![]() |
شخصيات الكتاب المقدس
شخصيات الكتاب المقدس
بقلم القس يوسف قسطة ملخّص الكتاب يتمحور هذا الكتاب حول شخصيات رجالات الله المباركه التي تعثرت في ميادين الحياة وقامت بقوة مجيده على سبيل المثال :يونان ,يعقوب,عيسو .كما يتشاهد بأعظم الشخصيات التي كانت مثال يحتذى به على مرّ العصور ومنهم ربنا والهنا الرب يسوع ,يوحنا المعمدان,يوسف,كرنيليوس,موسى,يعبيص واخنوخ ويركز على مواقفهم المجيده كلٌ بدوره ذاكراً اهمية الإقتداء بهم بحسب ملخص حياتهم فلكل منهم دور لتتميم مشيئة الله الى يومنا هذا. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
المقدمة
هذا الكتاب هو مجموعة من المقالات عن بعض شخصيات الكتاب المقدّس، كانت مجلّة "الغريب" قد تولّت نشرها تباعاً في أعدادها (ما خلا بعض الفقرات) منذ عام 1960. لم يخطر لي في بال، في بادئ الأمر، أنه سيأتي يوم تُجمع فيه هذه المقالات في كتاب واحد. غير أنّ إقبال القرّاء عليها من ناحية، وتشجيع الأخوة والأصدقاء من ناحية أخرى دفعاني للقيام بمحاولتي الأولى هذه. أضف إلى ذلك، أن بعض المجلاّت المصرية المسيحية قد اقتبست ونقلت بعضاً من هذه المقالات على صفحاتها ليتسنّى لقرّائها الاطّلاع عليها. لذلك عمدتُ مؤخّراً إلى جمع تلك المقالات وتنقيحها وتسميتها "الجزء الأوّل" على أمل أن تصدر أجزاء أخرى في نفس الموضوع في المستقبل أن شاء الربّ. فإلى الله أضرع، وأنا أضع هذا الجزء بين أيدي القرّاء، أن يجعله بركةً لهم ولكثيرين وأن يستخدمه لمجد المسيح ربّنا. القس يوسف قسطة |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
أخنوخ الذي مشى في سن الخامسة والستين تك 5: 18-24 عب 11: 5 https://upload.chjoy.com/uploads/158644397915071.gif كان أخنوخ رجلاً عادياً مثلنا في كلّ شيء. كان، كما قال يعقوب عن إيليا "إنساناً تحت الآلام مثلنا" ـ أي من صفّنا وصنفنا. فهو لم يجترح أيةً ولا قام بمعجزة لم يؤسس مملكةً ولا بنى أسطولاً لم ينظّم جيشاً ولا خاض حرباً لم يؤلّف كتاباً ولا نظم شعراً لم يرسم صورةً ولا ألّف سيمفونيةً لم يكن أميراً ولا وزيراً ولا زعيماً ولا طبيباً ولا محامياً ولا مهندساً. كما أنّه لم يكن من رجال المال والأعمال ولا من العلماء والفنيين ولا من الأفذاذ في التاريخ. كان رجلاً عادياً بكلّ ما في الكلمة من معنى. لكن ما سجّله الكتاب المقدّس عنه، بكلمات قليلة ومعدودة، لهو في عُرفي أفضل وأهمّ وأعظم من كلّ الكتب والمجلّدات التي كتبت عن غيره أبناء آدم. وهاكَ ما قاله الكتاب في عهديه عن أخنوخ: 1- سار مع الله ـ وهل هناك أروع وأجمل من رفقة الله والسير معه؟ فهو لم يركض مع الله وهو لم يقفز مع الله بل مشى مع الله … لأنّ السير مع الله هو خطوة فخطوة. وقد دامت تلك المسيرة ثلاث مئة سنة لم يشعر أخنوخ خلالها: بضجر أو سأم بتعب أو ندم ما أكثر بركات السير مع الله: نوح سار مع الله فاستخدمه الله يوسف سار مع الله فحفظه الله دانيال سار مع الله فأحبّه الله وكذلك أخنوخ سار مع الله فرافقه الله فتمّ فيه ما قيل عن إبراهيم السائر مع الله، أنه صار خليل الله. وتمّ فيه ما قيل عن آدم أنه كان يسمع صوت الله ماشياً يخاطبه ويحادثه. وتمّ فيه ما قاله إيليا عن نفسه "حيّ هو الربّ الذي أنا واقف أمامه". وبكلمات أخرى، عاش أخنوخ حياته في الحضرة الإلهيّة. جدير بالملاحظة أن أخنوخ بدأ حياته مع الله منذ أن ولد طفله الأول. "وسار أخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلاث مئة سنة …". لقد عاش سنيه المس والستين الأولى من حياته حياةً اعتيادية. فكان كغيره من الناس: يفكّر كما يفكّرون ويتكلّم كما يتكلّمون ويتصرّف كما يتصرّفون ويعيش كما يعيشون. ثم فجأةً تغيّر كل شيء. ولد الطفل المنتظر، وما أن أخذه أخنوخ بين يديه ورأى صورته فيه حتى طرأ تغيير عجيب على حياته وأصبح إنساناً جديداً. نعم، أخذ منه الفرح كلّ مأخذ وقدّر عطيّة الله له كلّ التقدير، فما كان منه إلاّ أن قابل العطيّة بعطيّة ـ أعطى نفسه كليّةً لله. ما أعجب طرق الله! فما عجزت عن عمله سنوّه الخمس والستون استطاعه ذلك الطفل في يوم واحد. ما أجمل الصورة: ابنه على ذراعيه وإلهه في قلبه يا ليت كلّ الوالدين يتمثّلون بأخنوخ فيقدّرون عطايا الله ويبادلونه بالمثل. 2- أرضى الله ـ " شهد له بأنّه قد أرضى الله". ومن هو الذي شهد؟ الله. شهد الله لداود بقوله "وجدت داود بن يسّى حسب قلبي". وشهد الله لأيوب بقوله "ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم..". وشهد الله لدانيال إذ وضعه في صفّ واحد مع نوح وأيوب (حزقيال 14: 14). وشهد الله لموسى بقوله "لم يقم نبي في إسرائيل مثل موسى". وشهد الله لابنه بقوله "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". وشهد الله كذلك لأخنوخ بأنه حاز رضاه... أيها القارئ العزيز! هذا هو المهم. متى رضي الله فلا تهتمّ إن رضي الناس أم لا... لكن أخنوخ شُهد له من الناس أيضاً. فقد لاحظوا التغيير الذي طرأ على حياته. لاحظوا أقواله وأعماله وتصرّفاته وحركاته. فوجدوا أن "الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلّ قد صار جديداً". كيف لا يشهد الناس له وقد رأوه يطرح عنه كلّ خبثٍ وشرّ ورياء وحسد ونميمة! كيف لا يشهد الناس له وقد رأوا أنه خلع الإنسان العتيق وتسربل بالجديد! كيف لا يشهد الناس له وقد رأوه يعيش في الروح ويسلك في الروح ويثمر ثمار الروح التي هي "فرح، سلام، طولا أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، نعفف" وأمثال هذه. شهدوا له لأن النور لا يمكن أن يخفى شهدوا له كما شهد فرعون ليوسف وكما شهدت الملكة لدانيال وكم شهدت الجارية لبولس كيف جرى هذا الانقلاب؟ كيف استطاع أن يرضي الله؟ بالإيمان. لأنه "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه…" (عبرانيين 11: 6). آمن أن الله موجود. وآمن أن الله يجازي الذين يطلبونه. فطلب الله ـ فوجد الله. كان الله من نصيبه وفي قلبه وإلى جانبه. وكان الله له رباً وحبيباً وصاحباً. وكان شعاره ما قاله داود "جعلت الربّ أمامي في كلّ حين، لأنه عن يميني فلا أتزعزع". وأرضى الله أيضاً بأمانته. فالأمانة من الإيمان. كان أميناً في خدمته، كان أميناً في استخدام الوزنة التي أعطاه إياها الله. كان أميناً في إضرام الموهبة التي فيه. وما هي تلك الموهبة؟ يُجيب العهد الجديد على هذا السؤال قائلاً إنها موهبة النبوّة. فلقد ذكر يهوذا في رسالته (14 و15) أن أخنوخ تنبّأ قائلاً: "هوذا قد جاء الربّ في ربوات قديسيه ليصنع دينونةً على الجميع فجّارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلّم بها عليه خطاة فجّار". فلولا يهوذا لما علمنا شيئاً عن موهبة أخنوخ. وكان أميناً في بيته وبين أفراد عائلته. فقد ربّى أخنوخ أولاده تربيةً صالحة في ظلّ مخافة الله. وقد أطال الله بعمر ابنه البكر متوشالح حتى أنه عاش وعاش وعاش لدرجة أن الناس ظنّوه لن يموت. عاش 969 سنة (العمر كلّه) ورأى أحفاده وأحفاد أحفاده، وأحفاد أحفاد أحفاده. وهذا يتّفق مع ما قاله الكتاب: "مخافة الربّ تزيد الأيّام". 3- نقله الله ـ "ولم يوجد لأنّ الله نقله". عاش أخنوخ وكأنّه لم يكن من سكان الدنيا. عاش وكأنّ رأسه في السماء ورجليه على الأرض. عاش مع الله رغم كونه بين البشر. إني أتصوّر أخنوخ وقد استيقظ في صباح يوم اختطافه وهو يحسّ بإحساس غريب. ثم ذهب كعادته إلى خلوته ولسان حاله يقول: يا طيب ساعاتٍ بها أخلو مع الحبيبْ يجري حديثي معه سراً ولا رقيـبْ صلّى كما لو لم يصلِّ من قبل. واستغرق في الصلاة والتأمّل والشركة مع الله على غرار ما حدث مع بطرس إذ كان يصلّي على السطح، وعلى غرار ما حدث مع يوحنا إذ كان في الروح في جزيرة بطمس. ولما عاد من خلوته كان وجهه كوجه ملاك. وهنا دار بينه وبين زوجته الحديث التالي: أخنوخ: إني أحسّ بشعورٍ غريب. زوجته: هل لك أن تخبرني ما هو؟ أخنوخ: أشعر أني غريب ونـزيل على الأرض. ومن جهة أخرى أحسّ بشوقٍ شديد إلى موطني السماوي. زوجته: لكنّك كنت تشعر بهذا من قبل أليس كذلك؟ أخنوخ: هذا صحيح، ولكنني اليوم أشعر به أكثر من أي وقت مضى. لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع الله. ذاك أفضل جداً. إني أحبّه وقد تعلّقت نفسي به، فلا أطيق العيش إلاّ بجواره. زوجته: أولستَ تعيش معه الآن؟ أخنوخ: نعم. لكن هناك أكون في صلةٍ أوثق وشركة أعمق مع من تحبّه نفسي. (وهنا أتصوّر أن أولاده سمعوا الحديث ودنوا منه. ثم تكلّم متوشالح). متوشالح: ما هذا الكلام الغريب الذي أسمعه؟ أخنوخ: لا أعرف كيف أجيبك يا ابني. إنّما أقول إني سعيد جداً. وأكاد أطير من الفرح. (وهتف قائلاً) ما أحلى يوم الارتقاء يوم الهنا يوم اللقاء هناك يحلو لي البقاء مغادراً دار الشقاء. وبينما هو يتكلّم وصلت المركبة السماوية، تحفّ بها الأجناد الملائكيّة. فنـزل منها ملاكان وتقدّما منه قائلين: "قد أرسلنا الله لكي نأخذك معنا وها العربة في انتظارك". فهتف أخنوخ: "هللويا". ثم أمسكه الملاكان (كما فعلا عند إخراج لوط من سدوم) وأصعداه إلى العربة. وصاح أحدهما: "إلى المجد... إلى المجد!". تحرّك الموكب باتجاه أورشليم السماوية. وهكذا ارتفع عنهم وهم ينظرون باندهاش واستغراب. وهنا صاح متوشالح (كما فعل اليشع عند صعود إيليا): "يا أبي، يا أبي …!". ثم اختفى أخنوخ عن الأبصار... وهكذا انتقل من مجد الإيمان إلى مجد العيان، من المجال الضيّق إلى المجال الرّحب، من دار الوجود إلى دار الخلود. إن اختبار أخنوخ هو صورة مصغّرة عن اختطاف المؤمنين الأحياء عند مجيء الربّ. فهو لم يرقد لكنّه تغيّر في لحظة في طرفة عين عند سماع صوت دعوة الله. فلبس الفاسدُ عدم فساد ولبس المائتُ عدم موت وابتُلع الموت إلى غلبة. ثم اختُطف ليكون كلّ حين مع الرب. أخنوخ سار مع الله وكلّ من سار على الدرب … وصل. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
