منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   قسم الكتب الدينية (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=56)
-   -   كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=296482)

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:47 PM

كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
تصدير
كان السير "وليم رمساي" شابًا مهذّبًا مستقيمًا يعمل أستاذًا للعلوم الإنسانية بجامعة "ابردين" بسكوتلاندا، وقد نمت داخله بذار الشك والإلحاد، حتى ظنّ في نفسه أن الكتاب المقدَّس هو كتاب مزَّيف، ولكي يثبت الأخطاء التاريخية والجغرافية التي وقع فيها الكتاب اختار سفر الأعمال ليكون محط دراساته وأبحاثه، وفي سنة 1881م قام ببعثة علمية إلي أسيا الصغرى وفلسطين ليدرس البيئة التي جرت بها الأحداث، واستمرت بعثته العلمية هذه لمدة خمسة عشر عامًا، وفي سنة 1896م انتهى إلي نتيجة تخالف تمامًا توقعاته، إذ تأكد من صحة كل معلومة كبيرة أو صغيرة وردت في السفر، فأصدر كتابه "القديس بولس السائح الروماني" وعوضًا عن أن يذكر الأخطاء التاريخية والجغرافية التي سقط فيها القديس لوقا (حسب تصوره السابق)، اعترف هو نهارًا جهارًا بخطئه، وقال في كتابه ص 238 - 240 " يُساق الحديث (في سفر الأعمال) بدون ارتباك رغم كثرة التفاصيل وتغيُّر الأحوال من مدينة إلى أخري.. لكل حقيقة تافهة (صغيرة) في أعمال الرسل موقعها ومعناها الخاص " وفي سنة 1914 م. أصدر كتابًا آخر عن علاقة الاكتشافات الحديثة بالثقة بالعهد الجديد، وقال في ص5 بالمقدمة " إن غايتي هي أن أبين بفحص العهد الجديد كلمة كلمة وجملة جملة من الآيات التي اعترض عليها الناقدون أنه منفرد بين الكتب بعصره مع إيضاحه وشموله وحقيقته الحيًّة، وليس الأمر أن سفرًا واحدًا من أسفاره يتميز بهذه الصفات، بل تخص هذه الميزات جميع أسفاره" (راجع أرل البردويل - صوت من الأنقاض ص 68-70).
وحيث أن عدو الخير لا يكف عن إثارة الشكوك حول الكتاب الخالد، الذي لم يتعرض كتاب مثله للنقد والفحص والتمحيص وهو ثابت كالجبل الشامخ، وحيث أن شبكة الانترنت تزخر بأفكار النقد الكتابي مما يتعب بعض الدارسين، لذلك كان لزامًا علينا أن نشير في عجالة للنقد الكتابي، وقانونية الأسفار، ومفهوم الوحي والعصمة لجميع الأسفار المقدًّسة بكل ما تحتويه، ودور الجانب الإلهي والجانب البشري في تسجيل كلمات الكتاب، وهل تعد اختلاف الترجمات تحريفًا للكتاب؟ وما هو الضمان أن ما بين أيدينا من الأسفار المقدسة يطابق تمامًا الأصول؟ وكيف نتعامل مع الصعوبات التي تواجهنا في فهم الكتاب، وما موقفنا من الذين يركبون موجة النقد العالي موجهين سهامهم ضد الكتاب.
ليبارك الله هذا العمل، وليسمح باستكمال هذه السلسلة قدر المستطاع، وإنني أرحب بكل من يحركه قلبه للمشاركة في هذا العمل ولاسيما في مجال الترجمة، راجيًا أن تذكرني يا صديقي في صلواتك، ولإلهنا المجد الدائم إلي الأبد آمين.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:48 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
ما هو النقد الكتابي؟

س1: ما هو "النقد الكتابي"؟

ج: "النقد الكتابي" Biblical Criticism تعبير قديم استخدم في اللغة اليونانية تحت اسم " كرتيكي " ويعني " القدرة علي التمييز، وبدونه لا يكون هناك أمر محدد وواضح في أمر ما " فالنقد الكتابي يعني تقيّيم النص الكتابي، والحكم عما إذا كان هذا النص قانونيًا أي صحيحًا مُوحي به من الله أو نصًا زائفًا (أبو كريفا)؟

وإن كان " النقد " بصفة عامة يعني الإدراك والتمييّز والتقيّيم ومحاولة إصدار الحكم من جهة المميزات والعيوب، فإن النقد الخاص بالكتاب المقدَّس دُعي " النقد الكتابي " Bablical Criticismوجاء تعريف النقد الكتابي في دائرة المعارف المسيحية على أنه العلم الذي به نصل إلى المعرفة الكافية لأجل النص الأصلي للكتاب المقدَّس، وتاريخه، وحالته الحالية(Gardner, CC, 206) [راجع جوش مكدويل - برهان يتطلب قرارًا ص 363].
وقد استخدمت الكنيسة الأولي مفهوم " النقد الكتابي " في فرز النصوص القانونية، التي بها " تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21) من النصوص الأبوكريفا التي جاءت نتيجة مجهود شخصي محض، وبناء علي النقد الكتابي بمفهومه الايجابي قبلت كنيسة العهد القديم 46 سفرًا ورفضت أسفارًا أخري كثيرة،مثل أسفار آدم، وشيث، وأخنوخ، ونوح، وإبراهيم، وعزدراس الذي جاء فيه أن الروح القدس قد أملى عزرا الكاهن سبعين سفرًا لا يطلع عليها إلاَّ الحكماء فقط دون عامة الناس (لاحظ أن الوحي في المسيحية ليس وحيًا إملائيًا) وأيضا بناء علي النقد الكتابي بمفهومه الايجابي قبلت كنيسة العهد الجديد 27 سفرًا ورفضت أسفارًا أخرى كثيرة مثل أناجيل الاثني عشر، والعبرانيين، والمصريين، وبطرس، ومريم المجدلية، ويعقوب، وفيلبس، ونيقوديموس، ويهوذا الإسخريوطي الذي ظهرت نسخة منه منذ سنوات قليلة ولكنه كان معروفًا من قبل أنه إنجيل مرفوض رفضته الكنيسة الأولي، والإنجيل الأبدي.
وأيضًا عندما قام "تاتيان" في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي بتفكيك محتويات الأناجيل الأربعة، وأعاد نسجها في قصة متصلة، ودُعي بالإنجيل الرباعي (الدياطسرون) لم تقبله الكنيسة كسفر قانوني لأنه كان نتيجة مجهود بشري حتى لو كانت محتوياته مُوحي بها، فقد شاء الله أن يكون هناك أربعة كتَّاب للإنجيل كلٍ على حدة، وكل واحد منهم يركز علي جانب معين في شخصية السيد المسيح، فلا يمكن تغافل هذه الإرادة الإلهية

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:49 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
النقد الأدنى والنقد الأعلى

س 2: ما المقصود بالنقد الأدنى والنقد الأعلى؟

ج: أفرز لنا النقد الكتابي بمفهومه الإيجابي " مدرسة النقد الأدنى " Lower Criticism وهى التي تقرُّ وتعترف بالوحي الإلهي في الأسفار القانونية، وتهتم بالنواحي الإيجابية مثل دراسة المخطوطات ومدى تطابقها مع الأصل، وتحديد أعمارها، وأيضًا دراسة اللغات القديمة التي كتبت بها الأسفار المقدًّسة وكذلك دراسة البيئة التي وُلدت فيها هذه الأسفار.. إلخ. وقد قدمت لنا هذه المدرسة الكثير من العلم النافع.
ويقول "بول ليتل": "إن فحص الأسفار وأصولها يُسمى علم نقد النص (text criticism ) وهو له علاقة بمدى موثوقية النص، أي كيف يمكن مقارنة النص الحالي مع الأصول وما مدى دقة نسخ المخطوطات القديمة إلى أن وصلت إلينا الآن" (1).
أما "مدرسة النقد الأعلى" Higher Criticism فكل اهتمامها ينصب علي نقض الكتاب المقدَّس، فهي لا تعترف بالوحي الإلهي، وتضع الكتاب تحت ميكروسكوب النقد، وتحكم فيه كما تحكم في أي كتاب بشري، فتنتقده بشدُّة وحدَّة، وتحدد هذا صح وهذا خطأ، وقد طوحت بالتقليد وكتابات الآباء، وسيّدت العقل علي الإيمان، فأخضعت كلمة الله للعقل البشري عوضًا عن إخضاع العقل لكلمة الله المقدسة..إلخ. و"إيخهورن " J. G. Eichern (1752 - 1827م) أستاذ اللغات الألماني، والذي كان والده قسًا هو أول من استخدم مصطلح " النقد العالي " حيث قال في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه " مقدمة العهد القديم " سنة 1787م " لقد وجدت نفسي مضطرًا لبذل هذا القدر الكبير من الجهد في مجال غير مسبوق حتى الآن، وهو فحص التركيب الداخلي لكل سفر من أسفار العهد القديم بمساعدة النقد العالي" (2) وهو يقصد بالتركيب الداخلي للسفر معرفة المصادر التي استخدمها الكاتب لكتابة سفره، وطريقة استخدامه لهذه المصادر، ومعرفة كاتب السفر، وتاريخ كتابته عن طريق ربط الأحداث الواردة في السفر بالتاريخ المدني، ولذلك دُعي إيخهورن أبو نقد العهد القديم.

وقال الدكتور جوزيف موريس فلتس أن لفظتي " الأدنى" و"الأعلى " مستعارتان من صورة النهر الذي تجري مياهه من النبع الأعلى للمصب الأدنى، فالناقد الأدنى يضع نفسه في مستوى أدنى من الكتاب المقدَّس، معترفًا بوحيِّه محاولًا الارتواء منه والتمتع به، ولسان حاله يقول "فهمني يا رب فأفهم"،أما الناقد الأعلى فهو يسعى للتوغل في أعالي النهر أقرب ما يكون من المنبع، مسلمًا نفسه لسطوة العقل فحسب، حاسبًا نفسه أنه هو الحَكم في كلمة الله، وإذ هو يترآى فوق ما ينبغي أن يترآى يتكبر ويسقط.
وقد أفرز لنا النقد الأعلى الهجوم الشرس علي الكتاب المقدَّس بعهديه، فلا تكاد آية تفلت من أيديهم، ولا سيما العهد القديم، فدعوه بشريعة الغاب، وقالوا أن إله العهد القديم إله جزار يأمر بذبح الأطفال وطمر الآبار وقطع الأشجار (راجع كتابنا: مدارس النقد والتشكيك ج 2 ص 165 - 276) ويعتبر الهجوم علي العهد القديم أقدم تاريخيًا من الهجوم علي العهد الجديد، فحتى القرن الثامن عشر لم يكن هناك من يجرؤ علي مهاجمة العهد الجديد وشخصية السيد المسيح علانية إلاّ في القليل النادر، حتى جاء " هيرمان صموئيل ريماروس" (1694 - 1768) الذي اتهم كتَّاب العهد الجديد بأنهم مزوّرون أتقياء (ولا أدري كيف يتفق التزوير مع التقوى؟!) وأنكر الوحي الإلهي، والميلاد العذراوي للسيد المسيح، وقيامته، ولكنه لم يجرؤ علي نشر آراءه هذه، حتى جاء "ليسنج" بعد موته ونشر القليل من آراء ريماروس، فقوبل بمعارضة شديدة، إلاَّ انه فتح الباب للنقد العالي للتطاول علي العهد الجديد أيضًا.
ويقول جوش مكدويل " ولسوء الحظ فإن مدرسة النقد العالي التي نمت في الأوساط الدراسية الألمانية في القرن قبل الماضي استخدمت بعض المناهج الخاطئة التي استندت على بعض الافتراضات المسبقة المثيرة للجدل.. هذه المدرسة التي سيطرت على دراسات العهد القديم منذ البداية معًا بالإضافة إلى المنهج الذي أنتج هذه النتائج المتطرفة، أصبحت تُعرف في بعض الدوائر بأنها " النقد العالي الهدام".." (3).
ونستطيع أن نقول أن "النقد الأعلى" وُلد من أبويين شرعيّين هما:
1 - الحركة العقلانية: التي بدأت تتضح منذ القرن السابع عشر، وهدفت إلي تسيّيد وتأليه وعبادة العقل، ورفع العقل علي النقل (النصوص المقدسة) وعارضوا كل ما هو يرتفع عن مستوي العقل، ولذلك أنكروا الوحي الإلهي، ورفضوا المعجزات الكتابية، والأرواح، والقيامة العامة.. إلخ.
2 - الفلسفة المثالية: فقد أسَّسها " عمانوئيل كانط" (1724 - 1804 م) الذي أسَّس المذهب الأخلاقي إذ أعتبر أن الدين ما هو إلاَّ مجموعة أخلاق ومُثل، والكتاب المقدَّس هو مجرد كتاب أخلاقي، وكل ما يهمنا هو الأخلاق، ولا حاجة لنا للعقيدة، وبما أن مبادئ الأخلاق واحدة في العالم كله، فقد نادي "كانط" بديانة طبيعية تقوم علي الأخلاق دون الحاجة إلى أية أمور عقائدية.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:51 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
الأسفار القانونية وكيف قررت الكنيسة قانونيتها


