![]() |
كتاب شوكة الخطية
لقد خلق الله الإنسان طاهراً، لأنَّه على صورته ومثاله قد خلقه، ووضعه في جنّة عدن وكل مكان فيها يشهد بعناية الله وحبّه له، ولكن الإنسان سرعان ما أخطأ فامتلأ إثماً وكل شهوة ردية.. وبالإجمال قد صار ملوثاً بالخطية.. وكما قال ميخا النبيّ: " مِنْ أَجْلِ نَجَاسَةٍ تُهْلِكُ وَالْهَلاَكُ شَدِيدٌ " (مي10:2). فجاء ابن الإنسان الذي لم يفعل خطية واحدة ولم يوجد في فمه غش، وقد قال مرَّة لليهود: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ " (يو46:8) وحمل خطايا البشرية كلها وحرقها على مذبح الصليب المقدس، فعتقنا من عبودية الخطية المرّة، وحررنا من نيرها القاسيّ، وأصبح الآن " لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ " (رو1:8). وهكذا ارتفعت البشرية الساقطة وعادت إلى رتبتها الأولى، والتقت السماء والأرض وتعانقا في شخص المسيح يوم ميلاده، وأصبحنا الآن نخاطب الله بدالة البنين قائلين: (أبانا)، وأصبح كل إنسان مؤمن يُعاين في داخله مسيحاً جديداً، يُعلن أنه يستطيع أن يغفر للبشر خطاياهم فهو يحبهم ويرعاهم، ولا يريد لقطيعه الصغير أن يهيم فوق الصحراء الجرداء، بل تحيا وسط المراعى الخضراء! وهكذا مَنْ انسكبت محبّة الله في قلبه يصير كالبحر الواسع فيه تُصبْ ضعفات البشر فيُسر بتنقيتها، يتلقّى همومهم فيخفيها في لُججه العميقة. فإلى الله نرفع صلواتنا، طالبين من قداسته أن يُحقق هذا الكتاب الهدف الذي ننشده ألا وهو: جذب النفوس التي ضلت الطريق، وأغوتها شهوات العالم ولذاته ومادياته.. إلى الأحضان الأبوية مرّة أُخرى، لكي تحيا مع الله في سلام، ومع الناس في هدوء واطمئنان.. فبدون الله لا حياة ولا أمل في حياة، إلى الأبد سنظل نزرع ونحصد بين الأشواك والأحجار إلى أن تمتليء قلوبنا بحب الله. ونحن إذ نقدم باكورة كتابتنا للقرَّاء الأعزّاء، نتقدم بخالص الشكر والدعاء لكل من ساعدونا في إخراج هذا الكتاب، الرب يحفظ حياتهم، ويعوض تعب محبتهم في ملكوته الأبديّ، ويبارك هذا العمل المتواضع لمجد اسمه القدوس.. بصلوات والدة الإله القديسة الطاهرة مريم، وجميع مصاف الشهداء والقديسين.. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين. الراهب كاراس المحرقيّ |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل الأول ماهى الخطيـة ؟ الخطية كما عرَّفها لنا الكتاب المقدّس هى التعدّي على شرائع الله وأوامره، يقول القديس يوحنَّا الحبيب: " كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضاً، وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي " (1يو4:3). في عالمنا يُعد المعتدي على قوانين أرضية وضعها بشر مجرماً، فكم يكون إجرام من يتعدّى على قوانين السماء التي وضعها ملك السماء والأرض وسيّد كل البشر؟! فالخاطيء إذن مجرماً لأنّه تعدَّى على ناموس الله. وليس هذا فقط بل استبدل ناموس الله بناموس إبليس حتى تلُذ له خطاياه، ويجد لنفسه مسلكاً ليبرر به أفعاله الأثيمة، نعم لقد أبدل الخطاة ناموس المحبة والصفح والغفران.. بناموس الكراهية والحقد والخصام والحسد.. زعماً منهم بأنَّ الحياة تتطلب أن يعامل الإنسان الآخرين بالمثل، وإلاَّ انقضوا عليه كوحوش وافترسوه. وأبدلوا ناموس التواضع بالكبرياء والسعي وراء العظمة العالمية، قائلين: إن هذا يليق بمركزهم الاجتماعيّ، ومدَّعين أنّه يجب أن يكون هناك تفاوت في المعاملات، كما أنَّ هناك تفاوتاً في المراكز والثروات.. بين البشر! كما أبدلوا ناموس الحشمة والوقار اللائقين بأولاد وبنات الله، بناموس الموضة الخليعة، التي تجعل الإنسان في صورة تقشعر لها الأبدان، وناموس القداسة بالنجاسة، فامتهنوا حُرمة العفاف، وبدلاً من أن يمتلئوا بالروح القدس وينعموا بثماره، امتلئوا سكراً وأكلاً.. مدَّعين أنَّ في هذا لذة الحياة! والحق إنَّ كل من يحيا بهذا الفكر الشهوانيّ العقيم، لم يدرك أنَّ الله لم يُعطِ الإنسان الوصايا إلاَّ لسعادته، وأنَّ كل تصرّف ضد هذه الوصايا يكون ضد سعادته، وأفضل تشبيه له هو المجنون الذي يحيا وسط الآلام ويقول: إنَّها ينابيع السعادة!! ويحتضن النار معتقداً أنَّها النور!! ويسير في طريق الهاوية ظاناً منه أنَّها طريق الحياة!! إنَّ كل من يرجع إلى التاريخ، يعرف أنَّ الخطية هى التي كانت السبب في كل المصائب التي حلّت على العالم، منذ أن وجد إلى وقتنا هذا: + فما الذي طرح المحبّة من قلب آدم وملأه بالخوف، وطرده من جنّة عدن، وجعله يشعر بعُريه؟! + وما السبب الذي جعل قايين يخرج هائماً على وجهه، هارباً من مكان إلى آخر، وقلبه مضطرباً خوفاً من أن يحصد ما قد زرعته يداه؟! + بل ما الذي جعل الله يغضب على خليقته، ويُلاشيها مرّة بالطوفان ومرّة بالنار والكبريت؟! + هل تستطيع أن تقول لي ما الذي جلب الشقاء على العالم أجمع، إذ الجميع بدون استثناء يأكلون خبزهم بعرق جبينهم؟! إنَّها الخطية.. ولهذا يقول مار إسحق السريانيّ: لماذا أغرق الله جيل كامل بالطوفان أيام نوح؟ أليس بسبب الفسق! ولماذا احترقت مدينة سدوم؟ أليس لأنّهم أسلموا أعضاءهم إلى الشهوة والنجاسة! لأي سبب سقط شمشون المنذر لله من بطن أُمه؟ أليس لأنّه دنّس أعضائه المقدسة باجتماعه مع فاسقة! وداود الذي استحق بفضائله أن يُشرق المسيح منه. أليس بسبب فسقه مع امرأة نال القصاص! لولا الخطية ما حدث كل ذلك.. ولهذا يصف مُعلّمنا القديس بولس الرسول الخطية بأنَّها: " خَاطئة جداً " (رو13:7)، وحزقيال النبيّ يؤكد أنَّ الموت هو أُجرة كل من يفعلها: " النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ " (حز4:18). |
رد: كتاب شوكة الخطية
" كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ وَكُلُّ الْقَـلْبِ سَقِـيمٌ مِنْ أَسـْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ " ( إش 1 :5 ). الخطية مرض روحيّ وأدبيّ من أخبث الأمراض وأشرها، إذ يفتك بالروح ويقضي على الحياة.. هذا المرض أصاب البشر فأذلّهم وأضنك قواهم.. وإن كان البعض يظنون أنَّ المرض لا يُصيب إلاَّ الجسد فيضعفه ويقضي عليه، لكن الحقيقة إنَّ المرض لا يكون بضعف الجسد فقط بل بالخطية أيضاً، ومرض النفس أشد من مرض الجسد، ومرض الروح أصعب من كلاهما! ولهذا يقول سليمان الحكيم: " رُوحُ الإِنْسَانِ تَحْتَمِلُ مَرَضَهُ أَمَّا الرُّوحُ الْمَكْسُورَةُ فَمَنْ يَحْمِلُهَا " (أم11:18). والحق إنَّ كل من ينظر إلى بني جنسه يدرك أنَّ الجنس البشريّ مريض، وأنَّ في أعماق الإنسان مرضاً أثّر على الحياة، وهذا المرض هو ما ندعوه: الخطية! يقول القديس كيرلس الأورشليميّ " الخطية بشعة والمرض عضال، يبتلي النفس فيشل طاقتها ويجعلها مستحقة للنار الأبدية، إنها الشر المرتكب طوعاً وجرثومة القصد السييء، ونحن إذ نفعل الشر طوعاً نرتكب الخطية ". لقد فعلت الخطية في النفس أشر مما تفعل أخبث الأمراض في الجسم، إذ شوَّهت جماله، وجعلت منظر الإنسان كئيباً، والذاكرة مرضت بالنسيان، والضمير قد صار في إنحطاط، والقلب فقد الشعور بالرحمة والإحساس بالله، وبعد أن كان هيكلاً لله جعلته الخطية مقراً لإبليس وجنوده يأتوا ويسكنون فيه إذ في قلوب الخطاة يجدون راحتهم. قال أحد علماء الغرب " إننا نحيا في عالم يحترق بنار الخطية، وفي كل بلد يموت ألوف البشر وهم مشوهون بنار الإثم، وياليت الإنسان كما يبحث عن الحقيقة العلمية، يبحث أيضاً عن علاج وحل لأخطر مرض أصاب البشرية ألا وهو: مرض الخطية ". الخطية مرض، وأي مرض؟ إنّها مرض مؤلم، تؤلم الجسد إذ تُصيبه بالأمراض التي ربَّما تقضي على حياة الإنسان، وتؤلم الروح إذ تفقدها سلامها فتهيم هنا وهناك، لعلّها تجد مستقراً لها ولكن دون جدوى! ولا تؤلم الخطية الخاطيء وحده، بل تمتد آلامها إلى الأهل والوسط المحيط به.. فكم من الأبناء تحمَّلوا آلام الفقر والأجساد المشوَّهة والصيت الرديء نتيجة خطايا الوالدين؟! وما أكثر الأقارب والأصدقاء والأصحاب الذين تلطّخت سمعتهم، بسبب أصدقاء السوء! هى مرض مؤلم وأيضاً مرض مشوّه، وتستطيع أن تتحقق من هذا لو نظرت إلى وجوه الزناة والسكّيرين، الذين يقضون لياليهم بين جدران مغلقة ومظلمة، وكم من أُناس تشوَّهت خلقتهم وقُطِعت أعضائهم وقضوا حياتهم في عجز تام، بسبب الأمراض الخبيثة التي حلّتْ بهم نتيجة حياة النجاسة التي تمرَّغوا في وحلها؟! |