عيسو أكلة مجدّرة جعَلت حياته مُكدّرة تك 25 وما بعده https://upload.chjoy.com/uploads/158687535715981.jpg عيسو، كبعض الشباب في عصرنا الحاضر، كان يتباهى بقامته ويعتزّ بمقدرته وقوة عضلاته. وُلد خشناً أشعر، وعاش حياةً كلّها خشونة. دعاه الكتاب "إنسان البرية" لأنّه كان مولعاً بصيد الحيوانات البرية على اختلاف أنواعها. ويُرجّح أنه كان يلتقي في أحايين كثيرة ببعض الحيوانات المفترسة وكان بسبب قوة بأسه ورباطة جأشه يقضي عليها. ولا بدّ أنه كلّما رجع إلى بيته، كان يروي لأهله قصصه البطولية واختباراته في البرية، وهذا مما زاده غروراً واعتداداً بنفسه. كان يعيش لنفسه ولساعته وكل ما كان خارجاً عن نطاق ذاته كان بلا أدنى قيمة. كان شعاره على حدّ تعبير اليوم: "عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة". لنتأمّل نقاط الضعف عند عيسو لعلّنا نتّعظ ونعتبر. 1- غلبَتْه شهيّته وشراهته: كان عيسو من جماعة "بطن ملان ـ كيف تمام". كان أكولاً شرهاً يأكل أضعاف ما يأكل غيره وقد جعل من معدته إلهاً له. فكلّما اشتمّ رائحة الطعام كانت عزيمته تخور. أكلة طيبة كانت عنده تساوي الدنيا. كيف لا والأكلة من النوع الذي يحبّ ـ عدس أحمر. فيما أن اهتمامه كان يدور حول نفسه، اختار أن يتمتّع بالأكل الشهيّ لساعة دونما أدنى حساب للعاقبة الوخيمة. وكانت النتيجة أنه: 2- استبدل الغالي بالبالي ـ كانت البكوريّة ذات امتيازات عظيمة لصاحبها. فمن الوجهة الزمنية كان البكر كوليّ العهد عند الملوك اليوم: له اعتبار خاص ومقام خاص وحقوق وامتيازات خاصة. كانت حصّته في الميراث حصّة الأسد. أضف إلى ذلك بركة ورضى والديه. أما من الوجهة الروحية فكان البكر، على حدّ قول ف.ب.ماير، "كاهن الأسرة أو العشيرة، ومستودع الأسرار الإلهية وناقلها إلى البشرية، وحلقة في سلسلة النسب الذي يولد منه المسح. وكان لصاحب البكورية حقّ نوال القوة والاقتدار مع الله والناس، وحقّ استلام وتسليم مشعل رجاء المسيّا، وحقّ وراثة المواعيد والعهود التي قطعها الله لإبراهيم، وحقّ القيام بين أبطال العالم في الحياة الروحيّة، وحقّ الإقامة كأحد غرباء الأبدية دون أن يُطالب بوطأة قدم لأنّ السماء كلّها مضمونة له". أما صاحبنا عيسو فقد ضرب بكلّ هذه الامتيازات عرض الحائط وظنّ أنه لن يعيش ذلك العمر الذي يتيح له التمتّع بهذه كلّها. فقال "هاأنا ماضٍ إلى الموت. فلماذا لي بكوريّة؟"، وكأن لسان حاله يقول: " لنأكل ونشرب لأننا غداً سنموت". فكان أن احتقر البكورية وباعها لأخيه مقابل شيء تافه جداً ـ صحن من المجدّرة. يا للغباوة!! استبدل الغالي بالرخيص استبدل القيّم بالزهيد استبدل الباقي بالبائد أخي القارئ، كم من مرة تبيع بكوريّة نفسك الخالدة بما هو أتفه من العدس الذي أكله عيسو. إنّك تبيعها مقابل: غـرور الخطية أو منفعة مادية أو شهوة دنيّة أو متعة وقتية 3- تزوّج بفتيات أجنبيات ـ اتّخذ عيسو لنفسه زوجتين: يهوديت وبسمة وكلتاهما غريبتان. وهذا الأمر، كما نفهم من كلمة الله، يتنافى مع المبادئ والمقاصد الإلهية. لهذا نقرأ في الكتاب أنهما "كانتا مرارة نفسٍ لإسحق ورفقة". نحن نذكر ما قاله إبراهيم ـ جدّ عيسو ـ لعبده أليعازر الدمشقي حين طلب إليه أن يجد زوجةً لابنه اسحق. قال "أستحلفك بالربّ… أن لا تأخذ زوجةً لابني من بنات الكنعانيين… بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجةً لابني اسحق" (تكوين 24: 3و4). والسبب هو أن إبراهيم كان أميناً للربّ وعرف أن الالتصاق بالأجانب خطيّة قبيحة في نظر الله. بسببها أهلك الله العالم القديم بالطوفان بسببها ساد بيت اسحق جو من الحزن والمرارة بسببها غضب الله على شعبه مراراً بسببها ارتدّ الكثيرون من الكهنة وخدّام الله بسببها انقاد سليمان الحكيم إلى الحماقة وبسببها تتحطّم حياة الكثيرين في عصرنا الحاضر قال الرسول بولس "أية شركة للنور مع الظلمة... وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن". احذر أيها المؤمن المرأة الأجنبية التي تغرّك بمظهرها وأناقتها وكلامها الملق المعسول. فإنها "طرحت الكثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء". حقاً إن "الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً". لقد حصد عيسو ما قد زرع فكان أن: 4- خسر الأرضيات والسماويات ـ نعم خسر خسارةً لا تعوّض: بركة الأب ورضى الرب. عوض أن يكون سيّداً صار عبداً مَسُوداً عوض أن يتمتّع بالخيرات صارت أرضه بلا دسم عوض أن يعيش بسلامٍ صار يعيش بسفه ما أصدق كلمات يسوع حين قال "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه". وما أصدق نصيحة يسوع حين قال "اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية". وأخيراً … 5- أحسّ بالندم بعد العدم ـ "لم يجد للتوبة مكاناً مع أنه طلبها بدموع". لقد استيقظ ضميره من سباته العميق ولكن بعد فوات الفرصة. فالشيء الذي احتقره واستخفّ به كان جديراً بأن يحظى باهتمامه قبل كل شيء، لكنّه لم يضع الأمور الأهمّ أولاً. وهل يمكن عمل شيء مع شاب مغرور ومتعدّ بنفسه؟! ما أكثر الشباب والشابات في عصرنا الحاضر الذين هم على شاكلة عيسو، يحيون حياة اللّهو والعبث ويزدرون بالأمور الأبدية. وما أن يمرّ قطار العمر السريع حتى يستفيقوا لأنفسهم فيندمون أشدّ الندم ولات ساعة مندم. هؤلاء يصحّ فيهم قول الربّ "ويل لكم أيها الضاحكون… لأنّكم ستبكون". يا من تقرأ هذه الكلمات. ابكِ هنا لئلاّ تبكي هناك اندم هنا لئلاّ تصرخ هناك اصرخ هنا لئلاّ تصرخ هناك لأن هنا… الخلاص والغفران وهناك… البكاء وصرير الأسنان وهنا … الراحة والسلام وهناك … عذاب إلى أبد الآبدين هنا … الحياة والسعادة وهناك … الموت الثاني الشيطان يقول لك: أجّل … والربّ يقول لك: عجّل … فلأيّ منهما تسمع؟ |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
يعقوب اللاّزمات في الأزمات
تك 32: 1-32 كانت حياة يعقوب عبارة عن سلسلة من الأزمات، لا يكاد ينتهي من واحدة حتى تواجهه أخرى. 1- تأكّد من حراسة الله له: "وأما يعقوب فمضى في طريقه ولاقاه ملائكة الله.فقد واجه أزمة بسبب البكورية وقد واجه أزمة بسبب البركة وقد واجه أزمة بسبب خاله وقد واجه أزمة بسبب زواجه وقد واجه أزمة بسبب أخيه القادم للقائه مع أربع مئة رجل وقد واجه أزمة بسبب ابنته دينة وقد واجه أزمة بسبب ابنه يوسف وقد واجه أزمة بسبب ابنيه شمعون وبنيامين غير أن هذه الأزمات، رغم ما لاقى فيها من صعوبات، لم تزده إلاّ صلابةً وقوةً وبأساً. فالأزمات تمحص الإيمان والأزمات تجوهر الحياة والأزمات تخلق الرجال ـ بل هي محكّ الرجال، كل هذه صادفها يعقوب وعرف كيف يختارها. هل تعرف كيف؟ وقال يعقوب إذ رآهم هذا جيش الله. فدعا اسم ذلك المكان محنايم". (تكوين 32: 1و3). 2- حكّم عقله على عاطفته: "فخاف يعقوب جداً وضاق به الأمر.إن الكلمة "محنايم" تعني في اللغة العبرانية جيشين. وهذا يعني أن الله أرسل جيشين من الملائكة إلى يعقوب ليشجّعه ويعزّيه ويحرسه في محنته وضيقته. ملاك واحد كان كافياً للقيام بهذه المهمة إلاّ أن الربّ، زيادةً منه في تأكيد الحماية والعناية، أرسل فرقتين من أفراد الحرس السماوي ورجال الحاشية الملكية. "ملاك الربّ حالّ حول خائفيه وينجّيهم" (مزمور 34: 7). لذلك تأكّد يعقوب أن الله كان معه. ومن كان الله معه لا خوف منه أو عليه. فقسم القوم الذين معه … إلى جيشين. وقال إن جاء عيسو إلى الجيش الآخر وضربه يكون الجيش الباقي ناجياً". (تكوين 32: 7و8). 3- التجأ إلى الصلاة: "وقال يعقوب: يا إله أبي إبراهيم وإله أبي اسحق الربّ الذي قال لي ارجع إلى أرضك وإلى عشيرتك فأحسن إليك.إن استخدام العاطفة في وقت الشدّة والضيق يؤدي بالإنسان إلى الانسياق للخوف واليأس. هذا ما شعر به يعقوب في بادئ الأمر. إلاّ أنه لم يسمح لنفسه أن يقع فريسةً لخوفه بل أدرك أن الاستسلام للعاطفة هو كالاستسلام للعاصفة ـ تقود الإنسان حيث لا يشاء. لذلك غلّب العقل على العاطفة في ذلك الظرف الحرج. وهكذا توصّل إلى إيجاد حلّ جزئيّ للأزمة، فقسّم القوم إلى جيشين. وهنا لا بدّ من التساؤل: هل قسّم يعقوب القوم إلى جيشين لأنه رأى الملائمة بشكل جيشين؟ أم هل قسّم يعقوب القوم إلى جيشين لأنه كان خبيراً في فنون القتال؟ أم هل قسّم يعقوب القوم إلى جيشين لأنه ظنّ أن في ذلك إيهاماً لأخيه؟ الله يعلم. أما ما نعلمه نحن فهو أن يعقوب برهن بعمله هذا أنه كان رجلاً يعرف متى يستخدم عقله. أضف إلى ذلك استخدامه دبلوماسيته اليعقوبية بإرساله عبيده وهم محمّلون بالهدايا لترضّى وجه أخيه عيسو. صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك. فإني بعصاي عبرت هذا الأردنّ والآن قد صرت جيشين. نجّني من يد أخي من يد عيسو. لأني خائف منه أن يأتي ويضربني الأم مع البنين. وأنت قلت إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يعدّ للكثرة". (تكوين 32: 9-12). وقت الأزمات يجب أن يكون وقتاً للصلاة. ربما استوحى الرسول يعقوب عن "سميّه" في العهد القديم هذه الفكرة حين قال "أعَلى أحدٍ بينكم مشقّات فليُصلِّ". هذا بالإضافة إلى كونه شخصياً رجل صلاة. كان يعقوب قد رأى الملائكة في بادئ الأمر وتشجّع بمشاهدتهم لكنّه لم يفزع إليهم في ساعة ضيقة بل فزع إلى ربّ الملائكة ـ الله ـ من حيث يأتي عونه. توجّه إلى الله بصلاة قلبيّة حارة جديرة بأن تتّخذ نموذجاً للصلوات المستجابة: كانت صلاة متواضعة 4- تمسّك بإيمانه: "فبقي يعقوب وحده. وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حقّ فخذه.فيها انسحاق فيها عدم استحقاق كانت صلاة معترفة بالجميل لأجل إعانة الربّ لأجل أمانة الربّ كانت صلاةً مؤسسة على المواعيد فالله هو القائل والله هو الفاعل كانت صرةً مركّزة تشمل عرضاً لحالته تشمل عرضاً لحاجته وكانت أيضاً صلاةً موجزة فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك. فقال يعقوب. فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والماس وقدرت. وسأل يعقوب وقال اخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي. وباركه هناك" (تكوين 32: 24-29). ومن يتمسّك بإيمانه يتمسّك بإلهه. وما هذا الصراع سوى صورة واضحة عن كيفية التمسّك في الربّ بالإيمان. ويمكننا القول ـ (وأرجو هنا أن لا يسيء أحد فهمي) ـ أن يعقوب غلب الربّ بإيمانه. فالربّ لم يقدر عليه وقال له: أطلقني ويعقوب لم يفلت يديه وقال له: لا أطلقك وأخيراً اعترف الربّ بفوزه من هنا نرى أن يعقوب كان متشبّثاً بالربّ لدرجة أن الربّ لم يجد سبيلاً للإفلات منه حتى أعطاه سؤاله. هنيئاً لك يا يعقوب. لقد أعطيتنا درساً لن ننساه في معنى الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع. ومن له إيمان عظيم كإيمانك: يستحقّ أن ينال البركة من الله يستحقّ أن يتمتّع بالشركة مع الله يستحقّ أن يربح المعركة مع الله ومن له إيمانٌ كإيمانك يستطيع أن يتحدّى الأزمات ولو جاءته بالمئات |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
موسى النبي الذي عرف متى يقول لا