س 3: ما المقصود بالأسفار القانونية؟ وكيف قرَّرت الكنيسة قانونية الأسفار المقدَّسة؟


ج: الأسفار القانونية Canon، وكلمة Canon مشتقة من الكلمة الإنجليزيةCane أي قصبة (في اللغة العبرية Ganeh وفي اليونانية Kanon ) حيث استخدمت القصبة كقضيب للقياس، ثم أصبحت تعني معيار، وأول من استعمل كلمة " قانون " بالنسبة للأسفار المقدَّسة هو أوريجانوس، فالأسفار القانونية هي الأسفار المقدَّسة المُوحى بها من الله والتي قبلتها الكنيسة.
وإذا تساءلنا: هل الكنيسة هي التي قرَّرت قانونية الأسفار؟
نستطيع أن نقول: نعم الكنيسة هي التي قرَّرت قانونية الأسفار.. كيف؟

الكنيسة هي التي اكتشفت الأسفار القانونية، فالسفر يعد قانونيًا، أولًا لأنه كلمة الله، ولهذا قبلته الكنيسة، فأولًا: السفر هو كلمة الله، وثانيًا: لأنه كلمة الله لذلك قبلته الكنيسة.
وإذا تساءلنا: ما هو المعيار الذي استخدمته الكنيسة للتمييز بين الأسفار القانونية والأسفار المزيفة؟
نجد أن هناك خمسة معايير استخدمتها الكنيسة للتمييز بين الأسفار القانونية والأسفار المزيفة، وهي:
1 - أن يكون كاتب السفر أحد رجال الله القديسين سواء من أنبياء العهد القديم، أو أحد رسل العهد الجديد.
2 - أن يكون للكاتب حياته المقدَّسة، وكثيرون منهم قد أيدهم الله بالمعجزات.
3 - أن يُعلّم السفر طريق الله بالحق والاستقامة، وأن يكون خاليًا تمامًا من أي تناقض، بعيدًا عن روح الكذب " لا يمكن أن الله يكذب" (عب 6: 18).
4 - أن يُظهر السفر قوة الله، ويكون له تأثيره علي النفس البشرية " لان كلمة الله حيَّة وفعالة" (عب 4: 12)،تعمل في الإنسان فتغير حياته " لكي يكون إنسان الله كاملًا متأهبًا لكل عمل صالح" (2 تي 3: 17).
5 - قبول المعاصرين للسفر، كما قبل أهل تسالونيكي رسالة معلمنا بولس الرسول لهم " إذ تسلَّمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين" (1 تس 2: 13) ومثلما قبل معلمنا بطرس الرسول كتابات بولس الرسول كأسفار مقدّسة (2 بط 3: 15، 16) واتبع آباء الكنيسة المبدأ القائل " إذا خامرك الشك في سفر فالقه جانبًا" (راجع جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا طبعة 2004، ص 66، 67، وإيريل كيرنز - ترجمة عاطف سامي - المسيحية عبر العصور ص 134، 135).

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:57 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
الأسفار المقدسة في فكر الآباء

س4: ما هو مفهوم الأسفار المقدَّسة في فكر الآباء؟

ج: ما أجمل فهم وأقوال الآباء للأسفار المقدسة، ودعنا يا صديقي نتذوق عينة بسيطة منها:
" إنها لغة الله بعينها" (4) (الشهيد يوستين).
" المسيح هو الكنز المخفي في الحقل، والحقل هو الأسفار الإلهية" (5) (إيريناؤس).
ويقول القديس "إيريناؤس" أيضًا عن الكتاب المقدَّس أنه " يؤالف الإنسان مع الله والله مع الإنسان" (6).
" تنفخ الكتب المقدَّسة روح الملء، إذ ليس في الناموس أو الأنبياء، في البشيريين أو في الرسل، ما لم ينزل من ملء الجلال الإلهي" (7) (أوريجانوس).
" كلمات الأنبياء هي كلمات الله" (8) (ثاؤفيلس الأنطاكي).
" في كلمات الكتاب الرب هناك" (9) (أثناسيوس الرسولي).

" لن يزول منها - أي الكتب المقدسة - نقطة واحدة حتى تكمل، لأن فم الرب الروح القدس تكلم بها" (10) (اكليمنضس الاسكندري).
" إنها صوت الروح القدس" (11) (غريغوريوس النيزنزي).
" إن الكتاب كله ينقسم إلى عهدين.. وقد استعمل اليهود العهد القديم، ونحن الجديد، ومع ذلك فليس هناك تناقض، إذ أن الجديد هو إتمام للقديم، والشاهد في كليهما هو المسيح" (12) (لاكتانتيوس).
" من هو كفء يا الله لأن يدرك كل الثراء الذي في كلمة واحدة من كلماتك" (13) (مار افرام السرياني).
" لقد رُبّيت على أن أجزل كل احتراماتي وتقديري فقط للأسفار القانونية في الكتاب المقدَّس، بهذا فقط أؤمن أن كاتبيها كانوا أحرارًا من أي أخطاء" (14) (اوغسطينوس).
" الكتاب المقدَّس هو رسالة موجهة من الله القدير إلي مخلوقاته العاقلة، فيها نسمع صوت الله نفسه، وفيها نعاين قلب أبينا السماوي" (15) (اوغسطينوس).
" ولهذا فكل الكتاب نفخة من الله ونافع للتعليم من كل وجه، ولعل أفضل ما يفعله الإنسان ولخير نفسه أن يفتش الكتب المقدَّسة" (16) (يوحنا الدمشقي).
" لا يجمُل بالإنسان أن يفصل العهد القديم عن الجديد، وليس له أن يقول أن روحًا واحدًا هنا وآخر هناك.. فإننا نعلم أن الروح القدس هو الذي تكلم إلي الأنبياء، وهو الذي حلَّ على الرسل يوم الخمسين" (17) (كيرلس الدمشقي).
" الذي يجهل الكتاب يجهل المسيح بكل تأكيد" (18) (إيرونيموس).
عندما التقى الأب زوسيما مع القديسة مريم المصرية بعد إنقطاعها عن العالم 47 سنة، صارت تتلو آيات من سفر المزامير، وعندما سألها الأب زوسيما عما إذا كانت تمتلك سفر المزامير؟ أجابته " لم أقرأ المزامير في حياتي قط وإنما روح الكتاب نفسه هو فيَّ" (19).
وقد رأي القديس إيرونيموس في القرن الرابع الميلادي حلمًا تعرَّض فيه للتوبيخ لأنه يهمل دراسة الكتاب المقدَّس، كما ذكرنا أيضاً هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فأمضي سنوات طويلة ترجم فيها الكتاب إلي اللغة اللاتينية، وهي ما عُرفت بترجمة " الفولجاتا " أي الشعبية، والتي سادت نحو ألف عام، وهي أول كتاب تم طباعته في العالم كله.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:58 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
مفهوم الوحي الإلهي في المسيحية | كيف يكلم الله الإنسان

س5: ما هو مفهوم الوحي الإلهي في المسيحية؟ وما هي الطرق التي يتكلم بها الوحي للإنسان؟

ج: جاء في قاموس وبستر عن الوحي أنه " هو تأثير روح الله الفائق للطبيعة علي الفكر البشري، به تأهل الأنبياء والرسل والكتبة المقدَّسون لان يقدموا الحق الإلهي بدون مزيج من الخطأ".
وجاء في قاموس شامبرز عن الوحي أنه " التأثير الإلهي الذي بواسطته أُرشد كتبة الكتاب المقدَّس القديسون".
فالوحي الإلهي هو مصطلح لاهوتي يشير إلي دور الروح القدس في إرشاد كتَّاب الأسفار المقدَّسة لكل ما هو حق، وعصمتهم من كل ما هو خطأ، وهذا الوحي كان يتخذ في العهد القديم طرق مختلفة في حديثه مع الإنسان مثل:
أ - الحديث فمًا لفم: كما حدث مع موسي النبي " أما عبدي موسي.. فمًا إلي فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين" (عد 12: 7، 8).
ب - الكلام الصريح المباشر: مثلما كلم الأنبياء في العهد القديم، وتحاور معهم، وكلفهم بتوصيل رسائله للشعب، فمثلًا قال الله لأرميا " خذ لنفسك درج واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به.." (أر 36: 2).
ج - الرؤى والأحلام: كما قال الله لهرون ومريم " إن كان منكم نبي فبالرؤيا أُستعلن له في الحكم أكلمه" (عد 12: 6).
د - إلهام داخلي يصعب وصفه: كما قال أرميا النبي " قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليّ فغلبت.. فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع" (ار 20: 7، 9).
أما في العهد الجديد: فكان كمال الوحي الإلهي " الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 1، 2) ثم تكلم التلاميذ القديسون والرسل الأطهار بهذه البشارة المفرحة للبشرية جمعاء مسوقين من الروح القدس، ويقول الأب جورج فلورفسكي " إن الكتاب هو مُوحي به من الله، فهو كلمته.. لكن بحث ماهية الوحي بدقة فهو أمر مستحيل، لأنه مُحاط بسّرِ، بسّرِ مواجهة الله للإنسان. إننا لا نستطيع أن نفهم الطريقة التي سمع بها قديسوا الله كلمة سيدهم، ولا كيفية تعبيرهم اللغوي عما أوحي به الله إليهم. وحتى في عملية تعبيرهم الإنساني كان صوت الله معهم. هذه هي معجزة الكتاب وأسراريته. أنه ظهور كلمة الله مدوَّنة في لغة بشرية" (20).
ويدعو البعض الوحي الإلهي بالإعلان الإلهي، ولكن يجب ملاحظة أن الوحي الإلهي يختص بتسجيل الحقيقة الإلهية المُعلنة، فقد كانت هناك إعلانات إلهية لم يسمح الروح القدس بتسجيلها، كما حدث مع يوحنا الرائي " وبعدما تكلمت الرعود السبعة كنت مزمعًا أن اكتب فسمعت صوتًا من السماء قائلًا لي اختم علي ما تكلمت به الرعود السبعة ولا تكتبه" (رؤ 10: 4).

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 02:59 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
موحى به من الله

س6: ما معني "موحى به من الله"؟

ج: قال الروح القدس علي لسان معلمنا بولس الرسول "كل الكتاب هو مُوحى به من الله" (عب 3: 16) و"مُوحى به من الله " في الأصل اليوناني θεόπνευστος "ثيؤبينوستوس" Theopneustos وأي الله، و أي نُفخ، ونلاحظ أن العبارة جاءت في صيغة المبني للمجهول، فثيؤبينوستوس أي "نُفخت من الله" أي صيغت بروح الله، فالله هو مصدرها وليس الإنسان، صدرت من الله وعبرت خلال الذهن البشري، فالأسفار المقدسة هي نفخة من روح الله القدوس، هي نسمة من الله، وهذا ينسجم تمامًا مع قول السيد المسيح له المجد " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت 4: 4).
و"نُفخت من الله " تنسجم تمامًا مع تعبير الوحي الإلهي على لسان معلمنا بطرس الرسول " تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21) وتعبير " مسوقين " أي محمولين بالروح القدس، فالأسفار المقدسة مُعطاة لنا من الله من خلال أُناس الله القديسين، ولأنها " نُفخت من الله " لذلك فهي ثابتة لا يمكن أن تتغير ولا تتبدل ولا تتحرف، وهذا ينسجم تمامًا مع قول السيد المسيح " ولا يمكن أن ينقض المكتوب" (يو 10: 35).. " وأما كلمه إلهنا فتثبت إلي الأبد" (أش 40: 8).

