه المعمودية .] ب. ترمز السمكة للسيد المسيح، فقد كتب العلامة أوريجينوس : [يُدعَى المسيح مجازيًا بالسمكة]، كما يقول العلامة ترتليان: [نحن السمك الصغير بحسب سمكتنا يسوع المسيح قد ولدنا في المياه، ولا نكون في أمان بطريقٍ ما غير بقائنا في المياه على الدوام .] ويقول: القديس أغسطينوس: [السمكة التي خرجت حية من النهر إلى طوبيا والتي تألم قلبها وكبدها وبهما طُرِد الشيطان أسموديوس هي رمز للمسيح الذي بمرارة الصفراء (التي يفرزها الكبد) شُفِي الأعمى .] وعندما اعتزل بونوسوس Bonosus صديق القديس جيرومإلى دير في جزيرة كتب إليه القديس يقول: [إلى بونوسيوس، ابن السمكة (يسوع المسيح)... الذي يطلب على الدوام أن يقطن المناطق المائية .] وقد لمَّح القديس أغسطينوس إلى هذه الحقيقة بقوله إن السيد المسيح يُدعَى سمكة، لأنه قادر أن يعيش في هاوية هذا الموت كما في أعماق المياه، بدون خطية . دُعي السيد المسيح هكذا لأن الحروف اليونانية لكلمة سمكة هي ذ†Xخ¸خ¥خ£ وهي تحوي الحروف الأولى للكلمات Xخ،خ™خ£Tخںخ£ خ¸خ—خںخ¥ خ¥خ™خںخ£ خ£خ©Tخ—خ، خ™خ—خ£خںخ¥خ£ أي يسوع ابن الله المخلص. وفي التلمود دعي المسيا "سمكة". ولا ننسى أن السمك هو إحدى العنصرين اللذين قدَّمهما الرب طعامًا للجماهير ليُشبِعهم (يو 6: 1-14) رمزًا عن نفسه طعام الحياة. ثانيًا: أرسل الله رئيس الملائكة رافائيل كطبيبٍ يشفي ما حلّ بعائلتي طوبيت ورعوئيل. أ. يشفي سارة المتأزمة نفسيًا بسبب ما حلّ بالسبعة رجال الذين تقدَّموا للزواج منها، فيقوم الملاك بطرد الشيطان المُهلك أَسموديوس Asmodeu، إلى غير رجعة، وذلك بتقديم صلواتٍ وبخورٍ مع دخان كبد السمكة وقلبها. حرق قلب السمكة وكبدها مع تقديم صلوات، ليس من أعمال السحر، إنما لتأكيد أن الشياطين التي لا أجساد لها كي تتأثَّر برائحة الدخان، يظهر ضعفها الشديد أمام صلوات المؤمنين، ولا تحتمل رائحة المسيح الذكية فيهم. ب. ينزع عن سارة مرارة نفسها التي حلًّت بها بواسطة جواريها، ومن نظرة أهل المدينة إلى لغز قتل المُتقدِّمين للزواج منها. ج. يشفي طوبيت من العمى الذي أُصيِب به، فعجز عن الاهتمام باحتياجات شعبه في أرض السبي، خاصة دفن المقتولين المُلقي جثاميهم في الشوارع والساحات. د. عالج نفسية عائلتي طوبيت ورعوئيل. إذ حقَّق للعائلتين قدرتهما على حفظ الشريعة. وذلك بزواج طوبيا من سارة قريبته، والاثنان من سبط نفتالي. فعائلة طوبيت كانت تشتهي زواج طوبيا من إحدى قريباته من نفس السبط حسب الشريعة. وكان هذا الأمر يبدو صعبًا وهم في نينوى. وفي نفس الوقت كانت الشريعة تُلزم ألا تتحوَّل إمكانيات أسرة من سبطٍ إلى سبطٍ آخر. ولم يكن لدى أسرة رعوئيل ابنًا يرثهما، ولا تزوجت سارة من أحد أبناء السبط لحفظ ميراث عائلة رعوئيل في ملكية سبط نفتالي. هـ. تتطلع الكنيسة إلى رئيس الملائكة رافائيل أنه شفيع المرضى. 2. اقترابهما من أحمتا (اكباتانا) [6- 9] ثُمَّ سارا كلاهما معًا حتَّى اقتربا مِن أحمتا (اكباتانا) [6]. حينَئِذٍ قال الشاب المَلاكَ: "يا عَزَرْيا أَخي، ما هي فائدة قَلْبِ الحوتِ وكَبِدِها ومَرارتِها؟" [7] أجابَه: "إن عَذّب شَيطان أو رُوحٌ شرير أحدًا يُحرق قَلْبُ السمكة وكَبدها، فيصعِد دُخانَهما أَمامَه إن كان رجلاً أو امرأة، فيَهرُبُ ولا يَعودُ يُزعجُه [8]. وأَمَّا المَرارة، فتَمسَحُ بِها عَينَيِ الإِنْسانِ الَّذي أُصيبَ بِقشورٍ فيَبرَأ" [9]. لم يُسَجِّل لنا طوبيت كيف قضى ابنه طوبيا مع المرُشِد الأجير وقتهما أثناء السير في الطريق. ولم يُسَجِّل لنا شكر ابنه طوبيا لمُرشِده الذي أنقذه من السمكة التي وثبت عليه وأرادت أن تبتلعه، إنما سجَّل لنا طاعة ابنه للمُرشِد، إذ لم يحاوره كيف يمسك تلك السمكة الضخمة. اكتشف طوبيا حُبّ مُرشِده له وحكمته، لهذا سأله: "يا أخي، ما هي فائدة قلب السمكة وكبدها ومرارتها؟ بلا شك كانا يشتركان معًا في التسبيح لله، ويقضيان جزءًا من الوقت في الصمت المقدس؟ وكان طوبيا يسأله فيما يخص بنيانه أو في الأسئلة التي لا يعرف لها إجابة. حسن للإنسان أن يدرك قيمة الوقت، هكذا حسب طوبيا سيره مع المُرشِد فرصة للأسئلة البنَّاءة. ما حدث هنا يذكرنا بما حدث مع تلميذي عمواس اللذين تحدثَّا مع السيد المسيح وهما يجهلانه. لقد قالا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا حين كان يكلمنا؟!" (لو 24: 32). أغلى ما في حياتنا على الأرض هو الزمن، حيث يلزمنا أن نختبر عربون السماء أينما وُجِدنا، سواء كنا في الكنيسة أو في مخدعنا، أو في العمل أو الدراسة، أو في زيارة لأحد الأحباء أو في الطريق... كل دقيقةٍ هي وزنة خلالها نتمتَّع بالشركة مع الله، فينمو حبنا له ولإخوتنا. حين سار إبراهيم مع الرب والملاكين الذين ظهروا له، دخل في حوارٍ رائع مع الرب! المؤمن لا يعرف مفهوم الفراغ، لأنه لن يشعر به حتى في نومه، إذ قيل: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2). وهب الله الطبيعة غنية بأعشاب وحيوانات ونباتات تصلح للعلاج، وأحيانا يستخدم الله وملائكته أشياءً غريبة لكي يكشف لنا أن سرّ الشفاء يكمن في الطبيب السماوي لا في الأمور الأرضية، وذلك كاستخدام السيد المسيح للطين في تفتيح عيني الأعمى (يو 12). ما قدَّمه رئيس الملائكة كعلاجٍ سواء لسارة أو طوبيت ليس ثمرة خبرة سابقة أو معرفة لأسرار معينة، إنما هي تنفيذ لوصية إلهية قُدِّمت له، قوتها تنبع عن عملٍ إلهي. وذلك كما أعطى الله داود النبي أن يعزف موسيقي تطرد الأرواح الشريرة من الملك شاول. استخدم الله حرق كبد السمكة وقلبها حيث لا يحتمل الشيطان رائحة دخانهما، فيهرب لا من بلدةٍ إلى بلدةٍ مجاورة، بل من قارة إلى قارة. بهذا يؤكد الله ضعف الأرواح الشريرة وعدو الخير إبليس الذي لا يطيق أن يشمّ رائحة المسيح الذكية فينا. لماذا طلب الملاك حرق كبد السمكة وقلبها؟ بالنسبة للكبد، فمعروف علميًا أنه يستقبل سموم الجسم ويتعامل معها ثم يرسلها للكلى كي تتخلَّص منها. لهذا عندما يكون الكبد غير سليم يحرص الأطباء على عدم إعطاء المريض بعض الأدوية التي لا يستطيع الكبد التعامل معها بسبب ضعفه، لئلا تُسَبِّب له ما يُسَمَّى بغيبوبة الكبد. إذ يُعتبَر الكبد أشبه بمخزن للسموم التي يريد الجسم التخلُّص منها، فهو يشير إلى الخطايا. لهذا يُحرَق الكبد مع الكليتين في ذبيحة السلامة وذبيحة الخطية وذبيحة الإثم. وإذ لا يتوافر في حجال العُرْسِ ثور أو كبش ليقدم طوبيا كبده محرقة رمزًا لحرق الخطية، طلب منه رئيس الملائكة حرق كبد السمكة. في حرق كبد الحوت مع تقديم الصلوات، يرمز لحرق الشهوات الجسدية. هل كان حرق الكبد والقلب من الأعمال السحرية؟ 1. تُقَدَّم الأعمال السحرية لإرضاء إبليس والآلهة الوثنية. أما ما فعله طوبيا فكان لمقاومة الشيطان. 2. ارتبط هذا الحرق بتقديم صلوات لله الحقيقي. 3. اقترابهما من راجيس [10- 15] ولَمَّا اقتربا مِن راجيس، [10] قالَ الملاك لِلشاب: "يا أَخي علَينا أن نقضي اللَّيلةَ مع رَعوئيل، وهو قريبك وله ابنة وحيدة اسمها سارة [11]. وأَنا سأتحدث عنها أَن تُعْطى لَك زوجة، وسيكون لك جَميعَ ميراثها، لأنك أنت وحدك من شعبها. وهي فتاةٌ َ جَميلَةٌ ورصينةٌ [12]. الآن اسمع لي، فإِني سأُكلِّمُ أَبَاها، ومتى عُدْنا مِن راجيس نُقيمُ عُرْسَها. وأَنا عالِمٌ بِأَنَّ رَعوئيلَ لا يَستَطيعُ أَن يَخطُبَها إلى رَجُلٍ آخَر، وإِلاَّ استحق المَوتَ بحَسَبِ حُكْمِ كِتابِ موسى، لِعِلْمِه بِأَنَّه مِن حَقِّكَ أَن تنال الميراث دون إنسانٍ آخر" [13]. قالَ الشاب لِلملاك: "يا عَزَرْيا أَخي، سَمِعتُ أَنَّه قد عُقِدَ لها على سَبعةِ رِجالٍ، فماتوا جميعًا في حجال العُرْس [14]. فأَنا الآنَ وَحيدٌ لأَبي، وأَخْشى أَن أَموتَ في حجال العُرْسِ مثل هؤلاء الذين سبقوني. لأن شيطانًا يُحِبّها، وهو لا يؤذي أحدًا إلا الذي يقترب منها. الآن أخشى أن أموت فأُنزِلَ حَياةَ أَبي وأُمِّي إِلى قَبرهماِ غَمًّا علَيَّ، ولَيسَ لَهُما ابنٌ آخَرُ لِيَدفِنَهُما" [15]. عند اقتراب رئيس الملائكة وطوبيا من راجيس حيث تقطن سارة مع والديها، فتح رئيس الملائكة الحديث مع طوبيا بخصوص زواجه حسب الشريعة من فتاة من بني سبطه. لم يطلب طوبيت منه أن يبحث له عن فتاة تصلح أن تكون زوجة لابنه، كما فعل إبراهيم حين أرسل اليعازر الدمشقيكبير بيته للبحث عن زوجة لابنه اسحق من عشيرته (تك 24: 1-9). ولعل طوبيت شعر أن هذا العمل ليس من دور خادم أجير يقود ابنه حتى يلتقي به مع غابيلوس ليسترد الوديعة. لقد استجاب رئيس الملائكة لطلب طوبيت أن يذهب مع ابنه إلى بيت غابيلوس، لكن تحركاته كانت بتوجيه إلهي خفي. لهذا انطلق رئيس الملائكة إلى اكباتانا كطلب طوبيت، غير أنه اتجه أولاً إلى راجيس لينقذ سارة ويُهَيِّئها للزواج من طوبيا حسب خطة الله. أخبر الملاك طوبيا بأن رعوئيل له قرابة مع عائلة طوبيا، حتى يهيئه لقبول ابنته سارة زوجة. جاء حديث رئيس الملائكة مع الشاب رقيقًا للغاية، فلم يصدر أمرًا بأن يتزوج سارة، إنما قَدَّم هذا الاختيار كاقتراح، وترك لطوبيا فرصة للحوار بعد إبراز الجوانب التالية: أ. هذا الزواج في ذهن الله قبل الخليقة. ب. إنها فرصة نادرة أن يجد فتاة مثل سارة من نفس سبطه في أرض السبي. ج. بهذا الزواج يخدم قريبه الذي في حكم عمه، لأن كل ممتلكاته ستتبدَّد بموت ابنته دون زواجها من نفس السبط، وهي وحيدة والديها ليس لها أخ ولا أخت. د. أن الفتاة مؤمنة، ابنة صلاة وتسبيح مثل طوبيا وأبيه، فيعيش معها بروحٍ واحدٍ يُمَجِّدان الله. هـ. تتسم بالعقل والحكمة والتمييز. و. مع جمال إنسانها الداخلي، يتَّسِم جسدها أيضًا بالجمال. ز. بزواجه منها يتزكَّى طوبيا، إذ يؤمن بقدرة الله على طرد الشيطان الذي يحبها لا ليُسعِدها، بل يُحَطِّمها هي ووالديها وكل من يتقدَّم إليها. ح. بزواجه منها يصير طوبيا رمزًا للسيد المسيح، الذي يطرد عن المؤمنين إبليس وجنوده، ويُحَطِّم سلطانهم، ليُقِيم منهم العروس المقدسة الحاملة صورة الله. حديث رئيس الملائكة المتخفي فتح الباب لطوبيا أن يتحدَّث معه بكل صراحةٍ، فكشف عن مخاوفه أن ما حدث مع السبعة أزواج السابقين قد يحدث معه. إنه ليس مضطربًا من الموت إنما مما يحلّ بوالديه عندما يموت ابنهما الوحيد في ليلة زفافه. الشيطان لا يحب إنسانًا من أجل تعقُّلِه وحكمته وجماله الجسدي، إنما يبث الشهوات الشريرة فيمن يسلكون في عفةٍ وطهارةٍ. إنه شيطان الشهوة الشريرة التي يدعوها حبًا كي بخبثه يُفسِد الطاهرين ما استطاع. أوضح رئيس الملائكة لطوبيا أن الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئًا للمؤمنين بدون سماحٍ من الله. هذا ما أبرزه سفر أيوب في مقاومة الشيطان له. يقول القديس أغسطينوس: [لا تقدر الشياطين أن تفعل أكثر مما يسمح به الله لها سرًا.] لماذا قال له الملاك: "من حقك أيضًا أن ترث جميع ميراثها، لأنك أنت وحدك من شعبها" (12)؟ أولاً: أراد الملاك أن يجتذب قلب طوبيا وفكره إلى أعمال الحب والرحمة بالآخرين. فإن كان أبوه طوبيت قد قدَّم بسخاء لإخوته في إسرائيل وأيضًا في أرض السبي، واهتم بدفن القتلى من بني جنسه في السبي، لن يبقَى الله مدينًا لأحدٍ، بل يرُد هذه الأعمال بالبركة وبسخاء في حياة أولاده وأحفاده. ثانيًا: أراد أن ينقي الملاك فكر طوبيا من التعييرات التي وجهتها والدته لأبيه في لحظات غضبها. ثالثًا: كان اليهود يعتزّون بالميراث ليس من حيث قيمته المادية، وإنما كمن يرث بركة الرب العاملة في الوالدين. لهذا قدَّم لنا الكتاب المقدس مباركة اسحق لابنه يعقوب، ومباركة يعقوب لأبنائه، وعلى وجه الخصوص بارك ابني يوسف قبل موته. 4. مشورة الملاك لطوبيا [16- 18] قالَ لَه الملاك: "أَلا تَذكُرُ كلمات أَبيكَ التي أوصاك بها أَن تتَّخِذَ زوجة مِن شعبك. فاسمع الآنَ لي يا أَخي، فإنها ستكون لك زوجة. خُذْها ولا تَحسِبْ لِهذا الشَّيطانِ حِسابًا. فإَنَّها ستُزَفُّ إِليكَ زوجة هذه اللَّيلة [16]. ومتى دخلت حجال العُرْس، تأخُذُ جمرًا مِن البخور ومن كَبِدِ الحوتِ وقَلْبِه وتَضَعُه على المِبخَرَة، فتَنبَعِثُ الرَّائِحةُ. يشتمها الشَّيطانُ فيَهرُب، ولَن يَعودَ أَبدًا [17]. وإِذا اقتربت إليها انهضا كِلاكُما واصرخا إلى الله الرحيم، فيُخَلِّصكما ويرحمكما. لا تَخَفْ، فهي نَصيبُكَ مُنذُ القِدَم، وأَنتَ الَّذي ستُخلِّصُها، وستَذهَبُ معكَ. وأَعتَقِدُ أَنَّه سيكونُ لكَ مِنها أَولادٌ" [18]. إذ اقتربا من منزل رعوئيل وزوجته عدنا Edna وابنتهما سارة، طلب الملاك من طوبيا أن يسمع نصيحة أبيه طوبيت فلا يتزوج إلاَّ من سبطه (نفتالي)، وقد تحقَّق ذلك بزواجه من سارة وحيدة والديها. تحدَّث الملاك معه عن قدسية الزواج وهو حضور الله في الأسرة، فالزواج ليس فرصة للتهاون أو والتراخي في النمو والتقدُّم الروحي. طوبيا المهتم بقداسته، أرشده الله لزوجة صالحة حفظها له. وسارة لقداستها، سمح الله لإبليس أن يقتل أزواجها لأنهم إما وثنيين أو أشرار لا يستحقُّون هذه القديسة. فبينما كان إبليس يُدَبِّر الهلاك والحزن والكآبة للفتاة القديسة والآلام لطوبيت، كان الله يخرج من الجافي حلاوة (قض 14: 14). الشيطان قوَى على الأزواج السبعة، لأنهم كانوا غير صالحين. يرى الملاك أنه يليق بالمتزوجين حديثًا أن يقضوا الثلاثة أيام الأولى هكذا[9]: في اليوم الأول يجحد العروسان الشيطان ويسحقانه بالربِّ. ربما يقصد بذلك أنهما يحسبان عُرْسَهما بداية لحياةٍ جديدةٍ مقدسة في الربّ، فلا يسمحان لعدو الخير أن يكون له موضع في بيتهما. وفي اليوم الثاني يشعران أنهما ليسا معتزلين عن جماعة القديسين، مخدعهما كنيسة مقدسة. وفي اليوم الثالث يتمتَّعان ببركة الربِّ الذي يهبهما أبناء وبنات، أي ثمار روحية مقدسة ونجاح في حياتهما. هكذا يؤكد الملاك أن العلاقة الزوجية غايتها إنجاب الأطفال، وليس إشباع الشهوة [6]. ما أوصاه رئيس الملائكة لطوبيًا صار له فاعليته في الكنيسة في الشرق والغرب. ففي الكنيسة القبطية يطلب الكاهن من العروسين أن يستعدَّا للعُرْسِ بالتوبة وتناول جسد الرب ودمه. وفي الكنيسة الكاثوليكية ينصح مجمع Trent أن يتقدَّم العريسان للإكليل بعد ممارسة سّري الاعتراف والإفخارستيا قبل الزواج بثلاثة أيام. وفي الكنيسة اليونانية جاء في مجمع قرطاجنة الخاص بهم أن يقضي العريسان الليلة الأولى في تعفُّفٍ (قانون 13). أشار رئيس الملائكة في حديثه مع طوبيا إلى أمرين: أولاً: وصية طوبيت أبيه أن يأخذ زوجة من سبطه (نفتالي) وفقًا للشريعة. * (بخصوص وصية أبيه أنيتَّخِذَ امرأة مِن شعبه،) لا يجوز الزواج من الأمم (الوثنيين). قيل في وصية طوبيت لابنه: "خذ لك زوجة من نسل آبائك، ولا تأخذ زوجة غريبة ليست من سبط والديك". أيضًا في سفر التكوين أرسل إبراهيم خادمه لكي يتَّخِذ من أقربائه رفقة زوجة لابنه اسحق. وفي رسالة بولس الأولى لأهل كورنثوس يقول: "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟ أفأخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا. أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد، لأنه يقول يكون الاثنان جسدًا واحدًا. وأما من التصق بالرب فهو روح واحد." (1 كو 6: 15-17) كذلك في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس: "لا ترتبطوا بغير المؤمنين، فإنه أية شركة بين البرّ والخطية؟ وأية خلطة بين النور والظلمة؟" (2 كو 6: 14) وأيضًا بخصوص الملك سليمان في سفر الملوك الثالث (أخبار الأيام الأول) الزوجات الغريبات جعلن قلبه ينحرف وراء آلهتهن (1 مل 11: 4) . القديس كبريانوس السلاح ضد الشيطان هو الصوم ويُمَثِّله هنا عدم التجاوب مع شهوة الجسد. طلب من طوبيا أن يتفرَّغ مع سارة للصلوات. هذا ما يهزم الشيطان، أما حرق كبد الحوت فيرمز لحرق شهواتهم أو كأنهم قتلوا شهواتهم الشريرة. ما كان يمكن لسارة أن تكون عروسًا لطوبيا إن لم يُحرَق كبد السمكة وقلبها، وما كان لطوبيت أن تُشفى عيناه ليرى النور بعد كل هذا الزمان، ما لم تُمسَح عيناه بمرارة كبد السمكة، هكذا ترمز السمكة إلى السيد المسيح. لقد اقتنى المؤمنين عروسًا سماوية تشاركه المجد بموته واحتماله مرارة الآلام والتهاب قلبه لخلاص العالم، ولا نستطيع أن نخلص من العمى الروحي وندرك الأسرار الإلهية، ونحمل انعكاس النور الإلهي فينا ما لم نتمتَّع بمسحة المصلوب القائم من الأموات. يرى البعض أن المرارة هي الفضيلة الرئيسية التي نتمتَّع بها من خلال السمكة (السيد المسيح)، فإنها وإن بدت مُرَّة غير أنها تنزع عن البصيرة الداخلية كل غشاوة، فتتمتَّع النفس برؤية الأسرار السماوية وتختبر عذوبتها التي لا يُعَبَّر عنها. بالمسيح يسوع نتمتَّع بالحياة الجديدة التي تتحدَّى الموت، فنترنم مع الرسول: "أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟!" (1 كو 15: 55). وبه تستنير قلوبنا وتتعرَّف على الأسرار الإلهية. يرى البعض في حرق قلب السمكة وكبدها [17] تقديم ذبيحة سلامة، حيث كان مُقَدِّم الذبيحة يأكل جزءًا منها ويحرق ما تبقَّى من الكبد مع الدهن الموجود في الذبيحة. وقَدَّم السيد المسيح نفسه ذبيحة مصالحة الله مع المؤمنين! حرص رئيس الملائكة رافائيل على تمييز المؤمن بين معرفة الله غير المحدودة ومعرفة الخليقة سواء السماوية أو الأرضية المحدودة. فإن كان طوبيا ووالديه لم يعرفا شخص رئيس الملائكة رافائيل الذي نزل في شكل إنسانٍ أجيرٍ كي يخدم أسرتي طوبيت ورعوئيل وذلك حسب خطة الله وإرادته المقدسة المملوءة حبًا، فقد كشف الله لرئيس الملائكة بعض الأمور وأخفى عنه الأمور الأخرى. كشف له بعض أسرار العائلتين ليقوم بشفاء أمراضهم الجسدية والنفسية والروحية. وكشف له أن زواج طوبيا بسارة كان حسب فكر الله حتى قبل تأسيس العالم، لكن أخفى عنه إن كانا سينجبان أطفالاً أم لا [18]. هذا الإخفاء كان ضروريًا حتى لا يخلط المؤمن بين إمكانيات الله غير المحدودة وإمكانيات المخلوقات المحدودة مهما بلغ سموها. 5. الحب الزيجي [19] ولَمَّا سَمِعَ طوبِيَّا هذه الكلمات، أَحبَّها حُبًّا شَديدًا وتعَلِقَت نفسه بِها [19]. يكشف هذا السفر عن مفهوم الحب الزيجي كيف تتعلَّق نفس كل من الخطيبين بالآخر حسب فكر الله. وما هو دور الوالدين في قرار كل من المُتقدِّمين للخطبة ثم الزواج؟ وكيف نتعرَّف على مشيئة الله في اختيار الزوج أو الزوجة؟ وما هو دور أب الاعتراف أو المُرشِد الروحي في مساعدة الخطيبين. أولاً: ما هو الحب الزيجي؟ أ. لم يصدر هذا الحب عن انفعال عاطفي مُتسرِّع، إنما أكد له رئيس الملائكة الذي قام بدور المُرشِد الروحي لطوبيا أن سارة عاقلة أو حكيمة وجميلة [12]، فربط جمالها بحكمتها وتعقُّلها. ب. أدرك طوبيا أنها من قبل الله، إذ حفظ هو وأسرته، وسارة وأسرتها الالتزام بالوصية الإلهية، وهي ألا يدخلا في علاقة زوجية مع غريبٍ غير مؤمنٍ، وإن كان والدا سارة أخطًأ إذ قبلا سبعة أزواج لابنتهما غالبًا من الأمم الوثنيين. ج. كان دور المرشد أن يسنده، فقد أكد له: "لا تخف" (18). د. أكد المُرشِد دور الله في الاختيار وفي بدء الحياة الزوجية والاستمرار في التركيز على الحضور الإلهي: "إذا اقتربتَ إليها أنهضا كلاكما واصرخا إلى الله." ه. إن كان قد أبرز أن الله جعل من سارة نصيبًا لطوبيا منذ القدم (18)، غير أنه لم يلزمه بالزواج منها، ولا طلب منه أن ينتظر رأي والديه، إذ يعلم أنهما يُسرّان بهذا الاختيار. و. دور الوالدين أن يهيئا الابن أو الابنة لإدراك الحب الأسري، وذلك بكونهما مثالين رائعين للزوج والزوجة المقدسين في الرب، والمملوئين حبًا لبعضهما البعض. إن وصية الوالدين لأبنائهما تبدأ منذ رضاعة الأبناء والبنات، إذ يرون الوصية مُعلَنة في حياة الوالدين بالحب العملي، والسلام الحقيقي وفرح الروح. ثانيا: الحب الزيجي والالتزام بالصدق ما طلبه رئيس الملائكة من طوبيا هو أن يدرك العريس وعروسه أنه يفتتح الزواج بالتلامس مع الحياة السماوية لمدة ثلاثة أيام[11]، بهذا يُدرِكان أن عُرْسَهما هو أيقونة للعُرْسِ السماوي لماذا لم يطلب رئيس الملائكة من طوبيا أن يذهب أولاً إلى والديه لينال رضاهما؟ لم يفعل هذا ليس تجاهلاً لدور الوالدين في زواج الأبناء، إنما ذكَّر رئيس الملائكة طوبيًا بوصية أبيه. فَرِضا الوالدين ليس أمرًا شكليًا، إنما هو طاعة لوصية الوالدين التي في الرب. من وحي طوبيت 6 اكشف لي عن أسرارك يا أيها الرفيق العجيب! * يحسب البعض قصة رفقة رئيس الملائكة لطوبيا خيالية، ماذا لو أدركوا أن خالق السمائيين يُقِيم ملكوته في داخلنا؟ انطلق رئيس الملائكة من نينوى، وبات مع طوبيا على شاطئ نهر الدجلة! وها أنت مُنطلِق بي من مجدٍ إلى مجدٍ! في كل ليلة أشعر أنني مستقر في أحضانك! خاف طوبيا من السمكة الشرسة، وها أنا لا أرتعب من إبليس وكل قواته! حوَّلت الأرض لي سماءً بنزولك إليّ! لست محتاجًا إلى قلب سمكة وكبدها ومرارتها! قدَّمت لي جسدك ودمك طعامًا وشرابًا، يهباني الاتحاد بك فأَتمتَّع بشركة سماتك! إنهما دواء الحياة، يفتحان لي أبواب الأبدية! * ذهبا إلى أحمتا، فتحدَّث رئيس الملائكة عن سارة التي من عائلة طوبيا. صارح طوبيا بأن الله قد أَعَدَّهما ليكونا عروسين. وها أنت تحملني وتقترب بي من سماواتك. أرى الطغمات السماوية مشتاقة إلى عُرْسِي السماوي! ارتفعت على الصليب لتفتح لي أبواب الفردوس. صرتَ لي أخًا بكرًا وأنت خالقي الأزلي! تُقِيم عُرْسِي لا في أحمتا، بل في أحضان الآب، حجال العُرْسِ سماوي فائق. هوذا إبليس تصطك أسنانه حسدًا وغيظًا. أنزله كبرياؤه عن درجته الملائكية، ورفعني عريس نفسي المتواضع إلى درجة لا يُعبَّر عنها! * يحاول العدو أن يقويني بحبه المُهلِك. يشتهي أن تشاركه كل البشرية مسكنه الناري!حبه فاسد ومُفسِد! * كم كان طوبيت وحنة ينتظران عوده ابنهما. وها هو الآب يُسرّ باتحادي مع ابنه الوحيد الجنس.ينتظرني الآب ويُرَحِّب بي. فأَتمتَّع بما لم تره عين، وما لم تسمع به أُذن، وما لا يخطر على فكر إنسان. أعماقي تصرخ متهللة: غربتي طالت عليّ، متى تردّني، فأَتمتَّع بأسرارك الإلهية. مبارك أنت أيها الآب مع ابنك الوحيد وروحك القدوس! âœâœâœ |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166740428112241.jpg ملحق طوبيت 6 الثلاثة أيام الأولى للعروسين ورد في الترجمة اللاتينية (الفولجاتا) التي قام بها القديس جيروموالترجمة الخاصة ببعض الأسفار السبعينية باسم الخبر السار في نهاية الأصحاح السادس من سفر طوبيت، حديث لرئيس الملائكة رافائيل لطوبيا بخصوص زواجه سارة: [فقال له الملاك رافائيل: استمع فأُخبِرك من هم الذين يستطيع الشيطان أن يقوى عليهم [16]]. إن الذين يتزوجون فينفون الله من قلوبهم، ويتفرَّغون لشهوتهم كالفرس والبغل الذين لا فهم لهم، أولئك للشيطان سلطان عليهم [17]. فأنت إذا تزوَّجتها ودخلت المخدع، فامتنع عنها ثلاثة أيام ولا تتفرَّغ معها إلاَّ للصلوات [18]. في تلك الليلة إذا أحرقت كبد الحوت ينهزم الشيطان [19]. وفي الليلة الثانية تكون مقبولاً في شركة الآباء القديسين [20]. وفي الليلة الثالثة تنال البركة حتى يولد لكما بنون سالمون [21]. وبعد انقضاء الليلة الثالثة تتَّخِّذ (سارة) البكر بخوف الربّ وأنت راغب في البنين أكثر من الشهوة لكي تنال بركة ذرية إبراهيم في بيتك [22]. هكذا انتهى الأصحاح السادس في الفولجاتا بدون الإشارة إلى ردّ فعل طوبيا تجاه النصيحة التقوية التي قدَّمها له رئيس الملائكة، ولم تشر إليها النصوص اليونانية القديمة. أشار نص الفولجاتا (8: 4-6) إلى إتباع نصيحة الملاك رافائيل. في تأكيد على الاهتمام البالغ للدارسين من الغرب للكنيسة الأولى الذي أولوه للطهارة، كتب جيفين 1969م عن تفرُّد الفولجاتا في الإشارة إلى هذه الثلاثة أيام: [أخبر ميتزجر Metzger 1957 أن التأجيل ثلاثة أيام كانت فكرة تتعلَّق بمسيحي القرون الوسطى بما فيهم الملك لويس التاسع ملك فرنسا والملكة عام 1234م. بحسب جنسن Jansen 1965م، مارس بعض اليهود في مصر القديمة نوع آخر من تأجيل العلاقة الجسدية... نموذج يشتهيه لنا السمائيون طلب رئيس الملائكة من طوبيا أن يُقَدِّم هو وزوجته نموذجًا لكيفية بدء الحياة الزوجية في الرب. أولاً: في الليلة الأولى يحرق طوبيا كبد السمكة وقلبها مع بخور وتقديم صلوات، فلا يطيق الشيطان رائحة البخور المُصَاحِبة للصلوات، فيهرب ولا يرجع إلى هذا البيت المقدس الذي تفوح فيه رائحة المسيح الذكية. إن كان حرق قلب السمكة وكبدها يشير إلى ذبيحة السلامة في العهد القديم، فإنه يليق بالعروسين في العهد الجديد أن يحسبا بيت الزوجية كنيسة مقدسة، ومخدعهما هو لقاء عند ذبيحة صليب ربّ المجد حيث يتمتَّع العروسان بالاتحاد معًا في المسيح يسوع المصلوب. فإذ صالح السماء مع الأرض بذبيحة صليبه، يُصَالِح أيضًا العروسين مع السماء، كما يهبهما مصالحة دائمة مع بعضها البعض في جوٍ شبه سماوي، لا يقدر إبليس أن يفسده. ثانيًا: إن كان سرّ اتحادهما معًا وتمتُّعهما بالحياة السماوية هو السيد المسيح المصلوب، ففي الليلة الثانية يتجلَّى أمامهما بكونهما كنيسة المسيح ويدخلان في شركة مع القديسين. إذ يختليا معًا خاصةً بالليل، يشعران أنهما ينتسبان لأسرة خفية مقدسة، ويُدرِكان أن الله أبوهما السماوي وأن القديسين اخوة لهما، يصلّيان معًا ليكملا كل حياتهما في سلام الله وفرح الروح، والانشغال بالسماويات المقدسة. ثالثًا: أما في الليلة الثالثة فيُدرِكان أنهما ينتسبان لأب الآباء إبراهيم، ويطلبان أن يكون نسلهما بالحق أولاد إبراهيم، لهم حق الميراث لا في كنعان، أرض الموعد، بل في أورشليم السماوية حيث يحسبان "ورثة الله، ووارثان مع المسيح" (راجع رو 8: 17). خلال هذه الليالي الثلاثة، يتعرَّف العروسان كيف يمارسان حياتهما الجديدة، التي تحمل لمسة سماوية (الليلة الأولى)، لا ينحرفان عن التطلُّع إلى المسيح المصلوب (الليلة الثانية)، ويشتهيان أن تنشغل الأجيال القادمة بأورشليم العليا (الليلة الثالثة). عُرْسٌ دائم لا ينقطع هذه الوصايا التي قدَّمها رئيس الملائكة لطوبيا، في جوهرها أن يسلك طوبيا مع زوجته سارة في حياة داخلية سرّية، تجعل عُرْسَهما دائم التهليل والفرح بلا انقطاعٍ. من يُرَكِّز على أعماقه، يرى ملكوت الله في داخله (لو 17: 21). ينمو ملكوت الله فيه، أو ينمو العروسان في الملكوت الذي في داخلهما. أذكر قصتان إحداهما في الاسكندرية والأخرى في ملبورن بأستراليا. الأولى في زيارتي لأسرة وجدت ضيفًا قادمًا من القاهرة، سألني إن كنتُ أَقْبَل اعترافه لأنه بعيد عن أب اعترافه. وجاء مُلَخَّص اعترافه، أن زوجته توفت منذ 27 عامًا، وأنه طوال حياته لم يختلف معها قط. وكان كل منهما يرشم الطرف الآخر بالصليب عند خروجه من البيت. بقيت حياتهما في حبٍ وسرّية، لأنهما مشغولان بمجد الله في الأسرة. أما الثانية فشاب كان على اتصالٍ دائمٍ بي بملبورن أستراليا، وقد تزوَّج منذ 15 عامًا عند زيارتي له. طلب مني كلمة منفعة، فقلت له: أطلب منك ألاَّ تنام في أية ليلة وأنت متضايق من زوجتك. دُهِش من كلماتي وقال: لي خمسة عشر عامًا معها لا أذكر يومًا ما أني تضايقت منها لمدة دقيقة واحدة، ولا هي تضايقت مني... ثم ختم حديثه بقوله: إن كان أحد الطرفين عاقلاً لا يحدث خلاف أو ًمضايقة بينهما قط. سرّ محبتهما وسلامهما هو تركيز نظرهما على ملكوت الله الذي يُقِيمه ربّ المجد داخلهما. لقد تدرَّبا في حياتهما قبل الزواج ألاَّ ينشغلا بشيءٍ سوى التصاقهما بالربّ. هذا يتحقَّق إن كنا نرى في داخلنا الكنز السماوي، أي ملكوت الله، ولا يشغلنا شيء من الزمنيات. تقديس الأيام الثلاثة الأولى حسن أن يُفَكِّر العريس وعروسه معًا في تكريس الأيام الثلاثة الأولى بعد إتمام الزواج تشبُّهًا بطوبيا وسارة. يظن البعض أن هذا يتحقَّق بذهاب العروسين معًا إلى أحد الأديرة بعد حفل زواجهما. أرجو في الربّ معالجة هذا الأمر في شيءٍ من الصراحة: أولاً: وضع رئيس الملائكة لطوبيا برنامج هذه الليالي الثلاث في حديث سرّي معه، لم يُصارِح به أحد سوى سارة بعد دخولها حجال العُرْس، وبدورها لم تُخْبر أحدًا من أصدقائها حتى والديها. أما أن يعرف الكثيرون عن العريس وعروسه أنهما ذاهبان إلى أحد الأديرة بعد إقامة حفل الزواج فهذا دفع الكثيرين أن يتطلعوا إلى هذين العروسين كأنهما ذا قامة روحية عالية عن الآخرين، وكأنهما قاما بعملٍ نسكي علانية. يليق بالعروسين أن يتأملا فيما ورد في سفر نشيد (الأناشيد) الأنشاد: "أختي العروس، جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم". (نش 4: 12) ويطلعا إلى الاهتمام بالحياة الداخلية السرية لهما، ويمارسا تكريس الثلاثة أيام الأولى، بل وكل بقية أيام حياتهما لله الساكن في قلبيهما سريًّا. ثانيًا: رسالة الدير بل والكنيسة كلها تشجيع العروسين على صلاة المخدع السرية بجانب شركتهما في العبادة الكنسية الجماعية كل أيام حياتهما لا أن تستضيف عريس وعروسه ليعيشا ثلاثة أيام في الدير حتى وإن حبس كل منهما نفسه في قلايته. يليق بالعروسين أن يقضيا هذه الفترة في الصلاة والصوم والتسبيح في حجرتهما الخاصة ليتقدَّس حجال عُرْسهم ويصير كنيسة بيتهما بعمل روح الله القدوس الذي لا يطيق الانشغال بالمظهر والشكليات. أرى أن الظاهرة تحتاج إلى دراسة من المجمع المقدس على ضوء الحياة الإنجيلية والفكر الآبائي والرهباني السليم. من أقوال الآباء القديسين لا نجد في كتابات الآباء القديسين في العصور الأولى من أشار إلى قضاء الأيام الثلاثة الأولى من الحياة الزوجية في ديرٍ ما، إنما بالأحرى اهتم الآباء بالحديث عن قدسية الزواج. * إذ يحب المسيح الكنيسة مقدسةً عفيفةً وبلا دنسٍ، فليحب الأزواج أيضًا زوجاتهم في عفة. وليَعْلم كل أحد كيف يحفظ إناءه في قداسةٍ وكرامةٍ، وليس في دنس الشهوة الردية كالأمم الذين لا يعرفون الله "لأن الله لم يدعنا (يختارنا) للنجاسة، بل للتقديس عالمين أنكم قد خلعتم الإنسان العتيق بأفعاله ولبستم الإنسان الجديد الذي يتجدَّد (باستمرار) لمعرفة صورة ذاك الذي خلقه! القديس جيروم القديس إكليمنضس السكندري * [عن آدم وحواء العروسين في الفردوس] زيَّن حواء العروس البتول وأعطاها آدم... جمع كل العالم إلى العُرْس العظيم الذي صنعه، فتزركش العروسان بأكاليلهما وثيابهما. وشَّحهما بنورٍ بهيٍ وضياءٍ لائقٍ، وتركهما يتنعَّمان بين الأشجار. كل الأشجار وأثمارها أعطت هدية لهما، وابتهجت الجنة بالعروس والختن المحبوبَين. كانت شجرة الحياة مخفية في خدر عدن العظيم، لتصير لعريسَي النور عندما يكتملان . القديس مار يعقوب السروجي قال لي خادم تقي يعيش في أمريكا عندما سألته عن أخته الوحيدة إنها تزوجت، وأخبرني أنه قد بذل كل الجهد معها في خدمتها لأنه يحبها جدًا، وفي أثناء إكليلها كان يصلي من أجلها ومن أجل عريسها أن يكون بيتها مقدسًا للربّ. وعندما ذهب ليبارك لها في اليوم التالي كالعادة المتبعة، قالت له: "لقد كنت حاضرًا طوال الإكليل، لكنني لم أرك في الحفلة التي بعد الإكليل". أجابها: أنت تعلمين مدى محبتي لكِ، كنت أُصَلِّي من أجلك طوال الإكليل. أما بخصوص الحفل فقد قضيت طول الفترة في كنيسة مفتوحة، وكنت أُصَلِّي من أجلك ومن أجل عريسك، لكي يكون بيتكما كنيسة المسيح المقدسة. فرحت جدًا وشكرتني، وقالت تصرُّفك هذا رائع، وطلبنا الصلاة من أجل بعضنا البعض. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166740428112241.jpg الأصحاح السابع في بيت رعوئيل كشف هذا الأصحاح عن قُدسية هذه الأسرة المباركة: أولاً: سارة هي أول من اِلتقت برئيس الملائكة وطوبيا في زيارتهما كضيفين لدى أسرة رعوئيل. هذا يكشف عن أن ما حلّ بها بسبب موت السبعة رجال الذين تقدَّموا للزواج بها لم يكن له تأثير على نفسيتها، وأيضًا التعييرات المُرَّة التي صدرت من جواري أبيها قد دفعتها للصلاة لله عوض أن تتحطَّم وتُعانِي من الكآبة وعدم الرغبة في اللقاء مع أحدٍ. ثانيًا: شاركت سارة والديها في حزنهما على طوبيت، إذ سمعوا عن فقدانه بصره. ثالثًا: أقاموا وليمة لهذين الضيفين بسخاءٍ وفرح. رابعًا: طلب طوبيا من رئيس الملائكة المتخفّي أن يُفاتِح الأسرة بخصوص رغبته في الارتباط بسارة. لقد اعتبر طوبيا الشاب هذا المُرشِد المتخفّي أشبه بالأخ الأكبر أو في مركز والده، فقدَّمه ليتكلم عنه في أمرٍ شخصي يمسّ حياته وهو الزواج بسارة. خامسًا: ظهرت حكمة رعوئيل أنه لم يتحدَّث عن العروسين الغرباء بكلمة سيئة ليُبَرِّر موقف ابنته، بل تحدَّث في اختصار وبصراحة ما حلّ بابنته ليلة زفافها دون أن يُخفِي شيئًا عما حدث مع ابنته. سادسًا: حرص رعوئيل ألاَّ يُفسِد جو هذا اللقاء، بل قال لطوبيا: "كُل واشرب وافرح" فإن كان ما حلّ بالأسرة مُرّ للغاية، وأمر غريب لم يُسمَع عنه من قبل مع أية أسرة أخرى، لكنه أَكَّد لطوبيا أنه لا يبخل عليه بتقديم ابنته زوجة له، وفي نفس الوقت لا يريد أن يخفي شيئًا عنه. سابعًا: اتَّسم رعوئيل وزوجته حنة بالإيمان بالله إله المستحيلات. أَكَّد رعوئيل لطوبيا: "خذها الآن بحسب الشريعة، فأنت قريبها، وهي ملك لك. والله الرحوم يُفلح طريقكما ويهبكما ما هو صالح. كما قالت حنة وهي ترى ابنتها تبكي عند دخولها مع طوبيا حجال العُرْسِ: "تشجعي، فسيعطيكِ ربّ السماء والأرض نعمة عوض حزنك هذا، تشددي يا ابنتي" [17]. تسليم الأب ابنته زوجة لعريسها: لا زال هذا الطقس [12] قائمًا في الطقس القبطي وبعض الكنائس الأخرى. 1. لقاء حار [1- 8] ولما جاءا إلى أحمتا (أكباتانا Ecbatana) إلى بيت رعوئيل، التقت سارة بهما ورحَّبت بهما، وبعدما سلَّموا على بعضهم البعض، أدخلتهما البيت [1]. قال رعوئيل لزوجته عدنا Edna: ما أشبه الفتي بابن أخي [2]. سألهما رعوئيل: "من أين أنتما أيها الأخان؟"، فقالا له: "من بني نفتالي، من المسبيين بنينوى." [3] قال لهما: "أتعرفان طوبيت أخانا؟"، أجاباه: "نحن نعرفه" [4]. سألهما: "هل هو بخير؟"، فقالا: "إنه حي بصحةٍ جيدة ٍ". وقال طوبيا: "إنه أبي" [5]. أسرع رعوئيل وقبَّله وبكى [6]. ثم باركه وقال له: "أنت ابن رجل فاضل وصالح". وإذ سمع أنه فقد بصره حزن وبكى [7]. وبكت أيضًا عدنا زوجته وسارة ابنته، ثم رحَّبا بهما بشوقٍ [8]. واضح أن رعوئيل وزوجته عدنا كانا يعرفان طوبيت قريبهما، لكنهما لم يكونا يعرفان أن لهما ابن يُدعَى طوبيا. ذهب طوبيا مع رئيس الملائكة المُتخفّي إلى بيت رعوئيل، أي رعاية الله، وذلك في مدينة راجيس بميديا، والتقيا بسارة غالبًا عند مدخل البيت. في هذا اللقاء الحار نلاحظ الآتي: أولاً: خروج سارة بسرعة لتلتقي بهما يكشف عن شخصيتها السوية، فإن ما حلّ بها كان كفيلاً بتحطيمها تمامًا وإصابتها بحالة من الاكتئاب، فلا تريد الالتقاء بأحدٍ. على الرغم من تقدُّم الثقافات في العالم وانفتاح البشرية على بعضها البعض إلا أن الكثيرين سواء من المُثقَّفين أو المتخلِّفين ثقافيًا يعانون من الإصابة بحالات اكتئاب مُزمِنة، تدفع الإنسان إلى الانزواء واليأس مع التذمُّر، ويُعَلِّلها البعض بسبب الأمراض المزمنة أو الكوارث الصعبة أو الفشل الدراسي أو التخمة الزائدة أو المعاملات الجافة في الأسرة أو مشاكل العمل إلخ.. أما سارة فمع ما حلّ بها -وهي تبدو حالة فريدة- جعلت جواريها يعيرونها، وأُغلق الباب على تقدم أحد ليتزوجها، لكنها لجأت إلى الصلاة، وتمتَّعت بابتسامة لطيفة لمن يقرع باب البيت. ولعل من العوامل التي ساعدتها على التغلُّب على التجربة سلوك والديها اللذين كانا محبين لإضافة الغرباء بانفتاح قلبيهما، فخلقا جوًا صحيًا للأسرة كلها. ثانيًا: ماذا رأى رعوئيل في الشاب طوبيا ليقول: "ما أشبه الفتي بطوبيت ابن أخي؟ هذا الفكر الذي سيطر على رعوئيل لم يكن من فراغ، وإنما ثمرة ما لاحظه على هذا الفتى: أ. ربما جاء هذا الفكر لأنه رأى في شكل طوبيا وملامحه صورة لطوبيت ابن أخيه حين كان شابَا. ب. لم يقف الأمر عند الملامح الجسدية لطوبيت وطوبيا، إنما لاحظ على تصرُّفاته أنها تطابق تصرُّفات أبيه، وتكشف عنه أنه إنسان الله. يرى القديس إكليمنضس السكندري في كتابه "المُرَبِّي Pedagogus" أن إنسان الله يُعرَف من طريقة حديثه، بل ومن طريقة مشيه متى كان في رفقة شيخ، ومتى كان في رفقة شاب، وأسلوبه أثناء الطعام، وضحكه وابتسامته وملابسه، وطريقة ترحيبه بالآخرين، ونوع الموسيقي التي يستريح لسماعها إلخ.. هكذا قيل عن بطرس: "أنت جليلي، لغتك تُظهِرك" (مت 25: 73؛ مر 14: 70). ليت السمائيون يتطلعون إلينا، ويرون مسحة الربّ على إنساننا الداخلي فيفرحون، لأننا أيقونة السماوي ولنا سمات شبه سماوية! يُقَدِّم لنا القديس أمبروسيوس صورة رائعة عن شخصية رعوئيل، فإن كان طوبيت اتَّسم بحُبِّه للعطاء وخدمته لشعبه خاصة دفنه للقتلى المطروحين في الشوارع والساحات، فإن رعوئيل يعتبر نموذجًا رائعًا للحياة المقدسة الفاضلة. يمكننا أن نستنتج مما ورد في هذا السفر لمسات من فضائل هذا الرجل. أولَا: أسلوب استقبال ابنته لضيفين غريبين لم تكن تعرفهما. ثانيَا: إقامة وليمة لهذين الضيفين قبل أن يتعرَّف عليهما. ثالثًا: محبته واستضافة الغرباء. من بركة إضافة الغرباء، استقبل إبراهيم الرب نفسه وملاكين، واستضاف لوط ملائكة. واستقبل رعوئيل رئيس ملائكة كما استقبل طوبيا زوجًا لابنته حلَّ مشكلتها. 2. اتفاقية زواج على المائدة [9- 14] وذبحوا كبشًا من الغنم، ووضعوا صحافًا (أطباق للمائدة) كثيرة. قال طوبيا لرافائيل: "تكلم يا أخي عزريا بما عرضته في الطريق، وليتحقق الأمر" [9]. ففاتح رعوئيل الأمر، وقال رعوئيل لطوبيا: "كل واشرب وافرح، فحسن لي أن تتزوج ابنتي. إلا أنه يجب أن أخبرك بالحقيقة [10] لقد أعطيت ابنتي لسبعة رجال، وما أن دخلوا عليها ماتوا في نفس الليلة. والآن فلتفرح!" أجابه طوبيا: "لا آكل شيئًا ما لم تُقِيموا معي اتفاقية." عندئذ قال له رعوئيل: "خذها الآن بحسب الشريعة، فأنت قريبها وهي لك. والله الرحوم يُفلح طرقكما ويهبكما ما هو صالح" [11]. عندئذ دعا ابنته سارة، وأخذها بيده وأعطاها لطوبيا زوجة، وقال له: "هوذا استلمها بمقتضى شريعة موسى، وأمضِ بها إلى أبيك". ثم باركهما [12]. واستدعى زوجته عدنا، وجاءت بالصحيفة وكتبوا العقد وختموه [13]، وبدأوا يأكلون [14]. تسليم الزوج عروسه من يد والدها، يشير إلى أن مسرَّة الابنة أن تجد حب والدها ورعايته لها تتجلَّى في سلوك عريسها، فقد صار مسئولاً عن كل احتياجاتها الروحية والنفسية والمادية، بكونه الرأس الذي يُشبِع احتياجات الجسد، ويحتاج الرأس إلى اهتمام الجسد. بحسب الشريعة إذ كانت سارة ابنة وحيدة بلا أخ أو أخت فهي الوارثة الوحيدة لوالديها. إنها وارثة غنية، ورثت عن والديها ما يُشِير إليه اسمهما وهو عون الله ومسرَّته أو رضاه. فرعوئيل يعني رعاية الله أو عون الله، وعدنا تعني "مسرة". هل يستطيع الشيطان أن يقتل؟ وما هو مدى سلطانه على الإنسان خاصة المؤمن؟ 1. قال السيد المسيح عن الشيطان إنه "كان قتالاً للناس منذ البدء" (يو 44:8). ألم يغوي آدم في الخطية، فمات روحيًا، وورث عنه كل نسل آدم الفساد كثمرة الخطية، وإن كان كل إنسانٍ مسئول عن خطيته الشخصية كما يقول القديس أثناسيوس. 2. حينما كان الشيطان يُجَرِّب أيوب، كان الله يُحَدِّد له حدود التجربة لكيلا يتعدَّاها. فقال الله للشيطان: "ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسه" (أي 6:2). لولا هذا الحد الذي وضعه الله للشيطان لكان قد قتله. 3. قتلت الأرواح الشريرة قطيع الخنازير وأهلكته (مت 32:8). 4. كان الشيطان يلقي بالبشر في النار والماء (مت 15:17). وهو يهيج الحروب فيموت الكثيرين. 5. أصابت الأرواح الشريرة أولاد سكاوا بجراح حتى هربوا عراة (أع 16:19). 