رد: كتاب شوكة الخطية
طُُلِبَ من أحد مُصوّري فرنسا أن يرسم صورة ترمز إلى حياة (الطهارة)، فانتقى طفلاً جميلاً ذا صورة ملائكية، له من العمر خمس سنوات، ورسم صورته وكتب تحتها (الطهارة).. وتمر السنون وبعد عشرين سنة، طُلِبَ من نفس الفنان أن يرسم صورة لتكون رمزاً لحياة (النجاسة)، فماذا فعل؟ ذهب إلى (خمَّارة)، وبعد أن جال ببصره بين الحاضرين، رأى شخصاً له عينان غائرتان كشمس المغيب وهى تُطفأ أنوارها، ووجهه مصفر كأوراق الخريف المتساقطة على بقعة مُلوَّثة من الماء، فاصطحبه إلى بيته بعد أن اتفق معه أن يرسم صورته نظير مبلغ من المال. وحدث أثناء الرسم أنَّهما تجاذبا أطراف الحديث، وكان موضوع حديثهما حياة الرجل المدمن، وبينما كان الرجل يسرد سيرته، انتفضت يد المصور حتى سقطت الريشة على الأرض، وذلك لأنَّه علم أنَّ الشخص الذي يرسمه الآن، لكي يُقدّم صورته كرمز النجاسة، هو ذلك الطفل الذي رسمه من عشرين سنة وكتب تحت صورته الطهارة! وكان سبب التغيير في منظره.. إنّما هو الخطية!! الخطية مرض مؤلم ومشوه، وفي نفس الوقت عسير الشفاء! أقول هذا ليس لتهبيط عزائمكم، أو إدخال اليأس إلى قلوبكم.. ولكن للقضاء على فكر شرير قد سيطر على أُناس كثيرين، يوهمهم بأن يحيوا شبابهم كما يحلوا لهم، فالكنيسة لن تغلق أبوابها في وجوههم متى عادوا إليها، والكاهن لن يمنع عنهم غفران الله، وجسد المسيح موجود كل يوم على المذبح.. وهذا ما يحدث بالفعل، ولكن من أعلمهم أنَّ حياتهم ستستمر؟! ألا يأتي الموت كلص في ساعة لا نعلمها؟! هنا أتذكر قصة شاب سقط في الخطية حتى إنَّه قد أدمن الزنى، فكانت النتيجة أنَّه أُصيب بمرض في عينيه، فذهب إلى أحد الأطباء فلمَّا كشف عليه، أدرك أنَّ حياة النجاسة التي يتمرغ في وحلها هى سبب مرض عينيه، فقال له: أنا لا أعدك بأنَّ عينيك ستعود كما كانت، ولكن إن كنت تريد أن تبقى كما هى الآن ولا تزداد سوءاً، فعليك أن تبتعد عن حياة النجاسة التي تحيا فيها.. فلمَّا سمع الشاب هذا الكلام أطرق ببصره إلى أسفل ونظر بحزن إلى الأرض، ثم رفع عينيه في ذل واستصغار وقال والألم يتموج في كلامه: أيها الطبيب أيسر لي أن أتخلى عن بصري، من أن أتخلى الجنس الذي قد أصبح كل شيء في حياتي!! ومن هنا جاءت العبارة القائلة: أمام مرض الخطية يعجز الأطباء!! الخطية أيضاً مرض معدٍ، سريع الانتقال من المرضى إلى الأصحاء، ولذلك قال مُعلّمنا القديس بولس الرسول: " لاَ تَضِلُّوا ! فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ " (1كو33:15). والحق إنَّ الخطية والمرض يتشابهان في أشياء كثيرة، فعلى سبيل المثال نجد أنَّ المرض والخطية: يُضعان المُصاب بهما فمادام المريض مُلقى على الفراش فقوته إذن لابد أن تكون في ضعف، وهكذا أيضاً الخاطيء، إذا تملَّكت عليه الخطية تُصيبه بضعف تام، وإلى هذا الضعف قد أشار مُعلمنا بولس الرسول قائلاً: " لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ " (رو6:5). وهذا الضعف الذي يشمل الجسد ويتملك الإرادة.. يجعل الإنسان معرّض للسقوط على الدوام أمام أقل تجربة، فمجرد نقد يُثيره، وكلمة جارحة تُغضبه، ورؤية منظر فاسد يُسقطه في الزنى.. يشوّهان جماله ما من مريض إلاَّ ونراه: إمّا فاقد نضارة الوجه، أو مشوّه الأعضاء، وهكذا أيضاً الخطية تشوّه جمال الإنسان، وتجعل وجهه كما لو كان صحيفة باهتة ملتوية، كُتب عليها بقلم معوج يسيل منه حبر شيطاني وبلغة واضحة ذات أحرف بارزة: خاطيء وشرير! لأنَّ إبليس عندما يحل في قلب إنسان، يطبع صورته القبيحة على وجهه، حتى إنَّ كل من يقترب منه ويتعامل معه ينفر منه! إلاَّ إذا كان مثله فالطيور على أشكالها تقع! |
رد: كتاب شوكة الخطية
يؤلمـانه المريض هو إنسان لا يعرف طعم الراحة، بل يحيا في آلام مستمرة وعذاب دائم، وهكذا أيضاً الخاطيء، ولهذا يقول مُعلمنا داود النبيّ: " تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي، أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي، أُذَوِّبُ فِرَاشِي " (مز6:6). كما أنَّ الخاطيء يحيا بلا سلام لأنَّه شرير، وقد ابتعد بأعماله الشريرة عن الله القدوس مصدر السلام، وإشعياء النبي يقول: " لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارِ " (إش21:17)، وها نحن نتساءل: كيف يحيا إنسان بلا سلام ولا يتألم؟! كلاهما يعُم تأثيره باقي الأعضاء فالألم الذي يُصيب عضواً في الإنسان يؤلم الأعضاء الأخرى، والضعف الذي ينشأ عن مرض أحد الأعضاء، يشعر الإنسان بتأثيره على باقي الأعضاء، وقد أشار معلمنا القديس بولس الرسول إلى هذه الحقيقة بقوله: " فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ " (1كو26:12). والخطية التي تُصيب عضواً واحداً يعُم تأثيرها الجسد كله، فالكلمة الرديئة التي يتنجس بها لسانك، لا تنجس الجسد وحده بل سائر أعضاء الجسد " فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ، هَكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ " (يع6:3)، وهكذا النظرة الفاسدة " إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً " (مت23:6). يفقدان الإنسان شعوره عندما يشتد المرض تكثر الأدوية، التي يمكن أن تجعل الإنسان يفقد شعوره في أوقات كثيرة، كما أنَّ المرض يجعل الإنسان دائم التكفير في ذاته ووسائل شفائه.. وهذا يجعله يتمركّز حول نفسه، مما يدفعه في مواقف كثيرة إلى فقدان الشعور بالآخرين، وعدم التعاطف معهم والسؤال عنهم.. والخاطيء أيضاً يحيا بلا شعور، لأننا نراه يسعي نحو اللذة بكل طاقته، ولكي يُحقق شهوته قد يسرق أو يقتل أو يكذب.. وهذه كلها عوامل تعلن أنَّه فقد التعاطف مع الآخرين، حتى وإن ظهر أمام كأنَّه يُعطي فإنَّ عطائه ليس عن حُب لأنَّ لا يعرفه ولم يختبره، بل من أجل تحقيق أغراض دنيئة وشهوات خبيثة.. كلاهما يؤدي إلى الموت المرض إنْ لم يُعالج حتماً سيؤدي بالإنسان إلى الموت، وهكذا الخطية أيضاً تقود الإنسان إلى الموت الروحيّ إذ تفصله عن خالقة، والموت الأبديّ إذ تلقي به في نار جهنم، وفي هذا يقول معلمنا بولس الرسول: " أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ " (رو23:6). ومعلمنا يعقوب الرسول يقول: " الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتاً " (يع15:1). وقد جاء في سفر حزقيال النبيّ: " اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ " (حز20:18). |