و"نُفخت من الله " فهي معصومة تمامًا وكليًا من الخطأ، معصومة في مجملها كل سفرٍ علي حدة، ومعصومة في تفصيلاتها كل آية علي حدة، وقد ارتبطت كلمة " مُوحى " بكلمة " معصوم " لأنهما يؤديان نفس المعني. وقد احتج البعض قائلًا أن الكتاب قال عن نفسه أنه مُوحى به من الله ولم يقل أنه معصوم صراحة وهذا الاحتجاج يشبه الاحتجاج علي عقيدة التثليث بحجة أن الكتاب لم يذكر صراحة أن الله مثلث الأقانيم.. مع أن الحقيقة واضحة، وهي أن الكتاب ذكر عن الآب أنه هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، وأكد أن الله واحد، وبهذا نخلص إلى أن الله الواحد وحدانيته ليست مصمدة لكنها جامعة، ففيها الأبوة والبنوة والانبثاق، الآب والابن والروح القدس. وبالمثل إن كان الكتاب لم يذكر صراحة ومباشرة انه " معصوم " لكنه ذكر أن كلام الله هو حق " كلامك هو حق" (يو 17: 17) والحق لابد أن يكون معصوم من أي خطأ، فمن ينسب الخطأ للكتاب المقدس، ففي الحقيقة هو ينسب إمكانية الخطأ لصاحب الكتاب، الله نفسه.
و"نُفخت من الله" أي بكل تأكيد صدرت من الله ذاته، ولذلك تكرَّرت عبارات " قال الرب"، و"هكذا يقول الرب"، و"فكانت كلمة الرب إليَّ " ومثل هذه المترادفات نحو 3800 مرة لتؤكد أن كلام الكتاب هو هو كلام الله، ولذلك قال داود النبي " روح الرب تكلم بي وكلمته علي لساني" (2 صم 23: 2) فالمتكلم هو الروح القدس من خلال فم أبينا داود، وقال ميخا ابن يمله " حي هو الرب أن ما يقوله لي الرب به أتكلم" (1 مل 22: 14) وقال الرب لأرميا النبي " وتتكلم بكل ما آمرك به" (أر 1: 7)، وقال الرب لزكريا النبي " الكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين" (زك 7: 12) وقال بولس الرسول " حسنًا كلم الروح آباءنا بأشعياء النبي" (أع 28: 25).. إلخ. (راجع كتابنا مدارس النقد والتشكيك ج1 ص107 - 110).
كما أن تعبير " ثيؤبينوستوس " يعني أيضًا " نَفَسْ الله " أو " تنفس الله " أو " الله تنفس " فالكتاب هو نَفَسْ الله، هو نسمة من الله نفخها عبر الكتَّاب، ولذلك دُعي الكتاب المقدَّس بأنفاس الله أنظر كيف قال المزمور عن خلق الملائكة " بكلمة الرب صُنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها" (مز 33: 6) وقال عن خلق الإنسان " نفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية" (تك 2: 7) فالكتاب المقدس قد خرج للوجود بذات القدرة التي خلق بها الله الملائكة والإنسان.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:00 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
آراء خاطئة في فهم الوحي

س 7: هل هناك آراء خاطئة في فهم الوحي لا يجب أن نقبلها؟

ج: نعم، فهناك من نظر للوحي على أنه مجرد إلهام طبيعي وبصيرة داخلية للكاتب، وهناك من ظن أن الوحي يُملئ الإنسان ما يكتبه، وهناك من ظن أن الوحي يوحي للكاتب برأس الموضوع ويترك له كل التفصيلات، وهناك من ظن أن هناك أجزاء في الكتاب مُوحى بها وليس كل الكتاب مُوحى به.. إلخ. وفيما يلي نعرض باختصار شديد لتلك التصورات الخاطئة التي يجب أن نرفضها:
1 - النظرية الطبيعية:


تعتبر الوحي هو إلهام طبيعي بدون أي تدخل إلهي، فهو إلهام يشبه إلهام الشاعر وهو ينظم قصيدته أو يقرض شعره، ومثل إلهام الراوي وهو يكتب روايته، فالكاتب يعتمد علي بصيرته الداخلية النفاذة اللمَّاحة لمعرفة الحق. نحن نرفض هذه النظرية تمامًا.. لماذا؟ لأنها تتجاهل عمل الروح القدس، وتقتصر العمل على المجهود البشري وحده.
2 - النظرية الميكانيكية الإملائية (التنزيل):

وتعتبر الوحي هو إملأ الكاتب الرسالة كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، فيصير الكاتب مثل جهاز تسجيل أو آلة صماء تسجل ما يريده الوحي دون أن يكون له أدني حرية في اختيار الأسلوب، أو الألفاظ التي يعبر بها، ونحن لا نقبل هذه النظرية.. لماذا؟ لأنها تلغي دور الجانب البشري فالكتاب المقدَّس هو كلمات الله التي عبرت بذهن الكاتب فاكتسبت أسلوبه وثقافته، ولذلك من السهل أن تميز وتعرف الكاتب من النص، فأسلوب سليمان عُرِف بالحكمة، وأسلوب أرميا بالرثاء، وأسلوب يوحنا بالحب، وأسلوب بولس بالفلسفة، وأسلوب لوقا تغلُب عليه النظرة الطبية.. إلخ.
3 - نظرية الانخطاف الروحي:

وتعتبر الوحي هو الاستيلاء التام علي الكاتب، وقد اقترحها أفلاطون (Timaeus.71) واستعارها فيلو الفيلسوف اليهودي السكندري (de spec.Ley.1v.18) والمؤرخ اليهودي يوسيفوس (الآثار 4: 4، 5) أما القديس أكليمنضس فقد أعتبرها سيطرة الروح الشرير على النبي الكاذب (راجع د. أميل ماهر - الكتاب المقدس - أسلوب تفسيري السليم وفقًا لفكر الآباء القويم ص47، 48).
4 - النظرية الموضوعية:

وهي أن الروح القدس يوحي للكاتب برأس الموضوع، ويترك له الحبل علي الغارب يكتب ما شاء من التفصيلات التي تحتمل الصح والخطأ، وهي نظرية قاصرة لأن الروح القدس كان يرافق الكاتب من أول حرف إلى آخر حرف في تسجيل الرسالة الإلهية، وخلال هذه الرحلة يفتح ذهنه ويرشده ويساعده علي انتقاء الألفاظ المناسبة، ولذلك تجد الكتاب المقدَّس يتناول أشد الأمور حساسية بأسلوب مهذّب وراقي جدًا، وأيضا الروح القدس يعصمه من أي خطأ أو شبه خطأ.
5 - النظرية الجزئية:

وتعتبر أن هناك أجزاء مُوحى بها من الله مثل الوصايا العشر والشرائع وكلمات الله وهذه معصومة من الخطأ، وهناك كلمات الكاتب في وصف الأحداث أو ما أدلي به من معلومات تاريخية أو جغرافية أو علمية، وهذه غير موحى بها، وبالتالي فهي تحتمل الصح أو الخطأ ونحن نرفض هذه النظرية لان " كل الكتاب هو مُوحى به من الله" (2 تي 3: 16) وقيل عن اليهود الذين حفظوا العهد القديم أنهم " أُستومنوا علي أقوال الله" (رو 3: 2) وما كتبه الكاتب ولم يصدر من فم الله مباشرة فأنه يخص العلاقة بين الله والإنسان، وعمل الله من أجل الإنسان، فلا يمكن أن يحتمل الخطأونستطيع أن نقول أن الفرق بين كلام الله في الكتاب المقدَّس وكلام الكاتب هو فرق تشريفي، ولا يعني على الإطلاق أن هذا معصوم وذاك غير معصوم.
وقد يتساءل البعض قائلًا: هل أقوال الشياطين والأشرار التي وردت في الكتاب المقدَّس هي مُوحى بها..؟ الحقيقة أن دور الوحي هنا يقتصر على الأمر بتدوين تلك الأقوال من أجل فائدة الإنسان ليعرف مقاصد عدو الخير. أما الكلمات الخاطئة فإنها تُنسب لأصحابها.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:01 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
دور الجانب الإلهي ودور الجانب البشري في تدوين الأسفار المقدسة

س 8: ما هو دور الجانب الإلهي ودور الجانب البشري في تدوين الأسفار المقدَّسة؟

ج: 1 - الجانب الإلهي:
اختار الله الرجال القديسين الذين سيسجلون الأسفار المقدسة، وأعدهم لهذه المهمة، فقد تهذب موسى بكل حكمة المصريين نحو أربعين عامًا، وتعلم الهدوء والتأمل في البرية أربعين عامًا أخري فاستحق أن يدون لنا التوراة، وأعدَّ السيد المسيح تلاميذه فخرج منهم من سجل أسفارًا في العهد الجديد مثل متى ويوحنا وبطرس، وأعد الله بولس الرسول تحت رجلي غمالائيل، ثم انفرد معه في البرية لمدة ثلاث سنوات، فاستطاع بولس أن يسجل لنا أربعة عشر رسالة، وبعد أن اختار الله هؤلاء الرجال دفعهم للكتابة سواء بطريقة أو بأخرى كما رأينا من قبل، دون أن يلغي شخصياتهم.
2 - الجانب البشري:

دور الكاتب يشبه دور " العَرَبة " التي حملت لنا فكر الله، أو دور " البوق " الذي نفخ فيه الروح القدس ليُسمعنا صوته، أو دور " القيثارة " التي عزف عليها الروح القدس أجمل الألحان، وقد شبه نيافة الأنبا أثناسيوس المتنيح مطران بني سويف الوحي الإلهي بالطاقة الكهربائية غير المرئية، والكتاب بالمصابيح المختلفة الأشكال والألوان، فقد تتخذ اللمبة الشكل الكمثري أو الأنبوبة المستطيلة أو الملتوية، وقد يصدر عنها ضوء أبيض أو مائل للصفرة، ومع ذلك فإن التيار الكهربائي الذي يسري في جميع هذه المصابيح هو تيار واحد (راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدس ص 17).
إذًا فالأسفار المقدسة تحمل طبيعة مزدوجة، إلهيَّة وبشرية، فالكتبة الملهمون هم قيثارة الروح القدس، وروح الله القدوس هو العازف علي هذه القيثارات، لذلك فالأسفار المقدَّسة هي كلمة الله كُتبت بيد البشر، ونحن نصلي في قانون الإيمان " نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي.. الناطق في الأنبياء".
يقول "هنري نيس " عن الأسفار المقدسة " يجب أن نعترف بالطبيعة المزدوجة للأسفار، فهي من جهة: كتاب مُوحي به من الله، ومن الجهة الأخرى: لا تلغي شخصية الإنسان" (21).
ويقول "د. جراهام سكروجي": "مرت هذه الكتب من خلال أذهان البشر، وكُتبت بلغة البشر وبأقلامهم، كما أنها تحمل صفات تتميز بأنها من أسلوب البشر" (22).
ويقول "د. أميل ماهر " أن " الوحي هو العمل الفائق الطبيعة الذي يقوم به الروح القدس، فيؤثر في أذهان كتبة الأسفار المقدَّسة، بحيث تكون الأسفار المقدَّسة ليست هي مجرد كتاباتهم الشخصية، وإنما هي كلمة الله. فالكتاب المقدَّس ليس مجرد كتاب يحتوي علي كلمة الله، ولكنه كلمة الله، فالكلمة المكتوبة كاملة إلهيًا، وهي في نفس الوقت كاملة إنسانيًا. لها سلطان معصوم لأنها كلمة الله، وهي مفهومة لأنها بلغة البشر" (23).
ويقول "الخوري بولس الفغالي " أن " الروح القدس الذي يدفع النبي ويقوده ويحمله كما يحمل الهواء السفينة ويجرها، بسلطانة المطُلق. أن هذه الكلمات هي من وحي الروح، والوحي هو صوت الله، وشفاه الأنبياء هي أداة يلجأ إليها الله ليُسمع صوته. ولهذا فالكلمات التي يتلفظ بها البشر هي بالحقيقة كلام الله (1 تس 2: 13) وتتمتع بسلطان مطلق علي العقول والقلوب، وتحتوي علي ينابيع النور والحياة (2 تي 3: 14 - 17) وهكذا يأتي الوحي إلينا عبر حروف وكلمات وجمل وفصول تكوّن الكتاب المقدَّس. هذا الكتاب، الله هو كاتبه، ومسئوليته في وضعه مباشرة. وإن لجأ الله إلى إنسان.. فيصبح الإنسان أداة بين يديه وقيثارة تصل إلينا عبرها معرفة الأمور الإلهيَّة" (24).
إن الله هو مؤلف الكتاب المقدَّس باستخدام الأداة البشرية " كيف (يكون) الله هو مؤلف الكتاب؟ الكتاب كتاب موسى ويشوع ومرقس وغيرهم، ولكن مع ذلك فالله هو المؤلف، هو الذي يوحي.. الله حينما يتكلم في الكتاب يضع في " أداته " أفكاره هو وإرادته هو.. الله ينحني نحو الإنسان ليكتب كتابه.. إن الإنسان الذي يقتبل وحي الله يكتبه، ولكن الإنسان ليس أداة مائتة كالقلم بل شخص حي. الإنسان كائن مفكر حر، وبالتالي فهو ينقل وحي الله بكلامه هو وطريقته واستطاعته. كلام الله هو وحي الله حقًا، ولكنه يمر عبر الإنسان ويتحد بكلامه. إذًا أنا أقرأ في الكتاب كلامًا كتبه إنسان ولكن عليَّ أن أدخل إلى حيث الله حاضر في كلام مختاره" (25).
وعندما نتحدث عن الجانب البشري في تسجيل كلمة الله، فإننا لا نعني على الإطلاق أن الإنسان كتب أجزاءًا من عندياته، ثم أضاف إليها أجزاءًا أخري مُوحى بها من الله، فلا يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين، قسم إلهي وقسم بشري، فالكتاب وحدة واحدة كتبها أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس، وكل ما تكلم به الأنبياء هو هو ما أراد الله أن يعلمه للبشرية، ويقول "جوش مكدويل": "أن الكتاب هو أنفاس الله. لقد استخدم هو رجالًا ليكتبوا بالضبط. ما أراد لهم أن يكتبوه وجنَّبهم الأخطاء، لكن في نفس الوقت استخدم شخصياتهم المنفردة وأساليبهم المتميزة لينقل لنا ما أراده بالضبط" (26).
ويقول "بول ليتل " عن عصمة الكتاب المقدَّس " يعد مبدأ عصمة الكتاب المقدَّس تعليمًا آخر شديد الأهمية وهو أيضًا يحتاج إلى تعريف دقيق.. ويمكن تقديم التعريف العام التالي: في المخطوطات الأصلية، فإن الأفكار التي أراد الله أن تُكتب قد كُتِبت، كذا فإن الكلمات التي استخدمها الكتَّاب كانت خاضعة لحماية الله " (27).
وقد أعلن مجمع المعلمين اليهودي " إن قال أحد أن التوراة هي من الله ما خلا آية واحدة ليست من الله بل من موسي.. فقد احتقر كلام الله " (28).
ولأن الكتاب المقدَّس نتاج مشترك بين الله والإنسان، لذلك فإن الروح القدس لم يفارق الكاتب عند تسجيل الأسفار المقدَّسة، بل كان يظلل عليه ويحفظه ويرشده، فيكشف له كل ما هو خفي وغامض، مثلما كشف لموسي عن أيام الخلق، وأيضًا يعصم الكاتب من أي خطأ كان،كما كان الروح القدس يضع على أفواه الأنبياء نبوات ربما لا يدركون أغوارها مثلما نطق بلسان أشعياء النبي " ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (أش 7: 14) ومن يصدق أن عذراء تحبل وتلد؟! حتى سمعان الشيخ لم يقدر علي تصوُّر هذا الأمر، حتى مرت الأيام والسنون وتحققت النبوة. كما وضع الروح القدس نبؤات علي فم الأنبياء عن نينوى وبابل وصور والشعب اليهودي.. إلخ. وكان يصعُب جدًا تصوُّر حدوث هذه الأمور، لكنها حدثت وتحقَّقت النبوات (راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدس ص 77 - 101).