6. سلطان الشيطان هو على "الذين يتغرَّبون عن الله من قلوبهم ويتفرَّغون لشهوتهم" (طو 6: 16، 17). ولم يكن له سلطان على طوبيا وسارة اللذين نفَّذا كلام الملاك. ولذلك نفى الملاك الشيطان إلى برية مصر في المرتفعات حيث كانت العبادات الوثنية منتشرة. وكأن الملاك حرَّر طوبيا وسارة تمامًا من إبليس وعبوديته، فلم يصر للشيطان أي سلطان عليهما. يقول السيد المسيح: "أعطيتكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات..." 7. كان الشيطان يقبض على كل النفوس بعد موتها ليأخذها إلى الجحيم، وأول نفس لم يستطع أن يفعل معها هذا هو السيد المسيح، الذي قال: "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء" (يو 30:14). فالمسيح لم يقبل خطية واحدة من يده. والآن كل مؤمنٍ حقيقي يستطيع في المسيح أن يقول: "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء". نجد هنا في هذه الآيات نفس الطقس الحالي في سر الزواج: [1] سؤال كل من العريس وعروسه هل يقبل كل منهما الآخر. [2] يُسَلِّم الأب ابنته لعريسها. [3] يبارك الأب (وهو يُمَثِّل الكاهن هنا) الزواج باسم الله. [4] كتابة عقد أو وثيقة زواج. [5] إقامة وليمة فرح. [6] تخصيص مخدع مستقل (يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته). [7] وبارك الكل الله بعد الوليمة بلا رقصٍ ولا خلاعةٍ لذلك يباركهم الله. الله ليس بظالمٍ، إذ لا ينسى تعب المحبة، كافأ رعوئيل على محبته لاستضافة الغرباء، فتأهَّل أن يستضيف رئيس الملائكة وهو لا يعرفه، كما حدث مع إبراهيم خليل الله الذي استضاف الرب ومعه ملاكين (تك 18: 1-8). يرى البعض أن "رعوئيل" تعني "صديق الرب"، وقد تشبَّه بإبراهيم "خليل الله". بروح الحب والاعتزاز برئيس الملائكة المُتخفّي، طلب طوبيا منه أن يُفاتِح رعوئيل في أمر زواجه بسارة [9]. لقد حسب الأجير عزريا أخًا كبيرًا له وقائدًا ومرشدًا له يحتل مركز والديه في أموره الخاصة مثل الزواج. هنا يُقَدِّم لنا رئيس الملائكة درسًا عن دور الوالدين في تدبير شئون أبنائهم الناضجين، خاصة الزواج. فمع معرفة رئيس الملائكة أن الله عيَّن سارة زوجة لطوبيا قبل تأسيس العالم، غير أنه ترك المجال لطوبيا أن يطلب بنفسه سارة، وأن يدخل في حوار محبة مع رعوئيل. كان رعوئيل أمينًا ومخلصًا تحدث عن السبعة أشخاص الذين ماتوا في زفافهم بسارة ابنته، وفي نفس الوقت بادره طوبيا أن يتزوج بها. لم يطلب رعوئيل ما هو لنفسه بل ما هو للغير (1 كو 13: 5). فالمحبة هي إنكار للنفس أو إماتة اللذات ليحل الله مكانها. المحبة لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخرين. لذلك من يحب يفرح ويسرّ لنمو الآخرين روحيًا وجسديًا، ويشتاق لو أمكنه أن يتخلَّى عن كل ما اكتسبه من بركات أرضية وسمائية لأجل إخوته. فيوناثان لما أَحَبّ داود (1 مل 1:18)، كان يشتهي أن يرى إكليل أبيه شاول على رأس داود أكثر مما يشتهي أن يراه على رأسه هو، إذ قال له: "أنت تملك على إسرائيل وأنا أكون معك ثانيًا" (1 صم 17:23). والأم إذ تحب أولادهما تشعر أن نجاحهم وحصولهم على شهادات دراسية هو نجاح لها شخصيًا. عندما أراد يشوع بن نون أن يردع الشيخين أليداد وميداد، لأنهما كان يتنبآن وهما في المحلة، دُعيا ولم يأتيا إلى موسى. أجابه موسى: لا أستطيع أن أردعهما، لأن هذه النعمة من السماء! إنك تغار لي لأنهما يتنبآن وأنت لا تتنبأ إلى الآن؟! انتظر الوقت المناسب. يا ليت كل شعب الرب يكونون أنبياء حين يجعل الرب روحه عليهم (عدد 11: 29 إلخ..) أبرز القديس أمبروسيوس تقوى رعوئيل الذي ما كان يشغله هو راحة الآخرين أكثر من راحته لنفسه. فإذ علم أن طوبيا يود أن يتزوج ابنته سارة، لم يطلب منها ومن زوجته ألاَّ يشيرا إلى ما حدث مع الرجال الذين سبق أن تقدموا للزواج منها وأهلكهم الشيطان أسموديوس [1]Asmodeus (اسم أحد الآلهة الفارسيين) يقتلهم في ليلة زفافهم قبل معاشرتها. لقد تكلم بكل أمانة عما حدث، مُفَضِّلاً أن تبقى ابنته غير متزوجة عن أن يموت طوبيا. * رسم طوبيت بطريقة واضحة الفضيلة الحقيقية في حياته، حينما ترك الوليمة وقام بدفن الميت (طو 2: 4)، ودعا المحتاجين إلى مائدته الفقيرة. وأيضًا جاء رعوئيل مثالاً واضحًا (للفضيلة). فبالنسبة له ظهرت الفضيلة عندما طُلِبَت ابنته للزواج لم يلتزم بالصمت بخصوص ما حلّ بابنته، لئلا يبدو أنه بصمته ينال ما هو أفضل. لذلك عندما سأله طوبيا بن طوبيت طالبًا منه ابنته أجابه أنه حسب الناموس يلزم أن تُعطَى لمن هو قريب لها، لكنها أُعطِيت (لسبعة رجال) وجميعهم ماتوا (طو 7: 11). هذا الإنسان كان يخاف على الآخرين أكثر من خوفه على نفسه. وحسب أنه من الأفضل أن تبقى ابنته غير متزوجة عن أن يتعرَّض أحد آخر للخطر بسبب الاتحاد معها . القديس أمبروسيوس 3. إعداد حجال العُرْس [15-17] استدعى رعوئيل عدنا زوجته، وقال لها: "أَعدّي يا أختي حجرة أخرى، وأدخليهما فيها [15]. فعلت ما قاله لها ودخلت بها هناك. عندئذ بكت سارة، فمسحت عدنا دموع ابنتها، وقالت لها: [16] "تشجَّعي، فسيُعطيك ِربّ السماء والأرض نعمة عوض حزنك هذا، تشددي يا ابنتي [17]. كان الموقف خطيرًا للغاية، فالفتاة ارتعبت، لأن هذا الرجل هو الثامن الذي يدخل عليها كزوجٍ. حتمًا بينما كانت الأم تُعِدّ حجال العُرْسِ، كانت سارة تخفي دموعها خشية أن يقتله الشيطان أسموديوس Asmodeus كما قتل الأزواج السابقين. أما عدنا فبكت لكنها شجَّعت ابنتها وقامت بالصلاة عنها ومباركتها، وكررت لها النصيحة: "تشددي أو تشجعي" مرتين. الرائع في سفر طوبيا أنه سفر الصلاة والتسبيح لله القدير والمُخَلِّص في الشدائد كما في الأفراح. طوبيا الزوج الثامن: رقم 8 كما نَعْلَم يشير إلى الحياة السماوية، فقد تعهَّد إبراهيم أن يختن الذكور من نسله في اليوم الثامن من ميلادهم إشارة إلى المعمودية التي تهبنا ميلادًا سماويًا فنُحسَب أولاد الله السماوي. وافتتح السيد المسيح عظته على الجبل بثمانية تطويبات كي ننعم بالحياة السماوية المُطوّبة. والسيد المسيح قام في يوم الأحد أي اليوم الأول من الأسبوع الجديد والثامن من الأسبوع السابق، ليهبنا الحياة السماوية المُقامة. وطوبيا كرمز للسيد المسيح كان الرجل الثامن الذي طرد الشيطان المُهلِك وأقام أسرة جديدة تحمل الرائحة السماوية. من وحي طوبيت 7 أرسله والده ليأتي بوديعة الفضة، فعاد إليه بعروس لا تُقَدَّر بثمنٍ! * اشتهى طوبيت أن يسترد ابنه وديعة الفضة، حتى لا يحرمه الفقر من ممارسة العطاء وأعمال البرّ.أراد أن يتمتَّع ابنه ببركة الصدقة والاهتمام بالمحتاجين. تهلل إذ رافقه رئيس الملائكة المتخفي، ووثق أنه سيعود حاملاً أكياس الفضة العشرة. تشتهي يا مخلصي أن أقتني وصاياك الفضة المصفاة في بوتقة (مز 12: 6). لم تُرسِل لي ملاكًا أو رئيس ملائكة يقودني. وهبتني روحك القدوس. الذي وهبني التبني لأبيك القدوس. يُجَدِّدني كل صباح ويُقَدِّس أعماقي. فأصير أيقونتك وأتأهَّل للعُرْسِ السماوي. * وهبتني أن أشترك في تناول جسدك ودمك. أدخل إلى حجال العُرْسِ،فأسمع صوتك الحلو يدعوني إليك: "ها أنا أعطيك سلطانًا أن تدوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو 10: 19). "كلكِ جميل يا حبيبتي، ليس فيكِ عيبة" (نش 4: 7). "أختي العروس، جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 12). "أنتِ جميلة يا حبيبتي كترصةٍ حسنة كأورشليم مرهبة كجيشٍ بألوية" (نش 6: 4). |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166819040019151.jpg
الأصحاح الثامن زواج مقدس ومُبارَك طوبيا والعُرْس السماوي يُعتبَر هذا الأصحاح الخاص بإقامة العُرْس بين طوبيا وسارة نقطة تحوُّل رائعة للسفر، حيث تحقَّق هذا الزواج بكونه أيقونة حية للعُرْسِ السماوي الذي يتحقَّق بين المسيا المُخَلِّص وكنيسته العروس المقدسة. أولاً: سبق فأعلن رئيس الملاكة لطوبيا بأن هذا العُرْسِ في ذهن الله الذي بمحبته ومراحمه حوَّل كل الأحداث بالنسبة للأربع عائلات المتغربة لتحقيق هذا الهدف. فمنذ سقوط آدم وحواء وطردهما من الجنة لعصيانهما للوصية الإلهية، يُعِدّ الله البشرية كي تتمتَّع بالعُرْسِ السماوي. ثانيا: قيل: "ولما فرغوا من العشاء أدخلوا طوبيا عليها" [1] كان العشاء في المساء رمزًا لعشاء العروس الذي أُقِيم في ملء الأزمنة حيث قدَّم السيد المسيح نفسه ذبيحة لتتمتَّع كنيسته بالمغفرة والتطهير والتقديس، فتتهيأ للعُرْسِ الأبدي. هذا هو إنجيلنا المُفرِح أن ابن الله الوحيد قد تجسَّد وبذل ذاته عنا، مُقَدِّمًا لنا جسده ودمه طعامًا وشرابًا لنفوسنا ومهرًا لعروسه. ثالثا: كي تتمتَّع العروس بعريسها السماوي، حرَّرها العريس من مملكة إبليس، وأعطاها سلطانًا أن تدوس على الحيات والعقارب وكل قوات العدو. لقد انطلقت رائحة الصليب رائحة طيبة تُسرّ بها السماء ورائحة دخان لا يطيقها الشيطان، فيهرب من قلوب المؤمنين ولا يستطيع أن يعود إليها لأنه بالمسيح يسوع المصلوب لم تعد لظلمة إبليس موضعًا فينا. رابعا: هروب إبليس إلى مرتفعات مصر أي إلى جبال العالم وبراريها المهجورة حيث لا يجد العدو له موضعًا بين المؤمنين [3]. خامسا: دعا طوبيا عروسه أن تقوم من فراشها وتقف مع عريسها للصلاة [4]. صورة رائعة لعمل المُخَلِّص فينا حيث يدعونا أن نستيقظ، ويمسك بيدنا، فلا نتراخى وننام، بل ندخل في حوارٍ دائمٍ مع محب البشر، العريس السماوي. سادسا: قَدَّم طوبيا تسبحة لله وشكر للخالق الذي وهب آدم حواء معينة بالحق. هكذا يرى إنسان الله في الزواج ليس فرصة لشهوات جسدية، بل تمتُّع بالوحدة والحب والسلوك في الحق. [5- 9] سابعا: قيل "عندئذ نام الاثنان تلك الليلة" [9]. هذه العبارة تُذَكِّرني بسيدة في بدء حياتي الكهنوتية قالت لي وهي مرتجفة: "إنني أخاف من الموت. كيف يضعون جسدي في القبر، ويتركني الجميع وحدي". كادت تدخل في انهيار نفسي بتصوُّرِها قرب نهاية حياتها على الأرض ووضع جسدها في قبرٍ مظلمٍ وليس من يرافقها. ثامنا: العبارة التي بين أيدينا "نام الاثنان تلك الليلة" تهبنا سلامًا ورجاءً وفرحًا. فقد سبقنا العريس السماوي المتجسد وأُنزل جسمه في قبرٍ، وشارك الأموات في نومهم إلى حين. فلا يستطيع الموت أن يفصلنا عن عريسنا قط! تاسعًا: كان رعوئيل في تلك اللحظات الحاسمة يمثل ضعيفي الإيمان، إذ كان يُعَد قبرًا للعريس ولم يدرك أن الشيطان ليس له سلطان على العريس السماوي أو على عروسه [10- 12]. عاشرًا: من هي هذه الجارية التي أرسلتها عدنا لتتأكَّد أن العريس لم يَمُت، هذه مضت وفتحت الباب فوجدت كلاهما نائمين ورجعت وأخبرتهما أنه حيّ (13-14). إنها رمز للقديسة مريم وللنسوة اللواتي قال لهن الملاك: "من تطلبين؟... لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟!" (راجع يو 20: 15؛ لو 24: 5) حادي عشر: هذا العُرْس الرائع حوَّل رعوئيل من إنسان ضعيف في إيمانه إلى مُسَبِّح مُتهلل، يُشارِك القديسين والسمائيين تسابيحهم. يشكر الله الذي جعله مبتهجًا، وأعطاه ما كان يبدو له مستحيلاً [15] ثاني عشر: قَدَّم رعوئيل نصف ممتلكاته لطوبيا وأسرته. أما العريس السماوي، فيهبنا شركة الأمجاد السماوية. وكما يقول الرسول: "ورثة الله، ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17). ثالث عشر: أبرز السفر اهتمام رئيس الملائكة بزواج طوبيا ليعيش مع عروسه سارة بفرحٍ في الربِّ، كم بالأكثر تفرح الطغمات السماوية بيوم زفافنا السماوي الأبدي. 1. في حجال العُرْسِ [1- 3] ولما فرغوا من العشاء أدخلوا طوبيا عليها [1]. وإذ دخل، تذكَّر كلمات رافائيل، ووضع بخورًا مسحوقًا على قلب السمكة وكبدها وأشعل نارًا (فصار دخانًا) [2]. اشتم الشيطان الرائحة، فهرب إلى الأماكن العليا بمصر، وقيَّده الملاك [3]. لم يذكر هنا أن طوبيا وسارة وقفا للصلاة قبل حرق قلب السمكة وكبدها، إذ سبق أن قيل إنه طلب منها أن تقوم ليصليا معًا (طو 8: 4). واكتفى هنا بقوله: "ووضع بخورًا مسحوقًا". يشير البخور إلى الصلاة، إذ يقول المرتل: "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك" (مز 141: 2). كما قيل عن أحد الملائكة في السماء: "وقف ومعه مبخرة من ذهب وأعطى بخورًا كثيرًا لكي يُقَدِّمه مع صلوات القديسين جميعهم" (رؤ 8: 4). أما عن حرق قلب السمكة وكبدها، فقد سبق لنا الحديث عن السمكة أنها رمز للسيد المسيح الذي بذل نفسه حتى الموت موت الصليب من أجل خلاصنا. لقد اشتمّ الشيطان رائحة صلوات العروسين التي صاحبت رائحة البخور المسحوق على قلب السمكة وكبدها فهرب. أما في العهد الجديد، فيليق بنا أن ترتفع صلواتنا مع رائحة المسيح الذكية. وكما يقول الرسول بولس: "لنا رائحة المسيح الذكية في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون" (2 كو 2: 15). يليق بالعروسين كما بكل مؤمنٍ حقيقي أن يختفيا في الصليب ويشعرا دومًا بنصرتهما في المسيح يسوع وتحت قيادته على كل قوات الظلمة: على شهوات الجسد الشريرة والخطية وإغراءات العالم الشرير وإبليس وكل قواته. وكما يقول القديس أغسطينوس [لقد غلب العالم كله كما نرى أيها الأحباء... لقد قهر لا بقوة عسكرية بل بجهالة الصليب... لقد رُفِع جسده على الصليب فخضعت له الأرواح.] * ضَعْ مذبح بخور في أعماق قلبك. كُنْ رائحة المسيح الذكية . العلامة أوريجينوس * تصدر رائحة معرفة الله عن المسيح وبه. يقول بولس: "رائحة"، لأن بعض الأشياء تُعرَف برائحتها حتى إن كانت غير منظورة. الله غير المنظور يود أن يُدرِك بالمسيح. الكرازة بالمسيح تبلغ آذاننا كما تبلغ الرائحة أُنوفنا، فتجلب الله وابنه الوحيد إلى أعماق خليقته. من ينطق بالحق عن المسيح يصير مُجَرَّد رائحة صادرة عن الله، يتأهَّل للمديح ممن يؤمنون به. أما الذي يُقَدِّم تأكيدات خاطئة عن المسيح فله رائحة سيئة لدى المؤمنين وغير المؤمنين على السواء. أمبروسياستر القديس أمبروسيوس * لا يوضع البخور إلا بعد أن تكون المجمرة مُتَّقِدة مقدمًا، أو يكون الجمر مشتعلاً. هكذا في حالة أذهانكم، لتتقد أولاً بالغيرة، وبعد ذلك قَدِّموا صلواتكم . القديس يوحنا الذهبي الفم * الروح القدس هو الذي يملأ حياتنا برائحة القداسة، والبخور هو الفضائل المختلفة التي يشتمّها العريس كرائحة طيب أفضل من الأطياب الأخرى. القديس غريغوريوس أسقف نيصص التزم العروسان بالوصية الإلهية: "وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء" (مت 6: 6). وكأن العروسين في أول لقاء في مخدعهما شعرا أنهما دخلا معًا ليكونا في حضرة الله. بهذا يتحوَّل مخدع العروسين إلى مخدع الصلاة الخفي. يعترض البعض على استعمال قلب السمكة وكبدها ومرارتها لهزيمة الشيطان وشفاء طوبيت من العمى. * يقولون هل تشفي المرارة العين العمياء، يُرد على ذلك ما ورد في (إش 21: 38) إذ وُضع قرص تين على الدبل، فبرأ حزقيا الملك. ووضع السيد المسيح طينًا على عيني الأعمى فانفتحت عيناه. فهل التين يشفي؟ أو الطين يفتح العيون؟! وهكذا أيضا في معجزات أليشع النبي. * السبب ببساطة أن الإنسان يتكوَّن من جسدٍ وروحٍ. وأعمال الروح غير مرئية للجسد، فيسمح الله بأشياء مادية للدلالة على الأشياء روحية. مثلاً المعمودية بها ننال غفران للخطايا ونحصل بها على البنوة لله، وهي دفن مع المسيح وقيامة معه، ونحن لا نرى شيئًا من هذا كله، لذلك ندفن المعمد في ماء، ثم نخرجه من الماء للدلالة على الدفن والقيامة. والمعمودية غسل من الخطايا، لذلك نستعمل الماء للدلالة على الغسل. هكذا يستخدم الله معنا أشياء مادية، لأن لنا جسد مادي. نحن لسنا أرواح فقط فلابُد أن نشعر بشيءٍ مادي. الصورة الحسية تُغَذِّي حواس الجسد. وهكذا استعمل السيد المسيح مع تلاميذه الزيت لشفاء الأمراض (مر 13: 6؛ يع 14: 5). وبنفس المفهوم ألقى موسى قطعة شجر في الماء المُر فصار عذبًا (خر 25: 15) وإليشع وضع عود خشب في الماء فطفى الحديد (2 مل 6: 6). وأُلقي دقيق في قدر مسموم فلم يؤذِ الطعام أحدًا (2 مل 41: 4). وهناك سؤال: ألم يكن الله قادرًا أن يملأ شاول الملك أو داود من الروح بكلمة من صموئيل النبي وبدون سكب الدهن؟ حرق الكبد والقلب هو تعبير عما فعله طوبيا وزوجته من ضبط مشاعرهما وغرائزهما لربط الشيطان وبهذا غلبوه. * قال الملاك لطوبيا: "إذا أحرقت كبد الحوت ينهزم الشيطان"، فهل هذا عمل سحري؟ قطعًا لا. إنما هو شكل مادي لعمل روحي. فالكبد والقلب يُعَبِّران عن المشاعر. كان اليهود يطلقون على المشاعر "أحشاء" (في 1: 2؛ 2 كو 15: 17) وحتى الآن فإن لفظ القلب يطلق على المشاعر، فنقول: "فلان له قلب رحيم أو فلان بلا قلب". لذلك نفهم أن حرق الكبد والقلب يشير إلى المشاعر الملتهبة بين طوبيا وعروسه في الليلة الأولى للزواج ولكنهم تغلَّبوا على هذه المشاعر، فكانا كمن أحرقاها. فإنه صعب جدًا أن يعيش شاب وشابة دون أن يلمسا بعضهما. وهكذا قيل عن القديس يوحنا كاما وزوجته اللذين زوَّجهما أبواهما دون رضائهما، وأرادا أن يعيشا في حياة البتولية، وعاشا فترة كإخوة حتى ترهَّب كلاهما. "إن هذا يفوق الطبيعة البشرية، أن ينام شابان بجانب بعضهما ولا تثور فيهما الطبيعة إلى الشهوة. ومن هو الذي يدنو من النار ولا يحترق." أما المرارة بطعمها المُرّ فتشير إلى الصليب الذي حمله طوبيت في مرضه. وفي رائحة المُرّ الجميلة إشارة لاحتمال طوبيت بشكرٍ. والله يسمح بالصليب لتنقيتنا. وهذا ما حدث لطوبيا. ولقد فهم طوبيا أن الآلام التي أصابته كانت لتأديبه وتنقيته (طو 11: 17). تَقدَّم طوبيا للزواج بها كمشورة الملاك، ووضع كبد السمكة وقلبها على جمر مبخرة في الحجرة فصعد منها دخان، فخرج الشيطان بالصلاة لله والبخور بلا رجعةٍ. * ليس لدى الشيطان الحرية أن يفعل أي شيءٍ ضد خدام الله الحيّ ما لم يسمح الربّ له، وإلاَّ يُطرد الشيطان نفسه بإيمان المختارين، ويظهرون أنهم منتصرون في التجربة، كما يظهر للعالم أن المُرتدِّين إلى الشيطان هم بالحقيقة خدامه. عندكم حالة أيوب الذي ما كان يمكن للشيطان أن يفعل معه شيئًا ما لم ينل سلطانًا من الله، ما كان يدخل به في تجربة، ولا يلمس ممتلكاته. ولم يكن للجيئون من الشياطين سلطان على قطيع الخنازير ما لم يطلبون هذا من الله (مت 8: 31-32)، فكم بالأكثر بالنسبة لسلطانهم على قطيع الله. العلامة ترتليان يرى البعض أن مصر العليا أو الأماكن العليا بمصر يُقصد بها المنطقة المكتظة بالمعابد الوثنية (مثل الأقصر وأسنا إلخ..)، وهي عبادة شيطانية. ويرى آخرون أنه يقصد المناطق الصحراوية أو الجبال المهجورة. اختيار هذا المكان يُقصَد به أماكن خالية وبعيدة عن ميديا، وكأنه هرب بلا عودةٍ. يتساءل: لماذا سمح الله بهروب الشيطان؟ ما حدث هنا يتناغم مع طرد السيد للشياطين لتسكن في الخنازير (مت 12: 24). جاء في كتابات رئيس أساقفة قيصرية أندرو في بدء القرن السابع: [جاء في إشعياء (إش 21: 13؛ 34: 13-14) بخصوص سقوط بابل أمام كورش وفارس أمرًا مشابهًا لما سبق أن قيل، حيث حُكِم عليها أن تكون مملوءة بالوحوش المفترسة والشياطين الشريرة بسبب دمارها التام لأنه من المعتاد أن تُعاقَب الوحوش والأرواح الشريرة بالوجود في أماكن صحراوية، وذلك كتدبير الله، حتى لا تُسَبِّب أذية للبشر لبغضهم لهم.] 2. الصلاة في المخدع وتقديس العلاقات الزوجية [4- 9] ولما أغلقوا عليهما الحجرة، قام طوبيا من الفراش، وقال: "قومي يا أختي، لنصلي فيرحمنا الرب" [4]. وبدأ طوبيا يصلي قائلاً: "مبارك أنت يا إله آبائنا، ومبارك هو اسمك القدوس والمجيد إلى كل الدهور. تباركك السماوات وكل خلائقك. [5] خلقت آدم وأعطيته حواء زوجة معينة وعضدًا له. ومنهما كانت ذرية البشر. قلت: "ليس جيد أن يكون الرجل وحده. لنعمل له عونًا مثله [6]. الآن يا رب آخذ أختي هذه كزوجة لي، ليس من أجل الشهوة، إنما في الحق. لتأمر كي تكون لي رحمتك وننمو معًا [7]. فقالت هي معه: "آمين" [8]. عندئذٍ نام الاثنان تلك الليلة [9]. * الله يرغب أن تُغلَق أبواب الذهن أفضل من غلق الأبواب. القديس يوحنا الذهبي الفم الأب إسحق دعا عروسه أخته، وواضح أن زواجه من سارة في الحق، أي في الربّ، وأنه لم يتزوجها من أجل التمتُّع بشهوات جسدية. لقد انتشر الفكر الغنوصي عند الوثنيين بل وقبله بعض اليهود وفيما بعد عند بعض المسيحيين. هذا الفكر يقوم أساسًا على نوعٍ من الثنائية، فيرون أن المادة شرّ، والروح صالحة، فيحسبون أن الله الصالح خالق الروح لا يمكن أن يخلق المادة خاصة الجسد. ويرى الغنوصيون أن الزواج شرّ، والعلاقة الجسدية بين الزوجين نوع من الدنس. كان أتباع ماني يعتبرون الزواج نجاسة ونوع من الزنا. لذلك في رسالة القديس أغسطينوس إلى فستوس Foustus الذي كان من أتباع ماني استخدم ما ورد في صلاة طوبيا أن إبراهيم لم يقل باطلاً عن سارة إنها أخته. * إنه مضيعة للوقت الرد على ملاحظة فستوس أن إبراهيم دعا سارة زوجته أخته [7]... نتعلَّم من الكتاب المقدس أن من بين القدامى كان من المعتاد دعوة أبناء العم والعمة إخوة وأخوات. هكذا يقول طوبيا في صلاته لله عن زوجته قبل أن يدخل في علاقة جسدية معها: "والآن يا ربّ ليس من أجل الشهوة اتخذت أختي هذه زوجة بل في سبيل الحق" (طو 8: 7). * لا توجد صعوبة في الامتناع (عن العلاقات الزوجية) ما لم توجد لذة الشهوة، بالتأكيد الذين أتحدث إليهم يعرفون أن الخلاعة مع الزوجة هو إفساد وانغماس في الشهوات، كما يظهر في صلاة طوبيا عند تزوج امرأته، إذ يقول: "مبارك أنت يا إله آبائنا، ومبارك هو اسمك المجيد إلى الأبد. لتباركك السماء وكل خليقتك. لقد خلقت آدم وأعطيته حواء زوجة له ومعينة... والآن أنت تعرف أنني لم آخذ أختي هذه للشهوة، بل بالحق. لهذا تحنن علينا يا ربّ" (راجع طو 8: 5-9) . القديس أغسطينوس أما رعوئيل فقام ومضى وحفر قبرًا، قائلاً: "ربما يموت هو أيضًا" [10]. عاد رعوئيل إلى بيته [11]، وقال لزوجته عدنا: "ابعثي إحدى الجواري لترى إن كان بالحق طوبيا حيًّا. وإلا ندفنه دون أن يعلم أحد [12]. مضت الجارية وفتحت الباب فوجدت الاثنين نائمين [13]. رجعت وأخبرتهما أنه حيّ [14]. شكّ رعوئيل في أن يتحدَّى طوبيا بروح الصلاة والثقة في إله المستحيلات أن ينتصر على الشيطان القاتل للرجال الغرباء السبعة الذين أرادوا الزواج بسارة، فحفر قبرًا لطوبيا، قائلاً: "ربما يموت هو أيضًا" [10] لقد اتَّسم رعوئيل بسماتٍ جميلة، لكنه سقط في ضعف الإيمان. لا نعجب من هذا، فقط سقط تلميذي عمواس اللذين تبعا ربنا يسوع وسمعا منه عن قيامته من الأموات، ومع هذا تشكَّكا في ذلك بعد أن رأته بعض النسوة وبعض التلاميذ. لهذا إذ ظهر لهما، قال أحدهما (كليوباس): "كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل. ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك، بل بعض النسوة حيرننا، إذ كن باكرًا عند القبر، ولما لم يجدن جسده أتين قائلات: إنهن رأين منظر ملائكة قالوا إنه حيّ" (لو 24: 21-13). 4. رعوئيل يُقَدِّم تسبحة شكر [15- 18] اكتشف رعوئيل ضعف إيمانه، إذ رجعت الجارية وأخبرته هو وزوجته أنه حيّ [14]. قَدَّم توبته بصورة رائعة، وذلك بالتسبيح لله واهب الحياة والقيامة، وجاءت تسبحته تُقَدِّم ذبيحة شكر على أعماله العجيبة. أولاً: شكر الله الذي وهبه أن يُسَبِّحه بحمدٍ خالصٍ مقدسٍ [15]. إنه يقدم للقدوس حمدًا من قلبه الذي يتقدس خلال تمتُّعِه بحضور القدوس فيه. لا نستطيع أن نُقَدِّم تسبحة مقدسة، ما لم يُقِم القدوس ملكوته فينا! ثانيًا: قدَّم هذه التسبحة في بيته حيث كان مع عدنا زوجته. لقد رفع قلبه إلى السماء، وشعر أنه واقف مع كل الطغمات السمائية، ومعه المختارون الذين يباركون الله، القديسون في كل الأجيال. إنه يقف أمام العريس السماوي كعضوٍ حيّ في الكنيسة العروس ومعها أصدقاء العريس، أي الملائكة. بقلبه المتسع يشعر وهو يُسَبِّح أنه يشترك مع السمائيين ومع كل القديسين منذ آدم إلى آخر الدهور، وأيضًا مع الخلائق غير العاقلة. ثالثًا: يعترف في تسبحته أنه كان مُحَارَبًا في فكره من عدو الخير، لكن الله وهب بهجة وتهليلاً عوض القلق والخوف وضعف الإيمان [16]. رابعًا: مع شعوره بشركته مع السمائيين في التسبيح، لا ينسى العروسين الوحيدين في الأسرتين، أسرة طوبيت وأسرة رعوئيل. طلب لهما المزيد من رحمة الله، وأن يكملا حياتهما في الربّ بصحة جيدة وبهجة قلب [17]. عندئذ بارك رعوئيل الله، قائلاً: "مبارك أنت يا الله بكل حمدٍ خالصٍ مقدسٍ. يطوبك قديسوك وكل خلائقك. كل ملائكتك ومختاريك يباركونك إلى كل الأجيال [15]. مبارك أنت إذ جعلتني مبتهجًا، ولم يصبني ما كنت أَتوقَّعه. بل بالحري عاملتنا حسب رحمتك الوفيرة [16]. مبارك أنت يا من رحمت الاثنين الوحيدين لنا. أظهر يا رب لهما رحمتك، وكمِّل حياتهما في صحة ٍ وبهجة ٍ ورحمةٍ [17]. ثم أمر غلمانه أن يردموا القبر [18]. اهتم رعوئيل أن يبارك الربّ لأجل رحمته الواسعة، إذ أبقى على حياة طوبيا. فرح رعوئيل إذ كان يخشى قتل طوبيا زوج ابنته كبقية الأزواج السبعة السابقين. رفع رعوئيل وحنة قلبيهما يشكران الرب على زواج ابنتهما ويطلبان للعروسين أن تحل بركة الرب عليهما. 5. حفل العُرس [19- 21] انطلق رعوئيل بقلبه المُسبِّح لله ليقوم بدوره من جهة العروسين: أولاً: ردم القبر [18]، حتى لا يتعثَّر العروسان بضعف إيمان رعوئيل. حسن للمؤمن أن يشعر بضعفاته ليسلك بروح التواضع والخشوع. لقد ردم على قبر ضعفاته، لتتهلل نفسه بالله مُخَلِّصه غافر الخطايا. الحديث عن الضعفات دون التطلُّع إلى المُخَلِّص قد يُسقِط الإنسان في اليأس، بل ويُعثِر الآخرين. ما دمنا نتمتَّع بالحياة المُقامة، فليس للموت موضع في قلوبنا أو عقولنا. ثانيًا: أراد أن يتمتَّع العروسان والأسرة والأصدقاء بحفلٍ دائم لمدة أربعة عشر يومًا. ثالثًا: لم ينتظر إلى يوم رحيل العروسين إلى نينوى، بل طلب من طوبيا أن يأخذ نصف ممتلكاته ويرحل إلى أبيه، والباقي يؤول إليه كميراث بعد موت رعوئيل وعدنا. بعد ذلك أقام لهما عرسًا لمدة أربعة عشر يومًا [19] وقبل انتهاء أيام العُرْسِ أقسم رعوئيل، وقال (لطوبيا) إنه لن يترك هذا الموضع حتى يبقى أيام العُرْس الأربعة عشر [20]. وبعد هذا يأخذ نصف ممتلكاته ويمضي بسلام إلى أبيه. وأما الباقي فسيؤول إليه بعد موته هو وزوجته" [21]. من وحي طوبيت 8 في حجال العُرْسِ السماوي * دخل طوبيا على سارة في حجال العُرْسِ. تذكَّر كلمات رافائيل ووضع بخورًا مع قلب السمكة وكبدها مع الصلوات.لم يحتمل الشيطان رائحة البخور فهرب بلا رجعةٍ. دعا طوبيا سارة لتقوم للصلاة معه، ونام الاثنان في سلامٍ عجيب. انشغل رعوئيل والد سارة بحفر قبرٍ لئلا يموت طوبيا مثل سابقيه، فيدفنه في الخفاء. أرسلت عدنا زوجته جارية لتطمئن على طوبيا، ففوجئت بالاثنين في نومٍ عميق! * عوض القلق بارك الربّ رعوئيل. طلب من السمائيين كما من القديسين وكل الخلائقأن يعزف كلٍ منهم على قيثارته الروحية مشتركًا في التسبيح لله. بفرحٍ وسرورٍ طلب رعوئيل أن يستمر الفرح أربعة عشر يومًا. لم يطلب العريس شيئًا من رعوئيل، إنما تقدَّم رعوئيل ليخبره بأنه سيُقَدِّم له كل ممتلكاته. أعطاه النصف، وأقامه وارثًا له بعد وفاته هو وعدنا زوجته. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166819040019151.jpg الأصحاح التاسع غابيلوس يرد الفضة طلب طوبيا من عزريا (رئيس الملائكة المتخفي) أن يذهب إلى غابيلوس يطلب منه الوديعة التي سبق أن سلَّمها له طوبيت. ونلاحظ في هذه الإرسالية الآتي: أولاً: ليس بالضرورة أن من يرسل أحدًا يكون المُرسِل أعظم من الرسول، فطوبيا الشاب أرسل رئيس الملائكة المُتخفي ليُقَدِّم له هذه الخدمة. * إن كنت تظن أن الذي يُرسَل أقل من الذي أرسله يلزم أن تتعلَّموا أن الصغير يمكن أن يرسل من هو أعلى منه في المقام [2]؛ والأكثر مقامًا يمكن أن يُرسِل من هم أقل منه[1]. القديس أمبروسيوس ثالثًا: اتَّسم طوبيا الشاب بالفكر الناضج والرقة في التعامل وتقديره للآخرين، ففي حديثه مع الملاك تحدث معه كأخٍ يثق في أمانته وحكمته وقدرته على التدبير. لم يصدر طوبيا أمرًا لعزريا، ولا اتفق معه على الأجرة، إنما بروح الحب طلب منه هذه الخدمة بأسلوبٍ لطيفٍ لائقٍ مع أنه لم يكن يعلم أنه رئيس ملائكة. تشبَّه الرسول بولس بطوبيا في تعامله مع إخوته، إذ يقول: "على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر (1 كو 6:7)". كما قال: "لست أقول على سبيل الأمر بل باجتهاد آخرين مختبرًا إخلاص محبتكم أيضًا (2 كو 8:8)". فالإنسان بطبيعته يحب مَنْ يمتدحه ولا يفرض عليه أمرًا. رابعًا: اعتذر طوبيا له بلطفٍ أنه لا يستطيع أن يذهب معه ليرافقه، لأنه وعد حماه ألا يتركه طوال مدة وليمة العُرْسِ، أي أربعة عشر يومًا، وهو لا يقدر أن يحنث بوعده. خامسًا: طلب منه أن يدعو غابيلوس لحضور العُرْسِ، مع أن العادة التي كانت مُتَّبَعة في ذلك الوقت أن العريس أو الوالدين يبعثان العبيد للدعوة لحضور العُرْسِ. ففي المثل الذي ذكره السيد المسيح يقول: "يشبه ملكوت السماوات ملكًا صنع عرسًا لابنه، وأرسل عبيده ليدعو المدعوين" (مت 22: 2-3). مع هذا لم يتأفف رئيس الملائكة من أن يقوم بهذه المهمة. سادسًا: بالرغم من ضخامة الوديعة، سلَّمه الصك مطمئنًا. سابعًا: كان طوبيا حريصًا على إبراز تكريمه وتقديره لله ولأبيه فكان دائم التسبيح والشكر له، ولصديقه الذي كان يظنه أجيرًا، ولزوجته إذ قيل "أما طوبيا فبارك زوجته". إنه يحترم مشاعر الجميع مع حرصه ألا يُعَاق عن تحقيق هدف رحلته. ثامنًا: شعر طوبيا بعظمة هذا الأجير، فسلَّمه الصك الذي استلمه من أبيه، وتحدث معه كصديقٍ. تاسعًا: لم ينشغل طوبيا في فتح الأكياس والتعرُّف على عدد القطع الفضية. عاشرًا: العجيب في السفر كله أن جميع أعضاء العائلات الأربع أن يحرص الكل على بركة الرب، فلا ندهش مما قيل: "أما طوبيا فبارك زوجته" [6]. ذهاب رئيس الملائكة إلى غابيلوس [1- 6] عندئذ ٍ دعا طوبيا رافائيل، وقال له: [1] "يا أخي عزريا، خذ معك غلامًا وجملين واذهب إلى بيت غابيلوس في راجيس بميديا. أحضر لي الفضة وأحضره إلى وليمة العُرْسِ [2]. فقد أقسم رعوئيل ألا يطلقني [3]. لكن أبي يُعدّ الأيام، فإذا ما أبطأت كثيرًا يحزن جدًا [4]. عندئذ مضى رافائيل وقضى الليل مع غابيلوس، وأعطاه الصك. بهذا أحضر غابيلوس أكياسًا صغيرة مختومة وقدَّمها له [5]. استيقظ الاثنان في الصباح المبكر ومضيا إلى وليمة العُرْسِ. وبارك طوبيا وزوجته [6]. يُلاحَظ في هذا النص الآتي: أولاً: استغلالًا للوقت، طلب طوبيا من الملاك (عزريا) أن يذهب هو بالصك إلى راجيس المدينة التي يُقِيم فيها غابيلوس لاسترداد قيمة الصك، وذلك حتى يستطيع أن يقضي أطول وقت ممكن مع سارة وعائلتها. ثانيًا: قضى رئيس الملائكة ليلة مع غابيلوس [5]. لم يُشِر السفر إلى أية أحاديث بينهما، إنما بلا شكٍ كانت ليلة فريدة في حياة غابيلوس، شعر أن هذا الضيف رفع قلبه وفكره كما إلى السماء، وتلامس مع الحضرة الإلهية. ثالثًا: في (طوبيت 7:3) قيل إن رعوئيل كان في راجيس، وفي هذا الأصحاح قيل إن غابيلوس في راجيس فكيف يرسل طوبيا الذي في راجيس الملاك ليستوفي قيمة الصك ويقول له انطلق إلى راجيس؟! يرى البعض أن اسم المقاطعة راجيس ربما على اسم المدينة التي يسكنها غابيلوس، أما رعوئيل فكان يسكن في أحد أطراف مقاطعة راجيس وتُسمَّى أحمتا أو اكباتانا. يقول نيافة الأنبا مكاريوس إن هذه المدينة -أي مدينة راجيس- خُرِّبت في زمن الإسكندر الاكبر ثم أعيد بنائها على يد سلوقس نيكاتور نحو سنة 300 قبل الميلاد، وربما تكون هي أطلال بالقرب من قرية شاه عبد العزيز، التي يربطها بمدينة طهران خط السكك الحديدية الإيرانية، وتبعد عنها بنحو ثمانية كيلومترات إلى الجنوب الشرقي منها - أي من طهران. رابعًا: لا يستطيع طوبيا أن يستخفّ بقَسًم رَعوئيل [3]، حيث كان اليهود يخشون ذلك جدًا، فإنه التزام أدبي من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب الخشية من غضب الله الذي نهى عن الحنث بالقَسَم، وشق الذبيحة قديمًا عند العهد قد يكون معناه أن يشطر هكذا، كل من حنث بالعهد، ولعل منها قد جاءت لفظة قَسَمِ في العبرية. اهتم سفر اللاويين بتقديم ذبيحة إثم لمن يحنث بقَسَمِه، إذ جاء فيه: "أو إذا حلف أحد مفترطًا بشفتيه للإساءة أو للإحسان من جميع ما يفترط به الإنسان في اليمين وأخفي عنه ثم علم فهو مذنب في شيءٍ من ذلك. فإن كان يذنب في شيءٍ من هذه يقر بما قد أخطأ به. ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته التي أخطأ بها أنثى من الأغنام نعجة أو عنزًا من المعز ذبيحة خطية، فيكفر عنه الكاهن من خطيته. وإن لم تنل يده كفاية لشاة فيأتي بذبيحة لإثمه الذي أخطأ به يمامتين أو فرخي حمام إلى الرب أحدهما ذبيحة خطية والآخر مُحرَقة. يأتي بهما إلى الكاهن فيقرب الذي للخطية أولاً يحز رأسه من قفاه ولا يفصله" (لا 5: 4-8). "... أو وجد لقطة وجحدها وحلف كاذبًا على شيءٍ من كل ما يفعله الإنسان مخطئًا به. فإذا أخطأ وأذنب يرد المسلوب الذي سلبه أو المغتصب الذي اغتصبه أو الوديعة التي أُودعت عنده أو اللقطة التي وجدها. أو كل ما حلف عليه كاذبًا يعوضه برأسه ويزيد عليه خمسه إلى الذي هو له يدفعه يوم ذبيحة إثمه. ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشا صحيحًا من الغنم بتقويمك ذبيحة إثم إلى الكاهن. فيكفر عنه الكاهن أمام الرب، فيصفح عنه في الشيء من كل ما فعله مذنبًا به." (لا 6: 3-7) خامسًا: حينما تقابل رافائيل مع غابيلوس دفع إليه صكه، واستوفى منه المال كله، ونلاحظ أن الشريعة كانت تسمح بالقروض بين اليهود بعضهم البعض، ولكن لم تسمح إطلاقًا بفائدة أو رِبا وتقول في ذلك: "إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالرابي لا تضعوا عليه رِبا، إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس تردّه له، لأنه وحده غطاؤه، هو ثوبه لجلده، في ماذا ينام؟" (خر 25:22-27)". وتؤكد ذلك في موقع آخر "وإذا افتقر أخوك وقصرت يده عندك فأعضده غريبًا أو مستوطنًا فيعيش معك، لا تأخذ منه رِبًا ولا مرابحة بل اخش إلهك فيعيش أخوك معك، فضتك لا تعطه بالرِبا وطعامك لا تُعطِ بالمرابحة" (لا 35:25-37). قال السيد المسيح له المجد: "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده (مت 42:5)". وقال يشوع بن سيراخ يقول: "الذي يصنع رحمة يقرض القريب والذي يمد إليه يد المساعدة يحفظ الوصايا. أقرض قريبك في وقت حاجته وسدِّد ما له عليك في حينه، أثبت على كلامك وكن مخلصًا له، فتنال بغيتك في كل حينٍ، كثيرون يحسبون القرض لقطة ويجلبون المتاعب للذين ساعدوهم. قبل أن يقبضوا يُقَبِّلون اليد وأمام أمواله يتكلمون بتواضع، فإذا آن الرد ما طالوا وردّوا كلمات كئيبة وشكوا صروف الدهر. إن كان الرد في طاقتهم يكاد المقرض لا ينال النصف ويحسب ذلك لقطة وإلا فيكونوا قد سلبوه أمواله ويكون قد زاد عدد أعدائه، بلا سببٍ يردون لعنًا وشتما وبدل الإكرام يكافئونه الإهانة. كثيرون عن غير خبثٍ يمسكون عن القرض مخافة أن يُسلبوا بلا سببٍ" (سيراخ 29: 1-7 ). وداود النبي يقول: "الشرير يستقرض ولا يفي، أما الصديق فيترأف ويعطي" (مز 21:37). لأن غابيلوس كان رجلًا بارًا، رد كل ما كان عليه دفعة واحدة. مع أن المبلغ كان كبيًرا. وعندما علم بخبر العُرْسِ، قام ومضى إلى العُرْسِ فرحًا ومهنئًا طوبيا بن طوبيت صديقه. والذي وقف جانبه حينما كان في احتياج فهو لم ينسَ من صنع معه المعروف[2]. من وحي طوبيت 9 هب لي يا ربّ روح الصداقة والخدمة * تُرَى ماذا أطلب منك يا محب البشر؟! إرسالك لرئيس الملائكة سكب بهجة في السماء وعلى الأرض.تهللت السماء لأن أحدهم صار رمزًا للسيد المسيح المخلص، يُسرّ بخدمته للبشر، وفي تواضع يقبل إرسالية الشاب طوبيا ليحضر له الوديعة. تهللت الأرض لأن رافائيل يكشف عن إزالة العداوة بين البشر والسمائيين بالمُخَلِّص المصلوب! * يا للعجب تعامُل رئيس الملائكة مع طوبيا بعث روح الصداقة والحب. وثق طوبيا في أمانة رئيس الملائكة المتخفي.سلَّمه الصك واعتذر له أنه لا يقدر أن يترك سارة. * سلَّم رئيس الملائكة الصك لغابيلوس، ودعاه للشركة في حفل عرس طوبيا بن طوبيت، للحال أحضر له الفضة، وقبل الدعوة بفرحٍ.استراح قلب غابيلوس لرسول طوبيا المتخفي. وقضى الضيف ليلة مع غابيلوس. لم نعرف هل دار حوار بينهما طوال الليل. وهل دخلا في حوارٍ أثناء رحلتهما إلى أحمتا؟ تهللت نفس غابيلوس أنه سلَّم الوديعة لصاحبها. وحسب طوبيا ابنًا له وسُرّ بزواجه! أينما حلّ رئيس الملائكة المتخفي، حلَّت بركة الربّ على الحاضرين، وملأ سلام الله قلوب الكل. بالحق بدت الأرض كأنها سماء بوجود رئيس الملائكة المتواضع والمحب لخدمة البشر. كم بالأكثر تتغيَّر قلوبنا حين يعلن إله رئيس الملائكة سكناه في قلوبنا! هب لنا يا ربّ أن نرى الأرض قد صارت بنعمتك أيقونة السماء؟! اسكب يا ربّ روح الحب والصداقة والخدمة في قلوب الكل بنعمتك. _____ |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166819040019151.jpg الأصحاح العاشر قلق حنة والحياة المباركة أَصرَّ طوبيا أن يأخذ زوجته ويرجعا إلى والديه، إذ كان يدرك مدى قلق والديه عليه. أوصى الوالدان رعوئيل وزوجته ابنتهما العروس "أن تكرّم حمويها وتحب رجلها، وتُدَبِّر أبناءها، وتسوس بيتهما، وتحفظ نفسها بلا لومٍ" [10]. انطلق العروسان في صحبة رئيس الملائكة رافائيل إلى بيت طوبيت. جاءت تكملة القصة تكشف عن ثمار احتمال الألم بشكرٍ في حياة طوبيت وطوبيا، وهي التمتُّع ببركات إلهية وسلام وشبع وإدراك للسماويات. التمييز بين حياة القلق والحياة المباركة يربط هذا الأصحاح بين حياة القلق والاضطراب وبين الحياة المباركة. بحسب التقديرات البشرية، سقط كل من طوبيت وحنة في حالة من القلق بسبب الضعف البشري، لكن اختلف الاثنان في علاج الموقف. تصوَّر طوبيت أن تأخير مجيء ابنه في الميعاد المتوقّع سببه أن يكون غابيلوس قد مات، ولم تعرف عائلته بأمر الوديعة التي سلَّمها له. حزن حزنًا شديدًا ليس على الفضة التي أودعها، إنما لأجل أسرة غابيلوس التي فقدت عائلها. أما حنة فتصوَّرت أن ابنها قد مات، وعندما حاول رجلها أن يطمئنها، قالت له: "اصمت أنت، ولا تخدعني. ابني مات"، وكانت تتمشَّى كل يومٍ في الطريق الذي مضى فيه. امتنعت عن الطعام نهارًا، ولم تكف عن البكاء ليلاً على ابنها طوال الأربعة عشر يومًا التي للعُرْسِ. الاثنان سقطا تحت الضعف البشري، لكن طوبيت حزن إلى حين واثقًا في رحمة الله، أما حنة فاستسلمت للحزن بغير رجاءٍ. مقابل هذه الحياة المملوءة قلقًا، يُقَدِّم لنا هذا الأصحاح بل وكل السفر الاهتمام بالحياة المُطوَّبة أو الحياة المباركة. افتتح أغلب الشخصيات الواردة في السفر تسابيحهم بالقول: "مبارك أنت يا ربّ". أو ما يماثلها هكذا. قالت كل من سارة (3: 11)، وطوبيا (8: 5)، ورعوئيل (8: 15-17) وطوبيت (11: 14؛ 213) وأيضًا الملاك (12: 5). كما وردت نفس العبارة في كثير من المزامير والتسابيح في الكتاب المقدس. فماذا يعني "مبارك أنت يا ربّ"؟ والعبارات المماثلة لقولنا "نباركك ونمجدك"، لا تعني أننا نُقَدِّم له بركة أو مجدًا، إنما هو مصدر البركة والمجد. أما الإنسان المبارك أو المطوَّب فهو الإنسان الذي يتمتَّع بعربون السماء، فيُشارِك السمائيين حياتهم المُطوَّبة وفرحهم الروحي وسلامهم السماوي. في وصية طوبيت لابنه يقول: "بارك الربّ إلهك في كل حينٍ" (4: 19). بمعنى اشهد لله السماوي بأن تحمل سمات سماوية قدر المستطاع. اشهد للربّ السماوي بسلوكك الملائكي السماوي خلال عمل نعمته فيك. عند رحيل العريس وعروسه إلى راجيس قيل عن رعوئيل والد العروس: "ثم باركهما وأرسلهما في طريقهما، قائلاً: ليُنجحكما إله السماء يا بنيَّ قبل أن أموت" [11] وحينما يبارك إنسان أخًا أو أختًا أو ابنًا أو حفيدًا، إنما يطلب لمن يباركه أن يهبه الله عربون السماء وبهجتها وسلامها ونقاوتها. وقد جاء السفر مملوءً بهذه المواقف. رعوئيل بارك زوج ابنته طوبيا، قائلاً له: "أنت ابن رجل فاضل ..." (طو 6: 6). أيضًا رعوئيل إذ سلَّم ابنته زوجة لطوبيا "باركهما" (طو 7: 12)، كما باركهما عند رحيلهما (طو 10: 11). ولا نعجب إذ بارك طوبيا زوجته (طو 6: 6)، بل وطوبيا الذي باركه رعوئيل بارك حمويه رعوئيل وعدنا من أجل أعمال محبتهما له (طو 10: 14). وعندما تنبأ طوبيت عن إعادة بناء أورشليم وبناء هيكل الربّ فيها، دعا سكان أورشليم، قائلاً: "باركي (يا مدينة أورشليم) ملك الآباء" (طو 13: 11)، كما قال: "مباركون هم الذين يحبونكِ" (طو 13: 15). وإذ تنبأ طوبيت عن قبول الأمم الإيمان الحق، قال: "وستبارك كل الأمم الربّ" (طو 14: 5). وما نقوله عن قولنا لله: "نباركك"، ينطبق على قولنا: "ليتقدس اسمك". إنها ليست طلبة تخص اسم الله، إنّما تخصّنا نحن في علاقتنا بهذا الاسم القدّوس. فإن كنّا نحن أبناء لله، فإن اسمه يتقدّس فينا بتقديسنا بروحه القدّوس. * يليق بمن يدعو الله أباه ألا يطلب شيئًا ما قبل أن يطلب مجد أبيه، حاسبًا كل شيءٍ ثانويًا بجانب عمل مدحه، لأن كلمة "ليتقدّس" إنّما تعني "ليتمجَّد". القديس يوحنا الذهبي الفم الأب إسحق * إن كان اسم الله يُجدَّف عليه من الأمم بسبب الأشرار، فعلى العكس يُقدّس وُيكرّم بسبب الأمناء، أي المؤمنين. القديس أغسطينوس 1. مخاوف طوبيت وحنة [1- 7أ] كان والده طوبيت يحسب الأيام، وإذ مضت الأيام المُقدَّرة للرحلة ولم يرجعا [1]، تساءل: "هل عاقه مانع؟ أو ربما مات غابيلوس ولم يعطه أحد الفضة؟ [2] وكان حزينًا للغاية [3]. عندئذ قالت له زوجته: "لقد مات الشاب، وهذا هو سبب التأخير". ثم بدأت تبكي عليه، وقالت: [4] "هل أنا أهملت يا ابني، يا نور عيني، إذ سمحت لك أن تنطلق" [5]. أما طوبيت فقال لها: "اصمتي ولا تضطربي، إنه سالمٌ. [6]. أجابته: "اصمت أنت، ولا تخدعني. ابني مات!" وكانت تتمشّى كل يومٍ في الطريق الذي مضى فيه، ولم تكن تأكل خبزًا في النهار. وبالليل لم تكف عن النوح على ابنها طوبيا طوال الأربعة عشر يومًا التي للعُرْسِ التي أقسم رعوئيل أن يقيمهما [7 أ]. اضطرب كل من طوبيت وزوجته حنة بسبب تأخير وصول ابنهما في الميعاد المتوقَّع، لكن الأب رفع قلبه لله واثقًا في رعايته لابنه، أما الأم فاستسلمت للضعف البشري. أولاً: لم يفقد طوبيت سلامه الداخلي بالرغم من تأخُّر ابنه (طو 10) غير أن تأخير عودة طوبيا إلى والديه لمدة أسبوعين سبَّب خلافًا مؤقتًا بين رعوئيل وحنة. ثانيًا: يليق بنا أن نهتم بأبنائنا فهم أهم ما في حياتنا [1- 4]. * بالنسبة للأطفال علينا التزام عظيم. ليتنا نعطي اهتمامًا كبيرًا بهم، ونبذل كل جهدٍ حتى لا يسلبهم الشرير منا... لا نتطلَّع إلى شيءٍ نظنه أكثر أهمية منهم، والشخص الذي نعهد إليه ابننا كحارسٍ لسلوكه... نعتني بابننا بكونه أثمن جدًا من ممتلكاتنا. إننا نهتم بممتلكاتنا من أجل أبنائنا، أما عن أبنائنا أنفسهم فلا نهتم بهم قط. القديس يوحنا الذهبي الفم القديس أمبروسيوس عندئذ قال طوبيا لرعوئيل: "ردّني لأن أبي وأمّي قد فقدا الرجاء في أن ينظراني" [7 ب]. لكن حماه قال له: "امكث معي وأنا أبعث رسلاً إلى أبيك، وهم يخبرونه بأمورك" [8]. قال طوبيا: "لا بالحري، أرسلني إلى أبي" [9]. عندئذ قام رعوئيل وأعطاه سارة زوجته كما أعطاه نصف أملاكه من عبيدٍ وقطيعٍ وفضةٍ. [10]. ثم باركهما وأرسلهما في طريقهما، قائلاً: لينجحكما إله السماء يا بنيَّ قبل أن أموت" [11]. ثم قال لابنته: "أكرمي حمويكِ، فهما الآن والديكِ. لأسمع عنكِ سمعًا طيبًا، ثم قبَّلها. وقالت عدنا لطوبيا: ليردّك ربّ السماء يا أخي الحبيب. وأرى أطفالك من سارة ابنتي، وأفرح أمام الرب. انظر لقد سلمت ابنتي في رعايتك، فلا تُحزنها" [12]. بهذا انطلق طوبيا يبارك الله أنه أنجح رحلته. وبارك (طوبيا) رعوئيل وعدنا زوجته . سرّ قبول تسبحة طوبيا التي لم يرد نصها هنا هو حياته المقدسة التي تُحسَب تسبحة مقبولة لدى القدوس. * من يبارك الربّ بلسانه لكن يلعنه بأعماله لا يبارك الربّ في الكنائس. تقريبًا الكل يباركونه بألسنتهم، لكن ليس الكل يباركونه بأعمالهم . القديس أغسطينوس من وحي طوبيت 10 فرح سماوي ومقاومة من إبليس * التقى غابيلوس لأول مرة مع طوبيا وزوجته، منذ أيام قليلة لم يكن أحدًا منهم يعرف الآخر. تهلَّل غابيلوس إذ تمتَّع بما لم يكن يتوقعه.