عب 11: 23-27 https://upload.chjoy.com/uploads/156881485925211.jpg الإيمان الحقيقي له وجهان كقطعة النقود: وجه إيجابي وآخر سلبي وجه يقبل وآخر يرفض وجه يقول نعم وآخر يقول لا فيجب عدم تقوية الواحد على حساب الآخر أو إظهار الواحد وإخفاء الآخر. فالنعم واللاّ يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب ويداً بيد. هكذا فعل موسى كليم الحليم منذ أن وطئت قدماه عتبة الدنيا. فكما كان رجل الله كذلك كان رجل الـ (لا). 1- قال "لا" لفرعون: "بالإيمان موسى بعدما ولد أخفاه أبواه ثلاثة أشهر لأنهما رأيا الصبي جميلاً ولم يخشيا أمر الملك". ظنّ فرعون أنه هو المسيطر على زمام الأمور وأن مصائر البشر أصبحت في يده: يحيي من يشاء ويميت من يشاء. وكأني بالطفل موسى يقول ـ عبر والديه ـ للملك: لا، لن تقدر عليّ لن تقتلني فالله مجبري ونصيري وفي يده مصيري أنا لا أخشى البشر بل ربّ البشر فسأحيا رغم مراسيمك وفوق هذا أنت يا سيدي لست سوى عبد عند سيدي "هوذا إلهي الذي أعبده يستطيع أن ينجيني … وينقذني من يدك أيها الملك". "أنت قصدت بي شراً والله قصد بي خيراً". "لا أموت بل أحيا وأحدّث بأعمال الربّ". وكان له ما أراد. 2- قال "لا" لابنة فرعون: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون". يقال أن هذه الأميرة كانت عاقراً لم ينعم الله عليها بأولاد. وفي ذات يوم نـزلت كعادتها لتستحمّ بمياه النيل المقدس وإذا بها ترى سفطاً بين الحلفاء وفي داخله صبي يبكي. فرقّت له وأخذته إلى قصرها وربّته واعتنت به كابن لها. ثم حملته إلى أبيها وأخبرته كيف وجدته. فسرّ به الملك جداً وأحبّه وعانقه ووعد أن يجعله وريثاً له بناءً على طلب ابنته. فعاش موسى حياة الرفاهيّة والأبّهة والمجد. وأصبح، بالإضافة إلى كونه وريث العرش، قائداً بارزاً بين القادة المصريين. ويُقال أيضاً أنه لما كبر كان ـ لجماله الأخّاذ ـ موضع أنظار الناس. فإذا سار في الطريق توقف الناس عن أعمالهم لكي ينظروا إلى جماله وطلعته. غير أن هذا كلّه لم يكن لينسيه ما هو أفضل وأبقى … فهو لم ينسَ ما تربّى عليه في طفولته وهو لم ينسَ شعبه وأبناء جلدته وهو لم ينسَ إلهه وديانة آبائه وهو لم ينسَ أن لله قصداً في حياته ولذا جاء يوم صمم فيه موسى أن يقول وداعاً لابنة فرعون ولحياة الراحة والبحبوحة ليلتحق بشعب الله المستبعد الذليل. ضحّى بقرابته للأميرة من أجل قرابته للمسيح. قال يسوع: "من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي". نبذ عبادة الشمس والنيل من أجل عبادة الله الحيّ. "هكذا يقول الرب... أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري". ضحّى بأصدقائه في القصر وخارجه من أجل صداقته لأفراد شعب الله. "رفيق أنا لكل الذين يتّقونك". ضحّى بلقبه ـ سمو الأمير موسى ـ ليكون المجد كله لله. وكان لسان حاله "مجداً من الناس لست أقبل". ضحّى بالمسايرات ليكون في موقف يرضى عنه الله. كان كدانيال الذي "جعل في قلبه أنه لا يتنجّس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه". 3- قال "لا" لملذّات فرعون: "مفضّلاً بالأحرى أن يذلّ …على أن يكون له تمتّع وقتي بالخطيّة". والخطية التي يقصدها هنا هي الخطية نفسها الشائعة في معظم قصور ودور الملوك والأغنياء وذوي اليسار؛ إنها الملذّات واللّذات الدنيوية الجسدية الشهوانية. ألم تكن هذه خطية هيرودس الذي قطع رأس يوحنا؟ ألم تكن هذه خطية أغريباس الملك الذي تزوّج بأخته؟ ألم تكن هذه خطية فاروق ملك مصر السابق؟ كذلك كانت هذه الخطية خطية معظم الفراعنة المصريين في القديم. لا ينكر الكتاب المقدّس أن في الخطيّة شيئاً من المتعة. ولكنّه يضيف أن المتعة هي متعة عابرة ولأمد قصير. ولذا قال عنها أنها "تمتّع وقتي". وموسى قال لهذا التمتّع "لا" كما فعل يوسف الصدّيق من قبله حين قال لزوجة فوطيفار "لا". 4- قال "لا" لمال فرعون: "حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر". شأن موسى كشأن كل من يخاف الله. ويخدمه خدمةً خلوصة. ما أشبهه ببطرس حين قال لسمون الساحر "لتكن فضّتك معك للهلاك …". ما أشبهه بإبراهيم حين قال لملك سدوم: "رفعت يديّ إلى الربّ … لا آخذن لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك". ما أشبهه بدانيال حين قال لبيلشاصّر الملك "لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيري". فهو لم يقدر أن يعبد ربين: الله والمال، فاختار الله وخدمته وترك المال وخدعته وبرهن على أنه كان تلميذاً حقيقياً للمسيح. كانت قصور الفراعنة آنذاك مليئة بالنقود والسبائك الذهبية. وكانت قبور الفراعنة آنذاك مليئة بالنواويس الذهبية على غرار ناووس توت عنخ آمون. أما لسان حال موسى فكان: أفضّل ربي على كل مال على كل كنـز عسير المنال على كل قصر وملك البطاح أفضل ربي بخمس الجراح ولا أملكنّ عرش العالمين وأبقى عبد الرجيم أفضّل ربي على كل كنـز العالم الثمين 5- قال "لا" لبلاد فرعون: "بالإيمان ترك مصر" في الوقت الذي كانت فيه مصر آنذاك وطنه". نعم، أحبّ مصر لكنّه أحبّ الربّ أكثر لأنه أحقّ بمحبته أكثر من أي شيء آخر في الوجود. الحقّ يقال أن موسى ترك كل شيء ليتبع الربّ ولذلك نال مئة ضعف في هذه الحياة ثم الحياة الأبدية. هذا هو موسى الذي قال نعم ليسوع ولا لكلّ شيء عداه. يا ليت لنا هذه الجرأة الأدبية نفسها لنجمع بين النعم واللا كأولاد الله. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
من العبودية إلى رئاسة الوزارة
تك 30 وما بعده https://upload.chjoy.com/uploads/158888043128471.jpg كان يوسف صورة مصغّرة عن الربّ يسوع المسيح، لأن أوجه الشبه بينهما كثيرة وعديدة. وإليك بعضها: كان الابن المحبوب عند أبيه (تكوين 37: 3) أرسل في مهمة حبية إلى أخوته (تكوين 37: 13) بيع بقليل من القطع الفضية (تكوين 37: 28) تجرّب … ولكن بلا خطية (تكوين 39: 7-12) تألّم بسبب خطايا الآخرين (تكوين 39: 20) ظُلم … لكنّه رُفع إلى يمين الملك (تكوين 41: 14) أنبأ بمجيء ضيقة عظيمة (تكوين 41: 29و30) اتّخذ لنفسه عروساً أممية (تكون 41: 45) غير أن هذا الشبه يعود إلى بعض السجايا التي كان يتحلّى بها هذا الشاب العصامي. 1- أمانته ـ كانت هذه الصفة بارزة في حياة يوسف فحظي بعون الله وعنايته رغم المصاعب. وفي النتيجة ارتفع إلى أعلى عليّين. لأن عيني الربّ على أمناء الأرض… ومن أجدر بهذه الصفة أكثر من أولاد الله ورجال الله وخدّام الله.؟! يوحنا كان أميناً رغم نفسه في بطمس دانيال كان أميناً رغم طرحه في جبّ الأسود موسى كان أميناً رغم احتماله عار المسيح أرميا كان أميناً رغم وضعه في السجن نحميا كان أمينا رغم المقاومة الشديدة. استير كانت أمينة رغم الخطر المحدق بها يسوع كان أميناً حتى الموت موت الصليب التلاميذ كانوا أمناء حتى الموت رغم الاضطهاد العنيف ويوسف كان أميناً في بيت سيّده المصري. وقد لاحظ سيّده ذلك فوكّله على بيته ودفع إلى يده كل ما كان له. كيف لاحظ فوطيفار أمانته؟ لا أعلم. ربّما من الطريقة التي كان يقوم فيها بعمله ربّما من الطريقة التي كان يصرف فيها وقته ربّما من الطريقة التي كان يكلّم بها سيدته ربّما من الطريقة التي كان يعبر فيها عن رأيه ربّما من الطريقة التي كان يهتمّ فيها بما بسيّده. المهم في الموضوع أنه كان أميناً ولأجل ذلك أنجح الربّ بيده كلّ ما كان يصنع وبارك فوطيفار بسببه. كذلك ظهرت أمانته في بيت السجن إذ جعل له الله نعمةً في عيني رئيس السجن. فكان أن دفع رئيس السجن إلى يد يوسف جميع الأسرى وككّله عليهم. وفوق الكل كان أميناً لإلهه رغم التجارب والحبائل التي حاول الشيطان إيقاعه بها. فخرج منها كلّها ظافراً منتصراً. أخي القارئ: "كن أميناً إلى الموت فٍسأعطيك إكليل الحياة". هذه هي وصية الربّ. من يعمل بها سوف يسمع صوته في ذلك اليوم العظيم قائلاً: "نعماً أيها العبد الصالح الأمين. كنتَ أميناً في القليل فأقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيّدك". 2- طهارته ـ إنّ الجمال عند النساء والرجال كثيراً ما يكون فخّاً لهم ولغيرهم. وهذا ليس مدعاةً للافتخار بل يستوجب منا كلّ حذرٍ وانتباه وسهر لكي لا نسقط في التجربة التي تنشأ عنه. لقد تعرّض يوسف، بسبب جماله، لأقسى تجربة يتعرّض لها شاب. آه ما أكثر الشباب اليوم الذين ينحرفون وينجرفون وراء النجاسة والزنى! ما أكثر الشباب الذين يجنحون ويجمحون وراء إغراءات وإغواءات النساء! ما أكثر الشباب الذين تخدعهم شهوة العيون وشهوة الجسد. حبّذا لو أنهم يتّخذون من يوسف قدوة ومثالاً. نعم، هاجمته التجربة بأعنف صورها لكنّه تغلّب عليها باسم ربّ الجنود. كما تغلّب شمشون على الأسد الهصور كما تغلّب داود على الأسد والدبّ معاً كما تغلّب داود على جليات الجبار كما تغلّب الرسل على الأرواح الشريرة وسرّ انتصاره يرجع إلى أنه نظر إلى التجربة من ثلاث نواحٍ. لا، نظر إلى نفسه ـ كمخلوقٍ على صورة الله كمؤمنٍ صادق بالله كمن له شركة مع الله كمن يراه ويرعاه الله كمن ليس لنفسه بل لله كان كمن يقول لنفسه ما قاله يسوع "أعطوا لله ما لله". أو ما قاله بولس الرسول: "فآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا". لقد عرف مقامه كرجل الله وقدر امتيازاته وعلاقته بخالقه. ثانياً، نظر إلى الخطيّة ـ وكأنّه قال في نفسه: الخطيّة دنسة ونجسة الخطية ردية ودنيّة الخطية مقيتة ومميتة الخطيّة شرّ وضرّ ومرّ أو على حدّ قول الشاعر:تعطيكَ من طرف اللسان حلاوةً وتروغ منك كما يروغ الثعلب". فلد يراعها بل نبذها واحتقرها بالرغم من أن الكثيرين ينظرون إليها كشيء تافه بسيط. وأخيراً، نظر إلى الله ـ عرف أن الخطيئة ضدّ الله وضدّ طبيعته القدوسة وسلطانه الشامل. فما كان منه إلاّ أن هرب لحياته إذ قال "كيف أصنع هذا الشرّ العظيم وأخطئ إلى الله" بالحق إن أفضل وسيلة للنجاة في التجارب والشهوات الشبابية هي الهرب منها. فإن كان الهرب في بعض الأمور هو ثلثا "المراجل" فالهرب من الشهرة هو كلّ "المراجل". قال الرسول بولس "أما الشهوات الشبابية فاهرب منها" (تيموثاوس الثانية 2: 22). 3- تواضعه ـ كثيرون من الناس يصابون بالكبرياء والبطر إذا حالفهم النجاح في الحياة لدرجة أنهم يظنون أنهم أصبحوا من طبقة غير طبقة الناس ومن جبلة غير جبلتهم، فيتنكّرون لأصدقائهم ويبتعدون عن أقربائهم ويحسبون أنفسهم أنصاف آلهة. غير أنّ يوسف كان عكس ذلك تماماً لأنه كان يعلم، كما قال الربّ، إن من يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع، فلم ينسب لنفسه شيئاً من الحكمة والمعرفة بل أعطى المجد كله لله. ما أشبه تواضعه. بتواضع وليم كاري بتواضع إبراهيم لنكولن بتواضع بطرس ويوحنا وما أبعد تواضعه عن كبرياء هيرودس الذي أكله الدود فمات عن كبرياء الفريسي الذي صعد إلى الهيكل عن كبرياء نابليون حين قال "المستقبل لي" بعد أن تبوّأ مركزه الرفيع في المملكة لم يرد أن يغتنمها فرصةً ليفعل ما يفعله بعض الحكّام والمتسلّطين، لكنه بقي كما كان … يوسف الذي يخاف الله (تكوين 42: 18)، يوسف الوديع المتواضع. 4- محبّته ـ إن سيرة يوسف وسلوكه يظهر أنه كأنه كان من أبناء العهد الجديد كأنه كان يعرف القاعدة الذهبية كأنه سمع قول يسوع "أحبّوا أعداءكم" كأنه قرأ أصحاح 12: 21 من رسالة بولس إلى رومية كأنه كان يعرف الصلاة الربانية لم يرد يوسف أن يسيء إلى أخوته الذين قصدوا به شراً. مع العلم أنه كان بإمكانه أن يفعل ذلك لو أراد. لكنه قابل الإساءة بالحسنى، والبغضة بالمحبة. هذا يذكرنا بمعاملة داود لشاول هذا يذكرنا بموقف استفانوس من قاتليه هذا يذكرنا بمحبة يسوع لصالبيه فلما شاهد أخوته تحرّكت أحشاؤه وانفتحت ينابيع دموعه فسالت على وجهه مدراراً، بل تساقطت عَبَراته على وجوه أخوته إذ كان يُعانق كلاً منهم ويقبّله بمفرده (تكوين 45: 15). لقد صدق فرعون حين قال "هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله؟". ولقد صدق المرنّم حين قال: في الحبّ أمنٌ ونجاحْ في الحبّ سترٌ وسماحْ في الحبّ تكميلُ الصلاحْ فالحبّ يا نعمَ الوشاحْ صلاة: يا ربّ هاتِ ما عندكَ من يوسفين. آمين. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
موسى النبي الذي عرف متى يقول لا