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:03 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
هل هناك أمور معصومة وأخرى غير معصومة في الكتاب المقدس؟

س9: هل يمكن أن تكون هناك أمورًا معصومة في الكتاب المقدَّس مثل الأمور اللاهوتية، وأخري غير معصومة مثل الأمور العلمية؟

ج: هذا ما نادي به أصحاب النقد الأعلى، فقالوا أن العصمة في الكتاب المقدَّس تخص الأمور اللاهوتية والعقائدية والروحية والأدبية، أما الأمور التاريخية والجغرافية والعلمية فمشكوك فيها، لأن الكاتب ابن عصره، فهو يكتب من معارف عصره البدائية، بما ساد فيها من أساطير وخرافات، وأين موسي الذي كتب قصيدة شعرية في أيام الخلق من علماء الفلك والطبيعة والجيولوجيا في العصر الحديث، وقالوا أن الأخطاء المتوقعة في هذه المواضع ترجع لضعف الطبيعة البشرية ولا تمس سلامة ولا قدسية الوحي، ومن ثمَّ يجب الاعتراف بها وشبهوا ذلك بالشعاع النقي الذي ينفذ من زجاج نافذة تعلق به ذرات التراب، فإن الشعاع النافذ لن يكون في نقاوته الأولي وضيائه الأول (راجع كتابنا: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها ج2 ص121 - 132).
ونحن في الرد علي هذا الفكر المنحرف، وفي عجالة، نود أن نؤكد على الحقائق الآتية:
1 - وحي الكتاب المقدَّس وحُي مطلق: فكل ما جاء في الكتاب المقدَّس سواء أمور لاهوتية أو تاريخية، روحية أو جغرافية، أدبية أو علمية، جميعها موُحى بها من الله (2 تي 3: 16، 2 بط 1:21)، وبالتالي فإن جميعها معصومة من أي خطأ يظنه الإنسان ويقول "جوش مكدويل": "العصمة تعني أنه عندما تتكشف كل الحقائق وتُترجم الكتب من أصولها، وتُفسَّر بشكل صحيح، فإنها حينذاك ستكون كلية الصدق في كل ما يكتب به، سواء كان الكلام عن المعتقدات، أو الأخلاقيات، أو العلوم والمبادئ الاجتماعية، أو الطبيعية للحياة " (29).

2 - من ينسب الخطأ لجزء من الكتاب فإنه في الحقيقة ينسب هذا الخطأ لصاحب الكتاب: فإن سلمنا بضعف الكاتب ومعارفه المحدودة، فأين هنا دور الروح القدس المرافق للكاتب يعلمه ويرشده ويعصمه؟!! هل عجز الله عن إنتاج كتابًا خاليًا من الأخطاء؟!! وهل عجز أن يحفظ للأداة البشرية نقاوتها حتى تنطق بكلماته دون أن توهنها أو تصيبها بالضعف؟!!
ويقول "د. ادوار ج. يونج": "النص الأصلي لكلمة الله والذي صدر من فم الله، معصوم، وأن أي تهاون، في قبول هذه النتيجة، لا يضع الكتاب نفسه في خطر، بل أكثر من ذلك يضع الله ذاته في كرامته وصدقه ومجده في أدق المواضع.. إن تصوَّر أن النص الأصلي لكلمة الله خاطئ، وغير معصوم يعني أن الكلمة التي خرجت من فم الله ليست كاملة، وأن إله الحق نفسه مُدان بالذنب، وإذا كانت كلمة الله باطلة، وهو مُدان بالبعد عن الحق، فإنه يُبتنيَ علي تلك النتيجة التي لا مهرب منها، وهي أن الديانة المسيحية ديانة باطلة" (30).
ويقول "جوش مكدويل": "الكتاب المقدَّس هو كلمة الله.. والله لا يخطئ أبدًا (عب 6: 19، تي 1: 2) وأن ننكر عصمة الكتب المقدَّسة، فإننا بذلك نطعن في كمال الله، أو نشك في كون الكتاب المقدَّس هو كلمة الله.
تستلزم صفات الله العصمة، وإذا كانت كل عبارة في الكتاب المقدَّس هي من الله، والله هو الحق، كما أعلن عنه الكتاب، لذا يجب أن يكون الكتاب المقدَّس كله حقيقي وصحيح، وهو معصوم من الخطأ، قال يسوع عن كلام الله " كلامك هو حق" (يو 17: 17).. إذًا فالتحليل النهائي يخلص إلي أن أي هجوم علي الكتاب المقدَّس هو هجوم علي صفات الله" (31).
3 - الله قادر أن يحفظ كلمته نقية رغم الأداة البشرية الضعيفة: وقد أكد الكتاب هذه الحقيقة " كل كلمة من الله نقية" (أم 30: 5) ويصحح "وورفيلد" تشبيه الشعاع والزجاج فيقول "كما أن الضوء الذي يمر في الزجاج الملون لنافذة الكاتدرائية يتأثر بألوان الزجاج الذي يمر فيه، هكذا كلام الله يمر بعقل ونفس الإنسان، فيخرج وهو يحمل طابع الشخصية التي مرَّ بها، وانه عند هذه الدرجة يكف عن أن يكون كلمة الله النقية الصافية -كقول النُقَّاد- ولكن ماذا لو أن هذه الشخصية قد شكلتها وصاغتها يد الله، بحيث تصبح منسجمة تمامًا مع كلمته، وبحيث يخرج الضوء منها محتفظًا بخواصه الأصلية، وبحيث يتحقق بذلك قصد الله في توصيل كلمته صافية للناس" (32).
ويؤكد " الأب جورج فلورسكي " علي أن الإنسان الذي جُبل علي صورة الله قادر علي أن ينطق بكلمات الله دون أن يصيبها الوهن فيقول "إن الكتاب ينقل إلينا كلمة الله في لغة بشريَّة. فالله كلَّم الإنسان بالفعل، وهذا يفترض وجود من يسمع الكلمة ويعيها.. لا مجال هنا للانزلاق نحو الضعف البشري، لأن اللسان البشري لا يفقد خصائصه الطبيعية عندما يصير عربة للإعلان الإلهي.. إن الإلهام الإلهي لا يمحو العنصر البشري.. ومادام الإنسان مخلوقًا علي صورة الله ومثاله فهو يقدر أن يعبّر عن كلمة الله بكلماته البشرية بشكل كاف وصحيح، لان كلمة الله لا تخفت عندما ينطق بها لسان بشري.. وعندما ينفخ الروح القدس في نظام اللغة البشرية يقدر الإنسان، أن ينطق بكلام الله" (33).
4 - لو سلمنا بضعف الطبيعة البشرية مما ترتب عليه بعض الأخطاء التاريخية والجغرافية والعلمية، فمن الذي يضمن لنا أن الأمور اللاهوتية والعقائدية والأدبية لم يشبها الخطأ أيضًا..؟! أليس الكاتب واحد..؟! وكيف يكون الكتاب الواحد معصوم وغير معصوم في آن واحد..؟! وأي كتاب تشوبه الأخطاء هل يمكن الثقة فيه..؟! أليس القضية التي تفقد مصداقيتها في جزئية منها هي قضية خاسرة أمام القضاء العادل؟!
ويقول "د. اميل ماهر " عن عصمة الكتاب الكاملة " لا يكفي فقط أن نقرر أن الكتاب موحي به وله سلطان، إنما لابد أن نعترف أيضًا بأنه مُنزَّه عن الخطأ (Inarrancy) ومعصوم (Infallibility ) ونعني بذلك أنه بدون أخطاء في مخطوطاته الأصلية. فهو مُنزَّه عن الخطأ في كل ما يؤكده، سواء كانت هذه أمور تاريخية أو علمية أو أخلاقية أو عقائدية والتنزَّه عن الخطأ يمتد إلى الكتاب كله، ولا يقتصر علي تعاليم معينة في الكتاب".
5 - لا يمكن فصل الأمور الإيمانية عن الأمور التاريخية : من يستطيع أن يفصل الأمور الإيمانية عن الأمور التاريخية إن كان الاثنان ممتزجان معًا..؟! أليس التجسد وحياة السيد المسيح على الأرض وصلبه وموته وقبره وقيامته وصعوده وكرازة الرسل ومجيئه الثاني، كل هذه حقائق إيمانية، وفي نفس الوقت هي حقائق تاريخية..؟! الإصحاح الأول في الكتاب المقدَّس الذي يتكلم عن الله الخالق وهذه حقيقة إيمانية، ويتكلم عن أيام وترتيب الخلقة وهذه أمور زمنية، من يقدر أن يفصل هذه عن تلك..؟! متى ينتهي الإيمان ويبدأ التاريخ؟! ولو كان هذا الإصحاح غير معصوم فلماذا لم يأخذ موسي من معارف عصره من أساطير الخلق السومرية، والمصرية، والبابلية (الاينوما إيليش) وعندما كتب عن الطوفان وهو موضوع تاريخي، وبالتالي فهو في نظرهم غير معصوم، فلماذا لم يأخذ موسي من أسطورة جلجاش؟! (راجع كتابنا: هل اخذ سفر التكوين من الأساطير؟).
حقًا إن محوتَ التاريخ فقد أزلتَ الإيمان، والإيمان لم يصل إلينا إلاَّ علي أجنحة التاريخ، والله هو العامل في التاريخ وجاء في معجم اللاهوت الكتابي عن الوحي " يقوم الدين الذي يُقدّمه لنا الكتاب المقدَّس على أساس من الوحي التاريخي.. يبدو الوحي من الكتاب المقدَّس أنه حقيقة تاريخية يمكننا التحقق منها.. فالإيمان إذًا بالنسبة إلى المسيحي يعني قبول هذا الوحي الذي يصل إلى البشر محمولًا علي أجنحة التاريخ" (34).
وردًا على القائلين بأن الكتاب المقدَّس يحوي أخطاء تاريخية يقول "جوش مكدويل": "أما روبرت ديك ويلسون المُلم بأكثر من خمس وأربعين لغة، فبعد أن أمضي حياته في دراسة العهد القديم خلص إلي ما يلي: يمكنني أكثر فأكثر إلى تعميق إيماني بأن لدينا من خلال العهد القديم سجلًا تاريخيًا صحيحًا لتاريخ الشعب الإسرائيلي" (Wilson: WB.42 )

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:04 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
هل أخطاء الأنبياء تسقط عنهم العصمة عند كتابة الأسفار؟ وماذا عن أخطائهم؟

س10: هل أخطاء الأنبياء تسقط عنهم العصمة عند كتابة الأسفار؟ وحتى لو كانت خطايا الأنبياء حقيقة فلماذا ذكرها الكتاب المقدَّس؟ هل يقصد التشهير بهم؟ وتساءل صموئيل ريمارس: كيف يعمل الوحي في رجل قاتل مثل موسى، أو رجل زاني مثل داود، أو رجل مضطهد الكنيسة بإفراط مثل بولس؟

ج: نود في سياق إجابتنا علي هذه التساؤلات أن نؤكد علي الحقائق الآتية:
1 - جميع الرجال الذين كتبوا الأسفار المقدَّسة هم بالحقيقة قديسون، ليس بمعني إنهم كانوا معصومين في حياتهم الشخصية ولم يخطئوا قط، لأنه ليس مولود امرأة بلا خطية، ولكن بمعني إنهم أحبوا الله من كل قلوبهم، وقد قدموا توبة صادقة عن كل خطية ارتكبوها.. عجبًا لإنسان يركز علي خطية داود ويغض البصر عن توبته ودموعه (راجع مز 6: 6، 51: 3 - 11).