ربما كان في أعماقه يصرخ: كيف أَرُدّ الفضة لطوبيت إنسان الله الصالح والبار. وها هو يرى ابن طوبيت عريسًا مباركًا. حسب نفسه أبًا للعريس وعروسه فتهلل. * لم يحتمل عدو الخير أن يرى الكل متهللاً، رئيس الملائكة المتخفّي قد صار رمزًا للمُخَلِّص.وطوبيا صار رمزًا للعريس السماوي، وسارة صارت رمزًا لكنيسة المسيح البهية. وغابيلوس صار رمزًا السمائيين المُحتفِلين بالعُرْسِ السماوي. وأما رعوئيل وعدنا لم يرتبكا برحيل ابنتهما مع عريسها، إذ وهبها الله عريسًا مباركًا. أثار هذا الجو الملائكي العدو فم يحتمل الصمت. بذل كل الجهد ليثير القلق في قلب حنة والدة طوبيا وقلب طوبيت أبيه. قابل جو المحبة العجيب في أحمتا إثارة متاعب في نينوى. أراد العدو أن يثير قلاقل حتى بين طوبيت وحنة. حتى متى عاد العروسان يجدان الجو ملبدًا بالغيوم. * هب يا ربّ للعالم كله أن يتمتَّع بفرح الروح، ولتبدد كل مشورات عدو الخير. هب لنا عربون السماء فتفرح قلوبنا بأعمالك، ونُحَطِّم خطط عدو الخير المُفسِدة للسلام. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166843351545193.jpg الأصحاح الحادي عشر شفاء عيني طوبيت بدأ السفر بمواجهة طوبيت البار التجارب الخارجية سواء في مملكة إسرائيل أو السبي، ثم مواجهته للتجارب الداخلية من جسده الذي أُصيب بالعمى ومن زوجته التي كانت تُعَيِّره. والآن تتحوَّل كل الأحداث المؤلمة إلى أفراح كثمرة لصلوات المُجرَّبين: طوبيت وأسرته ورعوئيل وأسرته. تحوَّلت التجارب المُرَّة إلى جوٍ مُفرحٍ عجيبٍ. أولاً: كان رافائيل حريصًا على خدمة الكل في الأمور الكبيرة والصغيرة، فإن كان قد هيَّأ طوبيا للزواج من سارة، وكشف له عن كيفية طرد الشيطان الذي كان يقتل كل من يتقدَّم لها، غير أننا نلاحظ أنه عند اقتراب كل الموكب من نينوى، طلب من طوبيا أن يسرع معه عن الموكب لكي يعدّا البيت لاستقبال العروس التي لم تكن قد تعرَّفت على حماها وحماتها، وأن يفرحا بحضور العروسين. ثانيًا: الأم التي كانت تسير في الطريق الذي سلكه ابنها وهي تبكي بمرارة وتئن لأنها حسبته قد مات، الآن ترتمي عليه وتعانقه وتحسب كل أمنياتها قد تحققت برؤيتها ابنها. اعتبرت أنها لا تجد بعد شيئًا على الأرض تطلبه من الله. وحسبت ذلك استعدادًا أن تموت مستريحة القلب [9]. ثالثًا: إذ شعر طوبيت بهذا اللقاء المُفرِح بين حنة وابنها طوبيا أسرع ما استطاع ليستقبل طوبيا فتعثَّر عند الباب بسبب إصابته بالعمى. لكن أسرع إليه ابنه، وفي طاعة كاملة لرفيقه العجيب عزريا (رافائيل المتخفي) [7-8] طلب منه أن يدلَّك عينيه بمرارة السمكة وازالة القشور البيضاء منها[1] [12]. فكان أول ما نظره هو ابنه الذي كان يئن عليه بسبب التأخير [13]. من يستطيع أن يُعبِّر عن فرح طوبيت بلقائه مع ابنه وتفتيح عينيه ليرى ابنه الوحيد الذي حُرم من رؤيته قبل سفر طوبيا بمدة قد تكون طويلة! رابعًا: أظهرت حنة مشاعرها الفياضة نحو ابنها وأيضًا نحو زوجها طوبيت. فعند لقائها بابنها قالت: "رأيتك يا ابني؛ لأمت الآن" [9] وإذ لم تستطع القبلات والأحضان والكلمات أن تُعَبِّر عن مشاعر الأم وابنها بكيا [9]، لكي تعبّر الدموع عما في داخل قلبيهما وعقليهما. شعرت أيضًا بما في قلب رجلها، فقالت له: "هوذا ابنك قادم والرجل الذي يصحبه" [6]. لم تقل ابني بل قالت "ابنك". وكأنها تود القول إن مشاعرك من نحوه لا تقل عن مشاعري من نحوه! خامسًا: أسرع طوبيت للقاء سارة كنّته فرحًا! لقد صار أباها، يحبها كما يحب زوجها طوبيا! لقد باركها وحسب والديها مباركين من قِبَل الربّ [17]. سادسًا: كان طوبيا مُدرِكًا ما في قلب أبيه، أن يعرف أعمال الله معه في هذه الرحلة، لذلك تحدث طوبيا مع أبيه وهو متهلل "بكل الأمور العظيمة التي حدثت معه في ميديا" [15]، قبل أن يسأله أباه عن هذه الأحداث. سابعًا: هذه المشاعر الفياضة من جانب طوبيا وأمه وأبيه لم تشغلهم عن تقديم الشكر لله، لذلك "قدم طوبيت الشكر، لأن الله رحمه" [16]. ثامنًا: عمل الله مع هذه الأسرة هزّ مشاعر كل إخوته اليهود المسبيين، خاصة أقرباءه مثل أحيور وناداب، فجاء الكثيرون يشاركون في الاحتفال بالعُرْسِ. من يقدر أن يصف أيضًا مشاعر سارة هذه التي عيَّرتها جواري أبيها، وانتشرت قصة الرجال السبعة الذين قتلهم الشيطان في ليلة زفافهم، هوذا الآن الكثير من اليهود المسبيين في نينوى صاروا في فرحٍ عظيم من أجل أعمال الله مع طوبيت وزوجته وابنهما طوبيا وكنّتهما سارة. لم تعد تشعر بالمرارة والضيق، حتى والديها في احمتا بميديا كانا متهللين بعمل الله معهما ومع ابنتهما. تاسعًا: في احمتا امتدّ عُرْس طوبيا وسارة أربعة عشر يومًا ببهجة، وها هنا في نينوى استمر العُرْسُ سبعة أيام أيضًا حتى يفرح كل شعب الله في نينوى. عاشرًا: لا ننسى أيضًا أن الكلب الذي رافق صديقه طوبيا في كل رحلته قد فرح ليس فقط لأنه عاد إلى بيته، وإنما لمس الجو المُفرِح للعائلتين طوبيت وزوجته، وطوبيا وزوجته، وأيضًا كل شعب الله الذي جاء يشترك في أسبوع الفرح! إن كان آدم وحواء قد أَفسدا الطبيعة الجميلة بعصيانهما للوصية، فإن جو الفرح السائد شعر به حتى الكلب غير العاقل. 1. رافائيل وطوبيا يتقدمان سارة [1- 6] وسافروا إلى أن اقتربوا من نينوى [1]. وقال رافائيل لطوبيا: "ألا تعلم يا أخي كيف فارقت أباك؟" [2] لنُسرِع أمام زوجتك لنُعدّ البيت [3]. والآن خذ بيدك مرارة السمكة. فمضيا وسار الكلب وراءهما [4]. وفي نفس الوقت كانت حنة تجلس في الطريق تحدق بنظرها فيه منتظرة ابنها [5]. أدركت أنه قادم، وقالت للأب: "هوذا ابنك قادم والرجل الذي يصحبه. [6] كان رئيس الملائكة يتعجَّل طوبيا كي يصلا البيت قبل سارة [3] للأسباب التالية: أ. أن ينزع عن الوالدين حالة القلق الشديد، فيستقبلا سارة وهما متهللان بمجيء ابنهما وزواجه من سارة. ب. يحتاج الوالدان الشيخان إلى وجود طوبيا لمساندتهما في إعداد البيت لاستقبال سارة. إذ كانت سارة قادمة ومعها كل ملابسها وحاجاتها الخاصة بجانب نصف الممتلكات التي لوالديها، فوجود طوبيا مع والديه في استقبالها يعطي الوالدين أن يُظهِرا مودة خاصة لسارة. ج. لو أن طوبيا جاء مع سارة، فإن عامل الدهشة قد يشغل والدي طوبيا بابنهما، فتظن أنهما لم ينشغلا بها مثل انشغالهما بزوجها. د. كان من المهم أن يسبق طوبيا سارة في لقائه حتى تأخذ أمه حنة حريتها في التعبير عما في داخلها دون حرجٍ. نراها تقول له: لقد رأيتك يا ابني، فالآن أنا أموت... " ومن جانب آخر عند مجيء سارة رآها والده وقد شُفيت عيناه فيفرح برويته لكنته. ه. ربما أراد أن يكشف طوبيا لوالديه عن دور الملاك في تشجيعه على الزواج من سارة في غير وجودها. كانت حنة مشغولة ليلاً ونهارًا بأن يرجع ابنها إلى البيت وتراه بعينيها، هكذا يليق بنا ألا نتوقَّف عن الصلاة والعمل من أجل الذين ضلُّوا الطريق حتى يعودوا إلى كنيسة المسيح ويتمتَّعوا بأُبوة الآب السماوي وبركات النعمة الإلهية. * عندما نفقد البعض نترجَّى عودتهم، ألا نوجه عيوننا نحو الموضع الذي يأتون منه؟ هكذا نستمر يوميًا مترجّين ذلك حتى نفقد قوتنا. هكذا فعلت حنة كانت تتطلع نحو الطريق منتظرة مجيء ابنها وهي تراقب الطريق بلا ملل. وهكذا فعل داود النبي متطلعًا من البرج في غيرة متقدة كأبٍ مهمومٍ ليسأل إنسانًا يجري قادمًا من المعركة عن صحة ابنه (2 مل 18: 24). هكذا تفعل الزوجة في سن لم يعرف المشقة، وهي في برج المراقبة المطل على شاطئ البحر تنتظر مجيء زوجها في ترقُّبٍ لا يعرف التعب، فتتطلع على الدوام، كلما رأت سفينة تتخيَّل أن رجلها مبحرًا فيها. إنها تخشى أن شخصًا ما ينال امتياز رؤية رجلها المحبوب قبلها، ولا يكون في إمكانها أن تكون أول من يقول: "لقد رأيتك يا زوجي"، كما فعلت حنة عندما رأت ابنها: "لقد رأيتك يا ابني والآن أنا موافقة أن أموت" (طو 11: 8)، لأن عذوبة اشتياقها الكثير لرؤيته لا يجعلها تشعر بألم الموت . القديس أمبروسيوس 2. شفاء عيني طوبيت [7- 16] قال رافائيل: "إنني أعلم أن عيني أبيك ستبصران [7]. أدهن عينيه بالمرارة. وعندما تؤلمانه يدلكهما ويلقي القشور البيضاء عنهما، فيراك [8]. أسرعت حنة نحو ابنها ووقعت على عنقه، وقالت له: لقد رأيتك يا ابني. لأمت الآن وبكيا [9]. ثم خرج طوبيت إلى الباب وزلت قدماه، فجرى إليه الابن [10]. وأمسك أباه، وطلى عيني أبيه بالمرارة، وقال: "تشدَّد يا أبي" [11]. وإذ تألمت عيناه دلكهما بالمرارة، وسحب القشور البيضاء من طرفي عينيه [12]. فإذ أبصر ابنه، وقع على عنقه، وبكى وقال: [13] "مبارك أنت يا الله، ومبارك هو اسمك إلى الأبد. مباركة هي كل ملائكتك القديسين. لقد أدبتني، ولتكن رحمتك عليّ. هأنذا أبصر ابني طوبيا" [14]. دخل ابنه فرحًا، وأخبر أباه بكل الأمور العظيمة التي حدثت معه في ميديا [15]. ثم مضى طوبيت للقاء كنته فرحًا، وبارك الله عند بوابة نينوى. وكان الذين يرونه سائرًا يتعجّبون أنه استطاع أن يبصر [16]. يعترض البعض كيف تُشفى عينيّ طوبيت بمسحهما بمرارة الكبد [11]. جاء في سفر إشعياء النبي (38: 21) أنه وضع قرص تين على الدبل فبرأ حزقيا الملك. ووضع السيد المسيح الطين على عينيّ الأعمى فانفتحت عيناه، فهل التين يشفي، والطين يفتح العيون؟ الله يحب عبيده الشاكرين [16]: 1. فرح طوبيت بعمل الله معه ومع ابنه. 2. بارك الله وهو منطلق إلى بوابة نينوى ليلتقي بزوجة ابنه. 3. قدَّم شكرًا لله الذي ردَّ له البصر. 4. بارك طوبيت عائلته التي تمتَّعت بعمل الله معها. سبق أن نصح رئيس الملائكة العريس طوبيا وحيد والديه الذي غاب طويلاً عن والديه، أنه متى رآهما لا يجري بسرعة يرتمي عليهما، بل قال له: "اسجد في الحال للرب إلهك، واشكره، ثم ادنِ من أبيك وقَبِّله". إذ أبصر طوبيت ابنه، ووقع على عنقه، وبكى [13]، يذكرنا بلقاء الأب بابنه الراجع إليه (لو 15). * هذه علامات قوة إلهية وليست بشرية، أن تُفتَح ظلال ليل دائم للأعمى، وتُشفى جراحات عيون مغلقة بنورٍ كامل، وأن ينال أصم سمعًا، وأن يُعَاد تشكيل أعضاء مقيدة، وأن يُستدعى ميت إلى النور بقوة متجددة. كل هذه الأمور كانت نادرة أو لم تُوجد قبل الإنجيل. طوبيت نال عينين، والعلاج كان من ملاك وليس من إنسانٍ . القديس أمبروسيوس * الله لن يسمح لأولئك الذين احتملوا شرورًا كثيرة وخطيرة، وقضوا كل الحياة الحاضرة في تجارب ومخاطر بلا عددٍ ألاَّ يُكافأوا بعطايا عظيمة للغاية... عندما ترى إنسانًا في ضيقٍ وحزنٍ وفي مرضٍ وفقرٍ، وأيضًا في ويلات أخرى لا تُحصَى حتى نهاية حياته الحاضرة، قل لنفسك، لو أنه لا توجد قيامة ودينونة لما كان الله يسمح لأحدٍ أن يحتمل شرورًا عظيمة كهذه من أجله، ويرحل من هنا دون التمتُّع بأية خيرات صالحة... القديس يوحنا الذهبي الفم قَدَّم طوبيت الشكر لأن الله رحمه. وإذ اقترب طوبيت من سارة كنته ليلتقي بها باركها، قائلاً: لتكوني في صحة كاملة يا ابنتي، مبارك هو الله الذي جاء بكِ إلينا ومبارك هو أبوك وأمك" [17]. وفرح كل إخوته الذين بنينوى [18]. وجاء أحيور وناداب (ناباط) ابن أخيه، إذ استمر عُرْس طوبيا سبعة أيام ببهجةٍ [19]. من وحي طوبيت 11 هب لي يا ربّ الفكر المُتَّسِع بالحب! * مبارك أنت أيها الربّ إلهنا، أرسلت رئيس الملائكة متخفيًا، كي نتعلَّم منه الفكر المُتَّسِع بالحب. بفرحٍ انطلق مع طوبيا وسارة وغنمهم وقطعيهم. انطلق من أحمتا بميديا متجهًا إلى نينوى. يسير معهم كواحدٍ من الأسرة يُشارِكهم السير كإنسان. وهو كرئيس ملائكة أرسله الربّ من السماء، وفي لحظات يمكن أن يكون على الأرض يُحَقِّق ما أمره به خالقه! بالحب لم يسرع حتى لا يضطرب هذا الموكب البشري مع قطيع الأغنام والجمال. * هب لي يا ربّ أن أَترفَّق بالضعفاء، فأرتل لك: صرتُ مع الضعفاء كضعيفٍ لأربح الضعفاء (1 كو 9: 22). فلا يسقطون في صغر نفس. أسند الضعفاء ما استطعت، فتسندني نعمتك وتسندهم! * اهتم رئيس الملائكة بالأسرة كلها، وأنت أيها العجيب في حُبِّك تهتم بالبشرية كلها! كان يُذَكِّر طوبيا بوصية أبيه له لينال بركة أبيه الشيخ. كان في الموكب القادم إلى نينوى كصديقٍ عجيبٍ. طلب من طوبيا أن يسرع معه، لكي يلتقيا بأمه التي لم تعرف الراحة بسبب غياب ابنها. انطلق معه كي تقع أمه على عنقه وتتهلل. وسأله أن يأخذ الدواء لشفاء عيني أبيه. أسرع مع طوبيا لكي يُعِدّ والديه بل والبيت كله لاستقبال العروس المباركة. * هب لي يا ربّ أن أهتم بكل من هم حولي. وأعمل لراحة المتألمين والحزانى، وأُهيئ الجو ليشعر الكل برعايتك أيها الخالق محب البشر! كم كانت مسرَّة ملاكك حيّن اهتز أقرباء طوبيت وبني قومه بتفتيح عينيه، وبلقاء حنة بالعروسين. حتى كلب الفتى طوبيا فرح بابتهاج القلب! * إلهي ... إن كان ملاكك مُتَّسِع الفكر بالحب، فكم وكم يكون اتِّساع قلبك يا من صُلِبت لأجل خلاص البشرية؟! |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166862181749441.jpg الأصحاح الثاني عشر اللقاء الأخير مع رئيس الملائكة! تُعتبَر الأصحاحات الثلاثة (12-14) ملحقًا رائعًا للأحداث الواردة في الأصحاحات 1-11، والتي تدعونا للتعرُّف على رسالتنا كأبناء الله، وكيف نمجد الله ونبارك اسمه القدوس ونهتم بخلاصنا الأبدي خاصة في وقت الضيق. انتهت الأحداث لا بالاحتفال بعُرْسِ طوبيا وسارة، بل بإعدادنا للعُرْسِ الأبدي واتحادنا بالعريس السماوي، وتمتعنا بالأمجاد الأبدية كميراثٍ مُقَدَّسٍ لا يفسد ولا يضمحل. في الأصحاح الذي بين أيدينا إذ يعلن رئيس الملائكة عن شخصه، يبرز جوانب متعددة لبنياننا الأبدي. أولاً: لقد تأهَّل طوبيت وطوبيا أن يتعرَّفا على شخص رئيس الملائكة لأنهما اتسما بالسخاء في العطاء، وعدم جحودهما للملاك الذي خدمهما دون أن يعلن عن شخصه [1-5]. ثانيًا: لم يكشف رئيس الملائكة لهما عن شخصه لئلا يُبهَرا به وبحُبِّه وتواضعه وحكمته وخدمته، ويطيعانه دون الحوار معه وينشغلا بشخصه عن تمجيد الله من أجل أعماله العظيمة ولا يهتما بخلاصهما الأبدي. لهذا دعاهما سرًّا وسألهما أن يشكرا الله على أعماله العظيمة، وألاَّ يتباطئا في تقديم التشكُّرات له [6]. ثالثًا: أوضح لهما التمييز بين العمل في القصر الملكي البشري والعمل في مملكة الملك السماوي [7]. يلتزم العاملون في قصر الملك أن يكتموا أسرار الملك، أما العاملون مع ملك الملوك فيشهدون لأعماله العظيمة، لأسبابٍ كثيرةٍ: 1. بالنسبة للملك الأرضي يلتزم العاملون معه بالسرية لئلا يتعرَّف الأعداء على أسراره ويُخَطِّطوا لاغتياله، والاستيلاء على المملكة. أما العاملون مع ملك الملوك يلزمهم أن يكشفوا أعماله العظيمة بحكمة. فيرتعب إبليس وملائكته، إذ يزداد إيمان البشر به ويطلبون الشركة معه. 2. الكشف عن أسرار الملك ومديحه في كل وقتٍ قد يُفسِد حياة الملك بالتشامخ ويُفسِد حياة العاملين معه بالالتجاء إلى المداهنة والرياء في التعامل معه. أما في ملكوت الله فالكشف عن أعمال الله يحثّ البشر على تقديم الشكر له، فيُحسَب ذلك ذبيحة مقبولة لله، كما ينزع عن الإنسان أحزانه ويتمتَّع بتعزيات سماوية. 3. الحديث المُبالَغ فيه عن الملك الأرضي والرؤساء والقادة كثيرًا ما يُسَبِّب عثرة للآخرين، خاصة إن اكتشفوا ضعفات فيهم. أما الحديث عن الله وأعماله فيسند المتألمين والمتضايقين واليائسين ليتمتَّعوا بتعزيات سماوية ويطلبوا سلام الله لهم ولإخوتهم المتضايقين مثلهم، وينعموا بالفرح السماوي. رابعًا: يدعوهما رئيس الملائكة أن يهتما بخلاصهما وأبديتهما. فقبل أن يكشف رافائيل عن خدمته لهما وللبشرية، سألهما أن يهتما بالإيمان العملي من صلاة وصوم وأعمال البرّ [8-9]، خاصة الصدقة، ليكون لهما نصيب في الشركة مع السمائيين. خامسًا: قبل أن يُفارِقَهما رئيس الملائكة رافائيل، قَدَّم لهم حديثًا إن اعتبرناه وداعيًا، فهو وِدَاع حبّ وشركة واعتزاز الملائكة بالمؤمنين. كأنه يعلن لهما عن محبة السمائيين للبشر، الأمر الذي ينكشف بوضوح من خدمته لهما واعتزازه بهما: 1. كشف حديثه لهما عن اهتمامه بخلاص البشر، فدعاهم للصلاة مع الصوم والصدقة [8- 9] ككنوزٍ ثمينة للغاية، مع تحذيرهم من الإثم الذي يجعل الإنسان في عداوة مع نفسه كما مع الغير [10]. 2. إعلانه معرفة الحق، بقوله: "أما أنا فأعلن لكما الحق، ولا أكتم عنكما أمرًا مخفيًا" [11]. 3. تصرفاته أوضحت أن الملائكة تُسَرّ بمرافقتها للمؤمنين. "حين كنت تصلي بدموعٍ وتدفن الموتى وتترك طعامك وتخبئ الموتى في بيتك وتدفنهم... كنت أرفع صلاتك إلى الربّ" [12]. 4. اهتمامه بأمورهما الروحية واحتياجاتهما النفسية والاجتماعية. يقول: "أرسلني الرب لأشفيك، وأُخَلِّص سارة أيضًا من الشيطان" [14]. 5. حثّهما على تمجيد الله وتسبيحه، مؤكدًا أن ما قدَّمه لهم (الملاك) إنما إتمامًا لمشيئة الله الصالحة. "لما كنت معكم، إنما كنت بمشيئة الله، فباركوه وسبحوه... وحدثوا بجميع عجائبه" [18]. سادسًا: تعكس رغبة طوبيا في إكرام رئيس الملائكة هنا على وفاء الكنيسة نحو قديسيها وخدامها. وفي نفس الوقت شجَّع رئيس الملائكة طوبيت أن يُسَجِّل الأحداث مُسَبِّحًا الله الرحوم على أعمال محبته العجيبة. كما شجَّعه على تسجيل صلواته وتسابيحه وهو ملتهب بالروح ومتهلل للغاية! أَكَّد رئيس الملائكة أنه لا يأكل ولا يشرب. إن كان قد جلس معهم على المائدة ظهر كمن يأكل والحقيقة إنها مجرد رؤيا دون أن يأكل [19]. 1. رئيس الملائكة يوجههما لإعلان أعمال الله [1- 7] عندئذٍ دعا طوبيت ابنه وقال له: "يا بنّي احسب أجر الرجل الذي مضى معك، ويجب أن تزيد عليه [1]. أجابه: "يا أبي لا يسيئني أن أعطيه نصف ما قد حصلت عليه [2]. فإنه أحضرني إليك سالمًا، وشفى زوجتي، وأحضر لي الفضة، وأيضًا شفاك" [3]. أجاب الشيخ: "إنه يستحق هذا" [4]. فدعا الملاك وقال له: "خذ نصف من كل ما أحضرته" [5]. عندئذ دعا الاثنين سًّرا، وقال لهما: باركا الله، قدما له التشكُّرات. قدما له التبجيل واحمداه أمام كل الأحياء من أجل أعماله معكما. صالح أن تباركا الله وتُمَجِّدا اسمه، وتعلنا أخبار أعمال الله العظيمة وأن لا تترددا في تقديم التشكُّرات له [6]. من الخير أن تكتما سرّ الملك، أما أعمال الله فمن المجد أن تُعلَن. اعملا الخير، فلا يحلّ بكما شر [7]. بروح التقوى وتنفيذ الوصية دعا طوبيت ابنه كي ينفذ الوصية: "لا تُبَتْ أُجرَةُ إِنْسانٍ ما يَعمَل عِندَكَ، بلِ ادفَعْها في الحال" (طو 4: 14)". لقد سأله وأخذ رأيه فيما يُعطَى لذلك الإنسان [1]. أما طوبيا الابن العارف بالجميل، ومقدار تعب الآخرين معه، أخذ يُعَدِّد أتعاب أجيره لأبيه [3]. لماذا سأل طوبيت ابنه عن أجرة الأجير مع أنه سبق أن وعده أنه سيقوم بدفع الأجرة؟ احتار طوبيت وابنه ماذا يُقَدِّمان للملاك في مقابل كل خدماته. وهذا يدفعنا للتساؤل: وماذا نُقَدِّم نحن لله في مقابل كل ما يعمله معنا. اتَّسم طوبيا بالسخاء مثل والده طوبيت، إذ قال لأبيه: ""يا أبي لا يسيئني أن أعطيه نصف ما قد حصلت عليه [2]." كان يتذكَّر إحسانات الآخرين له، ولم يكن جاحدًا. لم ينسَ ما قام به الملاك [3]: أ. أخذه وسار به ورجع به سالمًا. لقد خلَّصه من افتراس السمكة وافتراس الشيطان له. ب. عن طريقه تم الزواج المبارك من سارة. ج. حطَّم الشيطان الذي أفسد سلام سارة وفرَّح والديهما. د. فتح عيني والده. ه. سكب بركة وخيرًا على الكل! الملاك لا يطلب أجرًا (5- 7): لكنه يطلب أن يُمَجِّدا الله ويُحَدِّثا بأعماله العظيمة معهما. وقال إن الملوك الأرضيين يجعلون أمورهم أسرارًا حتى لا يضرّهم أحد. لكن أعمال الله يجب أن تُذَاع حتى يتمجَّد الله، خاصة وأبناء الله هؤلاء، طوبيت وعائلته يعيشان وسط الأمم لعل الأمم يؤمنون. * الطوباوي طوبيت الذي عرف كيف يكسر خبزه للجائع، أعدَّ أن يدفع بسرعة للخادم الأجير على عمله... إننا ندهش على معاملات الأب والابن، وعن الطريقة التي تعلموها بواسطة الملاك، هذا الذي ظناه خادمًا أجيرًا أرضيًا تحت مجد سماوي. بالحقيقة ضُرِب طوبيت بكارثة العمى حتى يتقبَّل الملاك كطبيبٍ، الذي كان ملتهبًا بجمرٍ، التقط أنفاسه، قائلاً: "الصلاة صالحة مع الصوم والصدقة" (طو 12: 8). صلاة البار مفتاح السماء. الصلاة تصعد، ورحمة الله تنزل. بالرغم من أن الأرض عميقة إلى أسفل، والسماء عالية إلى فوق... قال طوبيت: "أيها الابن لنصرف هذا الرجل ونزيد على الأجرة التي اتفقنا عليها. عدَّد الابن المعاملات التي تقبَّلاها منه، وقال لأبيه: أيها الأب، إن هذا الحق، لأن خادم كهذا إن أخذ الأجرة التي اتفقنا عليها، (لا تتناسب مع) قيادته الصالحة التي لا يمكن تقييمها! إننا سندفع له بكرامة قليلة جدًا مهما وضعنا من مقياس لاستحقاقاته. هل هو قدَّم لنا فقط ما اتفقنا عليه؟ ما اتفقنا عليه هو أن يكشف لي عن الموضع والإنسان الذي ائتمنته على المال. أولاً سافر كمن هو منطلق في طريقٍ سماوي. وأَعدّ من السمكة مرهمًا طبيًا محتاج أنت وأنا إليه. لقد قادني وردَّ لي المال، وأعطاني سارة زوجة. هل يستحق فقط الأجر الذي اتفقنا عليه، بينما كان بالنسبة لي من يهتم بالعروس. بجانب هذا يا أبي شفى القشور التي على عينيك التي كانت تغطيها. لقد جعل كل بيتنا مضيئًا بمصابيح أعيننا. إنني بكل وضوحٍ إذ أراك تنظر، أيها الأب العظيم ألا يستحق نصف ما لنا؟ ليت قائد معين مثل هذا، طبيب وحارس كما قال، يقبل نصيبه، نصف ما لنا مما جلبته معي، إذ أظهر لي حنوًا كهذا في قيادته. إذ أحبه الأب الصالح تجاوب ابنه الحكيم. بدأ يسأل الخادم الأجير أن يأخذ أجرته . القديس أغسطينوس القديس أغسطينوس سرّ الملك هو العلاقة الشخصية السرية بين المؤمن ومسيحه (ملكه) والتي لا يليق بنا كشفها أمام الآخرين. غالبًا ما يتطلَّع الإنسان إلى نفسه في وقت الضيق فيظن كأنه في قفرٍ بلا ساكنٍ، عقيم بلا ثمرٍ، أما الرب العريس السماوي فيرى في عروسه عكس هذا، إذ يقول: "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَة،ٌ عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش 4: 12).كأنه يقول لها: اذكري الإمكانيات الكاملة في داخلك، أنتِ جنة وعين وينبوع، إمكانيات الروح القدس الساكن فيكِ، هذه التي لا تعلن فيكِ إلاَّ إذا قبلتي الآلام وانحنى ظهركِ للصليب. يقول القديس غريغوريوس النيصي [جنتنا مغلقة من كل جانب بسور الوصايا حتى لا يتسلَّل إلى مدخلها لص أو وحش مفترس. إنها مغلقة بسياج الوصايا، فلا يستطيع خنزير بري أن يقترب إليها.] يوصينا الوحي الإلهي ألا نُبَدِّد مياه ينابيعنا في الخارج، في الشوارع، مع الغرباء. وكما يقول القديس غريغوريوس إنه حينما تنحرف أفكارنا الداخلية نحو الخطية (الغريبة) نكون قد أضعنا مياه ينابيعنا وقدَّمناها للغرباء. [إنها النقاوة هي التي تختم هذا الينبوع ليكون لسيده.] قد نظن في أنفسنا أننا فارغون، لكن الله يرى في داخلنا فردوسًا وعينًا وينبوعًا لا يحق أن تفتح إلاَّ له وحده، فهو عريس النفس الوحيد، الذي من حقه أن يدخل جنة القلب ويشرب ينابيع حبه! بمعنى آخر تلتزم النفس كعروسٍ أن تبقى في عذروايتها مشتاقة إلى العريس السماوي وحده، تفتح له قلبها وأحاسيسها وعواطفها وكل طاقتها، بكونها العذراء العفيفة المُنتظِرة عريسها (مت 25)، كعضوٍ في كنيسة الأبكار. وللقديس أمبروسيوس تعليق جميل، إذ يقول: [ينطق السيد بهذا القول للكنيسة التي يُريدها بتولاً بلا دنسٍ ولا عيبٍ. الجنة المخصبة هي البتولية التي يمكن أن تحمل ثمارًا كثيرة لها رائحة صالحة... إنها جنة مغلقة، لأنها محاطة بسور الطهارة من كل جهة. وهي ينبوع مختوم، لأن البتولية هي ينبوع العفة وأصلها، تحفظ ختم النقاوة مصونًا بغير اضمحلال، فيه تنعكس صورة الله، حيث تتفق نقاوة البساطة مع طهارة الجسد أيضًا.] يُقَدِّم لنا العلامة أوريجينوس تفسيرًا للعبارة: "من الخير أن تكتما سرّ الملك"، قائلاً بأن سرّ الملك المكتوم يشير إلى أفكار البشر ونياتهم تبقى في الكتمان حتى تُعلَن في يوم الدينونة، حيث يُدَان البشر علانية. إذ يقول الرسول: "الذين يُظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" (رو 2: 15-16). كما يقول: "إذًا لا تحكموا في شيءٍ قبل الوقت، متى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام، ويُظهِر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من الله" (1 كو 4: 5) . وللعلامة أوريجينوس تفسير آخر لنفس الآية، إذ يرى الملك هنا يشير إلى الله الذي تبقى أسراره الإلهية فوق قدرة الإنسان، يكشفها لكل واحدٍ قدر قامته الروحية. فالرسول بولس إذ كان أمينًا، كشف له ربّه ومَلِكه عظمة ثروته، وأرسله ليجند جيشًا روحيًا للملك ويختبرهم، ويكشف لهم عن أسرار الملك جزئيًا، ليس بتقارير مفصلة بل خلال الرموز والإشارات حتى تبقى أسرار القصر الملكي في الكتمان، لهذا ما قاله الرسول عن نفسه: "لأننا نَعْلَم بعض العِلْم، ونتنبأ بعض التنبؤ... الآن نعرف بعض المعرفة، ولكن حينئذ سأعرف كما عُرِفت" (1 كو 13: 9، 12)، وذلك من أجلنا. فإننا عاجزون عن أن ندرك حتى ما أدركه هو جزئيًا. هكذا فإن سرّ الملك في الكتمان يتعرَّف عليه قلة من البشر، ومع هذا يُعتبَر في الكتمان . * يلزمنا ألاَّ نستعرض الأسرار المقدسة قبل اختبار الإيمان. ليت الوثنيون في جهلهم لا يسخرون بها، والموعوظون ليتهم لا يقاوموا إذ يبالغون في حُبّ الاستطلاع . القديس أثناسيوس الاسكندري عندما صلى هذا الإنسان في حوالي الساعة التاسعة ظهر ملاك يحمل شهادة لأعماله، يقول: "يا كرنيليوس صلواتك وصدقاتك صعدت أمام الله". هذه الصلوات صعدت سريعًا إلى الله حيث أعمالنا تعتمد على الله . القديس كبريانوس 2. رئيس الملائكة يُوَجِّههما نحو الصلاة مع الصوم الصدقة [8- 10] الصلاة صالحة مع الصوم والصدقة والبرّ. صلوات قليلة مع البرّ أفضل من برّ كثير مع الشر. حسن أن تقدم صدقة عن أن تدخر ذهبًا [8]. لأن الصدقة تُنقِذ من الموت، وهي تغفر كل ذنبٍ. الذين يمارسون الصدقة والبرّ يمتلئون حياة [9]. أما من يخطئون فهم أعداء حياتهم [10]. أولاً: يربط الآباء الصلاة مع الصوم والصدقة [8].هنا يرشدهما الملاك إلى عناصر العبادة الثلاثة: الصلاة والصدقة والصوم. وهي ترتبط ببعضها البعض ارتباطًا وثيقًا، فالصوم يحلنا من العبودية لشهوات الجسد والمادة، ويُمَهِّد للاتحاد مع الله على مذبح الصلاة، وأمّا الصدقة فتجعل لنا دالة أمام الله. الصدقة تُنَجِّي من الموت. والصلاة تجعلنا في صلة مع الرب والصوم هو زهد يرفعنا عن محبة العالم فنقترب إلى الله والصدقة بها نعمل خيرًا مع الرب نفسه فنراه. فالرب وضع نفسه مكان الجوعان والعطشان والمسجون.... ثانيًا: يتحدثون عن فاعلية الصلاة [8] فيقولون: * لنتبارى مع بعضنا البعض في الصلاة في منافسة مقدسة، بقلبٍ واحدٍ فلا تصارعون ضد بعضكم البعض، بل ضد إبليس، العدو العام لكل القديسين. "الصوم والأسهار وكل ميتات الجسد تسند الصلاة بقوة. " القديس أغسطينوس * الآن الصوم يعني الامتناع عن كل الشرور، سواء في العمل أو الكلام أو الفكر نفسه . القديس إكليمنضس السكندري موسى تسلَّم الناموس عندما كان صائمًا (خر 34:28). وهكذا بطرس عندما كان صائمًا تعلَّم نعمة العهد الجديد. ودانيال أيضًا بفضيلة صومه أبطل أنياب الأسود، ورأى (تنبأ عن) أحداث قادمة مع الزمن (دا 14: 37-38؛ 9: 2-3). وأي خلاص نناله بدون الصوم، إذ به نزيل خطايانا. يقول الكتاب المقدس: الصوم مع الصدقة يُطَهِّر من الخطايا (طو 12: 8-9) . القديس أغسطينوس إنه ليس إلا صوت الوثنيين القائل: "لنأكل ونشرب"، هؤلاء الذين يقول عنهم الرسول باستخفاف: "إن كنت كإنسانٍ قد حاربت وحوشًا في أفسس فما المنفعة لي. إن كان الأموات لا يقومون، فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (1 كو 15:32). بمعنى: ماذا ينفعني جهادي حتى الموت مالم أخلع جسدي؟ باطلاً يخلص (الجسد) إن كان لا يوجد رجاء في القيامة. فإذا فُقِد الرجاء في القيامة، لنأكل ونشرب، ولا نفقد التمتُّع بالأشياء الحاضرة. لأننا سوف لا ننال شيئًا في المستقبل. الذين لا يترجّون شيئًا بعد الموت ينهمكون في الطعام والشراب. أخيرًا فإن أتباع أبيقورس هم أتباع الملذات، لأن الموت بالنسبة لهم لا يعني شيئًا، فإن ما ينحل ليس له شعور، والذي ليس له شعور لا يساوي شيئًا عندنا. هكذا هؤلاء يُظهِرون أنهم يعيشون حسب الجسد فقط وليس روحيًا، إنهم لا ينجزون ما يليق بالنفس، بل يهتمون فقط بالجسد، ظانين أن مسئولية الحياة تقف بعد انفصال النفس عن الجسد، وفضائل النفس وكل طاقتها تنتهي. القديس أمبروسيوس تصلي الكنيسة في أوشية القرابين قائلة بتوسلٍ عن مُقَدِّمي القرابين المحبّين للصدقة: "أعطهم الباقيات عوض الفانيات، والسمائيات عوض الأرضيات، والأبديات عوض الزمنيات، وكما ذكروا اسمك القدوس على الأرض (بحبهم للعطاء) اذكرهم هم أيضًا في ملكوتك." يُقَدِّم لنا القديس كيرلس الكبير سرّ اهتمام الله بالصدقة. إن كانت الصدقة تكشف عن حب المؤمن لإخوته، فهي تُعلِن عن شركته في محبة الله للبشرية. يليق بالمؤمن كابن لله أن يحمل في نفسه علامات الحب المتأصلة. في إحدى رسائله الفصحية كتب حديثًا يوجه للشخص الغني: [من سيحصل على ما اقتنيته بالفعل؟ يليق بك أن تفعل ما هو أفضل: أن تجري عدلاً وبرًا "كقول النبي (راجع إر 33: 15). الآن إجراء البرّ في رأينا هو الحنو على أخٍ أو أختٍ لنا بالحب والمودة المشتركة والرحمة التي تهب نصرات على النار الأبدية. فإن إله كل الكرامات الرحوم يرغب في تكريم من تحمل نفوسهم علامات اللطف، إذ يقول: "كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم" (لو 6: 36). فكما أن الأب يحب طفله متهللاً بالمولود عندما يرى شكله مشرقًا بالجمال في نسله، وأحيانا يثور فيه حب أعمق، هكذا أيضًا إلهنا إذ يري في محبته للفضيلة نفسًا تقبَّلت شكل الصلاح متأصلاً فيها، يتأكد أن هذا ليس بأمرٍ باطلٍ. إنه يكللها بالرجاء والنعمة وينزع عنها كل تلوثٍ، ويقيمها إلى شركة القديسين. إنه يقول: "الصدقة تنقذ من الموت وهي تغفر كل ذنب" (طو 2:9) يرى القديس الأنبا زوسيما نقلاً عن الأب تادرس، أنه كان في مدينة الإسكندرية في أيام الأسقف يوحنا النيقاوى، فتاة وثنية ثرية، حدث أنها بينما كانت في نزهة رأت شابًا يريد الانتحار بسبب ثقل ديونه، فوعدته بسداد ديونه حتى لو تكلفت في ذلك كل ثروتها، وقد حدث ذلك بالفعل، فافتقرت ثم باعت نفسها للخطية، وعند موتها توسلت إلى جيرانها أن يبلغوا البابا برغبتها في العماد، ولكنهم رفضوا لكونها خاطئة فحزنت، ولكن ملاك الرب وقف بها في صورة ذلك الشاب الذي أنقذته من الموت، وعرفها أنه هو نفسه، فطلبت منه أن يعينها في قبول العماد، فأحضر ملاكين آخرين، واتخذوا ثلاثتهم شكل ثلاثة أراخنة المدينة وحملوها إلى البابا الذي عمدها بناءً على تزكيتهم لها، ولمَّا عُرِف أمر عمادها من ملابسها البيضاء ووصل الخبر إلى أولئك الأراخنة، ذُهِلوا لعدم علمهم بهذا الأمر، فرجعوا إلى الفتاة حيث عرفوا منها حقيقة الأمر، فمجَّد البابا البطريرك الرب، قائلاً عادل أنت يا رب وأحكامك عظيمة جدً جدًا . * بالرغم من أننا نرتكب أخطاء خطيرة نجد طبيبًا عظيمًا. لقد تسلَّمنا دواء نعمته العظيم دواء الرحمة الذي يزيل خطايا كثيرة (جا 10: 4). نجد معونات كثيرة جدًا بها نخلص من خطايانا. لديكم مالاً، أخلصوا من خطاياكم. الله ليس للبيع. أما أنتم فللبيع. بخطاياكم صرتم للبيع، خلصوا أنفسكم بأعمالكم، خلصوا أنفسكم بمالكم. المال رخيص، وأما الرحمة فثمينة. يقول: الصدقة تُخَلِّص من الخطايا . القديس أمبروسيوس الشهيد كبريانوس إني لا أخفي عنكما أي شيء، لأني قلت إنه من الخير أن يُكتَم سرّ الملك، وأما أعمال الله فمن المجد أن تُعلَن [11]. عندما كنت تصلي أنت وسارة كنتك كنتُ أقدم صلاتكما أمام القدوس. وأيضًا عندما كنت تدفن الموتى كنت أيضًا أُرافِقك [12]. وعندما كنت لا تتوانى فتقوم وتترك عشاءك لكي تنطلق وتهتم بالموتى، لم تختفِ عني أعمالك الصالحة، بل كنت معك [13]. والآن أرسلني الله لأشفيك أنت وسارة كنتك [14]. يهتم الله ويكافئ على كل خدمة نؤدِّيها. والملائكة ترفع صلواتنا لله، وذلك لأن صلواتنا ضعيفة بها شوائب كثيرة. رأينا صورة لذلك في مجامر الأربعة والعشرين قسيسًا الذين يُقَدِّمون بخورًا هو صلوات القديسين (رؤ 8:5) إذ كنت مقبولاً أمام الله لابُد أن تُمتحَن بتجربةٍ، ليصير لك إكليل أعظم حينما تتنقى. بخصوص تقديم صلواتنا لله بواسطة رئيس الملائكة [11] * "لتُعرَف طلبتكم لدى الله" (في 4: 6). لا يُفهَم هنا أنها ستُعرَف لدى الله، الذي عرفها قبل النطق بها. وإنما تُفهَم بالمعنى التالي أنها تُعرَف لنا في حضرة الله، بانتظارنا إياه في صبرٍ، وليس في حضرة الناس بتباهٍ بالعبادة. أو ربما أن تُعرَف أيضًا للملائكة الذين في حضرة الله، هذه الكائنات التي تُقَدِّم (صلواتنا) لله وتتشاور معه بخصوصها، ويمكن أن تخبرنا بطريقة علنية أو خفيّة أن نسمع لوصاياه، إذ يعرفون إرادة الله، ويليق بهم أن يتمموها كواجب ملتزمين به، إذ قال الملاك لطوبيت: "الآن حين تصلي مع زوجة ابنك سارة أُقَدِّم صلواتكما تذكارًا أمام القدوس" (راجع طو 11:12)[16]. القديس أغسطينوس بخصوص دفن الموتى [12] خَصَّص القديس أغسطينوس في كتابه "مدينة الله" فصلاً[17] عن مقاومة الحكام الأشرار لدفن الشهداء المسيحيين مؤكدًا أن المؤمنين مع اهتمامهم بدفن الأموات، غير أنه لا يصيب المؤمن ضررًا إن منع الأشرار دفنه جسده. * يحمل المؤمنون في ذهنهم التأكيد الذي أُعطِي لهم أن شعرة من رؤوسهم لا تهلك؛ حتى إن افترستهم وحوش، هذا لا يعوق قيامتهم (من الأموات). لم يقل الحق باطلاً: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها" (مت 10: 28). ما يستطيع أن يفعله العدو بالجسد المذبوح مهما بلغ لن يؤثر على الحياة العتيدة... فالملائكة لا تحمله إلى قبرٍ من الرخام، بل ترفعه إلى حضن إبراهيم. الذين أتعهدهم مدافعًا عن مدينة الله يضحكون على هذا كله. لكن حتى فلاسفتهم استخفُّوا بالاهتمام بالدفن. حتى في كل الجيوش المحاربة كان القتلى يُترَكون في أرض المعركة ويصيرون طعامًا للوحوش المفترسة. قال واضع أنشودة الدفن عن عدم الاهتمام النبيل (بالدفن): "من ليس له قبر فالسماء مسكنه[18]". كم بالأكثر يكون أمر الذين يحتقرون جثث المسيحيين التي لا تُدفَن. هؤلاء الذين وُعِدوا أن الجسد نفسه سيقوم ويحمل شكلاً جديدًا، وأن كل أعضائه ستُجمَع ليس فقط من الأرض، بل من الأماكن الخفية الأخرى التي وُضِعَت فيها الأجساد الميتة التي أُخفِيَت فيها. مع هذا يلزم عدم احتقار أجساد الموتى وتُترَك بدون دفن، على الأقل أجساد الأبرار والمؤمنين التي استخدموها كأعضاء وآلات برّ لكل الأعمال الصالحة. فإنه إن كان ملبس أب أو خاتمه أو أي شيء كان يلبسه، يُحسَب ثمينًا بالنسبة لأبنائه بسبب حُبِّهم له، كم بالأكثر يلزم أن نعتني بأجساد الذين نُحِبّهم، إذ هي أقرب إلينا من أي ملبس! فالجسد ليس حلية خارجية أو معين بل هو جزء من ذات طبيعة الإنسان... مُدِح طوبيت، بشهادة الملاك، وقيل عنه إنه أرضى الله بدفنه الموتى (طو 12: 12). ربنا نفسه أيضًا وإن كان سيقوم في اليوم الثالث مدح... العمل الصالح الذي فعلته المرأة التقية، حيث سكبت الطيب الثمين على أعضائه، وقد فعلت هذا لتكفينه (مت 26: 10-13). القديس أغسطينوس * طوبيت أيضًا بدفنه الموتى نال إحسانًا من الله، وذلك بشهادة الملاك (طو 2: 7؛ 12:12). القديس أغسطينوس * قول الرسول: "لتُعلَم طلباتكم لدى الله" (في 4:6) لا تُؤخَذ بمعنى أنه بالفعل تُعلَم لدى الله، إذ هو بالتأكيد يعرفها قبل النُطق بها، وإنما أنها تعرف لدينا نحن أمام الله، وذلك خلال صبرنا، وليس أمام الناس خلال افتخارنا. أو ربما أنها تعرف لدى الملائكة الذين مع الله، حتى يقدمون صلواتنا لله ويتشاورون فيها، ويقدمون لنا إجابته علنًا أو سرًا، وذلك عندما يعرفون إرادته، إذ يليق بهم أن يعرفوا. هكذا قال الملاك لإنسانٍ: "عندما كنت تصلي أنت وسارة كنتك كنت أقدم صلاتكما أمام القدوس" (طو 12: 12). القديس أغسطينوس 4. رئيس الملائكة يكشف عن شخصه [15- 22] أنا رافائيل أحد السبعة ملائكة القديسين الذين يرفعون صلوات القديسين، ويدخلون بها أمام مجد القدوس." [15]. عندئذٍ اضطرب الاثنان وسقطا على وجهيهما وخافا [16]. لكنه قال لهما: "لا تخافا، سلام لكما. باركا الله إلى الأبد [17]. فإنني لم آت ِ بنعمةٍ مني، بل بالحري أتيت بإرادة إلهنا، فلتباركاه إلى الأبد [18] كل هذه الأيام التي ظهرت فيها لكما لم آكل ولم أشرب، إنما ما رأيتماه هو رؤيا [19]. الآن أشكرا الله لأني صاعد إلى ذاك الذي أرسلني. أكتبا كل ما حدث في كتاب [20]. عندئذ ٍ قاما ولم يعودا ينظرانه [21]، لقد أدركا أعمال الله العظيمة العجيبة، خاصة عندما ظهر ملاك الرب لهما [22]. في غمرة تلك الأفراح التي تمتَّع بها الكثير من اليهود المسبيين في نينوى، لم ينسَ طوبيت وابنه ذلك الرجل التقي، رئيس الملائكة المتخفي، الذي ساهم فيما نالهم من بركات إلهيةٍ وتعزيةٍ وبهجةٍ. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن رئيس الملائكة رافائيل (في ميمر عنه): [هو ملاك وهو وكيل العريس لأنه اتفق مع طوبيا وأقام العُرْس. إنه لا جسد له، لأنه لم يذق شيئًا طوال الأيام التي صار فيها معه. إنه شفيع، فقد توسَّل إلى السيد الرب صاحب كنوز الرأفة لأجل طوبيت وطوبيا ابنه ولأجل سارة. هو نشيط، لأنه عندما كان طوبيا في العُرْسِ أخذ جملاً إلى راجيس وأحضر الفضة. هو طبيب، لأنه أبرأ عيني طوبيت الرجل الرحوم ثم أوصى ابن طوبيت أن يعمل الرحمة من ماله، لأن الصدقة تنقذ الإنسان من الموت. هو قائد، لأنه قيَّد أسموديس (الشيطان). هو متطوّع، لأنه لم يأخذ أجرًا اتفقوا عليه معه. إنه خادم نشيط لأنه قام بكل ما احتاجوا إليه. إنه خدوم لأنه وقف معه وخدم كعبد أمين. يا لعظم رأفة الله ويا لطاعة رئيس الملائكة الواقف في حضرة رب الجنود، وقد وقف أمام إنسان يخدمه.] سجودهما للملاك (16- 20) أظهر تقواهما ومخافة الله التي في قلبيهما. أخذ القديس أغسطينوس قصة ظهور رئيس الملائكة لطوبيا وطوبيت، وتحرُّكه مع الأول وخدمته له، وتقديم نصائح له، دليلاً على محبة السمائيين لنا. ودليل على أنه ليس من الصعب إدراك عودة الجسد واتحاده مع النفس التي فارقته عند موته. * القيامة المُقبِلة للجسد هي برهان أن النفس بعد الموت بالتأكيد تكون بدون جسد. هذا ليس زعمًا لا إجابة عليه، لأن الملائكة الذين يشبهون نفوسنا غير المنظورة، يرغبون أحيانًا أن يظهروا في أشكال جسدية وأن يكونوا منظورين... كما حدث مع إبراهيم (تك 17: 6) ومع طوبيا (طو 12: 16). القديس أغسطينوس * ماذا يقول الملاك في سفر طوبيا؟ "وكان يظهر لكم أني آكل وأشرب معكم" (طو 19:12). هل كان يبدو أنه يأكل، لكنه في الواقع لم يأكل؟ لقد أكل فعلاً. إذًا ما معنى هذه الكلمات، "وكان يظهر لكم أني آكل وأشرب معكم"؟ كن تقيًا واستمع لما أقول: أصغِ إلى الصلاة (أي لإرشاد صوت الله خلال صلاتك) أكثر من استماعك إليَّ حتى تدرك ما نقول، وتمسك به بحيث تفهم ما تسمع. بما أن جسدنا قابل للفساد والموت فهو يحتاج للطعام، ولذا يوجد فينا وجع الجوع. فنحن نجوع ونعطش، وإن توانينا عن إشباع هذا الجسد طويلاً يضعف ويهزل ثم يمرض، تُستَنزف قوته ولا يستطيع أن يستردَّها، وإذا مكث هكذا طويلاً تأتيه المنية (يموت). لأن جسدنا -إن جاز التعبير- يزول باستمرار ويفقد شيئًا ما من ذاته، لكننا لا نشعر بهذا، أي بما نفقده لأننا نُعَوِّضه بالطعام. ما نأخذه بوفره، نفقده قليلاً قليلاً، لذلك نسترد في وقت وجيز هذه الطاقات التي فقدناها في مدة زمنية أطول. هكذا الحال بالنسبة لزيت المصباح الذي يُصب في وقت وجيز ويستهلك قليلاً قليلاً على مدى أطول. وحين يوشك الزيت أن يستنفذ يخفت نور المصباح، معلنًا أنه متعطش للوقود، منذرًا إيانا حتى نسرع في الحال لسد احتياجه حتى يسترد ضوءه بإمداده بالزيت، وهو الغذاء المناسب له والذي يوفي احتياجه. هكذا بالمثل ما نأخذه من طاقات. بتناولنا الطعام لا نفقده دفعة واحدة بل قليلاً قليلاً. نلاحظ هذه الظاهرة تحدث الآن وأثناء قيامنا بأي عمل ثم تستمر حتى أثناء راحتنا لأن طاقتنا في حالة تجديد دائم. إذا ما استنفذت تمامًا حينئذ يموت الإنسان كمصباح منطفئ. وحتى لا يأتي الموت، أي لا تخمد الحياة في هذا الجسد، أي لنحفظها فيه، يجب أن ننفخ فيه لنعوضه ما يفقده نملأه مرة ثانية بالطعام. لأنه لماذا نقول "نملأه ثانية"؟ ولماذا نفعل ذلك إذا كنا لم نفقد شيئًا؟ لذلك فإن هذا الاحتياج وهذه القابلية للموت يُرمَز إليها بالجلد الذي لبسه آدم وحواء عندما طُرِدا من الفردوس (تك 21:3-24). الجلد يُمَثِّل الموت، لأنه يُنزَع عادةً من جثث الحيوانات الميتة. لذلك بما أننا نحمل طبيعة ضعيفة وقاصرة، فحاجتنا للطعام لا تتوقَّف، بل نلجأ إليها دائمًا لاسترداد طاقتنا، ورغم ذلك لا نستطيع أن نتجنَّب الموت. وهكذا فيما يخص حالة الجسد خلال السنوات المتعاقبة طالما الجسد قائم سوف يأتي في النهاية إلى كبر السن وبعد ذلك لا يجد نهاية أخرى سوى الموت... لذلك طالما نحمل هذه الأجساد المائتة، نحتاج إلى ما ينقصنا، وينبع الجوع عن هذا الاحتياج فنأكل نتيجة لهذا الجوع. لكن على العكس لا يأكل الملاك عن احتياج. كما قلنا الواحد يأكل عن اقتدار (الملاك) والآخر (الإنسان) عن احتياج. يأكل الإنسان حتى لا يموت. أما الملاك فيأكل حتى يتكيَّف مع ضعف الإنسان. لأنه إن كان الملاك لا يخشى الموت، فهو لا ينتعش بنقص الطعام. وإن كان لا ينتعش بنقص الطعام إذًا هو لا يأكل عن احتياج. ومع ذلك فالذين رأوا الملاك يأكل ظنُّوا أنه جائع. هذا ما قاله: "وكان يظهر لكم..." لا يقول: تراني آكل لكنني لم أكل، لكنه يقول "كان يظهر لكم" بمعنى أنني أكلت لأعمل وفق طرقكم، وليس بسبب الجوع أو أي احتياج تختبرونه فيجبر على الاعتقاد أن كل من ترونه يأكل هو يأكل للاحتياج فقط، لأنكم تحكمون على الآخرين بمقياسكم أنتم، وهذا هو معنى الكلمات، "وكان يظهر لكم...[19]" القديس أغسطينوس * رأيتني آكل لكن كل ما رأيته هو رؤيا (طو 12: 19)، بمعنى: لقد ظننت أنني أخذت طعامًا كما أنت فعلت لإنعاش جسدي... بالحقيقة حتى بعد القيامة عندما صار جسد (المسيح) روحيًا، بالحقيقة أخذ ربّنا طعامًا وشرابًا مع تلاميذه (لو 24: 42-43). إنه ليس طعامًا عن احتياج الجسد ليأكل ويشرب... ستصير الأجساد روحية دون إنكار أنها أجساد. إنما وجودها قائم على الروح الواهب الحياة. القديس أغسطينوس انسحق قلبي بحب ملاكك لبني البشر * حلَّت اللحظة الحاسمة ليرفع رئيس الملائكة الحجاب عن شخصه! لم تنته رسالة رئيس الملائكة عند إقامة حفل العُرْسِ في نينوى. لم يكن الحفل قاصرًا على طوبيت وحنة مع العروسين، بل جاء الأقارب واليهود المسبيون يشاركون الأسرة تهليلها في الربّ. * في لقاء سرّي بين رئيس الملائكة وطوبيت وطوبيا، تحدَّث رئيس الملائكة معهم، مُعلِنًا لهما ما يشغله من نحوهما. قدَّم لي ولإخوتي المؤمنين درسًا رائعًا عن الحب الممتزج بالتواضع بروح التهليل. هذا الحب هبة نعمة الله لكل السمائيين كما هو مُقدم ليتمتَّع به المؤمنون. * بينما كان طوبيت وطوبيا يناقشان كيف يُعَبِّران عن تقديرهما لهذا الأجير المتخفّي، إذا به يرد لهم هذا الحب بالحب. فماذا قَدَّم في حُبِّه لهما؟ قَدَّم لهما أثمن وصية تُحسَب كنزًا في عيني الله. الصلاة الصالحة مع الصوم والصدقة والبرّ. هذا هو الأجر الذي يُسرّ به رئيس الملائكة. أن يرانا حاملين برّ الله، مؤهَّلين بالحق للميراث الأبدي. * لقد أخفى حقيقة شخصه إلى حين، وأخفى عمله معهما حين كان يحمل صلواتهما وخدمتهما للربّ. لكن حان الوقت ليعلن أن ما فعله هو بأمر الله محب البشر. طلب أن يُقَدِّما الشكر لله الذي أرسله. ملحق طوبيت 12 مقتطفات من قطعة شعرية للأب برودينتيوس عن الصوم سبق لنا الحديث عن هذا الأب في ملحق طوبيت 2. وضع هذا الأب قطعة بالشعر عن "الصوم"، ودعاه "سرّ الصوم The Mystery of Fast" في 220 بيتٍ شعريٍ. يفتتح القطعة في فترة الصوم، قائلاً إننا نُقَدِّم الصوم الطاهر والمقدس تقدمة للناصري نور بيت لحم، كلمة الآب السرمدي، المولود من رحم العذراء. الصوم يُحَرِّرنا من ثقل الشهوات الجسدية لنصم عن الشهوات الجسدية ونستند بالسماويات الصوم المقدس وحياة البرية أو الوحدة لقاء موسى النبي الصائم مع الله المُمجد! المعمدان الصائم الناسك الصوم يُحَرِّرنا من ثقل الشهوات الجسدية دعا هذا الأب الصوم "سرًّا"، لأنه لا يقف عند الامتناع عن الطعام والشراب، أو استبدال الأطعمة الدسمة والشهية بأطعمة أخرى مثل الخضروات وأحيانًا الأسماك. إنما هو سرّ يمسّ علاقتنا بالله، حيث يطلب المؤمن نعمة الله أن تعمل فيه، فيتحرَّر من الضجر والتذمُّر، كما يُلجِم اللسان وكل أعضاء الجسم عن الشهوات الجامحة كالنهم والإدانة والشهوات الجسدية والمزاح الباطل والخمول وكثرة النوم. هذا من الجانب السلبي، أما من الجانب الإيجابي، فالصوم يُحَرِّك القلب بعواطفه والعقل بأفكاره وكل الطاقات الداخلية والأعضاء للعمل بقيادة روح الله بتعقُّلٍ وحكمةٍ لبنيان ملكوت الله فينا. * بالحقيقة ليس شيء أنقى من هذا السرّ، الذي يُطَهِّر كل تليّف للقلب المتضجر، ويُلجم الجسد بكل شهواته الجامحة، لئلا تفرح رائحة الدخان الصادرة عن اللحوم الدسمة، فتُثقل الذهن بقوة خانقة. [6-10] * يُخضع هذا الصوم الانحلال والنهم، وينزع الخمول المعيب الصادر عن النوم الثقيل والخمر، والشهوة الخسيسة والهزل الإباحي والمزاح، هذه الأمراض المتعددة التي تصيب الحواس المتسيبة، يلزم ضبطها بعصا الزهد. [11-15] * من يستسلم للطعام والشراب (بتهاونٍ)، لا يستطيع شكم الجسم بالأصوام المقدسة. فيتقلص لهيب روحه السامية المتلألئة الطاهرة، بكل الشهوات الخانقة، ويطفئه. بهذا تسقط النفس في النوم ببلادة مشاعرها. [16-20] لنصم عن الشهوات الجسدية ونستند بالسماويات لا يقف الصوم عند ضبط شهوة الأكل والشرب، وإنما يلزم أن يمتد إلى داخل الإنسان فيكفّ بنعمة الله عن الشهوات الجسدية، وتنطلق النفس نحو السماويات بروح الحكمة. الصوم لا يُحَدّ بالامتناع عن الكلام الباطل فحسب، إنما أن يتقدَّس اللسان ليُسَبِّح الخالق السماوي! * ليتنا إذ نضبط شهوات الجسد بلجامٍ حازمٍ. ونسمح لنور الحكمة أن يشرق في قلوبنا. تشق النفس السماوات وتعبر إليها برؤيا قوية. وتتنسم هواء السماء المُتَّسِع. فتُسَبِّح خالق كل الأشياء بأكثر كمالاً. [21-25] الصوم المقدس وحياة البرية أو الوحدة عاش إيليا النبي في البرية كمن هو منطلق للتأمل في السماويات، حتى ظن بعض الأنبياء أن روح الربّ كان يحمله من قمة جبلٍ إلى جبلٍ آخر، أو من موضعٍ إلى آخر خاصة في البرية (2 مل 2: 16-18). كان الصوم يسند هذا النبي فلا يتعلَّق قلبه بأمرٍ زمنيٍ يعوقه عن التفكير في السماويات. هكذا يليق بنا في ممارستنا للصوم أن ينطلق فكرنا إلى فوق للتأمل في الأبديات ولا تأسرنا الزمنيات. * إيليا بحفظه الصوم المقدس، تزايد في النعمة، وكان الكاهن القديم الذي سكن في البرية بعيدًا عن العالم الباطل. قيل إنه تجنَّب كثرة من الخطايا، وسط مباهج الوحدة البسيطة... [26-30] * وبمبادرة انطلق في الهواء نحو السماء. حملته مركبة نارية تجرها فُرس نارية. حتى لا تلمس النسمات الدنسة الأرضية هذا الرجل القديس. هذا الذي عاش سنوات طويلة حياة السلام والهدوء. عُرِف بالزهد الذي يُطهر نفسه (2 مل 2: 11). [31-35] لقاء موسى النبي الصائم مع الله المُمجد! يتصوَّر هذا الشاعر موسى النبي الذي قضى أربعين نهارًا وأربعين ليلة في حضرة الله وهو صائم لا يأكل ولا يشرب (تك 24: 18). يرى كأن الله يحدق بعينيه على نبيه المحبوب موسى الذي تأهَّل بالصوم أن يتمتَّع بهذه الحضرة الإلهية المجيدة. بهذا فتح الباب للمؤمنين المُخلِصين أن يمارسوا الصوم المقدس بهدف التلامس مع حضرة الله، فينعكس بهاء الله عليهم. في تأمل سريع يرى الأب برودينتيوس كأن الشمس قد مارست 40 دورة خلال الأربعين يومًا وسط الكواكب الأخرى وهي تدهش لهذا الصائم الذي لا يأكل خبزًا ولا يشرب ماءً، لأن الله صار طعامه وشرابه الروحي. وإن كانت الأرض هي التي تدور، لكننا نرى كأن الشمس هي التي تُشرِق وتتحرَّك ثم تغرب حتى الشروق التالي. * موسى الوسيط المخلص أمام عرش الله لم يقدر أن ينظر ملك السماء السابعة، حتى حققت الشمس دورتها المتسعة بين الكواكب أربعين دورة. في كل هذه الأيام تطلَّع (الله) على النبي الذي ينقصه الخبز (تك 34: 28). [36-40] * إذ اجتمع مع الله كان طعامه الوحيد هو الدموع. كان يبلل التراب بالليل ببكائه. كان ينحني إلى أسفل، ويضغط بوجهه على الأرض. حتى يتأثر بصوت الله الذي ينذره. كان يرتعب أمام تلك النار البهية التي تعجز العيون الجسدية (عن رؤيتها). [41-45] المعمدان الصائم الناسك للقديس يوحنا المعمدان دوره الفريد، يراه القديس مار يعقوب السروجي أنه الوحيد بين أناس الله الكارزين يُنسَب للعهدين القديم والجديد، كواحدٍ من الأنبياء وفي نفس الوقت من رجال العهد الجديد إذ رأى السيد المسيح. بدأ خدمته وكرازته وهو جنين في بطن أمه، وأشار إلى السيد المسيح، قائلاً: "هذا هو حمل الله الذي يحمل خطية العالم" (يو 1: 20). جاء كلمة الله المتجسد إلى العالم ليشارك البشرية في الأكل والشرب "حلّ بيننا" (يو 1: 14) وصار كواحدٍ منا، حتى نستطيع أن نقترب إليه وندخل معه في صداقةٍ، لكنه أَعدَّ السابق له. فكان رجل صوم وزهد وعاش في البرية. نزل الحق (كلمة الله) إلى العالم، وأَعَدّ القديس يوحنا له الطريق كما تنبأ عنه إشعياء النبي. تحدث عنه الأب برودنتيوس في هذه القطعة الشعرية عن الصوم، فقال: * تفوَّق يوحنا المعمدان في هذا الطقس (الصوم). السابق لابن الله الأبدي (يهيئ له الطريق)، الذي جعل الطرق الملتوية والمنحنية مستقيمة. أصلح المنحنيات وهيَّأ الطرق. جعل الطرق الرئيسية سهلة يسير فيها كل بشرٍ (مت 3: 3). [46-50] * إنه رسول الربّ الذي اقترب مجيئه (بتجسده). حفظ (يوحنا) الناموس بأمانة، وهيَّأ الطريق حسنًا. جعل كل تلٍ منخفضًا، والطرق الوعرة سهلة. لئلا إذ ينزل الحق من السماء إلى الأرض، يوجد حاجز لاقترابه السريع. [51-55] * كان (يوحنا) عجيبًا في ميلاده، وفي طريقه العام. الطفل الذي وُلِد مؤخرًا كان يرضع من ثديي أمه الجافين. حضن العجوز كان لا يزال يُقَدِّم لبنًا. لقد تقدَّمت المرأة (اليصابات) في السن جدًا قبل أن تلد. لقد عرف (يوحنا) ربَّه وهو في رحم أمه (لو 1: 42-43). [65-60] _____ |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166862181749441.jpg الأصحاح الثالث عشر مزمور وخطاب نبوي 1. مزمور طوبيت (13: 1-9) فيه يُعبِّر عن فرحه الدائم بعمل الله معه تحت كل الظروف. 2. خطاب نبوي (13: 10-18) لم يحرم السبي طوبيت عن التسبيح لله، كما لم تفارق أورشليم مدينة الله المقدسة قلبه، إذ يراها أيقونة أورشليم العليا. فهو يعيش في نينوى عاصمة أشور، أما أورشليم فتعيش فيه بكونها عربون للسماء. 3. دمار نينوى المصممة على الشر (14 :1-4): يستخدم الله أشور وعاصمتها نينوى، لتأديب شعبه على عصيانه. لكنه يدمرها لأنها ظنت أن بقوتها وسلطانها سبي شعب الله. 4. خراب أورشليم وإعادة بنائها (14: 1-5). إنه يؤدب شعبه بمملكة يهوذا ويقبل توبته ورجوعه إليه. 5. عودة كل الأمم إلى مخافة الرب (14: 6-7). 6. وصيته لابنه طوبيا ونياحته (14: 8-15). هكذا جاءت خاتمة السفر في هذين الأصحاحين تؤكد الحقائق التالية: 1. يليق بالمؤمن ألا يفارقه التسبيح حتى اللحظات الأخيرة من حياته، إذ لم يُفسِد السبي فرح طوبيت بالربّ. 2. يليق بالمؤمن أن يكون حكيمًا يتطلَّع دومًا بروح الرجاء، فيترقَّب انطلاقه إلى الأحضان الإلهية. 3. الله هو ضابط الكل. يرفض المؤمن الفكر الغنوصي الخاطئ الذي يعتقد بوجود إلهين، إله صانع الخير وإله صانع الشر. ويُمَيِّز بين الشرّ الذي هو الرذيلة والعصيان وبين الشرّ الذي هو السقوط تحت التأديب لأجل الرجوع إلى الله. 4. ليس عند الله محاباة. يؤدِّب شعبه بالسقوط تحت السبي، لكنه يترقَّب توبته ليضمه إليه. أما الأشرار المُصَمِّمون على الشرّ فيهلكون. 5. يليق بالمؤمن ألا يُفارِقه الاشتياق إلى أورشليم العليا والتمتُّع بعربون السماء. 6. الله محب البشرية، يعمل لعودة كل الأمم إليه فيحبّونه في مخافة مقدسة. 7. يترقَّب المؤمن يوم رحيله من العالم، مقدمًا وصيته لأبنائه حتى لا يسقطوا في الحزن اليائس، بل يفرحون لانطلاق والديهم إلى الأحضان الإلهية. اشتياقات طوبيت لو سألنا طوبيت عما يشتاق إليه قبل أن يرسل ابنه إلى غابيلوس ليسترد وديعة الفضة: تُرَى ما هي طلبتك من الله؟ ربما يجيب هكذا: أولاً: أن يفتح لي بابًا للخدمة والعطاء، فإصابتي بالعمى كل هذه الأعوام حرمتني من العمل لأعطي للفقراء والمحتاجين بسخاء، كما حرمتني من دفن إخوتي المقتولين والملقاة جثثهم في الشوارع والساحات في إهانة مُرّة. ثانيًا: أن تسترد زوجتي حنة سلامها، فلا ترى فيما حلّ علينا من ضيقات هو بسبب غضب الله علينا. ثالثًا: أن يعطي الربّ نعمة لابني طوبيا، فيجد فتاة من سبط نفتالي ويتزوجها حسب شريعة الله. رابعًا: أن يهبنا الله أن نسمع عن مدينة الله التي سيُحَطِّمها البابليون تُبنَى من جديد، ويُعَاد بناء الهيكل في أورشليم. خامسًا: أن يرجع إخوتي الذين من بني جنسي عن عبادة الأصنام والشركة مع الوثنيين في الطعام الدنس والرجاسات الوثنية. سادسًا: أن يُحَقِّق الله ما تنبأ عنه الأنبياء وكثير من رجال الله أن تعترف كل الأمم للربّ ويتمتَّع العالم كله بالإيمان الحقيقي، وتُفتَح أعينهم ليروا ما يعدّه الله لبني البشر الذين سينضمون إلى الخورُس الملائكي ويُسَبِّحون إلى الأبد. سابعًا: أن تتحوَّل الأرض عن كونها تعاني من اللعنة، وتصير أشبه بالسماء. الآن قد انفتح لطوبيت باب الرجاء لكل مشتهياته بقوة، حيث صار بيته مقدسًا وأسرته تُسَبِّح الله، بل وجاء الكثير من المسبيين يُمَجِّدون الله على أعماله العظيمة. انفتح لسانه بل وكل كيانه للصلاة مع التسبيح. تكشف صلاته عن اشتياقات قلبه له ولأسرته وللمسبيين ولأورشليم بل ولكل الأمم. انفتاح فم طوبيت بالتسبيح والنبوة (طو 13) لم تُفارِق المزامير شفتي طوبيت في أرض السبي. وتُعتبَر صلاته بعد هذه الأحداث أنشودة رائعة أو تسبحة مُقَدَّمة للربِّ تحمل روح مزامير داود النبي. تسبحة طوبيت نموذج عملي للمؤمن الذي يرتمي في أحضان أبيه السماوي، فيشارك السمائيين تسابيحهم، وتنفتح بصيرته الداخلية ليدرك أسرار محبة الله للبشر إلى دهر الدهور. 1. يفتتح التسبحة بتمجيد الله لحُبِّه العجيب، فهو يجرح ويشفي كي يقيم منّا مواطنين سماويين [1-2]. 2. يدعو كل الشعب أن يشكروا الرب أمام الأمم الذين تشتت الشعب بينهم [3- 6]. فهو الذي سمح بالسبي والشَتات، لكي يتمجد فيهم حتى وسط تشتيتهم، وذلك خلال توبتهم ورجوعهم للرب. 3. خلال السبي يليق بالشعب أن يذكر مدينة الله أورشليم، فلا يرجع الشعب إليها، وإنما ما هو أعظم أن تنطلق الأمم معهم من أقاصي الأرض ليلتصقوا بالربّ، لا لفترة قصيرة، وإنما لأجيال فأجيال يتهلّلون ويقدمون ذبائح التسبيح ويسجدون بفرحٍ وتهليلٍ. يتطلع طوبيت بروح التهليل إلى كنيسة العهد الجديد [11]. 3. إن كان الوثنيون قد ابتهجوا بتدمير مدينة الله، فإنهم عوض اللعنة التي حلَّت بها يتمتعون بالبركة، إذ يقومون ببنائها ويحبونها ويفرحون بسلامها [12- 13]. هكذا تطلَّع إلى السبي ليس لتأديب شعب الله فحسب، وإنما لكي يتلامس الأتقياء في أرض السبي مع الأمم، فيلمسون حُبّ الله لكل البشرية. هكذا إذ فتح طوبيت فمه بالتسبيح كشف له الرب عن جمال كنيسة العهد الجديد التي تضم الأمم للإيمان، وبحق يتغنَّى: "تُبارِك نفسي الله، الملك العظيم" [15]. 5. بروح النبوة تطلَّع طوبيت إلى كنيسة العهد الجديد، بكونها أيقونة السماء. 1. طوبيت يسجل لنا صلاته [1- 8] تهلل طوبيت وكتب صلاة، جاء فيها: [1] مبارك هو الله، الحي إلى الأبد، ومبارك هو ملكوته، فهو يؤدِّب ويرحم: إنه يُنزل إلى عالم الموت، ثم يُصعد. ولا يوجد أحد يفلت من يده. [2]. أشكروه أمام الأمم يا بني إسرائيل. إذ شتتنا بينهم [3]. أعلنوا عظمته هناك، وارفعوه أمام كل الأحياء، فهو ربنا والهنا وأبونا إلى مدى الدهور، [4] إنه سيؤدِّبنا على ذنوبنا، لكنه يعود فيرحمنا. ويجمعنا من كل الأمم، التي شتتنا بينها [5]. إن رجعتم إليه بكل قلوبكم وبكل نفوسكم، لتصنعوا الحق أمامه يرجع إليكم، ولا يخفي وجهه عنكم. ترون ما يعمله معكم، وتشكروه بملء أفواهكم، وتحمدون رب البرّ، وتعظمون ملك الآباد. وأنا أشكره في أرض السبي وأعلن قدرته وجلاله لأمة الخطاة. ارجعوا أيها الخطاة واصنعوا البرّ أمامه. من يدري إن كان يقبلكم ويرحمكم [6] إنني أُمَجِّد إلهي، ونفسي تُعَظِّم ملك السماء، وتبتهج بجلاله [7]. ليتحدث الكل عن جلاله، ويشكروه في أورشليم [8]. افتتح طوبيت صلاته بتقديم ذبيحة التسبيح، جاء فيها الآتي: أولاً: يقول: "مبارك هو الله الحيّ إلى كل الأجيال" [1]. أعماله المجيدة في كل الأجيال تعلن أن مؤمنيه الذين يجعل منهم الربّ أناسًا مباركين، يختبرون عربون السماء وهم على الأرض، يجعل السمائيين يُسَبِّحونه قائلين: "مبارك هو الله" العامل في البشرية في كل الأجيال. لله القدوس شهود في كل الأجيال. ففي الماضي منذ سقوط الإنسان، عمل في هابيل وشيث وأخنوخ ونوح... كما عمل في حياة الذين عاشوا تحت الناموس الموسوي وكان له شهود قديسون حتى في أرض السبي، وسيبقى عاملاً في البشرية إلى يوم مجيئه الأخير. يليق بالإنسان أن يدرك أن محبوبه العجيب حتى في تأديبه له إنما يطلب أن يرفعه ليستقر في أحضانه، ويتمتع بشركة أمجاده. هذه هي الحياة المُطوَّبة الصادقة. ثانيًا: ربما يتعثَّر البعض في وسط الضيقات ويتساءلون: أين هي مراحم الله وأعماله العجيبة؟ لكن في طول أناته يُحَوِّل الضيقات إلى بركات فائقة كما حدث عمليًا في حياة طوبيت وأسرته ورعوئيل وأسرته. قد يؤدِّب لكنه لا ينتقم من الخطاة لتدميرهم، إنما لكي يعلن مراحمه خلال التأديب، برجوعهم إليه وتمتعهم بعطاياه هنا وأيضًا في الحياة الأبدية. * حقًا إن المصاعب هي وسائل عظيمة وسامية لتختبر الإنسان وتُعَلِّمه فضيلة الصبر. وبالحقيقة أشكال مختلفة للضيقات. إنسان يُختبَر بالمرض المستمر، وآخر بالفقر الشديد، وآخر خلال العنف والظلم، وآخر يتعذَّب بالفقدان المستمر والدائم للأبناء والأقرباء، وآخر يرذله الكل ويحسبونه تافهًا، وآخر يحزن بطريق آخر . القديس يوحنا الذهبي الفم رابعًا: كما يرُدْ الربّ المسبيين من شعبه، سيعلن نفسه للأمم فتقبل الإيمان به، وستقدم عبادة مفرحة. بهذا يجتمع الشعب مع الشعوب، ويفرح أبناء البرّ من اليهود كما من الأمم. خامسًا: إذ يتحدث عن إعادة بناء أورشليم وقبول الأمم يعلن أنها ستكون أيقونة لأورشليم العليا. * لتعلموا أن هذه الصلاة هي حديث مع الله. اسمعوا النبي يقول: "فيلذ الله حواري[2]"، أي ليكن كلامي جالبًا للسرور أمام عينيّ الله. ألا يستطيع أن يخدمنا قبل أن نسأله؟ إنه ينتظر حتى نُقَدِّم له الفرصة، فيجعلنا أهلاً لعنايته. وسواء نلنا ما طلبناه أم لا، فلنواظب على صلواتنا، ونشكره لا حينما ننال طلبتنا فحسب، بل وحينما لا ننالها. وإذا ما شاء الله ذلك ألا يجيب سؤالنا لأن ذلك فيه خير لنا، نشكره كما لو كنا قد نلنا ما نطلبه في الصلاة. فإننا لا نعرف ما هو الخير بالنسبة لنا كما يعلم هو. لهذا يليق بنا أن نشكر، سواء نلنا طلبتنا أو رُفِضَت . * يمدح الرسول (القديسين الفقراء) لأنهم يشكرون من أجل ما قُدِّم للآخرين من عطايا بالرغم من فقرهم... فإن هؤلاء الناس متحررون من هذا الهوى (الحسد) حتى أنهم يفرحون من أجل البركات المقدمة للآخرين . * لتشكر الله ولتسبح ذاك الذي يختبرك في الأتون. لتنطق بالتسبيح عوض التجديف هذا هو الطريق الذي به عبَّر ذاك الطوباوي عن نفسه . القديس يوحنا الذهبي الفم القديس أمبروسيوس * إن العالم سيحمل لنا بغضة، وأنه سيثير اضطهادات ضدنا، وأن ما يحدث مع المسيحيين ليس بالأمر الجديد، إذ من بدء العالم يعاني الصالحون، ويُضغط على والأبرار ويقتلهم الأشرار... وإذ تكرَّس دانيال لله وكان مملوءً من الروح القدس أوضح ذلك بقوله: "لست أعبد شيئًا سوى الربّ إلهي الذي خلق السماء والأرض (بعل والتنين، 5). طوبيت أيضًا بالرغم من كونه تحت عبودية ملوكية طاغية إلاَّ أنه إذ يشعر بحرية الروح احتفظ باعترافه بالله، وأعلن بطريقة سامية عن القوة الإلهية وجلالها، قائلاً: "في أرض سبيي سبحته وأعلنت عن قوته وجلاله لأمة خاطئة" (طو 13: 6) . الشهيد كبريانوس يا أورشليم، أيتها المدينة المقدسة، إنه سيؤدبك من أجل أعمال بنيك. لكنه يعود فيُظهر رحمة لأبناء البرّ [9] اشكري الرب الخيِّر، وباركي ملك الآباء لكي يعود يبني مسكنه فيكِ بالفرح. يعطي فرحًا للأسرى، و(يحب) الحزانى فيكِ إلى كل أجيال الدهر [10]. ماذا يقصد ببناء أورشليم؟ أ. بناء مدينة أورشليم وإعاده بناء الهيكل بعد عودة اليهود من السبي البابلي. ب. أورشليم الجديدة، كنيسة الله المتمتعة بعمل الصليب والقيامة. ج. قلب المؤمن حيث الله ملكوته فيه. د. أورشليم العليا أو الفردوس السماوي. سيأتي من الأمم كثيرون من بعيد لاسم الرب الإله، يحملون في أياديهم هدايا وتقدمات لملك السماء أجيال فأجيال سيقدمون لك عبادة مفرحة [11] ملعونون كل الذين يبغضونكِ، ومباركون جميع الذين يحبونكِ إلى الأبد [12]. افرحي وابتهجي جدًا لأن أبناء البرّ سيجتمعون معًا، ويباركون رب الأبرار [13]. مباركون هم الذين يحبونكِ، فسيفرحون في سلامكِ. (مغبوطون) هم الذين يحزنون على كل تأديبك، لأنهم عندما يرون كل مجدك ِ سيفرحون ويبتهجون بكِ إلى الأبد [14]. لتبارك نفسي الله، الملك العظيم [15]. ستُبنَى أورشليم بالياقوت والزمرد، وتُبنَى أسواركِ بالحجر الكريم، وأبراجك وحصونك بالذهب الخالص [16]. تُرصف طرق أورشليم بالزبرجد والبلور وحجارة مرصعة من أوفير [17] كل شوارعها تعلن "الليلويا"، وتقدم تسبحة قائلة: مبارك هو الله الذي تمجدكِ كل الأجيال [18]. هذه النبوة تحققت بترك الأمم العبادة الوثنية وقبول الإيمان كما تنبأ الأنبياء (إر 3 :17؛ 16 :19). يحسبها أورشليم الجديدة التي تمجد الله: أ. تُبنَى بالياقوت الأزرق والزمرد [17]، أي بالمؤمنين كحجارةٍ ثمينةٍ. ب. يسودها روح الفرح: "كل شوارعها تنشد الليلويا" [18]. ج. يملك الربّ نفسه فيها، ويهبها المجد [18]. د. تنبأ طوبيت عن إعادة بناء الهيكل ورجوع اليهود من السبي والتمتُّع بالعبادة في أورشليم، كما عن كنيسة العهد الجديد التي تضم الشعوب والأمم. من وحي طوبيت 13 عجيبة هي أعمال محبتك يا إلهي * هب لي يا ربّ أن تفتح عينيّ، فأراك مهتمًا بي حتى في تأديباتك لي. لك المجد يا من تؤدِّب وترحم، تنزل إلينا لكي تحملنا بحُبِّك ورعايتك إلى أمجادك. كم كان قاسيًا على طوبيت أن يرى شعبه مسوقًا إلى أرض السبي! سمحت له أن يُحمَل إلى أرض السبي، كي يتلامس بالأكثر مع محبتك الله. حُرِم من احتفالات العيد بأورشليم، فانفتح باب للخدمة لدى المسبيين. سمح الله له بفقدان البصر، فنال بصيرة الروح. سمح له بتعييرات زوجته له، فنال بركة الاحتمال، ونَمَت محبتهما لبعضهما البعض في الربّ. عاش ابنه طوبيا مُتغرِّبًا في أرض السبي، فوجد عروسًا تحمل رمزًا لكنيسة العهد الجديد. هل كان طوبيت يتوقَّع لابنه أن يرتبط بأسرة مقدسة مثل رعوئيل وعدنا. لو أنه عاش في أرض إسرائيل، هل كان قد تمتَّع بخدمة رئيس الملائكة له؟! ما أعظم حُبّك لنا، حيث تحوّل متاعبنا إلى أمجادٍ وأفراحٍ! يا لخطتك العجيبة لنا، تفوق مداركنا، وتدخل بنا إلى معرفة أسرارك الإلهية. * كشفت يا ربّ أسرارك لطوبيت الذي كان تحت السبي. رأى أورشليم تسقط تحت التأديب، لكي تعود فتبني مسكنك المقدس بالفرح! حُرِم من الذهاب في أيام الأعياد إلى هيكل أورشليم، فإذا به يرى الأمم قادمين من بعيد يعبدون الربّ في أورشليم الجديدة. رأى اجتماع الشعب مع الشعوب في كنيسة العهد الجديد، أيقونة أورشليم العليا. |