عب 11: 23-27 https://upload.chjoy.com/uploads/156881485925211.jpg الإيمان الحقيقي له وجهان كقطعة النقود: وجه إيجابي وآخر سلبي وجه يقبل وآخر يرفض وجه يقول نعم وآخر يقول لا فيجب عدم تقوية الواحد على حساب الآخر أو إظهار الواحد وإخفاء الآخر. فالنعم واللاّ يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب ويداً بيد. هكذا فعل موسى كليم الحليم منذ أن وطئت قدماه عتبة الدنيا. فكما كان رجل الله كذلك كان رجل الـ (لا). 1- قال "لا" لفرعون: "بالإيمان موسى بعدما ولد أخفاه أبواه ثلاثة أشهر لأنهما رأيا الصبي جميلاً ولم يخشيا أمر الملك". ظنّ فرعون أنه هو المسيطر على زمام الأمور وأن مصائر البشر أصبحت في يده: يحيي من يشاء ويميت من يشاء. وكأني بالطفل موسى يقول ـ عبر والديه ـ للملك: لا، لن تقدر عليّ لن تقتلني فالله مجبري ونصيري وفي يده مصيري أنا لا أخشى البشر بل ربّ البشر فسأحيا رغم مراسيمك وفوق هذا أنت يا سيدي لست سوى عبد عند سيدي "هوذا إلهي الذي أعبده يستطيع أن ينجيني … وينقذني من يدك أيها الملك". "أنت قصدت بي شراً والله قصد بي خيراً". "لا أموت بل أحيا وأحدّث بأعمال الربّ". وكان له ما أراد. 2- قال "لا" لابنة فرعون: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون". يقال أن هذه الأميرة كانت عاقراً لم ينعم الله عليها بأولاد. وفي ذات يوم نـزلت كعادتها لتستحمّ بمياه النيل المقدس وإذا بها ترى سفطاً بين الحلفاء وفي داخله صبي يبكي. فرقّت له وأخذته إلى قصرها وربّته واعتنت به كابن لها. ثم حملته إلى أبيها وأخبرته كيف وجدته. فسرّ به الملك جداً وأحبّه وعانقه ووعد أن يجعله وريثاً له بناءً على طلب ابنته. فعاش موسى حياة الرفاهيّة والأبّهة والمجد. وأصبح، بالإضافة إلى كونه وريث العرش، قائداً بارزاً بين القادة المصريين. ويُقال أيضاً أنه لما كبر كان ـ لجماله الأخّاذ ـ موضع أنظار الناس. فإذا سار في الطريق توقف الناس عن أعمالهم لكي ينظروا إلى جماله وطلعته. غير أن هذا كلّه لم يكن لينسيه ما هو أفضل وأبقى … فهو لم ينسَ ما تربّى عليه في طفولته وهو لم ينسَ شعبه وأبناء جلدته وهو لم ينسَ إلهه وديانة آبائه وهو لم ينسَ أن لله قصداً في حياته ولذا جاء يوم صمم فيه موسى أن يقول وداعاً لابنة فرعون ولحياة الراحة والبحبوحة ليلتحق بشعب الله المستبعد الذليل. ضحّى بقرابته للأميرة من أجل قرابته للمسيح. قال يسوع: "من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي". نبذ عبادة الشمس والنيل من أجل عبادة الله الحيّ. "هكذا يقول الرب... أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري". ضحّى بأصدقائه في القصر وخارجه من أجل صداقته لأفراد شعب الله. "رفيق أنا لكل الذين يتّقونك". ضحّى بلقبه ـ سمو الأمير موسى ـ ليكون المجد كله لله. وكان لسان حاله "مجداً من الناس لست أقبل". ضحّى بالمسايرات ليكون في موقف يرضى عنه الله. كان كدانيال الذي "جعل في قلبه أنه لا يتنجّس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه". 3- قال "لا" لملذّات فرعون: "مفضّلاً بالأحرى أن يذلّ …على أن يكون له تمتّع وقتي بالخطيّة". والخطية التي يقصدها هنا هي الخطية نفسها الشائعة في معظم قصور ودور الملوك والأغنياء وذوي اليسار؛ إنها الملذّات واللّذات الدنيوية الجسدية الشهوانية. ألم تكن هذه خطية هيرودس الذي قطع رأس يوحنا؟ ألم تكن هذه خطية أغريباس الملك الذي تزوّج بأخته؟ ألم تكن هذه خطية فاروق ملك مصر السابق؟ كذلك كانت هذه الخطية خطية معظم الفراعنة المصريين في القديم. لا ينكر الكتاب المقدّس أن في الخطيّة شيئاً من المتعة. ولكنّه يضيف أن المتعة هي متعة عابرة ولأمد قصير. ولذا قال عنها أنها "تمتّع وقتي". وموسى قال لهذا التمتّع "لا" كما فعل يوسف الصدّيق من قبله حين قال لزوجة فوطيفار "لا". 4- قال "لا" لمال فرعون: "حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر". شأن موسى كشأن كل من يخاف الله. ويخدمه خدمةً خلوصة. ما أشبهه ببطرس حين قال لسمون الساحر "لتكن فضّتك معك للهلاك …". ما أشبهه بإبراهيم حين قال لملك سدوم: "رفعت يديّ إلى الربّ … لا آخذن لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك". ما أشبهه بدانيال حين قال لبيلشاصّر الملك "لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيري". فهو لم يقدر أن يعبد ربين: الله والمال، فاختار الله وخدمته وترك المال وخدعته وبرهن على أنه كان تلميذاً حقيقياً للمسيح. كانت قصور الفراعنة آنذاك مليئة بالنقود والسبائك الذهبية. وكانت قبور الفراعنة آنذاك مليئة بالنواويس الذهبية على غرار ناووس توت عنخ آمون. أما لسان حال موسى فكان: أفضّل ربي على كل مال على كل كنـز عسير المنال على كل قصر وملك البطاح أفضل ربي بخمس الجراح ولا أملكنّ عرش العالمين وأبقى عبد الرجيم أفضّل ربي على كل كنـز العالم الثمين 5- قال "لا" لبلاد فرعون: "بالإيمان ترك مصر" في الوقت الذي كانت فيه مصر آنذاك وطنه". نعم، أحبّ مصر لكنّه أحبّ الربّ أكثر لأنه أحقّ بمحبته أكثر من أي شيء آخر في الوجود. الحقّ يقال أن موسى ترك كل شيء ليتبع الربّ ولذلك نال مئة ضعف في هذه الحياة ثم الحياة الأبدية. هذا هو موسى الذي قال نعم ليسوع ولا لكلّ شيء عداه. يا ليت لنا هذه الجرأة الأدبية نفسها لنجمع بين النعم واللا كأولاد الله |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
القديس البار رومانوس العجائبي (القرن5م) 9 شباط غربي (22 شباط شرقي) https://upload.chjoy.com/uploads/158756797903792.jpg كتب عنه ثيودوريتوس أسقف قورش في تاريخ نسّاك قورش (الفصل 11). لم يُفضِ بشأنه إلا بمعلومات قليلة، لكن ما أورده كاف لإعطاء فكرة واضحة عن جهاداتهالطيّبة. كان من مدينة روصوص الكيليكية. غادرها للنسك في أنطاكية. أقام عند سفح أحد الجبال في قلاية استعارها من أحد الشيوخ. هناك بقي إلى آخر أيامه. لم يُشعل ناراً ولا أضاء شمعة أو مشعلاً كل أيام حياته. طعامه كان كافياً لاستمراره في العيش وحسب، خبزاً وملحاً وماء. حمل على جسده سلاسل ثقيلة. لباسه كان المسوح وشعره الذي تركه على الطبيعة نما إلى أن بلغ قدميه وزاد فصار يربطه على وسطه كزنّار. رغم مظهره القاسي ونسكه الشديد كان على وداعة وتواضع كبيرين. النعمة الإلهية كانت تُشعّ من خلال أفعاله. حظي باحترام الآخرين له ومحبّتهم. كانت نصائحه مؤثِّرة، تلج الأذن إلى القلب بسهولة ويسر. كان يُحدِّث الآخرين عن الأخوّة والسلام والمحبة التي ينبغي أن تسودهم وتشدّهم الواحد إلى الآخر. كلامه كان بركة وتقديساً لكثيرين. كان، على مثال النحلة، يلتقط الفضائل من البراري الإلهية ويُكوِّن منها عسل السيرة النقية، لا لنفسه وحسب بل لآخرين أيضاً. إلى ذلك منّ عليه الرب الإله بموهبة شفاء المرضى. عواقر كثيرات أنجبن بفضل صلاته ومرضى عديدون بأمراض مستعصية برئوا بوساطته. رغم كل المواهب الفذّة التي أسبغها الروح القدس عليه كان ينظر إلى نفسه كمسكين وفقير. حين رقد بالرب كان قد امتلأ أيّاماً. لا نعرف متى كان ذلك بالضبط. نعيّد له بالإضافة إلى اليوم في 27 تشرين الثاني. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
يعبيص بنيامين رقم 2
1 أخ 4: 9، 10 https://upload.chjoy.com/uploads/158946694611211.jpg لا يخبرنا الكتاب المقدس شيئاً كثيراً عن يعبيص. كل ما نعرفه مدوّن في عددين لا غير من الأصحاح الرابع من سفر أخبار الأيام الأول. وهذا أقل شيء يمكن أن يقال عن إنسان هام. لذلك لا نستطيع أن نكتب عنه إلاّ من خلال ذينك العددين ومما يمكن أن يستوحى منهما. نستطيع أن نرى وجه شبه كبير بين يعبيص وبنيامين (بن أوني) ابن راحيل (تكوين35: 16-18). معنى اسميهما واحد كيفية ولادتهما واحدة كلاهما ولد بحزن كلاهما ولد بتعب كلاهما ولد بألم إلاّ أن "كسم" يعبيص لم يكن كاسمه إلاّ من حيث ترتيب أحرفه ـ لذلك قال عنه الكتاب أنه كان أشرف من أخوته. فهو كان من رجال: ي ـ يهوذا "وهؤلاء لأبي عيطم يزرعيل ويشما ويدباش واسم أختهم هصللفوني. وفنوئيل أبو جدور وعازر أو حوشة. هؤلاء بنو حور بكر أفراتة أبي بيت لحم. وكان لأشحور أبي تقوع امرتأن حلاة ونعرة. وولدت له نعرة أخزّام وحافر والتيماني والاخشتاري. هؤلاء بنو نعرة. وبنو حلاة صرث وصوحر واثنان. وقوص ولد عانوب وهصوبيبة وعشائر اخرحيل بن هارم". أسماء تسبب صداعاً شديداً في رأس قارئها. لكن.. ما أن يصل القارئ إلى العدد التاسع حتى تنفرج الأزمة. وهنا يبرز اسم يعبيص في قائمة أسماء رجال يهوذا وكأنه وردة عطرة بين أشواك سوسنة فواحة بين حجارة واحة خضراء في قلب صحراء نسمة باردة في جو حار قمر ساطع بين غيوم سوداء طود شامخ بين سهول ووديان مارد جبار بين أقزام صعاليك لذلك لم يكتفِ الكاتب بذكر اسمه كغيره من الأسماء بل كرّس له ثلاثة أسطر على الأقل. فيعبيص كان متفوّقاً في عشيرته، بارزاً بين أخوته.. لأنه كان أيضاً رجل: ع ـ علم يقول الكتّاب اليهود عن يعبيص أنه كان ناموسياً متعمّقاً في دقائق الشريعة. ويخبرنا كاتب سفر أخبار الأيام الأول في الأصحاح الثاني والعدد الخامس والخمسين أن إحدى مدن يهوذا كانت تدعى "يعبيص" وكان تسكنها الفئة المتعلمة والطبقة المثقفة من الناس، أي عشائر الكتبة. وهذا يقودنا طبعاً إلى التفكير بأن المدينة ربما دعيت بذلك الاسم تكريماً لرجل العلم العظيم يعبيص ـ كدت أقول الدكتور يعبيص. وهل هو بالأمر السهل أن يطلق اسم رجل على مدينة بكاملها؟ إذا أردنا أن نخلّد اليوم إنساناً عظيماً نطلق اسمه على شارع أو حي أو مؤسسة وليس على مدينة. أما يعبيص فقط أطلق اسمه على مدينة. أهو امتياز ليعبيص الرجل أو ليعبيص المدينة؟ لستن أدري! المهم عندي أن رجل العلم ـ لا سيّما العلم عن الله ـ يستحقّ كل تقدير وإكبار وتكريم. ب ـ بأس قال البعض أن يعبيص كان رجل حرب. وقد طلب إلى الربّ أن يباركه ويوسّع تخومه ويجعل يده معه ضدّ أعدائه الكنعانيين الذين كانوا في الأرض. والظاهر من استجابة الله لصلاته أنه قاد المعركة بنفسه حتى دحر الأعداء وسجل له ولشعبه انتصاراً رائعاً. وقال آخرون أنه كان رجل عمل وقد نذر أن يضع نفسه تحت تصرّف الله إذا ما استجاب له الربّ سؤله. فسواء كان هذا أم ذاك، نستطيع أن نتأكّد أن يعبيص كان رجل بأس وجهاد. وكل ما كان يفعله كان يفعله بكلّ قوته. فلا تأجيل ولا كسل ولا إهمال ليتنا نتعلّم من يعبيص، لأننا في معركة أشدّ ضراوة من معركته. ثم كان رجل: ي ـ يقين أي أنه كان رجل إيمان. وقد تغلّب إيمانه على اسمه ولد حزيناً لكنه لم يستسلم للحزن ولد تعباً لكنه لم يستسلم للتعب ولد ضعيفاً لكنه لم يستسلم للضعف "فكل شيء مستطاع للمؤمن" وهل يتعامل الله مع الإنسان ـ أي إنسان ـ على أساس غير أساس الإيمان؟ ألا نرى إيمانه عندما "دعا.. إله إسرائيل"؟ ألا نرى إيمانه في عهده ووعده؟ ألا نرى إيمانه في كرهه للخطية والشر؟ ثم نرى أن أكثر ما شرّفه هو كونه رجل: ص ـ صلاة "ودعا يعبيص إله إسرائيل" سأل كثيراً ونال كثيراً لأن "طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها" ويمكننا أن نلخّص صلاته بما يلي: إنها صلاة مختصرة إنها صلاة مركّزة طلب البركة طلب النصر طلب العون طلب القوة طلب الإرشاد طلب الحماية "فآتاه الله بما سأل". |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