2 - لم يتساهل الله مع أنبيائه الذين أخطأوا، ولم يعفهم من العقوبة، إنما حملوا عقاب خطاياهم بالكامل، فليس لدى الله محاباة قط، حتى لو كان المخطئ هو ملاكًا، أو هو الإنسان الوحيد علي الأرض (آدم)، أو يعقوب المحبوب، أو موسي رئيس الأنبياء، أو داود قيثارة الروح.. الخ.
3 - نحن لا نعترف بعصمة إنسان ما علي الأرض، فالجميع تحت الضعف، والعصمة الوحيدة لكتَّاب الأسفار المقدسة هي أثناء تسجيلهم لكلمات الله في الأسفار المقدَّسة أما في حياتهم الشخصية فإنهم كانوا عرضة للسقوط، فهم من نفس عجينة البشرية، وما أجمل صلوات الكنيسة في أوشية الراقدين " لأنه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال، وإن كان لحقهم توان أو تفريط كبشر، إذ لبسوا جسدًا وسكنوا في هذا العالم فأنت كصالح ومحب البشر اللهم تفضل أغفر لهم. فإنه ليس أحد طاهرًا من دنس ولو كانت حياته يومًا واحدً علي الأرض".
ويقول "د. ادوار ج. يونج": "فإنه من الحماقة أن يتصوَّر ريماروس أن بعض الكُتَّاب كان لا يجوز أن يكونوا من حملة الوحي نسبة إلى الخطايا التي ارتكبوها في حياتهم إذ أن الله لم يعطِ كتابه للبشر عن طريق رجال معصومين من الخطية (في جميع جوانب حياتهم).. كانت حياة داود ملطخة بالخطية، ومع ذلك كتب (بعد توبته) أروع المزامير التي أعطاه الله إياها، كان موسي قاتلًا.. وكان بولس مُضطهد الكنيسة، ولكن الله اختارهم وصيَّرهم كُتَّابًا للوحي، ولكن ليس معني ذلك أن الله كان لا يُبالي أو يقلّل من خطاياهم، بل بالعكس كان ذنبهم أمامه قاسيًا.. كانوا فقط معصومين عندما حملهم الروح ليكتبوا الكتاب المقدَّس!!.." (36).
4 - عندما ذكر الكتاب المقدَّس أخطاء هؤلاء الأنبياء فلكي يعلمنا أن الجميع تحت الضعف، وأن هؤلاء الأنبياء كانوا من نفس عجينة البشرية ولكيما يتعلم الإنسان أنه مهما بلغت قامته الروحية فإنه معرض للسقوط، ولكيما يتعلم الإنسان أن السقوط ليس نهاية المطاف، إنما التوبة تعيد الإنسان إلى مرتبته الأولي، إذًا لم يقصد الكتاب المقدَّس التشهير بهؤلاء الأنبياء القديسين، ولم يذكر خطاياهم ليشجع الإنسان علي ارتكاب المعصية، إنما ليحذر الإنسان، ومن أجل تعليمنا سمح الوحي الإلهي بتسجيل خطايا هؤلاء العظماء. إن الكتاب المقدَّس كتاب صادق وأمين، يذكر الحقائق كما هي، إن كانت خيرًا أو شرًا، ولم يلتمس الأعذار لمن أخطأوا..

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:06 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
هل عصمة الكتاب المقدس هي في بلاغته أو أسلوبه؟

س11: هل معني عصمة الكتاب المقدَّس بلاغة وجمال الأسلوب الذي كُتب به؟

ج: الهدف من الكتاب المقدَّس هو خلاص الإنسان وليس بلاغة وجمال الأسلوب، فبالرغم من أن الكتاب حوى أساليب متعددة من شعر ونثر، وتميز بغنى الأسلوب وفخامته، فصار محببًا للنفس، إلاَّ أنه لم يكتب من أجل هذا الهدف، إنما من أجل سعادة الإنسان وحياته الأبدية " لان كلَّ ما سبق فكُتب كُتب لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء" (رو 15: 4).
فالأسفار المقدَّسة لا تمثل نتاجًا أدبيًا أبدعه بعض العباقرة، ولا تمثل أيضًا إنتاجًا بشريًّا متميزًا أضاف إليه الله بعض الأمور الإلهيَّة، ولا تمثل أفكارًا بشرية وافق عليها الله إلى حد ما.. إن الأسفار المقدَّسة قد خرجت إلى الوجود بطرق خارقة للعادة، فهي وحدها دون أية كتابات أخري في العالم كله وعلي مدى الأجيال أتت بنفخة من الله.
وعلي كلٍ فمن أمثلة روعة الأسلوب في اللغة العبرية المزمور 119 حيث نجده مقسمًا إلى اثنين وعشرين قطعة بعدد حروف اللغة العبرية، وكل قطعة تشمل ثمان آيات، والآيات الثمان في القطعة الأولي جميعها تبدأ بحرف "أ" والثمانية آيات التالية في القطعة الثانية تبدأ بحرف "ب" والثمانية آيات في القطع الثالثة تبدأ جميعها بالحرف التالي وهلم جرا...

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:07 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
أي كلام يتم التفاعل معه في الكتاب المقدس؟


س 12: هل ما أقبله فقط من الكتاب المقدَّس وأتفاعل معه يعتبر كلمة الله، وما عداه كلمات بشرية لأنها لا تؤثر في النفس؟

ج: يعد المفهوم السابق طعن في صميم الوحي الإلهي، فالوحي في الكتاب المقدَّس هو وحي مطلق، جميع الأسفار بكل ما جاء فيها هو كلمة الله الموُحى بها والمعصومة من الخطأ. أما لو أخذنا بالمفهوم السابق فإننا سنقع في موقف متناقض، فالنص الواحد قد يؤثر في شخص دون الآخر، فمثلًا قصة الابن الضال قد تؤثر في شخص دون الآخر، فهل تعد كلمة الله لأن شخصًا تأثر بها أم تعد مجرد كلمات بشرية لأن شخصًا آخر لم يتأثر بها؟!
لقد خلط أصحاب النقد بين الكتاب المقدَّس ككلمة الله، وبين عمل الروح القدس في فتح البصيرة الداخلية للإنسان لكيما يدرك ويتفهم كلمة الله، والحقيقة أن الكتاب المقدَّس كله كلمة الله سواء قبلها الإنسان أو رفضها سواء أثرت في الإنسان أو لم تؤثر، فهذا التأثُّر أو عدم التأثُّر ناتج عن استعداد الإنسان وليس بسبب ضعف كلمة الله على الإطلاق.
ويفرق "ج. و. بروميل" بين عمل الروح القدس في الوحي، وبين عمله في الاستنارة الباطنية، فيقول "ولقد أمسك بعض اللاهوتيين المعاصرين موضوع هذه الإنارة كأنها وحي حقيقي، حسب التصوُّر الإصلاحي. أي أن الكتاب المقدَّس مُوحى به فقط بقدر ما يستعمل الروح القدس هذه الفقرة أو تلك لينجز استنارة داخلية في الفرد المسيحي.. فالكتاب المقدَّس سجل موحى به لإعلان الله لنفسه، سواء قبل هذا الفرد أو ذاك شهادته، أو لم يقبل. إن الوحي وتسجيله في صورة مكتوبة كليهما عملان ظاهريان. أما الإنارة بواسطة الروح القدس فهي التكملة الباطنية لهذه التأثيرات في داخل الفرد وبغرض خلاصه" (G.W.Bromiley,M.A,ph.D.,L itt )"

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:08 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
تكرار فقرات في الأسفار المقدسة

س13: هل تكرار بعض الفقرات في الأسفار المقدَّسة ينفي عنها صفة الوحي والعصمة؟

وقال أحد النُقَّاد أن كتَّاب الكتاب المقدَّس لصوص لأنهم لم يراعوا حق التأليف بل قاموا بسرقات أدبية، فمتى ولوقا سرقوا 85% من كتاب مرقس، وأعتبر هذا الناقد أن تطابق إصحاح 37 من سفر أشعياء مع إصحاح 19 ملوك الثاني يعد سرقة أدبية 100%. وادعى الناقد أن هذا التكرار يسقط فكرة الوحي والعصمة، لأن الوحي لا يكرر الكلام.

ج: 1 - مع بداية المسيحية لم يكن هناك إنجيلًا مكتوبًا، وقد تداولت أحداث الإنجيل شفاهة، وانتشر الإيمان عن طريق التلمذة للآباء الرسل، وقال معلمنا بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس " تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني" (2 تي 1: 3) كما أوصاه قائلًا " وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء يعلموا آخرين أيضًا" (2 تي 2: 2) ومدح أهل كورنثوس لأنهم حفظوا التعاليم " فأمدحكم أيها الأخوة علي أنكم.. تحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم" (1 كو 11: 2) إذًا نستطيع أن نقول أن التعليم الشفاهي كان متاحًا لكل المؤمنين فكم وكم بكتبة الأناجيل، فمتى الإنجيلي قد تتلمذ على أيدي السيد المسيح وعاصر الأحداث بالتفصيل، فكيف يقول عنه الناقد أنه قد سرق من كتاب مرقس؟!. ولوقا الإنجيلي الذي بحث واستقصى وتتبع كل شيء بتدقيق. (لو 1: 1). كيف يقول عنه الناقد أنه قد سرق من كتاب مرقس..؟! وكيف يتسنى السرقة مع أن كل كاتب من كتَّاب الأناجيل الأربعة كتب في مكان معين ولشعب معين ومن وجهة نظر معينة..؟! لقد شاء الله صاحب الكتاب أن يتكرَّر ذكر بعض الأحداث في أكثر من سفر، وذلك لحكمة إلهية، ولذلك تشابهت كتابات الإنجيلين بنسبة 53%، وكل ما جاء في إنجيل مرقس ورد في إنجيل متى ولوقا باستثناء 24 آية، وتشابهت رسالتا بولس الرسول إلى أفسس وإلى كولوسي، فرسالة أفسس حملت 73 آية (من مجمل 155 آية) متشابهة مع رسالة كولوسي، وثلث مفردات كولوسي تجدها في أفسس وهذا التكرار لا يعد عيبًا علي الإطلاق.
2 - لم يوجد كاتب من كتَّاب الأناجيل قد دوَّن في الصفحة الأولي من إنجيله عبارة "حقوق التأليف محفوظة للمؤلف" لأن المؤلف الحقيقي هو روح الله القدوس، فتأكد أيها الناقد أن مارمرقس الإنجيلي لن يتضايق، ولن يعتبر قط أن متى ولوقا قد سرقوا منه مجهوده في التأليف، لأن المعرفة كانت متاحة للجميع، وحياة السيد المسيح ومعجزاته وتعاليمه وصلبه وموته وقيامته ليست وقفًا على إنسان معين، بل هي ملكًا للكل.
3 - لا يصح ولا يليق أن نُلقّب الرسل الأطهار أنهم لصوص.
4 - التطابق التام بين أشعياء 37 وملوك الثاني 19 له مبرره، إذ أن إشعياء النبي كان طرفًا في حادثة حصار سنحاريب ملك أشور لأورشليم واستهزائه بإله إسرائيل، وشاهد الانتقام الإلهي من جيش سنحاريب وقتل الملاك لـ185 ألفًا منهم،فقد سجل إشعياء النبي هذه الحادثة في سفره، وعندما شارك في كتابة سفر الملوك الثاني أعاد كتابة القصة بنفس الأسلوب ونفس الألفاظ، فلا يعد هذا سرقة أدبية، لأنه من سرق مِن مَن؟ هل إشعياء سرق من أشعياء؟!
5 - الأمر العجيب أن الناقد لم ينتبه، أو ربما يتغافل التكرارات العديدة للقصص والعبارات التي وردت في كتابه.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:09 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
تمايز كُتَّاب الأسفار المقدسة في رواية نفس الحدث

س 14: هل تمايز كتَّاب الأسفار المقدسة في رواية القصة الواحدة يعني عدم العصمة؟

ج: قد يذكر أكثر من كاتب نفس القصة، فمثلًا قد يذكر اثنين أو أكثر من الإنجيليين معجزة أجراها السيد المسيح، ونجد مفارقات بين رواية هذا ورواية ذاك.. لماذا..؟ لأن كل كاتب يركز على جانب معين.
ويقول "د. ادوار ج. يونج" "قد تقع في العادة بعض الفروق الطفيفة في الرواية الواحدة التي يتعرَّض لها أكثر من كاتب في الكتاب المقدَّس، غير أن هذا لا يُعتبر في حد ذاته مأخذًا عليها أو دليلًا علي عدم عصمتها.. قد كان الجاري، علي ما يشهد به علم الآثار، كتابة الرواية الواحدة على أكثر من صورة أو أسلوب، وقد جاءت علي سبيل المثال نسخ متعددة للسجلات السنوية للملك سنحاريب فقد كُتبت لا علي ورق، أو رق، بل علي حجر، ومع أنها كانت تتعرَّض للواقعة الواحدة، إلاَّ إنها كانت توردها في اختلاف يسير بين النسخة والأخرى.. ولا يمكن أن يقول أحد أن العصمة تتطلب بالضرورة عرض الرواية بنفس الصورة الأولى، مادام من الثابت أن الحق الوارد فيها في شتَّي الصور هو هو لا يتغير" (38).