رد: كتاب شوكة الخطية
" الخطية إذا كملت تُنتج موتاً " (يع15:1) ما هو الموت؟ هو خروج الروح من الجسد، وفي هذا يقول مُعلمنا داود النبيّ: " تَخْرُجُ رُوحُهُ فَيَعُودُ إِلَى تُرَابِهِ " (مز4:146، إلآَّ أنَّ هناك موتى من نوع آخر وهم موتى الخطية، هؤلاء هم الذين يستحقون أن نبكي عليهم أكثر من موتى الجسد، لأنَّه كما قال القديس أُغسطينوس: " من يبكي على الميت كمن يصرخ بدون جدوى، على نوافذ مسكن ليس فيه من يسمع، أمَّا من يبكي على موتى الخطية فقد يستجيب الله لدموعه ويُقيم تلك النفس الساقطة، ويُنهضها وإن كانت قد ماتت من سنين ". فالخطية هى حالة موت بكل ما تشمله كلمة موت من معنى: أولاً: موت روحيّ ملايين من الناس يُقاسون الموت الروحيّ، فإذا تصفحت أية جريدة يومية، لقرأت عن أولئك الذين تشهد حياتهم بأنهم ضالون، لقد خلقوا ليحيوا مع الله، لكنَّ الخطية فصلتهم عنه، هذا موت روحيّ، ولهذا نجد في مثل الابن الضال عندما عاد الابن إلى أبيه، قال الأب متهللاً: " ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ " (لو24:15)، فوصفه في حالة الخطية بأنَّ كان ميتاً، ولم يُصبح حياً إلاَّ بعد رجوعه. والقديس بولس الرسول يقول عن الأرملة المتنعمة أنَّها: " قَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ " (اتي6:5)، كما يقول عنَّا جميعاً: " وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا " (أف1:2)، " وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ " (أف5:2). وعندما أخطأ ملاك (راعي) كنيسة ساردس، أرسل إليه الرب رسالة على فم القديس يوحنا الحبيب، يقول له فيها: " أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْماً أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ " (رؤ1:3)، نعم هو حي بالجسد الذي يأكل ويشرب ويتحرّك.. ولكنَّه ميت بالروح التى انفصلت عن الله بأفعالها الأثيمة، وفي هذا إعلان أنَّ الحياة الحقيقية هى حياة الروح، لأنَّ الجسد سيأتي عليه يوم ويفنى. يقول القديس أُغسطينوس " كما يموت الجسد عندما تفارقه النفس، كذلك تموت النفس عندما تنفصل عن الله، ولكن هناك فرقاً بين موت الجسد وموت النفس، فموت الجسد محتوم أمَّا موت النفس اختياريّ، فالخاطيء إذاً ميت مهما ظن أنَّ حي وأنَّه يتمتع بالحياة ". ولكن بين موت الجسد وموت الروح فرقاً عظيماً! فموت الجسد محتوم لا مفر لإنسان منه، أمَّا موت الروح فهو اختياريّ، بيدي أن أُميت روحي إن عشت فى الخطية، وبيدي أن أُحييها إن عشت مع الله وعملت بوصاياه! لقد فصل الخاطيء نفسه عن الحياة الحقيقية بانفصاله عن الله الذي خلقه، ألم يقل رب المجد يسوع: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ، مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا " (يو25:11)، وقد قال أيضاً: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ " (يو6:14). واعتقد أنَّ كل من ينفصـل عن المسيح بالخطية، هو إنسان قد انفصل عن الحياة نفسها فيُعد ميتاً. ثانياً: موت أدبيّ النفس التي تُخطيء هى نفس بلا كرامة، ذات سمعة ردية، لماذا؟ لأنَّ كل الذين يحتقرون الرب بأفعالهم النجسة، ويهينون اسمه القدوس.. يصغرون في نظر أنفسهم وفي نظر الآخرين، ولهذا قيل: يستحيل على من يسلم جسده في يدي زانية أن يحترم نفسه من أجل هذا العمل الرديء. وكان أحد الفلاسفة لا يُبجّل الملك ولا يحترمه كالآخرين.. فلمَّا سألوه قائلين: لماذا تحتقر الملك؟! أجاب: لأنّي مَلَكت الشهوة والغضب وهما ملكاه، فهو عبد لعبدي. يقول سليمان الحكيم: " بِسَبَبِ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى رَغِيفِ خُبْزٍ " (أم6: 26)، والمثل الشعبي يقول: " بَشّرْ الزانيّ بالفقر "، ونحن نقول: وهكذا أيضاً المُقامر والمُدمن واللص… فللجميع نتيجة واحدة ألا وهى: الهلاك. فالخطية إذن تفقد الإنسان كرامته وهيبته وأيضاً مركزه الاجتماعي بين الناس وتضيع سمعته.. حتي لو كان هذا الانسان هو الملك، وهذا هو الموت الأدبيّ الذي نتحدث عنه. أمَّا علي مستوي الجماعة، فالخطية كانت ولازالت أهم أسباب إنهيار الحضارة، وتدهور المجتمع، وهلاك الشعوب.. فعندما يفقد الناس طريقهم وأهدافهم وإيمانهم .. ويذهبون وراء الزني الذي يسيل من كل مسام حياتهم، يزول مجدهم وتجف أوراقهم فتسقط وتصبح حياتهم بلا ثمر إلى أن يموتون!! وهذا ما قد دفع أحد علماء الغرب إلى أن يقول: " إنَّ أحد أعراض تدهور الحضارة في الغرب، هو انحلال الجنس البشريَّ خُلُقيّاً وانغماسه في الخطية ". ثالثاً: موت ماديّ أخذ الابن الضال نصيبه من الميراث وذهب إلي كورة بعيدة.. لكي يحيا حياة الخطية، لكن ماذا فعلت به الخطية؟ يقول الكتاب: " بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ " (لو32:15). رابعاً: موت أبديّ تقود الخطية الإنسان إلي الموت الأبديّ الذي عذابه لا ينتهي، حيث الدود لا ينام والنار لا تُطفأ، والبكاء وصرير الأسنان.. هناك أيضاً تأنيبات الضمير القاسية ولكن دون جدوى! وماذا نقول عن أشد عذاب ألا وهو البعد الدائم عن الله؟! عذابات كثيرة قد نعجز عن وصفها، ولو كانت لمدة لكان من الممكن احتمالها، ولكن تكمن قسوتها في أنَّها أبدية، ألم يقل السيد المسيح للخطاة: " اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ " (مت41:25)، وفي نهايه حديثه قال: " فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ " (مت46:25). والخطية أيضاً موت لأنَّها تفقد الخاطيء أحاسيسه وعواطفه وشعوره.. فلا يعود بعد يعرف الخير من الشر!! ولا الحلال من الحرام!! ولا المجد من الخزي! لأنَّه لا يريد أن يعرف سوي الخطية! فيهيم هنا وهناك بحثاً عن نشوة عابرة أو لذة فانية، وهو على استعداد أن يدفع حياته من أجل تحقيق شهواته.. ولو أدي به الأمر أن يُضحي بحياته، أو بزوجته، أو بأولاده.. من أجل هذه الجرثومة، وإليكم قصة من واقع الحياة تؤكد أنَّ الخطية تُميت العواطف من قلب الإنسان!! |
رد: كتاب شوكة الخطية
يُحكي أنَّ موظفاً أدمن شرب الخمر، فضعُفت قواه العقلية، ولمَّا ظهرت عليه علامات الاختلال وعدم الدقة، طُرد من العمل فأصبح عاطلا، وإذ كان مسرفا افتقر وساءت حالته.. وقد كان ذلك سبباً لوفاة زوجته، التي تركت له ابنة لا تتجاوز من العمر سنتين.. إلاَّ أنَّها هي الأُخرى توفيت بعد زمن قصير بسبب إهمال والدها لها!! فلمَّا علم كاهن الكنيسة التي كانت بجوار هذه الأسرة أنَّ الطفلة قد ماتت، ذهب مع أحد الأتقياء واشتروا كفناً وذهبا إلي منزلها لتكفينها، فحالة الرجل المادية، وأخلاقه المتدنية، وإهماله لأُسرته لم تعد خافية على أحد!! لكن قبل دفنها رأى الكاهن أنَّه من المستحسن، أن يترك والد الطفلة أمام الجثة وقتاً، لَعَلَّه يتأثر بمنظرها ويتوب، فإهماله لها هو الذي عجَّل بموتها! وبالفعل تركوه وأغلقوا الباب ورائهم.. ثم بعد مضي ربع ساعة عادوا إلى الجثّة وحملوها إلى المقبرة.. لكنّهم لاحظوا وهم يسيرون أنَّ والد الطفلة لو يكن ضمن المشيعين لجنازة ابنته.. فلمَّا رجعوا بحثوا عنه فوجدوه في الخمَّارة مُلقى من السكر! فسألوا صاحب الخمَّارة: من أين أتاك بالنقود التي أعطيته بها خمراً؟ فأراهم حذاء أبيض وهنا كانت المفاجأة المذهلة التي لا يتوقعها إنسان، ففي الوقت الذي ترك الكاهن الوالد أمام جثّه ابنته، كان يقلبها لعله يجد شيئاً ينتفع به! فلمَّا وجد الحذاء الذي كان ضمن أدوات الكفن، انتزعه من رجليها لكي يبيعه ويسكر بثمنه!! إلى هذه الدرجة تُميت الخطية الأحاسيس من قلب الإنسان؟! " وَأُضَايِقُ النَّاسَ فَيَمْشُونَ كَالْعُمْيِ لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَى الرَّبِّ " (صفنيا17:1) ماذا يحدُث لو رأيت إنساناً أعمي؟ لابد أنّك ستشفق عليه، أمَّا إذا رأيته وقد عاد إليه البصر، فأعتقد أنَّ قلبك سيمتليء بالفرح والسرور، علي أنَّ هناك عمى من نوع آخر، ويحتاج إلي إشفاق أعظم وعطف أكثر، والخلاص منه يدعو إلى سرور أوفر، ألا وهو: عمى القلوب!! الذي يُصيب كل الذين يعيشون في الخطية. وعن هذا العمى تنبأ الأنبياء، عندما أعلنوا أنَّ السيد المسيح سيأتي ليهب النظر للعميان، فقد قصدوا بذلك العمى الباطني أكثر من عمى العينين الخارجيّ، لأنَّ المسيح لم يهب النظر إلاَّ لقلة من البشر، في حين أنَّه منح بصيرة الروح وأنار قلوب لأعداد لا حصر لها. وإشعياء النبيّ عندما نطق بهذه النبوة: " وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ " (إش6:42،7)، إنَّما كان يتنبأ عن ذلك العمل العجيب، الذي كان المسيا مزمعاً أن يعمله في القلوب التي قد أظلمتها الخطية، وجعلتها غير قادرة أن تري النور. يقول البابا أثناسيوس الرسوليّ " إنَّ الخطية استشرت في جذور الإنسان، والخطية أدّت إلى عمى الإنسان الروحيّ ". فالخطية إذن تُعمي القلوب عن رؤية أشياء كثيرة لَعَلَّ أهمها: رؤية الرب جاء السيد المسيح إلى عالمنا، لكي يقرع أبواب قلوبنا الحديدية، وقد استطاع بمجيئه أن يفتح لنا باب الشركة القلبية بين النفس والله، إذ قال: " إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كلاَمِي وَيُحِبُّهُ أَبِي وَإِلَيْهِ نَأْتِي وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً " (يو23:14). وعن هذه الشركة قال معلمنا يوحنا الحبيب: " وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ " (1يو3:1). لكن الحياة مع الله تستلزم القداسة، ولهذا كتب مُعلّمنا بولس الرسول في رسالته إلي العبرانيين يقول: " اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ " (عب14:12)، وهو بذلك قد وضع القداسة شرطاً لرؤية الرب. وهل يمكن للنور أن يلتقى مع الظلمة؟! فالخطية ظلمة دامسة، وهى تنسج حجاباً كثيفاً، يفصل بين النفس والله، فتعميها عن رؤية الرب ومجده، وقد أوضح هذه الحقيقة إشعياء النبي: " آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلَهِكُمْ وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ (إش2:59). وكم تستر الخطايا وجه الرب عن قلوب كثيرين " الَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ " (2كو4:4). رؤية الأبدية بعد الموت حياة أبدية " فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ " (مت46:25)، وهذه حقيقة لا ينكرها إلاَّ الملحدين الذين يُنكرون القيامة والحياة بعد الموت!! وأعتقد أن العقل يرفض فناء الإنسان الذي خُلق على صورة الله!! ومع أننا نري الأحياء وهم يُخطَفون من بيننا ويوارون التراب، ورغم أننا نسمع رنين أجراس الكنائس وهي تدق نغمات الحزن، ونشترك في تشييع الموتى إلي مقرُّهم الأبديّ.. إلاَّ أننا لا نتأثر!! لأنَّ الخطية أعمت قلوبنا عن رؤية الأبدية وأمجادها العتيدة. لكنَّ المؤمن الحقيقيَّ هو الذي يعيش علي الأرض، وفي نفس الوقت يضع الحياة الأبدية والأمجاد السماوية أمام عينيه " وَأَيْضاً جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللَّهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ " (جا11:3)، والحق إنَّ التأمل في الأمجاد السمائية، يجعل نفس المؤمن تتعزى وروحه تتهلل، فيحتمل آلام الزمان الحاضر بكل فرح، لأنَّه متيقن أنَّها لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فيه (رو18:8)، وعندما يدنو منه الموت لا يفزع، ولكنه يتهلل ويُشرق وجهه كما تهلل إسطفانوس عند موته، إذ رأي السماء مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الآب فاتحاً له زراعيه لاستقباله (أع 56:7). أمَّا الخطاة فلا يبصرون مجد السماء، ولهذا عندما يسمعون عن الأبدية يرتعبون كما ارتعب فيلكس الوالي أمام بولس الرسول: " ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِلاَّ امْرَأَتِهِ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ، فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ وَأَجَابَ: أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ " (أع24:24،25)، لأنَّ خطاياهم أعمت قلوبهم عن رؤية تلك الأمجاد السماوية، وضمائرهم المثقلة بالشرور اقتلعت من قلوبهم كل رجاء في الأبدية. |
رد: كتاب شوكة الخطية
رؤية طريق السلام يقول الوحي الإلهيّ عن الأشرار: " طَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَيْسَ فِي مَسَالِكِهِمْ عَدْلٌ، جَعَلُوا لأَنْفُسِهِمْ سُبُلاً مُعَوَّجَةً، كُلُّ مَنْ يَسِيرُ فِيهَا لاَ يَعْرِفُ سَلاَماً " (إش8:59). وها نحن نتساءل: كيف يعرفون طريق السلام وهم من صغرهم يسيرون في طريق النجاسة، الذي لا يُعطي سلاماً، إنَّما يقضي علي ما في القلب من سلام وفرح..؟! طريق السلام هو مع رب المجد يسوع، الذي قال: " سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ، سلاَمِي أُعْطِيكُمْ، لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا " (يو27:14)، فكيف يرون طريق السلام وقد أعمت الخطية قلوبهم عن رؤية رئيس السلام نفسه؟! وهل نُنكر أنَّ طريق السلام هو ثمرة حياة البر والتقوي وعمل الرحمة مع الآخرين.. فكيف يرونه وخطاياهم فصلتهم عن العيشة الطاهرة، وأعمال الخير والمحبة، وأشغلتهم بأعمال دنيوية، وبحياة كلها دنس..؟! ولهذا يقول إشعياء النبيّ: " لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارِ" (إش21:57) رؤية شرور الحياة نفوس كثيرة تعيش في الشر ومستعبدة لخطايا كثيرة، وبينما هم غارقون في بحر آثامهم، وقد أتلفت الخطية نفوسهم، وقضت علي حياتهم، لم ينظروا لعيب في حياتهم!! كملاك(راعي) كنيسة اللاودكيين، الذي خاطبه الرب قائلاً: " إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَائِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ " (رؤ17:3). وماذا تقول عن المدمنين الذين أفنوا حياتهم وأهلكوا أنفسهم.. ومن أجل حقنة مُخدرة قد يسرقون ويقتلون أو يضحون بأولادهم.. ومع كل هذا لا ينظرون لنتائج شرورهم!! هل لهؤلاء عيون تبصر؟ لو كانت لديهم بصيرة روحية لعرفوا ما هو الخير؟ وما هو الشر؟ ولكن هذا ليس بغريب لأنَّ سليمان الحكيم يقول: " اَلذَّكِيُّ يُبْصِرُ الشَّرَّ فَيَتَوَارَى، وَالْحَمْقَى يَعْبُرُونَ فَيُعَاقَبُونَ " (أم3:22). وقد يفتخرون بفضائلهم كالفريسيّ، الذي تحوَّلت صلاته إلى إدانة العشار!! يقول مُعلمنا لوقا: " أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ " (لو11؛18)، لأنَّ خطاياهم أعمت قلوبهم عن رؤية شرورهم القبيحة التي يعملونها، وأظلمت قلوبهم عن رؤية النور، فلم يدركوا الظلام الذي فيهم. وهكذا يحيا الأشرار فى حالة إدانة دائمة، وإسقاط خطاياهم وضعفاتهم على الآخرين ومحاولة تدميرهم، ولو أنَّهم جلسوا مع ذواتهم وحاسبوا أنفسهم، على ما قد وصلت إليه من إنحطاط وفساد لتغيرت حياتهم. مثل هؤلاء العميان بحاجة ماسة إلي لمسة من يد المخلص، لكي تزول الغشاوة التي علي قلوبهم، ويظهر ما كان مخفياً بالداخل من خطايا، عندئذ سيرددون مع الأعمي، تلك الأُنشودة الجميلة التي نطق بها عندما انفتحت عيناه قائلاً: " أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ " (يو25:9). إنَّ لمسة واحدة من يد المُخلص.. حوَّلت ظلمة حياة الأعمي إلي نور.. ولمسة واحدة من نفس يده تقع علي قلوبنا، فتنقلنا من حياة الظلمة إلي النور.. والرب الآن وفي كل وقت يمد إلينا يده.. يريد أن يلمس قلوبنا حتي نبصر هذا النور.. فلنركض إليه كما ركض الأعمي.. ونطلب منه أن يمد يده لتلمسنا.. حتي نري النور ونسير فيه.. قبل فوات الآوان. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" ضََُعفَت بشقاوتي قوتي وبليت عظامي " (مز 10:31) قد يخطيء إنسان فيظن أنَّه حقق نصراً! وأنَّه قوي! لماذا؟ لأنَّه استطاع أنَّ يُحقق رغبته وينال شهوته التي سعي إليها.. وهو بهذا يُعبّر عن ضعفه وهزيمته.. لأن القوي هو من يسيطر علي رغباته ويتحكم في شهواته الفاسدة. وها نحن نتساءل: كيف يقول خاطيء أنَّه قوي، وهو لم يستطع أن يصمد أمام منظر مثير يكون قد مر أمامه عابراً؟! أو ما أن يُجرح بكلمة حتي يثور ويغضب؟! ألم يقل سليمان الحكيم: " اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً " (أم 32:16). ونظراً لأنَّ كثيرين يفهمون معني القوة فهماً خاطئاً، ويخلطون بين القوة الحقيقية والقوة الزائفة، رأيت من واجبي أن أُصحح هذا الفهم الخاطيء، وذلك بالحديث عن نوعين من القوة ألا وهما: القوة الزائفة والقوة الحقيقية. أولاً: القوة الزائفة وهي القوة التي لها المظهر الخارجي، فمن الخارج يبدو صاحبها أنه قوياً، لكنه من الداخل ضعيف.. وضعيف جداً.. وغالباً ما تطلب الفخر، والمباهاة، وتُحب الشهرة.. ومن أمثلتها: قوة الجسد ليست القوة الحقيقية هي القوة الجسدانية، لماذا؟ لأنَّ قوة الجسد ليست بدائمة للإنسان، فهي معرّضة للزوال، سواء شاخ الإنسان أو مرض أو مات.. كما أنَّ كثيرين من أقوياء الأجسام مغلوبون من الخطية ومكسورون أمام الشهوات.. فهل أناساً مثل هؤلاء يُعدّوا أقوياء؟ بالطبع لا! فالقوي ليس هو ذلك الإنسان الذي له القدرة علي الضر أو القتل أو سفك الدماء والانتصار علي الآخرين، بل هو الذي ينتصر علي الشر والفساد، ويغلب نفسه ويسيطر علي شهواته، ولدينا علي هذا مثلاً واضحاً ألا وهو: شمشون الجبار، أقوي رجل عرفته البشرية، وأقوي مثال للقوة الجسمانية. هذا الجبَّار كان في يوماً ما قوياً، وكان سر قوته هو الله الذي كان معه، لكن عندما استجاب لنداء الخطية، واستسلم لنباح الشهوة فارقه روح الله، واستطاعت دليلة أن تُخّدره بجمالها، وتجعله كطفل رضيع ينام علي ركبتيها، وبعد أن لفّت بذيل الشهوة رقبته، أجبرته أن يكشف سره، وحلقت شعر رأسه..!! لقد صار القوي ضعيفاً، عديم الإرادة.. وما هو سر ضعفه؟ إنَّها الخطية، تلك اللذة الممنوعة التي أوقدت المرأة الزانية نارها في قلبه! أين ذهبت قوته عندما حل محل الثور وصار يطحن في بيت السجن؟! أو عندما أوثقوه بسلاسل؟! قال أحد الآباء لم يكن من منقذي إسرائيل قوياً كشمشون، وما كان أحد منهم ضعيفاً مثله. إنَّ قصة شمشون أقوي مثال لكل خاطيء، يدَّعي أنه قوي وهو يحيا في الخطية، لأنَّ الخطية لا تُعطي ولن تُعطي بل هى تأخذ كل ما لنا.. وهذا هو قمة الضعف أننا عندما نسقط لا نملك شيئاً ندافع به عن أنفسنا. وأيضاً قايين ربَّما ظن في باديء الأمر أنَّه أقوي، لأنَّه استطاع أن يضرب أخيه ويلقيه علي الأرض.. ويقتله (تك8:4)، لكنَّه في الحقيقة كان ضعيفاً أمام الحسد والحقد والغضب.. هزمه شيطان الغيرة وهزمته خطية القتل. وهذا الذي ظن نفسه قوياً عندما وقف أمام الله ارتجف وارتعب، حتى إنَّه قال للرب: " ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهاً وَهَارِباً فِي الأَرْضِ فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي " (تك4: 13، 14)، وبهذا قد عبّر عن ضعفه الذي لم يستطع أن يخفيه أمام الله. قوة الغنى وليست القوة الحقيقية هي قوة المال أو سلطان الثروة.. لأنَّ كثيرين من الأثرياء ضعفاء أمام تجارب الحياة.. وكثيراً ما يسقطون، والقديس بولس الرسول يقول عن محبي الغني العالمي إنهم: " َيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا انْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ " (اتي 6: 9، 10). لقد كان سليمان الحكيم أغني الأغنياء، له قنية: بقر وغنم أكثر من جميع الذين كانوا في أورشليم، وجمع لنفسه فضة وذهباً.. (جا7:2-8) وها هو الغني العظيم أحب نساء غريبة كثيرة.. أملن قلبه وراء آلهة أخري.. فسقط في عبادة الأوثان!! فهل إنسان غني كسليمان يُعد قوياً؟ بالطبع لا، لأنَّه لو كان قوياً ما كان قد إستجاب لنداء زوجاته الغريبات عن جنس شعبه، ولا ترك عبادة الإله الواحد ليعبد أوثان ويبخّر لهن. لكن علي النقيض الآخر نجد بطرس الرسول، الذي لم يكن يملك شيئاً سوي القوة الحقيقية يقول للأعرج: " لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ " (أع3: 6،7). والرسول بولس يذهب إلي أبعد من ذلك، فيوضح لنا أنَّ الفقراء أحياناً يكونوا سبب غني الكثيرين فيقول: " كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ " (2كو10:6)، أعتقد أنَّ التعاليم الروحية ودعوة الناس إلى التوبة والحياة مع الله.. هى كنوز روحية لا تضاهيها كل كنوز العالم المادية. قوة السلطة وهذه أيضاً ليست القوة الحقيقية لأنَّ المركز زائل والسلطة لا تدوم، فقد يكون رجل ملكاً اليوم قوياً بسلطته، ولكنَّ الزمان المتقلب الرديء، يحكم عليه بالذل والهوان، فيصير عبداً فقيراً وحقيراً ويزدرى به الناس. كان صدقيا ملكاً علي يهوذا وقد كانت مدة اعتلائه العرش إحدي عشرة سنة (2مل18:24)، لكنّه لم يصغِ هو وشعبه إلي كلمة الرب (2أخ12:36)، فنجّس الهيكل بالعبادات الوثنية (2أخ14:36)، ولم يقض بالعدل (إر21: 11، 12)، لكن هذا الملك العظيم، لم تدم عظمته ولا مُلكه، فقد أسره نبوخذ نصر وقتل أولاده أمامه، واقتلعت عيناه، ورُبط بسلاسل من نحاس، وسيق إلي بابل وحُبس هناك حتي موته.. (إر11:52). وكان هيرودس أيضاً ملكاً وله سلطان ونفوذ، وقد استطاع أن يقبض علي يوحنا المعمدان ويُلقيه في السجن، وإذ أراد أن يُسكت هذا الصوت الصارخ ولم يفلح، أمر بقطع رأسه!! فهل كان هيرودس قوياً عندما قتل يوحنا المعمدان؟ أم بالحري ضعيفاً أمام شهوته وكبريائه وانقياده للنساء؟ إنَّ أكبر دليل علي ضعفه، أنَّه ظل يخاف من يوحنا حتى بعد موته، فلمَّا ظهر السيد المسيح ظن هيرودس أنَّه يوحنا قد قام من الأموات (مت2:14). وأغلب الظن أنَّ يوسف الصديق، كان وهو في السجن وتحت الاغلال وفي ذل القيود والتهمة الكاذبة، أكثر قوة وحرية من داوود وهو يئن علي عرش المُلك من ثقل الخطية، ومن فظاعة الجريمة الشنعاء، التي تسببت في تدنيس امرأة وقتل رجل بريء. |
رد: كتاب شوكة الخطية