من فتاة يتيمة إلى ملكة عظيمة
سفر استير https://upload.chjoy.com/uploads/15894677349791.jpg كل من يطالع سفر استير يلاحظ قبل كلّ شيء أن اسم "الله" غير مذكور فيه. فهو من هذه الناحية يشبه سفر نشيد الإنشاد إلى حدّ بعيد. ولكن على الرغم من ذلك يمكن القارئ أن يرى الله من خلال أسطر ذلك السفر. كما أنه يستطيع أن يرى سيادة الله وعنايته بأولاده وأن "كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده". (رومية 8: 28). 1- نشأتها ـ ولدت استير في بلاد فارس من أبوين كان قد سبيا أصلاً مع المسبيين إلى بابل. لكنها في وقت مبكّر من حياتها خسرت والديها وأصبحت يتيمة، غير أن الله دبّر أن يتبنّاها ابن عمها مردخاي الذي كان يخاف الله (3: 2). والذي يخاف الله لا خوف فيه لا خوف منه لا خوف عليه فكان لها أباً وأماً ومربياً. فترعرعت الفتاة في كنفه على محبة الله ومخافته وطاعته. ثمة كتابة على ناووس منسوبة إلى استير تشير إلى تقواها واتّكالها على الربّ ـ كتابة بشكل صلاة تقول: أحمدك يا الله لأنّك خلقتني أنا أعلم أن خطاياي تستوجب العقاب، لكنني أرجو الرحمة على يديك. لأنني حينا أدعوك تكون معي. وحضرتك القدسية تحفظني من كل الشرور. اللهمّ لا تطرحني من قدام وجهك الإلهي. فالذين تحبّهم لن يذوقوا عذابات الجحيم. قدني أيها الآب الرحيم إلى حياة الحياة حتى أمتلئ من ثمار الفردوس السماوي. استير ولأنها أحبّت الله أحبّت شعبها وأبناء جلدتها أيضاً (8: 6) "لأن الذي يحبّ الله يجب أخاه أيضاً". وهذا يتّفق مع الوصيّة العظمى التي تقول: "تحبّ الربّ إلهك من كل قلبك.. وقريبك كنفسك". ولهذا نحن لا نستغرب لماذا باركها الله وجعلها بركةً للكثيرين. 2- اسمها ـ ذكر اسمها في سفرها 58 مرة، ونظراً للدور الذي لعبته في شوشن بل في كلّ الإمبراطورية التي كانت تعتبر من أعظم الإمبراطوريات في ذلك العصر. في الواقع كان لها اسمان: هدسّة واستير. الأول هو اسمها العبراني ويعني الآس، وهو نبات جميل المنظر، عطري الرائحة، وأوراقه دائمة الاخضرار. والحق يقال أن حياة هذه الفتاة كانت كشذى الآس الفوّاح، أو على حدّ قول الرسول بولس، كانت "رائحة المسيح الذكية" تفوح منها. والثاني هو اسمها الفارسي الذي يعتقد بأن الملك أحشويرش خلعه عليها. ويعني نجم أو كوكب نسبة إلى كوكب الزهرة اللاّمع الوضاء. وبالفعل فقد لمع اسم فتاتنا استير كنجم ساطع في سماء العهد القديم. وقد استمدّت نور حياتها من مصدر كلّ نور والساكن في نور لا يدنى منه ـ الله. غير أن أحدهم يقول أن اسم استير معناه "يختفي" لأنها كانت مختفية في بيت ولي أمرها لمدة من الزمن، وأيضاً لأنها أخفت جنسيتها إلى أن سنحت لها الفرصة لإظهارها. على كل حال، يمكننا القول أن استير كانت اسماً على مسمّى على غرار إبراهيم الذي صار أباً لجمهور غفير وسارة التي صارت أميرةً ورئيسة وداود الذي صار حسب قلب الله وبطرس الذي صخرة في إيمانه وبرنابا الذي صار ابن التعزية والوعظ ويسوع الذي صار مخلّصاً لجميع الناس 3- جمالها ـ نحن نعيش اليوم في عصر يقيم للجمال وزناً كبيراً. فهناك صالونات للتجميل وهناك ملكات للجمال وهناك كعارض للجمال وهناك طبّ للتجميل وكأنّ الناس ألّهوا الجمال وعبدوه على نحو ما فعل الأقدمون حين عبدوا فينوس آلهة الحبّ والجمال. لكنّ هذا النوع من الجمال محصور في الجسم دون الروح، ولذا كان سبب شرّ ووبال على الكثيرين والكثيرات من الرجال والنساء. أما استير فكان جمالها جمال الروح أولاً ثم جمال الجسم، أي جمال القلب والقالب. كان جمالها كجمال يوسف الصدّيق. كجمال موسى الكليم كجمال داود الملك ويصحّ أن يُقال عنها ما قيل عن ماري ملكة الاسكتلنديين "إن جميع الكتّاب المعاصرين متّفقون على أنها كانت على أوفر قسط من الجمال والأناقة يمكن أن يصل إليه جسم إنسان. وما من إنسان رآها إلاّ وأثارت إعجابه وتقديره". لكنّها وضعت جمالها الطبيعي، لا الاصطناعيّ، بين يديّ الله، فكان بركةً عوض اللعنة وخيراً عوض الشرّ. نعم كانت جميلةً إنما جمالها الأعظم، على حدّ قول متى هنري، كان في حكمتها وفضيلتها. فما أحسن وما أجمل أن يضع المؤمن كلّ ما عنده بين يديّ الله وتحت تصرّفه، وهو بدوره يحوّل كلّ شيء لخيرنا الروحي والزمني والجسدي. 4- طاعتها ـ هنا سرّ البركة والعظمة. سئلت والدة جورج واشنطن عن سرّ عظمة وانتصارات ابنها، فأجابت: "علّمته الطاعة". لقد تعلّمت استير الطاعة: طاعة الله أولاً ثم طاعة ابن عمّها (2: 10و20). ومما لا ريب فيه أن هذه الصفة في حياة استير كانت العامل الأساسي في ارتقائها عرش الملك. ألا يذكّرنا هذا بالربّ يسوع الذي أطاع حتى الموت ومت الصليب ولذلك رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كلّ اسم؟ ألا يذكّرنا هذا بإبراهيم الذي لما دعي أطاع طاعةً عمياء ولذلك باركه الله وجعله بركةً للشعوب. ألا يذكّرنا هذا بيوسف الذي لأجل طاعته لله وأبيه ارتفع إلى رئاسة الوزارة في مصر بعد أن دبّر أخوته مكايد لقتلة وباعوه بأقل من ثمن العبد؟ ألا يذكّرنا هذا بنوح الذي فعل كلّ ما أمره به الله؟ ألا يذكّرنا هذا بموسى الذي أطاع الله فترك مصر غير خائفٍ من غضب الملك؟ قيل لشاول الملك قديماً " الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش". فالله ينتظر منا أن نسمع منه ونخضع له ونعمل بأمره ووصاياه، لأننا في المسيح صرنا أولاد الطاعة لكي نحيا حياة الطاعة. 5- غيرتها ـ كانت فتاتنا الشجاعة ذات غيرةٍ ملتهبة واندفاع نادر. كانت تحسّ بثقل مسؤوليتها نحو شعبها وجنسها سيّما وأن شعبها كان آنذاك في خطر عظيم بسبب مؤامرة حيكت ضدّه. فعندما فكّرت بهم وبحالتهم وما ينتظرهم تحرّكت أحشاؤها في داخلها وصرخت: "كيف أستطيع أن أرى هلاك جنسي؟". (استير 8: 6). يا ليت الله يعطينا هذا النوع من المحبة الجارفة لخلاص النفوس!! لم تكتفِ استير بالتعبير عن شعورها بواسطة الكلام بل وضعت كلامها موضع التنفيذ فقامت بما يلي: أولاً، خاطرت بحياتها من أجل قضية أمتها وكانت على استعداد لأن تموت في سبيل حياة شعبها. ولا زالت كلماتها "إذا هلكتُ هلكتُ" ترنّ في آذاننا وقلوبنا. إن كلّ من ذاب قلبه محبةً للنفوس، على استعداد لأن يضحّي بنفسه من أجل الآخرين. قال بولس معبّراً عن رغبة قلبه من نحو أبناء قومه: "كنت أودّ لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح لأجل أخوتي أنسبائي حسب الجسد". وقال موسى مخاطباً الله من جهة شعبه "والآن أن غفرت خطيّتهم.. وإلاّ فامحُ اسمي من سفرك الذي كتبت". ثانياً، تعاونت مع ابن عمّها وجميع شعبها في شوشن على الصوم والصلاة لعلّ الله يليّن قلب الملك ويعطيها سؤلها (استير 4: 16). إن هكذا صلاة وصوماً لهما كل القوة والفاعلية عند الرب. ألم يقل سيدنا "إن اتّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيء يطلبانه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السموات"؟ ألم يقل يعقوب أخو الربّ "طلبة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها"؟ (يع 5: 16). استير صلّت وحصلت على ما أرادت. وكأن الله قال لها "بحسب إيمانك ليكن لكِ". وأخيراً، تذللت أمام الملك وتضرّعت إليه لكي يزيل شرّ هامان الذي دبّره ضدّ بني قومها وقد طلبت ذلك بكلّ لجاجةٍ من الملك (7: 3؛ 8: 3). فكان أن استجاب جلالته لطلبتها وأعطاها سؤلها. إن كان هذا هو شأن الملوك الأرضيين فماذا عسانا نقول عن ملك الملوك؟ ـ عن الآب السماوي الذي يعطينا كلّ ما نسأله باسم ابنه الحبيب؟ "الله الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كلّ شيء؟". ليتنا نتمثّل باستير وبشخصيتها الفذّة وبإيمانها وجرأتها وغيرتها وطاعتها وتفانيها في سبيل الآخرين. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
دانيال الذي عرف كيف يفتح ويغلق
سفر دانيال إذا أردت أن تعرف مقدار عظمة إنسان لا تسل عن ماله وثروته لا تسل عن علمه وثقافته لا تسل عن مقامه ومكانته لا تسل عن أصله ونسبته.. بل سل عن إيمانه فالرجل العظيم هو رجل الإيمان حتى ولو كان إيمانه بمقدار حبّة خردل. سرّ عظمة جورج مولر ـ الإيمان بالإيمان امتدّت يداه إلى ينابيع الغنى فارتوى وأروى سرّ عظمة مارتن لوثر ـ الإيمان بالإيمان حقق نصراً عظيماً فخلُص وخلّص سرّ عظمة إبراهيم ـ الإيمان بالإيمان تغرّب وتجرّب. وبالإيمان تبارك وبارك سرّ عظمة أخنوخ ـ الإيمان بالإيمان سار مع الله.. وأرضى الله.. فنقله الله وكذلك هو سرّ عظمة دانيال ـ التلميذ الذي كان الربّ يحبّه في العهد القديم. لذلك لا غرابة إن رأينا دانيال مع الرعيل الأول من رجال الإيمان الذين شرّفهم الوحي بتدوين أسمائهم على لائحة الشرف المعروضة في الفصل الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين. فمع أنه لم يذكر باسمه، غير أنّ الوحي عناه هو بالذات حين قال: "بالإيمان سدّوا أفواه أسود.. " فهو عملاق من عمالقة الإيمان وبطل من أبطال الاتّكال وكوكب من كواكب الثقة وطود من أطواد اليقين وإليك الآن أيها القارئ مظاهر الإيمان في حياة هذا الشاب البطل. 1- دانيال صَبَر: لقد صبر صامتاً صامداً أمام الأحداث التي قُدّر له أن يجتازها. لم يتذمّر، ولم يتأفّف، ولم يشكَ بل وضع يده على فمه لأنّ الربّ قد فعل. وكان يؤمن أنّ الربّ الذي لم يتركه لن يتركه أبداً.. اختبر الذلّ بعد المجد ـ سموّ الأمير صار أسيراً ذليلاً اختبر التّعب بعد الرّاحة ـ سار مع لا يقلّ عن 1500 كيلومتراً اختبر الجوع بعد الشبع ـ عومل كأحد المسبيين الأسرى اختبر الحزن بعد الفرح ـ لقد سخروا منه وهزؤوا به اختبر الفراق وما أمرّه ـ ترك أهله وأحبّاءه ومعارفه ووطنه اختبر العداء بعد الصّداقة ـ فكم من مؤامرة حيكت ضدّه لكنّ دانيال صبر على الرّغم من هذه جميعها. لماذا؟ لأنه آمن بصحّة كلمة الله.. لأن الله قال بتشتيت شعبه إن لم يطيعوه، لأنّه أدرك أن كلّ الأشياء تعمل معاً للخير.. فلولا بابل لما عرفنا دانيال، لأنه عرف كيف يأخذ إلهه معه.. عكس الكثيرين من الشبان اليوم. 2- دانيال صمّم: لم تكن حياته على الهامش كبعض المؤمنين الذين تتقاذفهم التيارات بل كان رجل عزمٍ وتصميم. كان صاحب مبدأ وعقيدة لا يحيد عنهما. فقد صمّم أن يكون أميناً للربّ (والأمانة من الإيمان). تعهّد بذلك مرة وإلى الأبد. ولولا تصميمه هذا لانجرف مع التيار. فما أكثر المغريات في بابل لا سيّما لشاب في مقتبل العمر كدانيال.. إلاّ أنه نبذها نبذ النواة وضرب بها كلّها عرض الحائط. لم تغره بابل بأبراجها العالية، وهياكلها العظيمة، وتماثيلها الفخمة، وملاهيها ومسارحها وجنائنها المعلّقة، وأنهارها السلسبيلة. لم تغره مباهج الأمور الدنيوية بما فيها من جاه ومال وسلطان. لم تغره الأكثريّة.. بل آثر أن يكون بجانب الحقّ ولو كان مع الأقليّة. لم يغره مديح الناس.. بل كان يفضّل الموت على أن يخون الربّ. لم يغره طعام الملك ومشروبه.. لأنهما كانا ضدّ شريعة إلهه. لم يغره مسكنه الجديد ولا اسمه الجديد ولا عمله الجديد ولا لغته الجديدة. آثر الانفصال عن العالم وما فيه ليكون على اتّصال دائم بإلهه وأميناً له. وقد صمّم أن يكون أميناً أيضاً لرفاقه. كان يدرك أن الفتيان الثلاثة مرتبطون به، وأن نهجهم في الحياة سيكون على غرار نهجه سيّما وأنّه كان أكبرهم وقائدهم. لهذا اتّخذ موقفاً جازماً وحازماً إزاء الخطية والعالم. نعم لقد أظهر أمام رفاقه: شجاعةً نادرة وإيماناً رائعاً ومحبةً عظيمةً وكانت النتيجة أن رفاقه تحدّوا الملك بعد أن تحدّاهم الملك. 