كما يقول "د. إدوارد ج. يونج " أيضًا " إن عقيدة العصمة.. لا تتطلب أن يتحوَّل كتَّاب الكتاب المقدَّس إلى مجرد آلات مُسجلة، أو أن يُسجّل جميعهم الواقعة الواحدة تسجيلًا موحدًا حرفيًا، أو أن يُرتّبوا سرد الوقائع وتتابعها بالصورة الواحدة، إذ يحدث مرات كثيرة، ولأسباب تختص بالتأكيد، وليس لمجرد التسلسل التاريخي، أن يأتي العرض بصورة مغايرة، فإذا نقل كاتبان واقعة واحدة مُترجَمة من لغة إلى لغة، فلا يشترط أن تأتي الترجمة واحدة بنصها وفصها عند الكاتبان -كالنقل من الآرامية إلى اليونانية- بل يجوز أن يستعمل كل منهما حريته في التعبير، وفي الحدود التي ينقل فيها بالضبط الفكر الأصلي، كما أن العصمة لا تتطلب أن يسرد كل كاتب الوقائع بنفس الصورة التي يسردها بها الكاتب الآخر، أو أن يأخذها من الزاوية التي يأخذها منها الآخر. إن العصمة في كلمات أخرى تسمح بالاستخدام الكامل للمواهب والوزنات التي أعطاها الله للكاتب أن يتحلى بها" (39).
ويقول "صموئيل كريج " عن هؤلاء النُقَّاد " فالذين يتصوَّرون هكذا يريدون أن تكون الكتب المقدَّسة نسخة طبق الأصل من نموذج واحد. ولكن الحقيقة غير ذلك وهي كما قال " إبراهام كيبر " أن الروح القدس الفنان الأعظم قد قدَّم اللوحة الفنية التي تشمل تشكيلة من الألوان ومتعددة الجوانب بحيث يمكن أن تتعدَّد تفسيراتها، ولكنها في النهاية تُقدَّم أبعادًا متكاملة عن اللوحة العظيمة الواحدة" (40).
ونحن نؤكد أن الوحي في المسيحية لا يعني علي الإطلاق الوحي اللفظي، وكأن الروح القدس يملئ الكاتب كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، ويلغي شخصيته إنما الوحي عمل مشترك، إلهي وإنساني في آن واحد، الله يوحي ويرشد ويعصم بروحه القدوس، والإنسان يُعبّر ويُجسّد المعاني بلغته البشرية، ولذلك يقول نيافة المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف " إنها كلمة الله مهما تغيَّرت العبارة، فلو قلنا مثلًا " هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو 3: 16) بتركيبات أخري لظلت هذه الآية كما نقول " أحب الله العالم إلى درجة أنه بذل ابنه.. " أو غير ذلك الكثير في اللغة العربية أو مئات التعبيرات في اللغات الأخرى.. الوحي قوة تملأ فكر وحس الرسول فينطق به بلغة البشر.. الروح إذًا يضبط الرسول في التعبير " مسوقين" (2 بط 1: 21) ويحفظه من الخطأ ويعصمه من التراث، فتجئ التعبيرات في لغة البشر ولكن الروح هو القوة الفعالة فيها "

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:13 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
اختلاف ترجمات الكتاب المقدس وألفاظها

س15: هل عدم دقة الترجمة أو اختلاف الألفاظ بين الترجمات، في بعض المواقع الكتابيَّة، يعدُّ نوعًا من التحريف؟

ج: أولًا: أود أن أشير إلي مدى صعوبة الترجمة ولا سيما من الأصل العبري:
1 - كُتب الأصل العبري كله على شكل حروف متراصة يفصل بين كل حرف وآخر مسافة شعرة، والكلمة الأخيرة من السطر إذا انتهى السطر ولم تستكمل حروفها تستكمل في بداية السطر التالي.
2 - يلتزم المترجم بأمرين وهما الترجمة الحرفية، ونقل المعني كما يقصده الكاتب، حتى أن المترجمين كانوا يقضون أحيانًا شهرًا كاملًا يبحثون عن معني كلمة معينة، وقد تستغرق ترجمة الكتاب المقدَّس الكامل عشرات السنين.
3 - أمثلة من صعوبة الترجمة:
أ - قال فرعون ليوسف " أنت تكون علي بيتي وعلي فمك يُقبِّل جميع شعبي" (تك 41:40) ومعنى " علي فمك يُقبّل " هنا قد يكون بعيدًا عن ذهن العصر الحاضر، ويجد المترجم صعوبة بالغة في ربطها بالمعنى، ولكن بعد الدراسة والتفكير والتدبير نجد أن القبلة هنا علامة على الحب والتوقير، فمعنى أن شعب مصر يُقبّل فم يوسف، أي يقدم له الحب والتوقير والاحترام.
ب - جاء في سفر عاموس " هل تركض الخيل علي الصخر. أو يُحرث عليه بالبقر" (عا 6: 12) ففي الأصل العبري كلمة " بالبقر " تُكتب ب ب ق ري م. " فعندما نظر المترجم الحرفين الأخيرين (ي. م) علي أنها علامة جمع اضطر أن يُضيف كلمة " عليه " ليعطي المعني " أو يُحرث عليه بالبقر " وهي الترجمة البيروتية التي بين أيدينا. أما في الترجمة التفسيرية، فقد نظر المترجم إلى الحرفين الأخيرين (ي. م) علي أنهما يشكلان كلمة مستقلة " يم " أي ماء أو بحر، فجاءت الترجمة " أو يُحرث البحر بالبقر " وكلا الترجمتين تفيد الصعوبة والاستحالة، فلا الصخر ولا البحر يُحرث بالمحراث الذي يجره البقر.

ثانيًا: جميع الاختلافات في جميع الترجمات لجميع لغات العالم، ولا واحدة منها تؤثر علي أصغر عقيدة إيمانية: لأن أي عقيدة إيمانية لا تُبنى علي آية واحدة، أما اختلاف الألفاظ في الترجمات فهو أمر وارد ومتوقع ومقبول، فلك يا صديقي أن تتصوَّر صفوف المترجمين في أزمان شتى وهم يترجمون من العبرية إلي اللغات المختلفة، فهل تتوقع أن تأتي جميع الترجمات تحمل نفس الألفاظ..؟! ولك أيضًا أن تتصوَّر أحداث العهد الجديد وقد جرت في ظل اللغة الآرامية التي نطق بها السيد المسيح وتلاميذه، بينما تم تسجيل الأحداث باللغة اليونانية، وهذا يعتبر نوعًا من الترجمة، ثم ترجمت من اليونانية إلى معظم لغات ولهجات العالم، مع ملاحظة أن اللغة اليونانية الثرية في التعبير تحمل ألفاظًا لا تجد ما يقابلها في اللغات الأخرى، فيبحث المترجم جاهدًا علي أقرب الألفاظ التي تؤدي لنفس المعني، أو أقرب ما يمكن للمعني، فهل بعد كل هذا تتوقع أن تأتي جميع الترجمات في شتي أنحاء العالم وفي الأزمنة المختلفة تحمل نفس الألفاظ؟!
خذ مثلًا عمليًا، لو كلفت عشرين طالبًا بترجمة قطعة من لغة أجنبية إلى لغة محلية، فهل تتوقع منهم أنهم جميعًا يستخدمون ذات المفردات ويتفقون في جميع الألفاظ؟!. كلاَّ لأن المتوقع أن الألفاظ تتفاوت ولكن المعني سيظل واحدًا، ولذلك جاء في الترجمة الإنجليزية R.S.V" يتضح للقارئ المدقق في ترجمتنا عام 1946 م، وترجمة سنة 1881م، 1901م أن تنقيح الترجمة لم يؤثر علي أي عقيدة مسيحية، وذلك لسبب بسيط هو أن الألفاظ والقراءات المختلفة لم تغير في العقيدة المسيحية" (42). بل نقول أن كثير من الألفاظ في نفس اللغة تتطوَّر مع الزمن، ويدخل اللغة مصطلحات لم تكن تُستخدم من قبل، ولك أن تقرأ كتاب كُتب باللغة العربية منذ ثلثمائة عام فقط لتجد صعوبة في بعض الألفاظ، فتتفهمها من سياق الكلام، ولو جاءت منفردة ما كان يمكنك التعرُّف عليها.
ثالثًا: إن كانت بعض الترجمات تحمل لنا بعض الكلمات غير الدقيقة، فان هذا لا يمثل مشكلة عويصة لا حل لها: ففي ظل التقدم الذي نعيش فيه نستطيع التوصل بسهولة إلى ترجمات مختلفة وربما في لغات مختلفة، فنستجلي غوامض ما ظهر في ترجمة معينة، أو عدم دقة الألفاظ في آية معينة، ودائمًا علماء الكتاب ينصحون الدارسين بقراءة الأسفار المقدسة بلغتها الأصلية للتمتع بغنى ثراءها، ويقول "د. أميل ماهر اسحق": "الوحي ثابت ومؤكد بالنسبة للأصول المكتوبة بخط مؤلفي الأسفار وحدها، ولا ينطبق (هذا) علي الترجمات.. كما أننا نلاحظ في الترجمات إلى اللغات المختلفة قديمها وحديثها وُجد فيها قصورًا. ولذلك فإننا لا نقول بعصمة الترجمات، وإنما قد يستخدم وجود أكثر من ترجمة في اللغة الواحدة علي اكتشاف ذلك القصور وتفاديه.. وبالرغم من إننا لا نمتلك في الوقت الحاضر الأصول الأولى لأسفار الكتاب المقدَّس، فإننا لدينا عددًا وفيرًا جدًا من المخطوطات القديمة، واقتباسات الآباء باللغات الأصلية، وأيضًا الترجمات القديمة وكلها تساعد علي استعادة النص الأصلي بصورة تكاد تكون كاملة وكافية بالغرض" (43).
ونود أن نشير إلى أن محاولات ضبط الخلافات في الترجمات الأساسية مثل السبعينية والسريانية والقبطية.. إلخ. يدخل من صميم عمل مدرسة النقد الأدنى، ويقول "أيريل كيرنز": "قد ساهم النقد الأدنى Lower Criticism في تأكيد درجة الدقة العالية للنص الكتابي الذي بين أيدينا، حتى أننا نستطيع أن نجزم بأننا نملك الكتابات الأصلية لأسفار الكتاب، وتصبح بذلك تعاليم الكتاب وعقائده أقنع من أن تتعرَّض للشك ولو من أكثر النقاد تطرفًا" (44).
رابعًا: إمكانية ترجمة الأسفار المقدّسة أمر يُحسب للكتاب المقدَّس وليس عليه، لماذا؟
1 - لأن الكتاب المقدَّس هو كتاب الله للعالم كله وليس قاصرًا علي شعب بذاته، ولا قَيدْ لغة بذاتها، فإن الله يريد أن الجميع يخلصون والى معرفة الحق يقبلون، فلو افترضنا أن الكتاب المقدَّس لم يسمح الله بترجمته، وعلى من يريد مطالعته أن يتعلم اللغة العبرية واليونانية، وكأنه يستحيل التعامل مع الله إلاَّ من خلال العبرية أو اليونانية. تُرى أية صعوبة كانت ستقف أمام القاعدة العريضة لشعوب العالم أجمع؟!!
2 - لو لم يكن ممكنًا ترجمة الكتاب المقدَّس، فإن هذا وبلا شك، كان سيضع الله في موقف المتحيز لشعب معين، وحاشا لله ذلك. أنه يريد الإنسان وليس اللغة، ولهذا سمح باستخدام أكثر من لغة في تدوين الأسفار المقدسة. بل أن الروح القدس قد قام بترجمة فورية لعظة بطرس الرسول يوم الخمسين إلى لغات مختلفة (أع 20: 7 - 11) والسيد المسيح له المجد قد أوصى كنيسته قبل الصعود قائلًا " أذهبوا إلي العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر 16: 15).
3 - ترجمة الكتاب المقدَّس لمعظم لغات العالم، إلى نحو ألفي لغة ولهجة، أدى لانتشار الإيمان في المسكونة كلها، وتحققت نبؤة السيد المسيح " ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم" (مت 24: 14) كما قال عن المرأة ساكبة الطيب " الحق أقول لكم حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخبر أيضاّ بما فعلته هذه تذكارًا لها" (مت 26: 13).
4 - ترجمة الكتاب المقدَّس أدت لانتشاره منذ العصور الأولي في شتي أنحاء المسكونة، وبذلك أصبحت قضية التحريف التي مازال ينادي بها البعض قضية خاسرة تمامًا، فمن يصدق إنه أمكن جمع جميع النسخ بلا استثناء من على سطح الأرض وما خُفي في باطنها، وتم تحريفه أو حرقه؟!!.. أي عقل يقبل هذا؟!!!