قوة المعرفة لقد وصل كثير من البشر علي مر العصور، إلي درجة عالية من المعرفة والثقافة، ولكنهم وصلوا معها إلي الضلال والفساد.. وكثيراً ما استخدموا علومهم في تعذيب الإنسانية!! من جهة المادة العلمية كانوا أقوياء، لكنهم كانوا ضعفاء من حيث إستخدامها، وها أنتم قرأتم وسمعتم عن الذين يبذلون قصارى جهدم، من أجل استنساخ البشر، وكم كنَّا نتمني أن يكونوا كبطرس ويوحنا عديما العلم وعاميان(أع13:4)، ولهم قوة روحية يمجدان بها اسم القدوس الذي وهبهم إيَّاها. ثانياً: القوة الحقيقية أمَّا القوة الحقيقية فهي قوة الروح، تلك القوة المستمدة من الله، والتي بها يستطيع الإنسان أن يمتنع عن الخطية، ويضبط نفسه أمام كل شر، ويقول مع معلمنا داود النبيّ: " إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي " (مز4:23) ومن أمثلتها: قوة الفضيلة الإنسان القوي هو ذاك الذي يحيا في البر والتقوي، ولا يوجد للشر مكان في قلبه.. مثل يوسف الصديق الذي كان يحيا في الفضيلة، وقد استطاعت فضيلة العفة أن تسنده وتنقذه من التجربة، ولحُبّه في حياة الطهارة فضّل أن يُطرح في السجن، علي أن يسقط في الشر ويُغضب الله. وبهذا علمنا أنَّ القوة الحقيقية هي قوة النصرة علي الرغبات الفاسدة، وكبح الشهوات الجامحة، ولَعَلَّ هذا ما كان يقصده معلمنا القديس بولس الرسول عندما قال: " لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ " (2كو 10:12)، فقد تكون ضعيفاً في نظر الناس الذين لا يفهمونك، أو ضعيفاً من الناحية الجسدية، ولكنك من الداخل قوي، لأنك لا تفعل الشر ولا تتدنس بالخطية، ألم يكن يوسف ضعيفاً أمام إخوته لكنه قوياً أمام الخطية؟! قوة الإيمان خرج داود لملاقاة جُليات الجبَّار، وهو يحمل في داخله قوة خفية، هي قوة الإيمان باسم رب الجنود.. وبهذه القوة استطاع وهو بعد فتي صغير أن ينتصر علي الجبَّار المُدجج بالسلاح، وقد وصل إيمان داود إلى قمته عندما دخل على جليات وهو يقول: " هَذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ. وَأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هَذَا الْيَوْمَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَحَيَوَانَاتِ الأَرْضِ, فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ لإِسْرَائِيلَ " (1صم46:17). وبنفس القوة تسلّح دانيال النبيّ، والثلاثة فتية القديسون وهم بعد صغار السن، وقد استطاعوا بقوة إيمانهم أن يمتنعوا عن أكل أطايب الملك والتلذذ بخمر مشروبه. قوة الشهادة علمنا الشهداء أنَّ القوة الحقيقية، هي قوة الصمود أمام التجارب، والاعتراف باسم المسيح وقت الاضطهادات، والشهادة للحق أمام الجميع بكل شجاعة.. بهذه القوة وقف يوحنَّا المعمدان أمام هيرودس موبخآ إياه قائلآ: ” لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ! " (مر18:6)، وبها أيضاً وبّخ بطرس الرسول اليهود قائلاً: " وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ " (أع15:3). المحبة قوية لماذا؟ لأنها تعطي، وقد يصل عطاء المحبة إلي بذل الذات نفسها، كما بذل السيد المسيح نفسه من أجل خلاص العالم: " لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ " (يو16:3)، والمحبة قوية لأنها تحتمل، كما احتملت محبة المسيح إنكار بطرس وشك توما واضطهادات اليهود.. وها نحن نتساءل: أيهما كان الأقوى: المسيح أم اليهود؟ أعتقد أنَّ المسيح كان الأقوى، اليهود هم الأضعف، نعم كانوا ضعفاء أمام الغيرة والحسد والكراهية وحب السلطة والكذب... |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل الثاني نجاسـة الخطيـة " من أجل نجاسة تهلك والهلاك شديد " (مي10:2) الخطية شيء قذر إذا سقط علي ثوب الحياة لوّثه وشوّه جمال منظره، هي الفساد الذي نجّس صورة أولاد الله.. والدنس الذي حط من قيمة النفس الطاهرة العاقلة، وأنزلها إلي مستوي الحيوانات التي لا عقل لها ولا فهم. والخطية نجاسة في أصغر صورة لها، وقد قال السيد المسيح له المجد: " إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ " (مت 28:5)، فإن كان الزني نجاسة قذرة، فإطلاق الرجل الحرية لعينيه، لتنظر نظرات دنيئة هو أيضاً نجاسة قذرة، وإن لم يتعد الأمر النظرة، إذ في النظرة ما يكفي لتلويث العينين والذهن.. أيضاً استباحة المرأة لنفسها أن تلبس الثياب الخليعة، وسماح البعض منهن للذهاب إلي الأماكن الدنسة، تحت اسم المدنية ومجاراة الوسط نجاسة، وإن حاول البعض قدر استطاعتهم أن يبرروها!! هكذا يري الله الخطية في السماء، وهكذا سجل لنا في كتابه المقدس، إذ قال له المجد مخاطباً حزقيال النبيّ: ” يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ لَمَّا سَكَنُوا أَرْضَهُمْ نَجَّسُوهَا بِطَرِيقِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. كَانَتْ طَرِيقُهُمْ أَمَامِي كَنَجَاسَةِ الطَّامِثِ " (حز17:36). وهكذا أيضاً يراها البشر، ألا تري الإنسان عندما يُخطيء، يكون محتقراً وسط كل من يعيش وسطهم؟! وأنَّ كثيراً من الآباء ينبذون أولادهم ويتبرؤن منهم لِما هم فيه من طياشة وفساد؟! وليس الله والناس هم الذين يرون أنّ الخطية نجاسة، بل حتى النفس تراها أيضاً هكذا، ولنا في حياة داوود النبيّ مثل يؤكد ذلك، إذ بعدما استيقظ من سقطته وتأمل في ثوبه فرآه ملطخاً بأوزار الخطية، صرخ لوقته مشمئزاً من نفسه، ونادي الرب قائلاً: " طَهِّرْنِي بِالزُوّفَا فَأَطْهُرَ، اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ " (مز50). وهكذا فعل إشعياء النبيَّ، عندما ظهرت أمامه صورة حياته القذرة، بإزاء قداسة الله، إذ صرخ قائلاً: " وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ " (إش5:6). والخطية نجاسة واضحة، وإن كان الخطاة يلوثون أعضائهم بين جدران صامتة لا تتكلم، وفي ظلام الليل بعيداً عن عيون الناس، إلاَّ أنَّ جباههم التي تلوّثت بالخطية تتكلم وتخبر بكل ما يفعلونه في الخفاء، لأنَّ الحياة النجسة من الداخل، تظهرها لغة الشفاه وحركة العيون من الخارج " لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ! " (مت73:26)، وكما يقول الكتاب: " فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ " (لو2:12). وإن كانت الخطية نجاسة فالخاطيء إذن يكون نجساً، فقديماً كان الله يضرب الخطاة بالبرص، فالأبرص أعتُبر نجساً بسبب خطاياه، ولهذا كان ينادي (نجس نجس)، حتى لا يتدنس أحد باقترابه إليه أو لمسه، فكل من يخالط الأبرص، كان يعتبر نجساً، وأي بيت كان يدخله أبرص كان يتنجس بكل ما فيه (لا46،45:13). ولأنَّ البرص كان مرتبطاً بالخطية، فبُرء الأبرص منه، لم يدعَ شفاء بل تطهيراً، فعندما ضرب الله نعمان السريانيّ بالبرص وأرسل إلى أليشع النبيّ لكي يشفيه من برصه " َأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلِيشَعُ رَسُولاً يَقُولُ اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الأُرْدُنِّ فَيَرْجِعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ وَتَطْهُرَ " (2مل5: 10). ولم يقل السيد المسيح عن إبرائه للبرص إنَّهم يشفون، بل قال: " وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ " (مت5:11)، كما قال لتلاميذه حينما أرسلهم: " طَهِّرُوا بُرْصاً " (مت8:10). والأبرص توسّل إلي السيد المسيح قائلاً: " يَا سَيِّدُ إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي "، يقول مُعلمنا متى الرسول: " فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ فَاطْهُرْ، وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ " (مت8: 2،3)، وتطهير المسيح للبرص دليل علي أُلوهيته، لأنَّه لم يكن أحد يستطيع أن يطهر البرص إلاَّ الله وحده. يعلمنا الكتاب المقدس: إنَّ كل عضو يخطيء يتنجس، فيتكلم عن الشفاه النجسة قائلاً: " وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ " (إش5:6)، والأصابع النجسة، كما في قول النبي: " لأَنَّ أَيْدِيكُمْ قَدْ تَنَجَّسَتْ بِالدَّمِ وَأَصَابِعَكُمْ بِالإِثْمِ " (إش3:59)، كما يتكلم عن العيون الشريرة، إنَّها تظلم الجسد كله فيقول: " وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً " (مت 23:6).. وهذا يعني: إنَّ العضو الذي يُخطيء لا يتنجس وحده، بل هو يُنجس الجسد كله.. وهذا هو معنى قول معلمنا بولس الرسول: " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِراً، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضاً وَضَمِيرُهُمْ " (تي15:1). ومعلمنا يعقوب الرسول يوضح لنا أنَّ دنس اللسان فقط يدنّس الجسم كله فيقول: " فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ، هَكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ " (يع6:3). ويهوذا الرسول في كلامه عن الاحتلام قال: " كَذَلِكَ هَؤُلاَءِ أَيْضاً، الْمُحْتَلِمُونَ، يُنَجِّسُونَ الْجَسَدَ " (يه8:1). بل إنَّ القديس بولس الرسول ، يذهب إلي أبعد من ذلك، فيعلمنا أنَّ الخطية لا تنجس العضو الذي يُخطيء أو الجسد فقط، بل هي تنجس أشياء مقدسة في الإنسان وتهينها، فتهين هيكل الله الذي هو جسده: " أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ" (1كو16:3،17) فالذي يُخطيء لا يفسد جسده إنما يفسد هيكل الله، والذي يزني لا يدنس أعضائه، بل يدنّس أعضاء المسيح: " أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ آخُذَ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا! " (1كو15:6).. ويدنّس دمه الطاهر الذي سُفك علي الصليب لأجل مغفرة خطايانا: " كَمْ يَكُونُ أَشَدَّ كَثِيراً ذَلِكَ الْعِقَابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَدُوسُ ابْنَ اللهِ، إِذْ يَعْتَبِرُ أَنَّ دَمَ الْعَهْدِ، الَّذِي يَتَقَدَّسُ بِهِ، هُوَ دَمٌ نَجِسٌ، وَبِذَلِكَ يُهِينُ رُوحَ النِّعْمَةِ؟ " (عب29:10)، ويدنّس اسم الله القدوس " دَنَّسُوا اسْمِي الْقُدُّوسَ بِرَجَاسَاتِهِمِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَ " (حز8:43). وقد وصف السيد المسيح أيضاً خطايا الفم واللسان بالنجاسة إذ قال: " لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هُوَ الَّذِي يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ " (مت 11:15). وأيضاً خطية كسر السبت اعتُبرت نجاسة، ففي سفر حزقيال النبيّ يقول: نَجَّسُوا أَيَّامَ سُبُوتِي كَثِيراً فَقُلْتُ: سَأَسْكُبُ غَضَبِي عَلَيْهِمْ فِي الْبَرِّيَّةِ لأُمِيتَهُمْ " (حز13:20). |
رد: كتاب شوكة الخطية
ومن جهة القتل يقول الكتاب: " لأَنَّ أَيْدِيَكُمْ تَلَوَّثَتْ بِالدَّمِ وَأَصَابِعَكُمْ بِالإِثْمِ " (إش3:59). وعن الزني يقول إرميا النبيّ: " وَدَنَّسْتِ الأَرْضَ بِزِنَاكِ وَعَهَارَتَكِ " (إر2:3). كما أنَّ خطايا الكهنة اعتبرت تنجيساً للكهنوت، ففي سفر نحميا النبيّ يقول: " فَاذْكُرْهُمْ يَا إِلَهِي لأَنَّهُمْ دَنَّسُوا الْكَهَنُوتَ وَعَهْدَ الْكَهَنُوتِ وَاللاَّوِيِّينَ " (نح 29:13). وفي سفر الرؤيا يمثل النفس بثوب أبيض، وبياضه يُحفظ بحفظ الإنسان من النجاسة، فيقول الله: " عِنْدَكَ فِي سَارْدِسَ قَلِيلِينَ لَمْ يُلَوِّثُوا ثِيَابَهُمْ بِالنَّجَاسَةِ هَؤُلاَءِ سَيَسِيرُونَ مَعِي لاَبِسِينَ ثِيَاباً بَيْضَاءَ " (رؤ4:3). هؤلاء هم المؤمنون، أمَّا الخطاة، فيصفهم في سفر إرميا النبيّ قائلاً: وَأَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى أَرْضِ خَيْرَاتٍ لِتَسْتَمْتِعُوا بِأَكْلِ ثِمَارِهَا وَطَيِّبَاتِهَا وَلَكِنَّكُمْ عِنْدَمَا دَخَلْتُمُوهَا نَجَّسْتُمْ أَرْضِي وَجَعَلْتُمْ مِيَراثِي رِجْساً " (إر7:2). ولأنَّ الخطية نجاسة، فإنَّ الملائكة الذين قد خلقوا طاهرين، عندما سقطوا دعوا بـ " الأَرْوَاحِ النَّجِسَةِ " (مر7:6)، لأنَّهم تنجّسوا بالخطية، وفي نفس الوقت ينجسون كل الذين يخضعون لهم ولرغباتهم الشريرة. أمَّا النجسون فلا يدخلون السماء، لأنَّ السماء طاهرة وليس فيها شيء نجس، وبالتالي لا يدخلها كل من تنجس بالخطية (رؤ4:3). وهل يمكن للظلمة أن تلتقي بالنور؟! أعتقد أن النور لا يلتقي بالظلمة إلاَّ ليبددها. |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل الثالث خطية آدم (الخطية الأصلية) " بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع " (رو12:5) لقد خلق الله أبوينا الأولين مزينين بالبر والقداسة وكل ما هو طاهر وجليل.. لأنَّه علي صورته ومثاله خلقهما " لِنَصْنَعِ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا " (تك26:1). ولكن سرعان ما سقط آدم عندما أكل من الشجرة، التي نهاه الله أن يأكل منها (تك2: 16،17)، فسقطت البشرية كلها في الخطية بسقطته " فَكَمَا أَنَّهُ بِعِصْيَانِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خَاطِئِينَ، فَكَذلِكَ أَيْضاً بِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً " (رو19:5)، ولهذا دُعيت خطية أبينا آدم بالخطية الجدية أو الخطية الأصلية، لأنَّها أصل كل الخطايا التي يرتكبها البشر. وعلي الرغم من أنَّ آدم هو الذي قد أخطأ، إلاَّ أنَّ خطيته لم تبقَ عالقة به وحده، بل انتقلت منه إلي أبنائه ميراثاً مشئوماً، فأصبح السقوط لا سقوط إنسان، بل سقوط البشرية بأكملها في الخطية التي كان الموت ثمرة من ثمارها. وقد مات آدم بالفعل تِبعاً لحكم الله " بِعَرَقِ جَبِينِكَ تَكْسَبُ عَيْشَكَ حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ فَمِنْ تُرَابٍ أُخِذْتَ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " (تك19:3)، كذلك وبالتبعية ماتت في آدم ومعه كل ذريته، وطُردت معه من فردوس النعيم (رو14:5) (1كو 22:15). يقول القديس مقاريوس " إن العالم الذي تراه حولك ابتداء من الملك حتى الشحاذ، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشر الذي دخل داخل الإنسان، عن طريق معصية آدم ". الفرق بيننا وبين آدم من حيث الخطية الأصلية علي أن خطية آدم تختلف عن خطية ذريته، إذ أنَّ خطيته فعلاً قد ارتكبه عندما أكل من الشجرة، أمَّا خطية أبنائه فهي حالة قد وجدوا فيها. ويمكن تشبيه ذلك بسيد أعطى بيتاً لرجل بشرط أن يُحافظ عليه ويُحسن خدمته، لكن حدث أنَّ الرجل أساء استخدام البيت فاسترده السيد، بحكم الشرط الذي اشترطه عليه، فصار أبناء هذا الرجل لا يملكون البيت. فالفرق بين الاثنين هنا: إنَّ الرجل فقد البيت لذنب ارتكبه بالفعل، أمَّا الأبناء فحُرموا منه لا لذنب ارتكبوه. إنَّما لذنب ارتكبه أبوهم، لكنَّهم وجدوا في وضع كان والدهم لا يملك فيه البيت. كما أنَّ خطية آدم كانت خطية فعلية إذ خالف وصية الله، فالخطية خرجت عن ذات آدم، أمَّا فينا نحن فليست هي إلاَّ عدوى من شر خطيته، ومخالفة متعدية منه لنا لأنَّه خلفها لنا. |
رد: كتاب شوكة الخطية