3- دانيال صلّى: كان يصلّي ثلاث مراتٍ يومياً سواء وُجدت أزمات أم لا.. وكان إذا صلّى يهزّ عرش الله من قوّة الإيمان. صلاة التصميم: لا شكّ أنه عندما جعل في قلبه أن لا يتنجّس بأطايب الملك.. صلّى شيئاً كهذا: "أتعهّد يا إلهي أن لا أخالف شريعتك وإرادتك ولو كلّفني ذلك حياتي". وقد نفّذ تصميمه هذا ولم يخشَ أمر الملك. صلاة طلب المعرفة: طلب من الملك وقتاً لكي يتمكّن من تعريفه السرّ. وذهب وأخبر رفاقه بالأمر. فجثا الفتيان الأربعة على ركبهم وأمسك كلّ منهم بقائمة من قوائم العرش الأربع وراحوا يهزّونه من حرارة صلواتهم، وإيمانهم بالإله القيوم. وما كان من الربّ إلاّ أن استجاب وكشف السرّ لدانيال المحبوب. صلاة لأجل أصدقائه: أصدر الملك أمره بطرح الفتيان الثلاثة في أتون النار. ومع أن دانيال كان في "باب الملك" لكنه لم يتوسّط لرفاقه عند الملك. ولماذا يذهب إلى الملك وهناك ملك الملوك؟ هم دخلوا أتون النار وهو دخل أتون الصلاة. وأستطيع أن أرى دانيال رافعاً يديه إلى السماء ويقول "يا ربّ قف إلى جانبهم ونجّهم". وإذا بالربّ ينـزل ليتمشّى بينهم وينقذهم من موتٍ أكيد". صلاة التحدّي: حاك أعداؤه مؤامرةً ضدّه لكي يقضوا عليه. وظنّوا أنهم نجحوا في خطّتهم. لكنّ دانيال الذي كان قلبه ثابتاً على الربّ، لم يعبأ بهم. فراح وفتح نوافذه وقلبه نحو أورشليم.. وصلّى.. فكان نصيبه مع الأسود. لكنّ الربّ نجّاه وأنقذ حياته. وهل نسي الربّ أمناءه؟ إن الذي يعرف كيف يفتح نوافذ الصلاة يستطيع أن يغلق أفواه الأسود. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
يونان الذي كانت ساقاه أسرع من عقله
سفر يونان اختلفت الآراء بخصوص هرب يونان من وجه الربّ عندما دُعي ليُنادي على نينوى. فمنهم من قال أنه كان جباناً خاف من قساوة الشعب المرسل إليه. فمنهم من قال أنه كان شجاعاً خاطر بنفسه لأجل سلامة أمّته. ومنهم من قال أنه كان يهودياً متعصّباً لم يشأ أن يتعامل مع الوثنيين عبدَة داجون. قد لا نستطيع أن نجزم في السبب الحقيقي لفراره، لكننا نستطيع أن نؤكّد أنه كان في هربه عامداً متعمّداً: فالربّ أمره أن يذهب شرقاً أما هو فذهب غرباً. والربّ أمره أن يذهب براً أما هو فذهب بحراً. والربّ أمره أن يذهب إلى نينوى أما هو فذهب إلى ترشيش. والربّ أمره أن يذهب قريباً أما هو فذهب بعيداً. فماذا كانت النتيجة؟ وما حدث بعد ذلك؟ أولاً: بالنسبة لنفسه: 1- هبوط. وكان هبوطه على نوعين: هبوطاً روحياً. وقد ظهر هبوطه الروحيّ هذا أولاً بعصيانه الله. فالله قال له "قم اذهب.." (يونان 1:1) "فقام يونان..." ولكن بكلّ أسف لا لكي يذهب حسب أمر الربّ بل "قام يونان ليهرب.." (يونان 1: 3). ما أقبح هذه الخطية وما أمرّ نتائجها! أبونا آدم سقط فيها فجلب على نفسه وغيره الويلات. وأخونا يونان سقط فيها وجلب على نفسه وغيره الويلات. وكم من مؤمن يسقط فيها ويجلب على نفسه وغيره الويلات. فحذار يا أولاد الله! ثم ظهر هبوطه أيضاً في عدم إيمانه. فأين الإيمان في هرب يونان؟! "فقام يونان ليهرب.. من وجه الربّ". فهل الله موجود في جتّ حافر فقط؟ (ملوك الثاني 14: 25) أو هل الله موجود في فلسطين فقط؟ أو هل الله موجود في البرّ دون البحر؟ يظهر أن يونان نسي أو تناسى أن الله يملأ السموات والأرض. ويظهر أن يونان نسي أو تناسى المزمور 139: 7-10 الذي يقول: " أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنتَ هناك وإن فرشت في الهاوية فها أنتَ أن أخذت جناحي الصبح وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضاً تهديني يدك وتمسكني يمينك". فهرب إنسان من وجه أي إنسان ممكن وهرب إنسان من وجه أي جيش ممكن وهرب إنسان من وجه أية حكومة ممكن أما هرب إنسان من وجه الله ـ غير ممكن ومستحيل. وظهر هبوطه أيضاً في نومه في جوف السفينة. أوَلم يكن لك برهان للا شعور واللامسؤولية؟ أوَلم يكن ذلك محاولةً لإسكات صوت الله في قلبه وضميره؟ وهل هناك حالة انحطاط روحيّ أدنى من الحالة التي وصل إليها يونان؟ نام.. وجاء الأشرار ليوقظوه (1: 6) يا للعار! هبوطاً جغرافياً. وكان هبوطه هذا تدريجياً على فرار هبوطه الروحيّ الداخليّ. فنـزل من جت حافر إلى يافا (1: 3) ونـزل من يافا إلى السفينة (1: 3) ومن يعزم على الهرب من الربّ يوفر له الشيطان جميع وسائل النقل. ونـزل من السفينة إلى جوف السفينة (1: 5) ونـزل من جوف السفينة إلى جوف الحوت (1: 17) ونـزل وهو في جوف الحوت إلى جوف البحر (2: 3) ونـزل من جوف البحر إلى أسافل الجبال (2: 6) 2- قنوط. الهبوط ولّد فيه الفشل واليأس والقنوط. فالله غير راضٍ عنه والناس غير راضين عنه ولا هو راضٍ عن نفسه وهذه أصعب حالةٍ يمكن أن يصل إليها إنسان. لذلك عندما سأله البحارة عمّا ينبغي أن يفعلوه به شعر أنه صار "خَرْج كَبْ في البحر" فقال لهم: "خذوني واطرحوني في البحر...." (1: 12) بعبارة أخرى شعر، كما صرّح فيما بعد، أن موته خير من حياته (4: 3و8) وهكذا تمّ فيه قول الشاعر اللبناني: والذي لا خير منه يرتجى إن عاش أو مات على حدّ سوى ثانياً ـ بالنسبة للآخرين: 1- خسارة. كان ملاحو السفينة من الفينيقيين الذين عُرفوا منذ القديم بكونهم تجاراً وبحارةً ماهرين. فلا غرابة إذاً إن كانت السفينة مملوءةً بالشحنات والأمتعة الثمينة. فلمّا حدث النوء العظيم ـ غير الاعتيادي ـ على إثر عاصفة مجنونة خاف جبابرة البحر وهرعوا إلى شحناتهم يطرحونها بما فيها إلى البحر غير آسفين عليها لعلّهم ينجون. لكنّ مجهوداتهم بائت بالفشل، وكانت خسارتهم فادحة جداً. كلّ هذا كان بسبب إنسانٍ يغطّ في نوم عميق اسمه يونان (1: 12). 2- خطر. إنه لمن المحزن حقاً أن يصبح المؤمن خطراً لا خيراً. فوجود يونان كان بليّةً عليهم (1: 7) ووجود يونان كان مصيبةً عليهم (1: 8) فالسفينة كادت تنكسر والركّاب كادوا يموتون والملاّحون كادوا يهلكون أضف إلى ذلك أنه، بهربه وإهماله، عرّض نينوى للانقلاب وأهلها للعقاب. ومن يدري؟ ربّما كان ذلك قصده أي أن يتخلّص من نينوى التي كانت شوكةً في جسد إسرائيل وخطراً عليها. ولكن شكراً لله لأنه لا يسر بموت الخاطي بل أن يرجع الخاطي عن طريقه ويحيا. ثالثاً ـ بالنسبة لله: 1- نوء عظيم. وهل يسكت الله عن المؤمن النائم؟ وعن المؤمن الفاتر؟ وعن المؤمن الهارب؟ كلا، وألف كلا. بل سيهزّه هزّاً عنيفاً … وسيزداد الهزّ عنفاً إلى أن يستفيق من سباته ويرجع إلى نفسه. هذا ما فعله الربّ بيونان: أرسل ريحاً عظيمة ونوءاً عظيماً (1: 4 و 11 و13). وهزّ لا السفينة فقط بل يونان وقلب يونان وكيان يونان. إن كنت أيّها القارئ في حالة أشبه بحالة يونان اسمع ما تقوله كلمة الربّ: "إنّها ساعة لنستيقظ من النوم..". 2- حوت عظيم. لا أريد أن أتعرّض الآن إلى الناحية التي ترينا يونان في جوف الحوت 3 أيام و3 ليالي كصورة عن بقاء المسيح في جوف الأرض مدة مماثلة. بل أريد أن أنظر إليها من ناحية أخرى وهي أن الله أعدّ حوتاً عظيماً ليبتلع يونان وليُريه أنه ـ أي الله قادر أن يستغني عنه وعن خدماته لو أراد ذلك. فالخدمة امتياز بل شرف من الله لكلّ خادم مدعو منه، لأنّ الله لا يقبل أياً كان أن يكون خادماً له. فالذي يرفض هذا الامتياز سيرفضه الله من الخدمة لا من الخلاص. ألم يقل بولس: "أقمعُ جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً". والحقّ يقال أن كثيرين ممن لم يقدّروا هذا الامتياز استغنى الله عن خدماتهم. لكن شكراً للربّ. فمع أنه كان باستطاعته أن يرفض يونان نهائياً لكنه أعطاه.. 3- فرصةً عظيمة: "ثمّ صار قول إلى يونان ثانيةً قائلاً: "قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة..". لكن متى؟ عندما اعترف للربّ (2: 7و8) عندما تاب للربّ (2: 9) عندما سلّم للربّ (2: 9) أخي المؤمن! كلّ ما كُتب كُتب لأجل تعليمنا.. (رومية 15: 4) وكل ما أصابهم هو لإنذارنا.. (كورنثوس الأولى 10: 11) فاتّعظ واعتبر لئلاّ تقع في ما أنت بغنى عنه. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
السيد الخادم (يسوع)
https://upload.chjoy.com/uploads/1381357583641.jpg إن من يريد أن يكتب عن يسوع ـ ولو عن ناحية واحدة من نواحي حياته الفريدة ـ وجب أن تكون ريشته مغموسة بخيال الشاعر وإلهامه بأجيج النبيّ وغيرته بعبقرية الفنان وإبداعه بوقار القديس وطهارته وأنّى لي هذه كلّها وأنا لست شاعراً ولا نبيّاً ولا فناناً..! ولو توفّرت هذه كلّها، هل أستطيع أنا المحدود أن أفي اللاّمحدود حقّه من الوصف والتحليل؟ إن كنت أحاول ذلك فأنا أحاول المستحيل. هل يستطيع العقل ـ مهما نبغ ـ أن يستوعب العلم كلّه؟ هل يستطيع الصدر ـ مهما اتّسع ـ أن يستنشق الهواء كلّه؟ هل تستطيع الحياة ـ مهما تنوّعت ـ أن تمتصّ النور كلّه؟ فأنا منذ الآن مقرٌّ بعجزي وتقصيري. لو كان يسوع كإبراهيم لهان الأمر ـ لكنّ يسوع أعظم من إبراهيم … إبراهيم أبو المؤمنين أما يسوع فهو ربّ المؤمنين. لو كان يسوع كيعقوب لسهل الوصف ـ لكنّ يسوع أعظم من يعقوب (بالإذن من السامرية) … يعقوب هو إسرائيل أما يسوع فهو إيل لو كان يسوع كيونان لباشرت بالتحليل ـ لكنّ يسوع أعظم من يونان … يونان هو مرسَل أما يسوع فهو مرسِل لو كان يسوع كموسى لبادرت إلى الكتابة ـ لكنّ يسوع أعظم من موسى … موسى هو خادم الناموس أما يسوع فهو ربّ النعمة لو كان يسوع كسليمان لما ترددت لحظةً ـ لكنّ يسوع أعظم من سليمان … سليمان هو الحكيم أما يسوع فهو الحكمة لو كان يسوع كالهيكل لما ارتبكت أو حرت ـ لكنّ يسوع أعظم من الهيكل … الهيكل معبد أما يسوع فهو معبود لو كان يسوع كالأنبياء لما توانيت لحظة ـ لكنّ يسوع أعظم من الأنبياء إذ "له يشهد جميع الأنبياء" لكنّ يسوع هو … يسوع هو شمس مشرقة لا تعرف غروباً هو كوكب وضّاء لا يعرف أفولاً فمن أين أبدأ وأين أنتهي؟ لا أدري ـ لكنّي سأحاول، لعلّي في ما أكتب أستطيع أن ألمس الأهداب القدسيّة. وسنحصر اهتمامنا هذه المرة بالخدمة السيّديّة. فمع أنّه إله الآلهة.. ومعلّم المعلّمين.. وسيّد الأسياد.. وملك الملوك.. وربّ الأرباب.. وشخصيّة الشخصيات.. إلاّ أنه كان خادماً. وكانت خدمته قائمة على أركان ثلاثة. 1- هدفه: لم يكن يسوع في خدمته يخبط خبط عشواء بل كان له هدف يعمل في سبيله. وهنا سرّ النجاح. فحيث لا هدف لا نتيجة والعكس بالعكس. فلمّا أطلق يسوع سهام خدمته ـ الواحد بعد الآخر ـ لم تخطئ قيد شعرة بل سارت نحو هدفها وانغرزت في قلبه. وهدفه هذا كان مثلوثاً. (1) أن يخدم العقل ـ بتعاليمه وعظاته الخالدة. فالعلم غذاء العقل على طبق المنطق. نعم هو لم يكتب لكنّه تكلّم وعلّم. وأنّى للدهور أن تأتي بمثله. هو الذي اندهشت الجموع من تعليمه. هو الذي لم يتكلّم إنسان مثله قط! هو الذي قيل عنه أيّ إنسان هذا؟ هو الذي تكلّم فأسكت.. أفصح فأدهش. هل من عظةٍ أعظم من عظته على الجبل؟ هل من صلاةٍ أعمق من صلاته الربّانية؟ هل من قاعدةٍ أسمى من قاعدته الذهبيّة؟ فيسوع عرف أنّ الطريق إلى القلب تبدأ بالعقل؟ لذلك أخذ يعلّم ويعظ في كلّ مناسبة سانحة. علّم في المجامع والشوارع.. في البرّ والبحر.. في السهل والجبل.. في الصباح والمساء.. علّم الكبار والصغار.. الرّجال والنساء.. الفقراء والأغنياء.. المتعلّمين والأميين.. (2) أن يخدم الجسد ـ بأعماله الرحيمة الخيّرة. أليس هو الذي كان يجول وصنع خيراً.. ومن أجدر منه بذلك؟ ألم يكن المحبة مجسّمة؟ ألم يكن الرحمة مجسّدة؟ فكم من فقير أنجد! وكم من جائع أشبع! وكم من ميت أقام! ألوف تشهد على ما أقول: بارتيماس... لعاز.. قائد المئة.. البرص.. نازفة الدم.. الخمسة آلاف.. قانا الجليل.. نايين.. وكثيرون وغيرهم. كان يسوع يقدّر الجسد حقّ قدره. ولو أنهي يأتي في المرتبة الثانية بعد النفس، غير أنّه يجب ألاّ يُهمل ويُحتقر. فالجسد يمكن أن يُحوّل من كتلة نجاسة إلى هيكل مقدّس. (3) أن يخدم النفس ـ بنعمته المخلِّصة. "النعمة والحقّ بيسوع المسيح صارا". هذه هي ذروة هدف يسوع ـ خلاص النفس البشرية وفكّ أسرها وتحطيم أغلالها. "لأنّ ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك". وبالفعل كان يسوع رابح نفوس عظيماً. ذات صباح خلّص الزانية وذات مساء خلّص بطرس وذات نهار خلّص السامرية وذات ليل خلّص نيقوديموس وذات ساعة خلّص زكّا وذات لحظة خلّص اللّص يسوع هو المخلّص الوحيد "وليس بأحدٍ غيره الخلاص". لم نسمع قطّ إنساناً يقول أنّ نبياً أو ملكاً أو كاهناً خلّصه، ولكن ما أكثر ما سمعنا إنساناً يقول أنّ يسوع خلّصه. كان في حركةٍ مستمرّة وجهدٍ متواصل وخدمةٍ متفانية، فلا كسل، ولا ملل، ولا فشل، بل عمل في عمل. لم يدخل قريةً إلاّ وأجرى فيها تغييراً لم يدخل بيتاً إلاّ وأجرى فيه انقلاباً لم يدخل قلباً إلاّ وأجرى فيه تجديداً 2- أسلوبه: يمكننا أن نلخّص أسلوب يسوع بثلاث كلمات: (1) بساطة (2) عمق (3) سلطان في ما يتعلّق بالبساطة فقد استخدم يسوع أبسط الأشياء ليُعلّم. لكنّه، كما قال أحدهم في تأبين الشاعر جولد سمث "ما لمس شيئاً إلاّ وزاده رونقاً". تكلّم عن الزارع والتاجر.. عن الملح والنور.. عن الزنابق والطيور.. عن الدرهم والخروف.. عن الخميرة والخردل.. كلّها أشياء معروفة ومألوفة. وقد استعملها يسوع خصيصاً تجنّباً لكلّ تعقيد أو سوء فهم. فما أبسط كلماته وما أعمق ما ترمي إليه إيضاحاته!! ففي حديثه عن الزارع علّم عن كلمة الله وفي حديثه عن الخروف الضالّ علّم عن محبة الله وفي حديثه عن الزنابق والطيور علّم عن عناية الله وفي حديثه عن الخميرة والخردل علّم عن ملكوت الله هل من حقائق أعمق من هذه.. وأسمى وأهم؟ أما سلطانه فقد شهد له به أعداؤه ـ والفضل ما شهدت به الأعداء. فهو صاحب السلطان الذي دُفع إليه كلّ سلطان ممن في السماء وعلى الأرض. أظهر سلطانه: على الإنسان والحيوان والنبات على العالم الطبيعي والروحي والأدبي وعلى الأحياء والأموات قال للأمواج المزبدة أن تهدأ فهدأت قال للأعاصير الصاخبة أن تسكت فسكتت قال للتينة المورقة أن تيبس فيبست قال للديك أن يصيح فصاح قال للسمكة أن تحضر فحضرت قال للموتى أن يقوموا فقاموا قال للمرضى أن يشفوا فشفوا قال للأرواح أن تخرج فخرجت قال للخطايا أن تُغفر فغُفِرت نعم، كان يسوع يفعل كلّ شيء "بسلطان وليس كالكتبة" 3- شخصه: كنّا نحتاج إلى مجلّدات لنكتب عن شخصه المنقطع النظير، لكننا نكتفي هنا بالنذر اليسير فنتكلّم عن صفتين لا غير. (1) عصمته (2) قدوته - كانت حياته خلواً من الخطية والخطأ. كان والخطية على طرفي نقيض. والفرق بينهما هو كالفرق بين النور والظلمة بين الخير والشرّ بين الحقّ والباطل بين النعيم والجحيم كانت حياته أكثر صفاءً من البلور وأكثر بياضاً من الثلج وأكثر نقاءً من النقاوة. وما أكثر الذين اعترفوا ويعترفون بذلك من أعداء وأصدقاء.. من رسل وأنبياء.. من قديسين وأتقياء.. فإذا كان على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كلّ كلمة، فما عسانا نقول عن يسوع الذي يربو عدد شهوده على الألوف الملايين!؟ يهوذا شهد لبراءته وقال: سلّمت دماً بريئاً زوجة بيلاطس شهدت لبرّه وقال: إيّاك ولك البارّ اللّص شهد لقداسته وقال: لم يفعل شيئاً في غير محلّه أشعياء شهد لعصمته وقال: لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غشّ بطرس شهد لطهارته وقال: حمل بلا عيب ولا دنس بولس شهد لكماله وقال: لم يعرف خطية كلّ الآباء والأنبياء عثروا وسقطوا كلّ الرسل والأتقياء زلّوا وأخطأوا نوح سكر.. إبراهيم كذب.. يعقوب احتال.. موسى قتل.. شمشون اشتهى.. داود زنى.. سليمان عبد الأصنام.. بطرس أنكر سيّده.. توما شكّ في القيامة.. يوحنّا أراد الانتقام.. أما يسوع فمن يستطيع أن يبكته على خطية؟ إنه كمال الكمال، وطهارة الطهارة، وقداسة القداسة. - وقد كان يسوع قدوةً ومثالاً من حيث أنّ حياته كانت منسجمةً مع "حكياته". لم يفه بكلمة ولم يعلّم شيئاً إلاّ وطبّقه على حياته. ولشدّة ما كان يكره رياء المرائين الذين كانوا يعلّمون شيئاً ويعيشون شيئاً آخر. فقد وبّخهم مراراً وتكراراً. أما هو فكان واحداً في القلب والقالب في الباطن والظاهر في الداخل والخارج علّم عن القداسة فعاش حياة القداسة والكمال علّم عن المحبّة فأحبّ أعداءه وصلّى لأجلهم علّم عن التواضع فغسل أرجل تلاميذه علّم عن الغفران فغفر لقاتليه وصالبيه هل هذا يُقال له إنسان يا قوم؟ هل هو مجرّد نبيّ أو رسول؟ كلاّ وألف كلاّ. فمع أنّه خدمني، وما زال.. إلاّ أنّه ربّي وإلهي. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
المرأة الفينيقية التي بيّضت وجه لبنان
مر 7: 24-30 https://upload.chjoy.com/uploads/159052404495821.jpg حين نفكّر بيسوع المسيح نرجع بأفكارنا إلى فلسطين. ففي فلسطين وُلد المسح وفي فلسطين عاش المسيح وفي فلسطين خدم المسيح وفي فلسطين صُلب المسيح وفي فلسطين مات المسيح وفي فلسطين قام المسيح غير أنّ المسيح لم ينسَ لبنان، بل شمله بعطفه ولطفه، بحنانه واهتمامه: جاء إلى تخوم صور وصيدا (لبنان الجنوبي) فرأى شيئاً: أثلج صدره وأبهج قلبه وأثار دهشته وإعجابه. رأى إيماناً عظيماً. ولا شيء يثير إعجاب يسوع وتقديره وفرحه أكثر من الإيمان العظيم. هل تعرف أيها القارئ العزيز أين رأى يسوع هذا الإيمان؟ رآه في امرأة وثنية فينيقية. فمع أنها بسيطة في مظهرها أمية في علمها ضعيفة في قوتها فقيرة في عيشتها لكنّها كانت عظيمة.. في إيمانها. وهنا سرّ العظمة الحقيقية. فإذا أردتَ أن تعرف مقدار عظمة إنسان: لا تسل عن جماله وأناقته لا تسل عن اسمه وسمعته لا تسل عن علمه وثقافته لا تسل عن أصله ونسبته لا تسل عن لونه وبشرته لا تسل عن ماله وثروته لا تسل عن لسانه ولغته لا تسل عن نفوذه وقوّته لا تسل عن أخلاقه وصفاته لا تسل عن بلاغته وفصاحته لا تسل عن ميوله واتجاهاته لا تسل عن برامجه ومشاريعه لا تسل عن عمره وفتوّته لا تسل عن آرائه وفلسفاته لا تسل عن إحساناته وحسناته لا تسل عن أعماله وإنجازاته لا تسل عن مؤيديه وشعبيته لا تسل عن سياساته واجتماعياته لا تسل عن سفراته ورحلاته لا تسل عن مقامه ومكانته بل سَلْ عن شيء واحد وحيد. سلْ عن إيمانه. فالرجل العظيم هو رجل الإيمان، حتى ولو كان إيمانه بمقدار حبّة خردل. هذه المرأة كانت من هذه العيّنة ومن هذا الطراز ـ من ذوي الإيمان العظيم. ورجائي أن تكون أنت كذلك. وإليك الآن نوعية هذا الإيمان: كان إيمانها عظيماً أولاًـ لأنها آمنت بيسوع المسيح، والإيمان هو تسليم واستسلام للمسيح، كما يستسلم المريض للطبيب. فهو ليس مجرّد تصديق عقليّ ولا عقائد موروثة عن الآباء والأجداد بل: اقتناع شخصيّ وتسليم طوعيّ واختبار داخليّ وهكذا كان إيمان هذه المرأة: سمعت عنه آمنت به وذهبت إليه سمعت أنه صانع الآيات ومؤتي الأعاجيب: يشفي المرضى ويخرج الأرواح بكلمة. وآمنت أنه يقدر أن يمنح الصحّة والشفاء لابنتها التي كسرت قلبها. فقصدته وأخبرته عن حاجتها قائلةً: "ارحمني يا سيّد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جداً". وهكذا نفضت عنها غبار عبادة الأصنام. هذه هي خطوات الإيمان في كلّ عصر وآن. وليس ثمّة طريقة أخرى في الكتاب المقدّس. وكان إيمانها عظيماً ثانياً ـ لأنها آمنت الإيمان الذي صمد في وجه الامتحان. يدّعي الكثيرون من الناس أنّ لهم إيماناً وأنّ إيمانهم عظيم. ولكن ما أن يتعرّض إيمانهم لامتحانٍ قاسٍ حتى يتداعى وينهار فوراً. الإيمان الذي نقصده هنا هو أشبه بالذهب مع أنّه أثمن من الذهب. فهو لا يُعرف إلاّ بالمحكّ الذي وحده يحكم بصحّته أو عدمها. وهكذا كان الحال مع هذه المرأة. فقد تعرّض إيمانها لامتحان صعب من المسيح وتلاميذه. صرخت إلى يسوع فلم يجبها بكلمة. ولكثرة لجاجتها انـزعج التلاميذ منها وطلبوا إلى المسيح أن يصرفها. وفوق هذا أخذ يسوع يوجّه إليها كلماتٍ محرجة صعبة بقصد امتحانها. قال لها: "لم أرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة" لكنّها جاءت وسجدت له قائلةً: "يا سيّدي أعنّي". فقال لها: "ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب". فقالت: "نعم يا سيّد. والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها"، أي "أنا أرضى أن أكون ككلب، لأنّ الكلب يُصيبه شيء من الخبز المتساقط عن المائدة" فهي لم تيأس ولم تفشل ولم تتراجع. بل على العكس صمدت في وجه الامتحان وبقيت تطلب من الربّ الرحمة والعون. وهذا ما أثار دهشة المسيح. يا للإيمان العظيم يا للجوهرة النفيسة يا للنرجسة الفوّاحة ويا للزنبقة البيضاء، تنبت في أرضٍ مليئة بالأتربة والأشواك والأوحال. إن هذه المرأة تخجلني وتجعلني أضع رأسي في التراب وأقول: يا ربّ زدْ إيماني. وكان إيمانها عظيماً أخيراً ـ لأنها آمنت الإيمان الذي ينال. فالإيمان الذي لا ينال شيئاً ليس إيماناً بل ليس شيئاً. ألا يقول الكتاب عن أبطال الإيمان أنهم "قهروا ممالك، صنعوا برّاً نالوا مواعيد.. " (عبرانيين 11: 33). هابيل نال رضى الله. أخنوخ نال عدم موت. نوح نال البرّ الذي بحسب الإيمان. سارة نالت قدرة على إنشاء نسل. موسى نال دعوةً من الله للخدمة. إبراهيم نال الميراث الذي وعده به الله. راحاب نالت نجاة هي ومن لها، وهذه الفينيقية أيضاً: نالت مديحاً من المسيح: "يا امرأة عظيمٌ إيمانك". نالت شفاءً لابنتها: "ليكن لكِ كما تريدين". ونالت حياةً لنفسها.. وكلّ مَن يُؤمن ينل ولا يخرج فارغاً من عند الربّ. أخي القارئ! هذه امرأةٌ فينيقية لبنانية أُعجب المسيح بإيمانها جداً. وهو يقول لنا اليوم: أيُها اللبنانيون كونوا كهذه اللبنانية أيها الشرقيّون كونوا كهذه الشرقيّة ليكن لكم إيمانٌ عظيم كإيمانها وليكن لكم كما تريدون.. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
يوحنّا المعمدان