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:14 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
اختلاف الترجمة بين المزامير وكتاب الأجبية

س 16: ما هو السر في اختلاف بعض الألفاظ وبعض الأساليب بين مزامير الأجبية ومثيلتها المدونَّة في الطبعة البيروتية؟


ج: كانت هناك ترجمة لاتينية قديمة لأسفار العهد القديم نقلًا عن الترجمة السبعينية (اليونانية) تمت في منتصف القرن الثاني الميلادي، ولكن أسلوب هذه الترجمة كان صعبًا لعامة الناس، واحتاجت هذه الترجمة إلى تنقيح، فكلف البابا داماسوس القديس إيريناؤس في القرن الرابع بتنقيح هذه الترجمة، وأكبَّ القديس جيروم (إيرونيموس)، علي هذا العمل، وبذل جهدًا كبيرًا في تنقيح سفر التكوين، ذاك الجهد الذي لم يبذله في سفري الخروج واللاويين، ونظرًا لطول الوقت الذي إستغرقه في التنقيح، فكر في عمل ترجمة جديدة من العبرانية لللاتينية، ولا سيما أنه أجاد اللغة العبرانية وخالط اليهود في بيت لحم، فأتم الترجمة خلال الفترة (366 - 384 م) وراعى سهولة ووضوح الأسلوب، حتى دُعيت بالفولجاتا Volgata أي الشعبية أو الشائعة، وقد نالت هذه الترجمة شهرة واسعة رغم أن كنيسة روما رفضت هذه الترجمة وتمسكت بالترجمة اللاتينية القديمة، لأنها مُترجمه من النص اليوناني (الترجمة السبعينية) إلاَّ أن عامة الشعب أقبلوا على الفولجاتا لسهولة ووضوح الأسلوب، وفي أيام البابا غريغوريوس الكبير بابا روما (590 - 640 م) بدأ استعمال الفولجاتا في الكنيسة وفي سنة 1456 م. عندما اخترع "جوتنبرج" أول آله طباعة، طُبعت ترجمة الفولجاتا، فكانت أول كتاب طُبع في العالم كله عقب اختراع آلة الطباعة، وفي سنة 1546 م. أعتمد مجمع ترنت هذه الترجمة.
ومن هذه الترجمة تمت ترجمة الطبعة البيروتية العربية المستخدمة حاليًا وقد بدأها " دكتور عالي سميث "الذي وُلِد سنة 1801 م. وذهب إلى بيروت سنة 1827 م. وتعلَّم العربية وأتقنها، وفي سنة 1847 م. بدأ الترجمة مع مجموعة من معاونيه ولا سيما "المعلم بطرس البستاني" الذي كان ضليعًا في اللغتين العربية والعبرية، وقام " الشيخ نصيف اليازجي " بالضبط النحوي، وتمت ترجمة أسفار موسى الخمسة ثم العهد الجديد وبعض النبؤات، طبع منها التكوين والخروج وستة عشر إصحاحًا من إنجيل متى، وتوفي " دكتور عالي سميث " سنة 1854 م. قبل أن يري ثمرة جهوده، فأكمل المسيرة " د. كرنيليوس فان دايك " الذي وُلِد سنة 1818 م. في أمريكا وتعلم الطب ونبغ في اللغات حتى أنه أجاد التكلم بعشرات اللغات قديمة وحديثة، وفي سنة 1839م ذهب إلى بيروت وتعلَّم العربية وأتقنها، وراجع ما تم ترجمته بمعرفة سميث، ثم ترجم بقية الأسفار بمعاونة " الشيخ يوسف الأسير " الأزهري التي ضبط النحو، وانتهت الترجمة في 29 مارس 1865م، ومع هذا ظل "فان دايك" يُنقح في الترجمة مع كل طبعة جديدة حتى انتقاله في 13 نوفمبر سنة 1895م، وهذه الترجمة هي المستخدمة للآن في مصر، أما الأجبية والقطمارس المُستخدم في الكنيسة فهو ترجمة عربية نقلًا عن الترجمة القبطية نقلًا عن الترجمة اليونانية (السبعينية) ومن ثمَّ ظهرت بعض الخلافات في الألفاظ المستخدمة وأحيانًا في صياغة الآيات.

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:17 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
اللغة العبرية للتوراة كُتِبَت بدون تشكيل، فهل حدث بها تحريف؟


س 17: كُتب العهد القديم باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط، وإن هذه اللغة خرجت عن الاستعمال الحي في القرن السادس قبل الميلاد، وعندما جاء المازوريون (500 -900م) وضعوا التنقيط والتشكيل. ألا تكون التوراة الحالية قد تعرَّضت للتحريف ولو بدون قصد في بعض مواضعها عن الأصل؟


ج: 1 - لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة منه، ولم يجدوا صعوبة في القراءة، فلا يصح الحكم علي المرحلة قبل استخدام التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية، وهذا ما فعله عزرا الكاتب الماهر " وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعني وأفهموهم القراءة" (نح 8: 8) وعندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة " فدُفع إليه سفر إشعياء ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب عليَّ" (لو 4: 17 - 20).
ويقول "جوش مكدويل": "كانت المخطوطات اليونانية تُكتب بدون فواصل بين الكلمات، بينما كانت النصوص العبرية تُكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي. وقد يبدو هذا مُستغربًا بالنسبة للقارئ الحديث، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمرًا عاديًا، وكانت الكلمات مفهومة وواضحة، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلَّموا لغتهم وتعلَّموا كيف ينطقونها ويفسرونها. كذلك لم يكن لدي الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات" (45).


2 - تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية التي كانت تمثل لغة العالم المتحضر حينذاك.

3 - لم توضع التوراة في ركن مهمل، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود، وكانت محل اهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة.

4 - في مجمع " جامينا " سنة 90 م. تم اعتماد النص العبري الساكن من بين عدة نصوص وترجمات، وهذا دليل علي كفاءة وفاعلية هذا النص، فلو كانت ثمة مشاكل تتعلق بالنص، ما كان هذا المجمع التاريخي الهام أكد علي أهمية هذا النص.

5 - بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500 م، فأنتجوا لنا النص المازوري، وكلمة " مازوري " مشتقة من لفظة " مازورا " أي تقليد، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري، وكان أمامهم ترجمات مختلفة تمثل الترجمات اليونانية ومنها السبعينية التي ترجع للقرن الثالث قبل الميلاد، وترجمة أكويلا، وترجمة سيماخوس وترجمة ثيودوسيون، وترجع للقرن الثاني الميلادي، والترجمات السريانية مثل " البشيتا " أي البسيطة أو الدارجة أو العامة التي تمت في القرن الأول الميلادي.
وهذه الفرص لم تتوافر قط لأي كتاب آخر فمثلًا معروف أن التنقيط في اللغة العربية، وهي إحدى اللغات السامية، لم يتم إلاَّ في القرن الثامن الميلادي، فمثلًا الكتاب الذي كُتب في القرن السابع الميلادي قبل ظهور التنقيط بنحو مائة وخمسين عامًا، لم تتوافر له الفرص التي توفرت للكتاب المقدَّس، فلم يكن له ترجمات مختلفة، ولذلك كانت مشكلة التنقيط أصعب كثيرًا من مثيلها في كتابنا المقدَّس (راجع كتابنا: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها ج5 ص33 - 37).

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:19 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
هل فقدان نسخ أصلية من الأسفار المقدسة يعني اختلافها عن الحالية؟

س 18: مادامت النسخ الأصلية للأسفار المقدسة قد فقدت، من يضمن لنا أن النُسخ التي بين أيدينا مطابقة للأصل؟

ج: 1 - بداية، دعنا يا صديقي نطرح هذا السؤال: لماذا سمح الله باختفاء النسخ الأصلية للأسفار المقدسة؟
أ - حتى لا ينجرف الإنسان، فيقدم العبادة لها، كما عَبَدَ الشعب اليهودي من قبل الحيَّة النحاسية التي صنعها موسي النبي، فما كان من حزقيا الملك إلاَّ أنه سحقها " وسحق حيَّة النحاس التي عملها موسي لأن بني إسرائيل كانوا في تلك الأيام يوقدون لها ودعوها نحشتان" (2 مل 18: 4).
ب - حتى لا يتلاعب أحد في هذه الأصول. أما الآن فمن المستحيل أن يتلاعب أحد في آلاف وملايين النسخ الموجودة بمعظم لغات العالم.
2 - نحن لا نُقدّس الجلود والرقوق وأوراق البردي التي كُتبت عليها الأسفار المقدَّسة، لكننا نُقدّس كلمة الله المكتوبة على هذه المواد.