رد: تفسير سفر طوبيا
https://upload.chjoy.com/uploads/166862181749441.jpg
الأصحاح الرابع عشر كلمات طوبيت الختامية وصيتان وداعيتان قدَّم طوبيت لابنه طوبيا وصيتين وداعيتين (طو 4، 14): الأولى: عندما صارت حنة امرأته تُعيِّره، لأنه فقد بصره، وحسبت هذا دليلاً على أن عبادته وصدقته ودفنه للقتلى لم تصدر عن قلب نقي بل خلال المظاهر الخارجية. لقد قَدَّم تسبحة وصلاة واشتهى الموت. اعتاد طوبيت أن ما يطلبه من الله يعطيه له. أما الله فلم يسمح بموته السريع حتى يختبر أن كل الآلام التي من الخارج والداخل تتحوَّل إلى بركات له ولزوجته ولابنه ولأقربائه وبني سبطه. ظن أن الله سيسمح بخروج نفسه من الجسد فورًا، فقدَّم لابنه الوصية الوداعية الأولى. الثانية: بعد أن شاخ وردّ له الله أكثر مما كان يتوقَّع، فقد شفى عينيه، وتحوَّل بيته إلى فرحٍ عجيبٍ، وتزوج ابنه طوبيا سارة بعد أن خلَّصها رئيس الملائكة رافائيل من الشيطان الذي كان يميت كل من يتقدَّم للزواج منها، ووهب الله طوبيت أن يُرافِق رئيس الملائكة ابنه، ويقوم بحراسته، ويسنده حتى عاد متهللاً. قَدَّم طوبيت الوصية الثانية لابنه وهو في أيامه الأخيرة، وربما كان على فراش الموت. بين الوصية الأولى والوصية الثانية تكشف الوصيتان عن تقوى طوبيت وحرصه على خلاص نفسه وخلاص الكثيرين. غير أن الله لم يكشف لطوبيت قبل نطقه بالوصية الأولى ما كشفه له قبلما نطق في الوصية الثانية. الوصية الثانية 1. في هذا الأصحاح جاءت الوصايا ملتحمة بالنبوات والشكر الدائم. في أيامه الأخيرة أو في يومه الأخير قَدَّم تشكرات لله [2]. ليبرز لابنه ولكل من يقرأ السفر أن حياة الشكر لم تُفارِقه حتى النفس الأخير. حقًا لم يُحَرِّره الربّ من السبي، لكنه وهبه عربون السماء حتى في خروجه من العالم. 2. أبرز حرصه على خلاص أحفاده [3]. كما اهتم بتقديم وصايا لابنه خاصة عندما ظن أنه سيموت، وأيضًا عند انطلاق ابنه في رحلته مع رئيس الملائكة، هكذا طلب من ابنه أن يعتني هو أيضًا بأبنائه [3]. 3. نبوته عن نينوى: أكد طوبيت لابنه أن نبوات الأنبياء الخاصة بدمار نينوى ستتحقَّق، لذا سأله أن بعد موته وموت أمه، ينطلق مع سارة زوجته وأولاده السبعة ويرحل إلى ميديا عند حماه وحماته فستكون أكثر أمانًا من نينوى. 4. نبوته عن أورشليم: ربما يتساءل البعض لماذا لم يطلب من ابنه وعائلته أن يحاولوا الرحيل إلى أورشليم أو مدينة من مدن يهوذا عندما تسمح الظروف بذلك، كي يتمتَّعوا بمدينة الله وهيكل الربّ. غالبًا ما كشف الله لطوبيت أن شعب يهوذا سيعصى الله، وستسقط مدينة أورشليم تحت السبي البابلي، وستُدمَّر المدينة وهيكل الربّ. وكأن نبوة طوبيت عن مدينة أورشليم وهيكل الربّ ليست خبرًا يكشف عن عظمة طوبيت وإدراكه لنبوات التي ستتحقق في المستقبل، وإنما غايتها ألا يحزن طوبيا وعائلته أنه سيرحل إلى ميديا شرق نينوى وليس إلى أورشليم في الغرب منها. الخطوط العريضة في حياة طوبيت أولاً: منذ ميلاده حتى أُقتيد إلى السبي بنينوى، في أرض إسرائيل كان سخيًا في عطائه للمحتاجين، يمارس عبادته في الأعياد في مدينة أورشليم. ويُقَدِّم عشوره وباكورات محاصيله وحيواناته للهيكل كما للفقراء. ثانيًا: في السبي الأشوري طلب سنحاريب أن يقتله، لأنه كان يدفن جثث القتلى، فهرب. ثالثًا: عاد بعد موت سنحاريب، وفقد بصره وهو ابن ثمانية وخمسين عامًا. رابعًا: استعاد بصره بعد ثمان سنوات، أي حُرِم من كثير من ممارسة أعمال المحبة، خاصة دفن الموتى بسبب فقدان بصره. لقد حُرِم من العمل بسخاء، فلم يقدر أن ينفق على بيته وعلى المحتاجين. غير أنه في كل ظروفه هذه حتى لحظات انتقاله لم يكف عن الشكر لله والتسبيح. هذا وقد وهبه الله نمو في البصيرة الداخلية كما كشف عن بعض الأحداث القادمة كي يتعزَّى ويُعَزِّي ابنه وأحفاده وكل من يقرأ ما سجَّله. 1. طوبيت بعد أن استعاد بصره [1- 2] فرغ طوبيت من الشكر [1] كان ابن ثمانية وخمسين سنة عندما فقد بصره، وبعد ثمان سنوات استعاد بصره. قدم طوبيت صدقات واستمر في مخافة الرب الإله، وقَدَّم تشكُّرات له [2]. 2. نبوة طوبيت عن نينوى [3- 4 أ] وشاخ جدًا ودعا ابنه وأبناء ابنه الستة، وقال: "يا ابني اعتني ببنيك. انظر لقد شخت، وها أنا راحل من هذه الحياة [3]. ارحل إلى ميديا يا ابني، فإنني أثق في كل كلمات يونان النبي التي قالها بخصوص نينوى أنها ستخرب. لكن في ميديا يوجد سلام أكثر إلى حين. فإن إخوتنا على الأرض سوف يتشتتون في الأرض الطيبة [4]. كان من عادة الآباء عند نياحتهم أن يجمعوا حولهم أبناءهم ليباركوهم ويوصوهم ويحذروهم، ولا شك أن الإنسان عند انتقاله يكون أصدق ما يكون بحيث لا يقدر على إخفاء الأسرار، فيضع أمام أولاده ومحبيه كل عصارة خبرته، وقد فعل إسحق ذلك مع ابنه يعقوب وكذلك فعل يعقوب الأمر نفسه مع بنيه الاثني عشر "وَلَمَّا فَرَغَ يَعْقُوبُ مِنْ تَوْصِيَةِ بَنِيهِ ضَمَّ رِجْلَيْهِ إلَى السَّرِيرِ وَأسْلَمَ الرُّوحَ وَانْضَمَّ إلَى قَوْمِهِ" (تك 49: 33). ونحن نقرأ في سير الآباء، أنه عند نياحة أحدهم، كان يجتمع حوله بقية الآباء يسألونه لينتفعوا، ويتمتعوا بما قد يكشفه لهم من أسرار، وبظهور بعض القديسين له. طوبيت هنا ينصح عائلته بالاتجاه إلى ميديا شرقًا، حيث من المؤكد أن دمار نينوى قد أوشك، بحسب نبوة ناحوم النبي، التي تعتبر أكثر النبوات صراحة ووضوحًا، فيما يتعلَّق بخراب نينوى وتحولها إلى ركام، وظهور انتقام الله لليهود الذين ذاقوا فيها الذل والاضطهاد. * في الماضي في أيام يونان تاب أهل نينوى وطلبوا المغفرة، لكن بعد ذلك إذ أَصرّوا على خطاياهم جلبوا حكم الله عليهم . القديس چيروم ما يزال طوبيت الشيخ مهتمًا بأولاده، لا يكف عن توصيتهم، حتى وهو على فراش الموت، ففي هذه الجلسة الوداعية Deathbed Council يوصى نسله، بذات الوصايا التي عاش فيها، وسبق أن أعطاها لطوبيا ابنه، واليوم يعود فيرددها أمام الأحفاد، ثم يرجوهم بأن يدفنوه هو وزوجته حنة معًا في قبرٍ واحدٍ، كعادة الآباء في الاهتمام بعظامهم وضمها جنبًا إلى جنب مع عظام الآباء والأجداد. 3. نبوة طوبيت عن أورشليم [4 ب-5] أورشليم ستكون خرابًا. وسيحُرق بيت الله الذي بها، ويكون خرابًا إلى حين [4 ب]. لكن الله يعود ويرحمهم، ويُردّهم إلى أرضهم، فيبنون البيت، ولكن ليس كما كان سابقًا، حتى تتم الأزمنة. بعد ذلك يعودون من السبي ويبنون أورشليم بكرامةٍ. بيت الله يُبنَى فيها كمبنى مجيدٍ لكل جيلٍ فجيلٍ، كما قال النبي عنها (حج 1: 1-15) [5]. تم هذا السبي الذي يقصده طوبيا، وهو السبي الثاني ويُسمَّى سبي يهوذا، حيث تنبأ عنه أيضًا إشعياء النبي: "فَسَأَلْتُ: إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ؟ فَقَالَ: إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْمُدُنُ خَرِبَةً بِلاَ سَاكِنٍ، وَالْبُيُوتُ بِلاَ إِنْسَانٍ، وَتَخْرَبَ الأَرْضُ وَتُقْفِرَ. وَيُبْعِدَ الرَّبُّ الإِنْسَانَ وَيَكْثُرُ الْخَرَابُ فِي وَسَطِ الأَرْضِ". 6: 11-12)، وميخا النبي: "لاَ تُخْبِرُوا فِي جَتَّ لاَ تَبْكُوا فِي عَكَّاءَ. تَمَرَّغِي فِي التُّرَابِ فِي بَيْتِ عَفْرَةَ". (مي 4: 10). وكذلك إرميا النبي حيث صرح بأنه سيكون سبعين عامًا "اَلْكَلاَمُ الَّذِي صَارَ إِلَى إِرْمِيَا عَنْ كُلِّ شَعْبِ يَهُوذَا فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِيَهُويَاقِيمَ بْنِ يُوشِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا" (هِيَ السَّنَةُ الأُولَى لِنَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ). وَتَصِيرُ كُلُّ هَذِهِ الأَرْضِ خَرَابً وَدَهَشً وَتَخْدِمُ هَذِهِ الشُّعُوبُ مَلِكَ بَابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. وَيَكُونُ عِنْدَ تَمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً أَنِّي أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ وَتِلْكَ الأُمَّةَ يَقُولُ الرَّبُّ، وقد تم سبي يهوذا على يد نبوخذنصر على أربعة مراحل، في سنة 605 ق.م.، وسنة 597 ق.م.، وسنة 587 ق.م.، وسنة 582 ق.م. كَانَ يَهُوآحَازُ ابْنَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ وَمَلَكَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ فِي أُورُشَلِيمَ وَعَزَلَهُ مَلِكُ مِصْرَ فِي أُورُشَلِيمَ وَغَرَّمَ الأَرْضَ بِمِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَبِوَزْنَةٍ مِنَ الذَّهَبِ. وَمَلَّكَ مَلِكُ مِصْرَ أَلِيَاقِيمَ أَخَاهُ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ وَغَيَّرَ اسْمَهُ إِلَى يَهُويَاقِيمَ. وَأَمَّا يَهُوآحَازُ أَخُوهُ فَأَخَذَهُ نَخُو وَأَتَى بِهِ إِلَى مِصْرَ. كَانَ يَهُويَاقِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ وَمَلَكَ إِحْدَى عَشَرَةَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلَهِهِ. عَلَيْهِ صَعِدَ نَبُوخَذْنَصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ وَقَيَّدَهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ لِيَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَابِلَ وَأَتَى نَبُوخَذْنَصَّرُ بِبَعْضِ آنِيَةِ بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى بَابِلَ وَجَعَلَهَا فِي هَيْكَلِهِ فِي بَابِلَ (2 أي 36: 2-7). وكان من بين المسبيين دانيال والثلاثة الفتية ووجهاء البلاد، واستمر هذا السبي حتى أصدر كورش الملك الفارسي قرارًا بعودة اليهود من السبي وبناء أورشليم والهيكل، حيث ردّ لهم جميع ما سُلِب من الهيكل، وقد عاد اليهود سنة 538 ق.م. وشرعوا في إعادة البناء وإعمار البلاد، حيث تم بناء الهيكل في سنة 515 ق.م. وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ وَرُؤُوسِ الآبَاءِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ رَأَوُا الْبَيْتَ الأَوَّلَ بَكُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ عِنْدَ تَأْسِيسِ هَذَا الْبَيْتِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَكَثِيرُونَ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْهُتَافِ بِفَرَحٍ. وَلَمْ يَكُنِ الشَّعْبُ يُمَيِّزُ هُتَافَ الْفَرَحِ مِنْ صَوْتِ بُكَاءِ الشَّعْبِ، لأَنَّ الشَّعْبَ كَانَ يَهْتِفُ هُتَافً عَظِيمً حَتَّى أَنَّ الصَّوْتَ سُمِعَ مِنْ بُعْدٍ (عز 3: 12-13). وقد عاين طوبيا تحقيق نبوة أبيه، ودمرت نينوى بتحالف نبوبلاسر مع كيكساريس ملك ميديا، حيث ساعدهما في ذلك فيضان نهر دجلة، وقد قام ملك ميديا بأسر عدد كبير من سكان نينوى إلى ميديا، ومن ثم صارت مملكة مادي قوية إذ اشتملت على فارس وتوابعها. وعاش طوبيا وسارة وأولادهما وأحفادهما في سلام وهم ينتظرون خلاص الرب والعودة إلى أورشليم. 4. نبوة عن رجوع الأمم إلى الله [6- 7] وترجع كل الأمم ويخافون الرب الإله الحق ويدفنون أصنامهم في الأرض، وستبارك كل الأمم الرب [6]. فيشكر شعبه الله ويحمدونه، فيرفع الرب شعبه، ويبتهج كل الذين يحبّون الرب الإله بالحق والبرّ. هؤلاء يُظهرون رحمة لإخوتهم [7]. 5. التشديد على الرحيل من نينوى [8- 11 أ] لهذا يا بني ارحل من نينوى حيث ما قاله النبي يونان سيتحقَّق دون شكٍ [8]. واحفظ الشريعة والفرائض. كن رحومًا وبارًا فيكون لك الخير [9]. اهتم بدفني، وادفن أمك معي، لكن لا تُقِمْ في نينوى. لاحظ يا ابني ما فعله هامان مع أحيور الذي ربَّاه. كيف قاده من النور إلى الظلمة، وكيف جازاه بشدة. بالحقيقة أُنقِذ أحيور أما ذاك الرجل فقد جوزي ونزل إلى الظلمة. منسى قَدَّم صدقة وخلص من مصيدة الموت التي نُصبت له [10]. الآن إذن انظروا يا أبنائي ما تفعله الصدقة وكيف يخلصنا البرّ. أَخيكار: كلمة عمونية معناها (أخي النور). هو ابن أخي طوبيا الشيخ، وقد عمل كوزير ومستشار لكل من الملك سنحاريب ثم الملك أسرحدون، إذ لم يكن له ابن فقد تَبَنَّى ابن أخيه واسمه ناداب (كلمة عبرية معناها كريم) ولما كان أخيكار حكيمًا وأديبًا وفيلسوفًا ، فقد لقَّن ناداب الحكمة وأَعدَّه إعدادًا جيدًا ليخلفه في الوظيفة، فلما اشترك معه في وظيفته، انقلب عليه وتنكَّر لحكمته ونصائحه، فوشى به لدى الملك الذي عذَّبه ثم ألقاه في السجن، ولكن السجان والذي هو ضمن تلاميذ أخيكار أسدى إليه معروفًا بأن خبأه، ولما تغيرت الأحوال، رد إلى وظيفته، فوجه إلى ناداب سلسلة من عبارات اللوم والتوبيخ ثم ألقاه في السجن حيث بقى فيه حتى مات. وقد صار الأمر معروفًا بين اليهود هناك، لا سيما وأن أخيكار يهودي من عائلة طوبيا، ومن هنا فإن طوبيا الشيخ يضع القصة هنا أمام عائلته كعبرة، باعتبار أن أخيكار كان خيرًا مع ناداب مقابل شر الأخير. وقد شارك أخيكار وناداب ابن أخيه في عُرْسِ طوبيا الابن بعد عودته من راجيس "وقَدِمَ أَخيكارُ ونادابُ اَبْنا عَمِّه يُشارِكانِ طوبيت في الفَرَح. (طو 11: 18) أخيكار الذي كان يسكن في ألمايس (عيلام) قد لازم طوبيت لمدة سنتين متكفلًا بنفقاته وذلك عقب إصابته بالعمى، قبل أن يرجع إلى عمله ومكان سكناه (طو 2: 10). وكما أعطى طوبيت لابنه وصايا لكي يحيا بها (طو 4: 1 إلخ.)، فهو لم يَنْس أن يعطي لأبناء ابنه، أيْ أحفاده، وصايا أيضًا كي تسندهم في أيام غربتهم على الأرض. فأول وصية ينبههم إليها هي الطاعة والخضوع في الرب (أف 1:6) ولأبيهم (طو 10:14)، وهو ما أوصى به سليمان كل شاب أيضًا قائلًا له: "اسمع لأبيك الذي ولدك ولا تحتقر أمك إذا شاخت" (ام 22:23). وقد يتبادر إلى الذهن لماذا أطيع وأخضع لوالديّ؟! يقول بولس الرسول: "أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق. أكرم أباك وأمك التي هي أول وصية بوعدٍ. لكي يكون لكم خير وتكونوا طوال الأعمار على الأرض" (تث 16،5، أف 6: 1-3). وكان الناموس يعاقب من لا يسمع لأبيه أو أمه ويكون معاندًا لهما ولا يقبل التأديب بأن يمسكانه ويأتيان به إلى شيوخ المدينة ويقولان لهم: "ابننا هذا معاند لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير"، فبالتالي يحكمون عليه بالرجم ويرجمونه حتى الموت لكي ينزع الشر من بني إسرائيل، ولكي يكون سبب تأدب وعبرة لغيره من إسرائيل (تث 21: 18-21). لهذا يقول سليمان الحكيم: "العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة إطاعة أمها تقورها غربان الوادي وتأكلها فراخ النسر" (أم 17:30). وهذا ما أَكَّده القديس بولس الرسول حينما قال عن بعض الخطايا ومن بينها عدم الطاعة للوالدين: "إن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت... لأن غضب الله مُعلَن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم" (رو 1: 30-32). يقول ابن سيراخ: "من أكرم أباه يكفر خطاياه. ومن يمجد أمه يكون كمدخر الكنوز. من أكرم أباه يسرّ بأولاده، وحين يصلي يُستجَاب له. من يُعَظِّم أباه تطول حياته، ومن يُطيع الربّ يُرِيح أمّه" (سي 3: 3-6). لم يكتفِ طوبيت أن يوصى أحفاده لكنه يمتد بوصيته إلى أبنائهم أيضًا. فطوبيت الذي ذاق ثمر الصدقة في حياته. وأكد له الملاك على أهميتها يشدد على أبنائه لكي يمارسوها في حياتهم ويعلموا بنيهم ممارستها أيضًا. ولا ينسى أن يركز على علاقتهم المباشرة مع الله من خلال حياة التسبيح والشكر في كل حين وبكل طاقتهم. فهنا ينبههم إلى الوصية القائلة: "فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك" (تث 6: 5، مت 22: 38). وهذه الوصية هي التي عاش بها يوشيا الملك حيث قيل عنه: "ولم يكن قَبْلَهُ ملك مثله قد رجع إلى الرب بكل قلبه وكل نفسه وكل قوته حسب كل الشريعة وبعده لم يقم - أيْ إلى وقت كتابة سفر الملوك الثاني - مثله - أي مثل يوشيا الملك" (2 مل 25:23). 6. رحيل طوبيت ثم طوبيا [11 ب- 15] بعد أن قال هذه الأمور رحلت نفسه وهو راقد على السرير. كان عمره مئة وخمسة وثمانين سنة. وقام طوبيا بدفنه بكرامةٍ [11]. وعندما ماتت حنة دفنها مع أبيه. عندئذ رحل طوبيا ومعه زوجته وأولاده إلى احمتا (اكباتانا) عند حماه رعوئيل [12]. شاخ بوقار ودفن حموية بكرامةٍ وورث ممتلكاتهما مع ممتلكات طوبيت أبيه [13]. مات طوبيا في أحمتا بميديا عندما بلغ مئة وسبعة وعشرين عامًا [14]. لكن قبل أن يموت سمع عن دمار نينوى بواسطة نبوخذنصر وأحشويرش. هكذا فرح بسبب ما حدث لنينوى (كتحقيق لنبوة أبيه طوبيت) قبل موته [15]. خاتمة نجد أن طوبيا أطاع كلام أبيه من حيث دفن والدته بجانبه (طو 14:14)" مثل الآباء الأولين وارتحل عن نينوى ذاهبًا إلى حموية وعاش معهما حتى تنيّحا بشيخوخة صالحة، وكان يهتم بهما ودفنهما جنبًا إلى جنب وأخذ كل ميراثهما. ولأنه نَفَّذَ وصية أكرم أباك وأمك نجده يأخذ وعدها - أي بركتها - من جهة طول أيام حياته على الأرض وهو له كل خير. طلب طوبيت من ابنه أن يتطلَّع إلى عمل الله القادم لخلاص الأمم [6]. تنبَّأ عن عودة إسرائيل من السبي وإعادة بناء الهيكل، لكنه لا يكون مثل الهيكل الأول من جهة عظمة المبنى. هذه النبوة تنطبق على هيكل العهد الجديد الذي ليس مثل هيكل سليمان القاصر على اليهود، إنما يضم جميع الأمم التي على الأرض التي تتقي الله بالحق [6-7]، وتترك عبادة الأوثان. طلب منه ومن نسله أن يحفظوا الوصية الإلهية، خاصة الصدقة. من وحي طوبيت 14 هب لي يا ربّ البصيرة الروحية * شاخ طوبيت ورأى ابنه ومعه أحفاده الستة. ضعف جسد طوبيت، فاستنارت بصيرته. طلب من ابنه أن يرحل مع أحفاده لا إلى أورشليم بل إلى ميديا. أنقذ طوبيت ابنه وأحفاده من الخراب الذي كان سيحل بنينوى. ما أروع أن نشعر أن إلهنا بحكمته يُدَبِّر حتى اللحظات الأخيرة من حياتنا. لك المجد يا من ترعانا حتى النفس الأخير! |
| الساعة الآن 08:32 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026