آثر أن يكون بلا رأس على أن يكون بلا ضمير مت 3 وما بعده https://upload.chjoy.com/uploads/156830070365981.jpg لم يقم نبيّ بعد ملاخي إلى أن جاء يوحنّا المعمدان. وبمجيئه أُسدل الستار على حوادث العهد القديم ليرفع ستار آخر يكشف لنا عن حوادث جليلة في تاريخ العهد الجديد. فكان كالجسر الذي يُعبر عليه من ضفة العهد الأول إلى الضفة المقابلة من العهد الثاني. يوحنا هذا هو الذي ذكره يوسيفوس المؤرّخ باسم "المعمدان". جاء كسفير وكفاتح طريق أمام المسيح. فكما كان يسير "القوّاص" قديماً في طليعة موكب الملك، هكذا سار يوحنا معلناً قدوم ملك الملوك. قال فيه أشعياء: "صوت صارخ في البرية. أعدّوا طريق الربّ. قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا". وقال ملاخي: "ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الربّ ـ اليوم العظيم والمخوف". وقال فيه المسيح نفسه، له المجد: "الحقّ أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ماذا خرجتم لتنظروا. أنبيّاً؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي". إنّ حياة يوحنا مملوءةٌ بالدروس المفيدة والنافعة لنا كمؤمنين. ولا يجوز أن نمرّ بهذه الشخصيّة مروراً عابراً، بل بالحري يجب التأمّل بنواحيها المختلفة، حتى ندرّب ذواتنا على التمثّل برجال الكتاب المقدّس، ومن ثم نصير نحن مثالاً للآخرين. إليك بعض ما جاء عنه في الكتاب: 1- كان شعاره "نكران الذات": إنّ أكبر معطّل في حياتنا كمؤمنين هو "الذات". فالذات تريد أن تتدخّل في كلّ أمر لكي يظهر صاحبها وكأنه شيء، وهنا المشكلة. الذات أدّت بعيسو إلى النّدم والهلاك الذات أدّت بالناموسيّ إلى الرجوع إلى الوراء الذات أدّت بالتلاميذ إلى النـزاع والخصام قال يسوع: "إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فليُنكر نفسه (ذاته)" والقصد من هذا هو أنه يُريدنا أن ندرك حقيقة نفوسنا، أو بعبارة أخرى يُريدنا أن نرى أنفسنا لا بمنظارنا بل بمنظاره هو. لقد عبّر إبراهيم أبو المؤمنين عن هذه الحقيقة إذ كان يُخاطب الله بقوله: "قد شرعت أُكلّم المولى وأنا ترابٌ ورماد". وقد ثنّى على هذا الكلام النبيّ أشعياء بقوله: "كفّوا عن الإنسان الذي في أنفه نسمة لأنّه ماذا يحسب"؟ لكن بكلّ أسف نرى "الأنا" بين الفينة والأخرى تطلّ برأها معلنةً أنّها ما زالت موجودة: في لباسنا، في أكلنا وشربنا، في كلامنا، في سلوكنا وتصرّفنا، في مشيتنا وفي علاقاتنا مع الآخرين. اللهمّ حطّم "الأنا" من حياتنا مبتدئاً فيَّ. كان يوحنّا متواضعاً ولم يسمح للذات أن تتمركز في حياته. فآيته المشهورة "ينبغي أنّ ذلك يزيد وأني أنا أنقص" تتردّد دائماً في مسامعنا معلنةً إخفاءه، لكي يظهر المسيح ويتمجّد. وقوله "بأتي بعدي مَن هو أقوى منّي الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلّ سيور حذائه" لهو دليلٌ ساطع على صحّة ما نقول. وإذا ما تعرّضنا للناحية الخارجية من حياة يوحنا نجدها مرآةً لما تنطوي عليه جوانحه. فمن جهة لباسه يقول الكتاب: "كان لباسه من وبر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد". من جهة طعامه "كان طعامه جراداً وعسلاً برياً". هذا هو يوحنّا بقلبه وقالبه: رجل التواضع ونكران الذات. 2- كان شجاعاً مقداماً: لم يكن قصبة مرضوضة تحرّكها الريح بل عاصفةً قوية تقتلع الأشجار. لم يخشَ في الحقّ لومة لائم، لذلك كان لخدمته أثرها الفعّال. وقف في يوم من الأيّام أمام أكبر وأشهر طائفتين يهوديّتين: الفرّيسيين والصّدوقيّين، وأخذ يوبّخهم على ريائهم وأنانيّتهم وسلوكهم الملتوي بأعنف ما يكون التوبيخ: خاطبهم بـ"أولاد الأفاعي"، وذلك لأنّ وجه الشبه بينهم وبين الأفاعي هو نعومة الملمس من ناحية والسمّ القاتل من ناحيةٍ أخرى. ربّما نظنّ أنّ يوحنّا أظهر شجاعته في البريّة بين أقوام بسطاء فحسب ولكن لا. إنّ يوحنّا "البرية" هو يوحنّا "القصر الملكيّ". فكما وقف الفتيان الثلاثة في وجه نبوخذ نصّر وكما وقف دانيال في وجه بيلاشاصّر وكما وقف إيليا في وجه آخاب هكذا وقف يوحنّا أمام هيرودس وحذّره من مغبّة عمله الشرير وقال له: "لا يحلّ أن تكون لك امرأة أخيك". قد تستغرب أيّها القارئ هذه اللّهجة، ولكن يجب أن تعلم أن مسايرة الخطيّة هي مسايرة على حساب الله حتى ولو كان صاحبها "جلالة الملك". علينا كأولاد الله أن نتجنّب لغة "كلّمونا بالناعمات" ونكون جريئين صريحين غير متساهلين مع الخطيّة. 3- كان بارّاً وقدّيساً (مرقس 6: 20) وهناك أسباب عدة. لذلك: - كان أبواه بارّين أمام الله سالكين في جميع وصايا الربّ وأحكامه بلا لوم. (لوقا 1: 6). - كان ابن الصلاة. كانت أمّه عاقراً ولذلك كانت تصلّي مع أبيه كي ينعم عليهما بمولود. فكان أن استجاب الربّ لهما وأبلغهما الاستجابة على لسان الملاك: "لا تخف يا زكريا لأنّ طلبتك قد سُمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابناً". (لوقا 1: 13). - كان نذيراً للربّ ـ إحدى علامات النذير هي أن لا يشرب مسكراً ولا خمراً (لوقا 1: 15 ؛ عدد 6: 2،3) وهذا من أسرار العظمة ـ التكريس لله ـ. - كان ممتلئاً بالرّوح القدس. وهذا هو السبب الرئيسيّ في صيرورته قدّيساً. إنّ حاجتنا كمؤمنين هي أن ننمو في حياة القداسة يوماً بعد يوم. وكلّما نمونا كلّما ازددنا شبهاً بالربّ يسوع، وهذا هو المطلوب: "نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قدّيسين في كلّ سيرة"، "مَن قال أنّه ثابتٌ فيه ينبغي أنّه كلّما سلك ذاك يسلك هو أيضاً". أعنّا يا إلهنا لكي نتغيّر إلى شبه صورة المسيح. |
رد: شخصيات الكتاب المقدس
الابن الضّال: خرّيج مدرسة الخنازير
لو 15: 11-32 https://upload.chjoy.com/uploads/155343136162241.jpg كان شاباً تضحك الدنيا له: قويّ البنية، مشيق القامة، طلق المحيّا، جميل الصورة وفي ريعان الصبا. كان يسكن مع أبيه وأخيه الأكبر في قصر ريفيّ تُحيط به البساتين والمزارع والحقول. كان يرتع في نعمة، يحسده عليها المئات والألوف، وفي عيشةٍ راغدة هي أشبه بعيشة الملوك والأمراء. فهناك الجاه والرفاه وهناك الغنى والمنى وهناك الإكرام والاحترام وهناك الحماية والكفاية وهناك الخدم والحشم وهناك السرور والحبور وفي ذات يوم، وبينما هو غارقٌ في تفكير عميق، جاءه الشيطان وعلى ثغره ابتسامة وهمس في أذنه بضع كلمات، كلّها دهاء وإغراء، كانت شديدة الوقع والأثر على قلبه وعقله. ولكثرة مراوغته وشيطنته بدأ معه كالمعتاد بالأسئلة بقصد التظاهر بالبراءة والرّغبة في عمل الخير! لماذا تعيش في قصرٍ ضيّق والعالم أمامك واسع؟ لماذا تبقى في قريةٍ صغيرة والمدن الكبيرة كثيرة؟ لماذا تحيا تحت سيطرة أبيك وبإمكانك أن تكون حرّاً؟ وهنا غمزه الشيطان وقال: لماذا الحرمان.. وهناك كلّ ما تشتهيه نفسك؟ اترك أباك وأخاك، بيتك وقريتك واذهب إلى المدينة ومتّع نفسك وشبابك بالملاهي والمقاهي.. بالتياترات والحفلات.. بالشراب والملذّات.. وهنا أخذ صديقنا المغرور يسبح في بحرٍ من الخيال والخيال، كما نعلم هو غير الواقع. فهو يُضخّم الحقائق والأمور فتظهر مغريةً جذّابة، ويصوّر الأشياء النظريّة كأنّها عملية. وهذا، لا شكّ، يُبهج القلب ويُفرحه. فتصوّر نفسه حرّاً طليقاً يفكّر كما يشاء يفعل كما يشاء يحيا كما يشاء وتصوّر نفسه محطّ الأنظار والأبصار موضوع احترام الناس موضوع مديح الناس موضوع حديث الناس وتصوّر نفسه يُغمر بسيل من الألقاب يا بك يا باشا يا افندم وتصوّر نفسه يغرف من بحر الملذّات والشهوات الشبابيّة. صورٌ تتلوها صور مرّت في ذهنه وخياله. وهكذا تغلب عامل الإغراء على عامل البقاء ووقع أخونا في الفخّ.. فتمّ فيه قول رجل الله توما الكمبيسي: إنّ التصوّر هو أوّل خطوةٍ في التهوّر. وكانت النتيجة أنه سقط في الخطيّة حاول صاحبنا أن ينفّذ كلّ ما تخيّله عقله. فنهض لساعته وطلب نصيبه من الميراث، وهو ثلث ما يملكه الأب. ثمّ ترك البيت، ربّما من غير كلمة اعتذار أو قبلة وداع، غير آبهٍ بتوسّلات ودموع أبيه. وذهب إلى مدينةٍ بعيدة. ولماذا بعيدة؟ لكي يتسنّى له أن يفعل ما يشاء وهو بعيد عن أعين الرقباء. وهناك التصق بزمرة من الأصدقاء والعشراء الأردياء فأفسدوه. والمعاشرات الرديّة تفسد الأخلاق الجيدة. فانصاع لغرائزه وشهواته، ولم يمنع شيئاً حلالاً كان أم حراماً حتى غرق إلى ما فوق رأسه في الشرّ. فصار يسهر ويسكر (15: 13) وصار يعهر ويبطر (15: 30) حتى بذّر كلّ ما كان له. حقاً "الخطيّة خاطئةٌ جداً". إنّها شرّ ومرّ. فهي تنجّس و(تجرّس) و(تفلّس) والإفلاس قاده إلى الخواء وأنا أعني الجوع. بحث عن المال فلم يجد في جيبه شيئاً منه لأنّه كان قد طار. بحث عن الأصدقاء الذين صرف قسماً كبيراً من ماله عليهم فوجد أنّهم قد طاروا. فماذا يفعل؟ جائع. وحيد. كاد عقله يطير. انتظر أياماً قليلة لكنّ حالته كانت تزداد سوءاً. فضمر جسمه وشحب لونه وبرزت عظامه وجحظت عيناه وخارت قواه واتّسخت ثيابه.. حتى صار أشبه بالشحّاذين. تمنّى لو كان بإمكانه أن يأكل خرنوباً كالخنازير فلم يعطه أحد. وأخيراً وجد باباً واحداً للتخلّص من الموت والهلاك ألا وهو رعاية الخنازير. كانت الخنازير خير معلّم له لأنّه رأى نفسه فيها رأى الخنازير تتمرّغ في الأوساخ فقال: هذا أنا رأى الخنازير تنظر إلى الأرض فقال: هذا أنا رأى الخنازير كريهة الرّائحة فقال: هذا أنا رأى الخنازير قبيحة الشكل والمنظر فقال: هذا أنا رأى الخنازير تأكل الخرنوب فقال: هذا أنا. فصمم على الخلاص وكان هذا على ثلاث درجات: 1- ثاب: "رجع إلى نفسه". العبارة نفسها قيلت على بطرس بعد أن كان نائماً في السجن (أعال 12: 11). أي أنّه رجع إلى عقله ورشده بعد أن كان غارقاً في نوم الخطية وأخذ يُقارن الأمور بعضها ببعض. وقال في نفسه شتّان ما بين أبي وهذا الحقل الذي أرعى فيه شتّان ما بين خدّام أبي وهذا الحال الذي أنا فيه شتّان ما بين خبز أبي وهذا الخرنوب الذي أنا أشتهيه شتّان ما بين الأنغام الموسيقية وصوت الخنازير الكريه 2- تاب: "أقوم وأذهب إلى أبي" أي أنّه صمم على وضع حدّ لحياته تلك والإقلاع عن الخطيّة وتركها إلى غير رجعةٍ. 3- آب: "فقام وجاء إلى أبيه". كان راجعاً وهو يركض كمن يركض لحياته رجلاه داميتان ثيابه رثّة بطنه فارغ شعره مشعّث ولما أصبح على مسافةٍ من بيت والده خارت قواه ولم يعدّ يقوى على الركض أو السير فجلس يبكي وينتحب ويتمتم قائلاً: أخطأت.. أخطأت.. أخطأت.. فلمّا رآه أبوه تحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله وقبّله. وعلى الفور اعترف الابن بما اقترف وأظهر عن انكسار وانسحاق أمام أبيه. وعندئذٍ الأشياء العتيقة مضت وأصبح كلّ شيء جديداً. كان عرياناً فأخرجوا له الحلّة الأولى كان حافياً فألبسوه حذاءً جديداً كان ذليلاً فجعلوا خاتماً في يده كان جائعاً فقدّموا له العجل المسمّن كان ميتاً فعاش كان ضالاً فوُجد أخي القارئ! إن كنتَ في حالةٍ أشبه بحالة الابن الضالّ أريد أن أُؤكّد لك أن من ابتعد وغاب.. إذا تاب وآب.. قبِلَهُ الآب.. بكلّ ترحاب… |
| الساعة الآن 08:20 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026