3 - النُسخ الأصلية نُقلت منها عدة مخطوطات بطريقة في منتهي الدقة، وهذه المخطوطات تمثل الجيل التالي، وهذه بدورها نُقل منها عدد أكبر من المخطوطات، فهي تمثل الجيل الثالث، وهلم جرا.. فمثلًا لو أن النسخة الأصلية لسفر معين نسخ منها 20 نسخة (الجيل الثاني) وهذه النسخ العشرين نُسخ منها مائة نسخة (الجيل الثالث) وبما أن النُسخ المائة متطابقة تمامًا فهذا دليل ثابت علي أن النُسخ العشرين (الجيل الثاني) مطابقة تمامًا للأصول، فكم وكم عندما نجد آلاف المخطوطات التي يتم اكتشافها في مناطق جغرافية مختلفة وترجع لتواريخ مختلفة وجميعها متطابقة. أليس هذا دليلًا علي تطابق ما بين أيدينا للأصول الأولي؟
4 - هل يتصوَّر البعض أننا يجب أن نرفض الكتاب المقدَّس أنفاس الله بحجة عدم وجود النسخة الأصلية؟! وهل يمكن أن نتعامل مع التراث الفكري بهذا المنطق المريض؟! ولو فعلنا هذا، ألاَّ نصبح شعبًا بلا تاريخ ولا تراث ولا قيم؟!
إن كنا نقبل كتابات قدامي الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين، مثل هيروديت، وأفلاطون، وأرسطو، وتاسيتوس، رغم أن أقدم النُسخ التي نمتلكها لكتاباتهم ترجع لتاريخ متأخر عن تاريخ موتهم بمئات السنين، فمثلًا أقدم نُسخة لدينا من عدد مائة نُسخة لكتابات سوفوكليس (496 - 406 ق.م) ترجع إلى سنة 1000م، أي بفارق زمني 1400 سنة، وأقدم نسخة لدينا من عدد ثمان نسخ لكتابات هيروديت (480 - 425 ق. م) ترجع إلى سنة 900 م. بفارق زمني أكثر من 1300 سنة، وأقدم نُسخة لدينا من عدد خمس نسخ لكتابات أرسطو (384 - 322 ق.م) ترجع إلى سنة 1100 م. أي بفارق زمني نحو 1400 سنة، وأقدم نُسخة لدينا من عدد عشرين نسخة لكتاب الحوليات لتاسيتوس الروماني (حتى سنة 100م) ترجع إلى سنة 1100 م. أي بفارق زمني 1000 سنة، وهكذا (راجع جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص 60 وفي طبعة 2004 م. ص80، 81) فإن كنا نثق في كتابات وأفكار هؤلاء الفلاسفة والمؤرخين، فكيف لا نثق في المخطوطات القديمة مثل مخطوطات وادي قمران الخاصة بأسفار العهد القديم، والتي لا يفصلها عن النُسخ الأصلية سوى مدى زمني قليل؟!
فقد كانت اكتشافات منطقة قمران من أعظم اكتشافات القرن العشرين حيث تم اكتشاف كم هائل من أسفار العهد القديم، وقد بيع عدد كبير منها للجامعة العبرية في إسرائيل بمائتين وخمسين ألف دولار فحفظت في معرض بُني خصيصًا لها علي شكل أحد الجرار التي وُجدت بها اللفائف، وترجع أهمية كنوز قمران إلى أنها قرَّبتنا للأصول بنحو ألف عام. كيف؟ كانت أقدم المخطوطات لدينا قبل هذا الاكتشاف يرجع تاريخها للقرن التاسع الميلادي، أما مخطوطات قمران فقد عادت بنا إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وبعضها يرجع لتاريخ أقدم، وكم سعد علماء الكتاب بأعظم اكتشافات العصر الحديث، ولا سيما عندما قارنوا هذه المخطوطات بما بين أيدينا الآن، فشكروا النُسَّاخ العظماء الأتقياء المجهولين على مدى دقتهم (راجع كتابنا: كنز قمران).
ويقول "بول ليتل " عن اكتشافات وادي قمران " فوائد هذه اللفائف: أكدت دقة 1000 سنة من التسجيل والتاريخ العبري أي من 200 ق.م وحتى 916 م.. يمكن بسهولة رؤية مدى أهمية هذه الاكتشاف، بالنسبة لهؤلاء الذين يتساءلون عن مدى دقة نص العهد القديم. في ضربة واحدة مثيرة تحققت في أن هذا الاكتشاف جعلنا نرجع إلى الوراء حوالي ألف سنة، مما أغلق الفجوة في الزمن بين المخطوطات التي لدينا الآن وبين المخطوطات القديمة. هذا الأمر يشبه لو أنك علمت أن اللوحة التي تملكها لا ترجع إلى 200 عام بل 1000 عام. إن المقارنة بين لفائف البحر الميت وبين النص الماسوري نتج عنه اكتشاف مدى الدقة الهائلة في عملية نسخ المخطوطات والنسخ" (46).
أما مخطوطات العهد الجديد فما أكثرها، وما أقربها للأصول، ويقول "بول ليتل": "لقد كُتب العهد الجديد في الأصل باللغة اليونانية، وأخر الأرقام المعروفة الآن للمخطوطات بلغت 5500، بعضها نُسخ كاملة والبعض الآخر مجرد شظايا صغيرة، وواحدة من هذه الشظايا قد تم تحديد تاريخها في زمان مبكر جدًا بين كل القطع المعروفة، وهي تحمل جزءًا من إنجيل يوحنا 18 وبها 5 آيات وحيث أن هذه القطعة الصغيرة جاءت من مصر وقد تم نسخها وتداولها من بطمس بآسيا الصغرى، حيث تم نفي الرسول يوحنا، فقد قدَّر مجموعة من الباحثين زمن كتابتها إلى حوالي 90 -100م " (47).
وقال " ف. هورت": "إن هذه الكثرة من مخطوطات العهد الجديد والتي يعود الكثير منها إلى العصور الأولي، التي تكاد تتصل بتاريخ كتابة النص الأصلي، تجعل نص العهد الجديد يقف فريدًا بين الكتابات الكلاسيكية القديمة ولا تدانيه في ذلك أي كتابات أخري" (48).
وقال " فريدريك كينون " وهو عالم شهير في علم المخطوطات " الفترة الفاصلة بين تواريخ الكتابة الأصلية وأقدم الأدلة (المخطوطات) تصير صغيرة للغاية حتى يمكن القول أنها تافهة.. ويمكن الآن أن نعتبر أننا قد تثبتنا تمامًا من أصالة نصوص أسفار العهد الجديد وكذلك سلامتها عمومًا" (49).
5 - لو كانت النُسخ الأصلية بين أيدينا، لشكَّك النُقَّاد فيها وقالوا: ومن يدرينا أن هذه النُسخ هي النُسخ الأصلية؟! إن فقدان النُسخ الأصلية التي انتشرت نُسخ منها وملأت العالم تظل تحتفظ بذات قوتها وعظمتها وعصمتها، أنظر إلى وثيقة تحرير العبيد التي حرَّرها "آبراهام لينكولن" في أول يناير سنة 1863، ثم التهمتها النيران في حريق ضخم شبَّ في شيكاغو سنة 1871م أي بعد كتابتها بنحو ثمان سنوات، فهل تجرأ احد ملاك العبيد، وأعاد عبيده، بحجة أن أصل الوثيقة قد التهمتها النيران؟!!
6 - يقول "جوش مكدويل": "وفرة النُسخ المختلفة مع الاكتشافات الأثرية، والملاحظات والتعليقات علي النصوص، والأدوات الأخرى، ساعدتنا جميعًا علي أن تكون هناك قناعة داخلنا تؤكد أن الترجمات التي بين أيدينا دقيقة وتمثل كلمة الله المعصومة. قال "جودريك": أنت تستطيع أن تثق في الكتاب الذي بين يديك لأنه هو كلمة الله المعصومة، فالسهو الذي لحق بنسخ ونقل الكتاب بسيط للغاية، وتمت السيطرة عليه، ويتلاشى. ولذلك أقول مطمئنًا أن الكتاب المقدَّس الحالي موثوق به (Goodrick. IMBIWG. 113)

Mary Naeem 07 - 07 - 2014 03:21 PM

رد: كتاب مفهوم الوحي والعصمة في الكتاب المقدس - أ. حلمي القمص يعقوب
 
كيفية التعامل مع الصعوبات التي قد تواجهنا في الكتاب المقدس

س 19: كيف نتعامل مع الصعوبات التي تواجهنا في الكتاب المقدَّس؟ وما هو موقفنا تجاه الذين يهاجمون الكتاب؟

ج: 1 - عندما نواجه معضلة في الكتاب المقدَّس لا نحتد ولا نشك في وحي الكتاب وعصمته، بل نعطي أنفسنا فرصة للدراسة والتأمل والصلاة، لكيما يفك لنا الروح القدس الختوم، وما أجمل طلبة معلمنا بولس الرسول من اجل تلميذه تيموثاوس " افهم ما أقول فليعطك الرب فهمًا في كل شئ" (2 تي 2: 7) وما أجمل قول "الشهيد يوستين": "إذا بدا أن هناك نصوصًا تتعارض مع أخري في الكتاب المقدَّس، فالأفضل أن أعترف أنني لم أفهم جيدًا ما هو مكتوب" (51).
وقال " القديس أغسطينوس": "إن مؤلفات الكتب المقدَّسة هذه التي تُعرف بالقانونية هي فقط التي تعلمتُ أن أعطيها انتباهًا واحتراما كاعتقادي الجازم بأنه ليس هناك أحد من كتابها قد أخطأ. فعندما ألتقي في هذه الكتب بدعوة تبدو مناقضة للحقيقة، فإنني عندئذ لا أشك في أن.. المُترجم لم يُترجم النص الأصلي بشكل صحيح، أو أن مقدرتي علي الفهم تتسم بالضعف" (52).
2 - هناك أمور كانت تعتبر فيما مضي معضلات، وكانت محط نقد النُقَّاد لسنوات عديدة وأجيال طويلة، ولكن مع الوقت انكشفت الحقيقة وتأكد الجميع من صدقها، فمثلًا النبؤات التي وردت وتفوق الخيال من كان يصدقها؟! عذراء تحبل وتلد (اش 7: 14) والمولود هو إله قدير (اش 9: 6)..؟! وتخرب مدينة بابل سيدة مدن الأرض ولا تُبنىَ ثانية..؟! والعناصر تنحل (2 بط 3: 10، 11)؟!.

ويقول اللاهوتي " و. أ. كريسويل " في عام 1861م " نشرت الأكاديمية الفرنسية للعلوم كتيبًا صغيرًا وضعوا فيه 51 حقيقة علمية تتعارض مع كلمة الله. واليوم لا يوجد عالِم واحد في العالم يعتقد بحقيقة واحدة من هذه الحقائق المزعومة التي ظهرت عام 1861م، ولا واحدة" (53).
يقول "بول ليتل " أن " الدليل قد أثبت الدقة الإجمالية للنصوص الكتابية برغم النسخ من نُسخة لأخرى عبر مرور الزمن.. وذلك نتيجة للعناية الفائقة التي كان النُساخ يمنحونها لكل نسخة. بمقارنة هذه الآلاف من الوثائق الكتابية، هناك بعض المشكلات تبدو حتى الآن غير قابلة للتفسير. يمكننا أن نعترف بذلك بلا خوف، متذكرين أوقاتًا عديدة في الماضي عندما تم حل العديد من المتناقضات المحتملة في النص حينما توافرت المزيد من المعلومات. ولذلك فان الموقف المنطقي الذي علينا اتخاذه هو: أنه عندما تكون هناك مناطق تبدو متناقضة يجب إرجاء المشكلة قليلًا" (54).
يقول "جوش مكدويل": "مثل هذه التناقضات المدُعاة ليست جديدة، لقد عُرفت بواسطة دارسي الكتب المقدَّسة خلال القرون الماضية.. فالكتاب يقف صامدًا، وهناك الكثير من المشاكل تنكشف أكثر مما كان حادث منذ قرون مضت، وهناك اكتشافات في البحر الميت، والسامرة، ونجع حمادي، ومؤخرًا في إبلا، تعطي أدلة قوية للمواقف التي يتمسك بها اللاهوتيون لزمن طويل" (55).
3 - عندما تواجهنا مشكلة من مشكلات الكتاب المقدس علينا مراعاة الأمور الآتية:
أ - تفسير النصوص الصعبة في ضوء النصوص الواضحة.
ب - مراعاة أن رجال العهد الجديد اقتبسوا من العهد القديم إما اقتباسًا حرفيًا، أو اقتباسًا بالمعني.
ج - لم يستخدم الكتاب المقدَّس اللغة العلمية المتخصصة، إنما استخدم لغة الحياة اليومية غير المتخصصة، فلو كُتب الكتاب المقدَّس بلغة علمية متخصصة لاحتاج تغييره كل عدة سنوات، ومن كان يستطيع الاستفادة منه منذ أيام القدم للآن..؟! بل من يستطيع أن يستفيد منه في الوقت الحاضر إلاَّ العلماء فقط؟!.
د - بعض الأشخاص وبعض المدن وبعض الأماكن لها أكثر من اسم في الكتاب المقدَّس.
ه - استخدم الكتاب المقدَّس الأعداد إما بصورة تقريبية أحيانًا، أو بصورة دقيقة أحيانًا أخري.
و - يحوي الكتاب تشبيهات واستعارات ورموز ومجاز، مما يستلزم الرجوع لقواعد اللغة والبيان حتى لا تختلط الأمور، فيجب مراعاة الأسلوب الأدبي المُستخدم، فعندما ترنم المرنم قائلًا " الجبال قفزت مثل الكباش" (مز 114: 4) وعندما قال أشعياء النبي " ولك شجر الحقل يصفق بالأيادي" (أش 55: 12) لا يمكن أن نأخذ المعني الحرفي لأن الجبال لا تقفز، ولا الأشجار تصفق، إنما نأخذ المعني البلاغي الذي يعبر عن فرحة الخليقة بجابلها.
ز - قد يستخدم الكتاب المقدَّس أسلوب الماضي بالنسبة لأمور مستقبلية، وذلك لتأكيد أنها سوف تحدث، وقد تشير النبؤة الواحدة إلى حدثين، أحدهما يقع في الزمن القريب، والآخر في الزمن البعيد، مثلما تحدث السيد المسيح عن علامات خراب أورشليم مع علامات مجيئه الثاني (مت 24، 25)
ح - دراسة البيئة التي كُتب فيها السفر ومجريات الأمور حينذاك وملابسات الموقف، فهذه الأمور تساعدنا علي تفهم الموقف بصورة أفضل.
4 - ليس معني وجود خلافات بين الكتاب المقدَّس وآراء بعض النُقَّاد، أن هؤلاء النُقَّاد هم على حق والكتاب هو الخطأ، فطالما اختلف النُقَّاد فيما بينهم، ولذلك يجب الثقة الكاملة في عصمة الكتاب المقدَّس.
5 - بالنسبة لموقفنا من النُقَّاد الذين يهاجمون الكتاب المقدَّس فإنهم يناطحون الصخر، ونحن نصلي لكيما يفتح الله أذهان عقولهم، وينير بصيرتهم، فيعرفون الحق والحق يحررهم،لا نعطي أذانًا صاغية لافتراءاتهم واستهزاءاتهم. إنما نلتفت إلى انتقاداتهم الموضوعية، ونضعها محل الدراسة، واثقين بنعمة المسيح أن لكل سؤال في الكتاب إجابة، شاكرين هؤلاء النُقَّاد بلسان القديس أغسطينوس الذي شكر الهراطقة الذين أعطونا فرصة الدراسة والبحث.
وتعدَّ سلسلة " ملف مفتوح " التي تبحث في أفكار وتساؤلات مدارس النقد والتشكيك والرد عليها محاولة متواضعة لسد العجز في الرد علي النقد الكتابي في كنيستنا القبطية، فأرجوك يا صديقي أن توآزرني بصلواتك ومشاركتك العمل معنا من أجل استكمال هذه السلسلة.
ولإلهنا المجد الدائم إلي الأبد آمين
الإسكندرية في 30 أغسطس سنة 2009 م.


الساعة الآن 06:14 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026