حقيقة وجود الخطية الأصلية لا شك أنَّ وجود الخطية الأصلية وانتقالها من آدم إلي ذريته، حقيقة من حقائق الإيمان التي تسلمتها الكنيسة من الكتاب المقدس ومن التقليد. ففي العهد القديم يقول معلمنا داود: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، " زَاغَ الأَشْرَارُ وَهُمْ مَا بَرِحُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَضَلُّوا نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ مُنْذُ أَنْ وُلِدُو " (مز 3:58). وأيوب الصديق يقول: " مَنْ يَسْتَوْلِدُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ! " (أي4:14). وإشعياء النبيّ يقول: " مِنَ الْبَطْنِ سُمِّيتَ عَاصِياً " (إش 8:48). وفي العهد الجديد نجد تعاليم السيد المسيح واضحة بشأن العماد، كشرط أساسي لتجديدنا ودخولنا ملكوت الله.. فيقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ " (يو5:3)، فإن كان المولود بالجسد لا يرث الخطية الجدية فما الداعي إذن للعماد؟! أمَّا معلمنا القديس بولس الرسول فقد زاد الأمر وضوحاً بقوله: " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو 22:15)، " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اللهِ وَ الْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ " (رو15:5)، " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.. " (رو5: 17-19). أمَّا التقليد فيُعلمنا أنَّ الكنيسة في مجمع أفسس الأول (431م)، حاربت بدعة بيلاجيوس الذي نادي بأنَّ خطية آدم قاصرة عليه وحده، وأنَّ كل إنسان يولد يكون مثل آدم قبل السقوط.. وهو يهذا قد هرطق.. لماذا؟ لأنهَّ إن كان كل إنسان يولد بلا خطية فكيف نفسر قول معلمنا داوود النبيّ: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، وقول معلمنا بولس الرسول: " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو 22:15). هذا بالإضافة إلي أنَّ الكنيسة منذ القديم.. تسلَّمت تعميد الأطفال لغفران الخطايا، مع أنَّهم لم يرتكبوا خطية بعد.. فهي إذن تعمّدهم لغفران الخطية الأصلية التي قد توارثوها عن جدّهم الأول آدم. يقول القديس ديديموس الضرير " إنَّ خطية الأبوين الأولين هي الخطية القديمة التي طهّرنا منها يسوع المسيح في معموديته.. إنَّ جميع أولاد آدم قد ورثوها وانتقلت إليهم بالخلفة عن طريق المعاشرة الجنسية من الوالدين، وهذا هو السبب في أنَّ المسيح ولد من عذراء لم تتلوّث أو تتلطّخ بها.. وبالمعمودية يتطهّر الإنسان من الخطية الأصلية وكل نتائجها ". فمبدأ انتشار أو سريان الخطية الأصلية في جميع بني آدم، عقيدة من عقائد ديانتنا المسيحية الأساسية، وعلي أساسها يقوم عمل الفداء والخلاص بموت المسيح بدلاً من آدم وبنيه. |
رد: كتاب شوكة الخطية
طبيعة الخطية الأصلية يري البعض أنَّها (الكبرياء)، فأبوينا لم يعصيا لمجرد تحصيل لذة محسوسة، لأنَّهما كانا مُبرَّأين من الشهوة والدليل: إنهما " َكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ " (تك25:2)، لكنهما أرادا قبل كل شيء أن يصيرا " كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ " (تك5:3). وهذه الكبرياء قادتهما إلي العصيان، وهنا فقط جاءت الشراهة إذ " َرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ، فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ (تك6:3)، فلعبت الشهوة دورها والسبب في ذلك: إنَّ الخطية كانت قد دخلت قلب حواء بسقوطها في الكبرياء. نتائج الخطية الأصلية فقدان الصورة الإلهية بالخطية فقد آدم والبشرية معه حالة النعمة والبر التي خلق عليها، لأنَّه كما يقول معلمنا بولس الرسول: " أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ " (2كو14:6). قبل السقوط كان آدم صورة الله ومثاله، لكنه مجرد أن سقط قال له الرب: " بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " (تك19:3). كما أنزلته الخطية إلي مستوي الحيوان ولهزا عندما اشتهى أن يأكل أعطاه الله أن يأكل العشب " وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ " (تك18:3)، الذي كان قبلاً طعام الحيوان (تك30:1). لقد فقد الصورة الإلهية وبالتالي فقد كرامته واحترامه... فقدان البساطة والنقاوة كان آدم وحواء قبل السقوط عريانين ومع ذلك لم يخجلا من بعضهما البعض (تك25:2)، لأنَّهما كانا كطفلين وشحتهما السماء بملابس الطهارة. وكانا يعيشان في نقاوة وبساطة قلب، إذ لم يكن للدنس مكاناً بينهما، لكنهما بالخطية فقدا بساطتهما، حتى إنَّ آدم حاول أن يُبرر خطيته بأن يُلقى بالمسئولية على حواء، التي ألقت مسئوليتها هى الأُخرى على الحيّة (تك12:3، 13). ولأنَّهما فقدا حياة النقاوة والبساطة اضطرا أن يصنعا لأنفسهما مآزر لكي يسترا عورتهما، يقول الكتاب المقدس: " فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ " (تك7:3). الخوف قبل السقوط كان آدم وحواء يحيان مع الله في فرح وسلام، ولكن ما أن سقطا فسرعان ما تحول السلام إلي خوف واضطراب، ولهذا عندما " َسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ " (تك8:3). وعندما نادي الرب الإله آدم وسأله: " أيْنَ أَنْتَ؟ " قال آدم: " سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ " (تك10:3). وإلى الآن لازلنا نشعر جميعاً بخوف مريع عندما نسقط، ولهذا نهرب كثيراً من أنفسنا خوفاً من صوت ضمائرنا! |
رد: كتاب شوكة الخطية
آلام الحياة كان من نتائج خطية آدم أن الله حكم عليه بأن يأكل خبزه بعرق جبينه " مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ " (تك3: 17-19). أما حواء فقال لها: " تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً، وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ " (تك16:3). الموت خلق الرب الإله آدم " وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا "، ثم أوصاه قائلاً: " مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ " ( تك2 :15-17). لكنَّ آدم لم يحفظ الوصية فأكل من الشجرة التي نهاه الله عن أن يأكل منها، فكان لابد أن يموت لأنَّه خالف قول الرب، فالله الرحوم هو نفسه الله العادل، وقد استطاع الله بحكمته أن يجعل الرحمة والعدل يلتقيا في شخص المسيح، فيموت البار لتحيا البشرية المائتة بموته! كيف تنتقل الخطية الأصلية من آدم إلي ذريته؟ عن طريق الولادة التي من خلالها يرث البشر طبيعة المولودين منه، وطبيعة آدم بعد الخطية قد تلوثت، وأصبحت تحمل الثنائية: الخير والشر، وصار محكوم عليه بالموت، فالإنسان بحسب حكم الوراثة يرث من أبويه المنظر والشكل الخارجي، كما يرث الاستعداد للصفات النفسية والأخلاقية والميول العقلية والذهنية، ويرث صفات أخري جسمية ونفسية.. تنحدر إليه من جميع الآباء السابقين علي أبويه القريبين، أيّ من جميع أصول الشجرة البشرية وأفرعتها موصولة بالأب الأول للجنس البشري آدم الذي منه تفرّع الناس، ومنه ولدوا وتوالدوا، فانتشر فيهم جميعاً دمه وبالتالي صفاته وميوله. ولذلك صارت لجميع الناس صفات وخصائص مشتركة يشترك فيها جميعهم، وبحسب قانون الوراثة، الذي هو قانون طبيعيَّ مثل جميع القوانين الطبيعية، في ثباتها وحتميتها وعدم تخلّفها، لا يخلق الإنسان خلقاً مباشراً منفصلاً عن أبويه، كما خلق الأب الأول آدم. وإنَّما يخلق كل بشر نتيجة للتزاوج بين الرجل والمرأة، ويولد منهما معاً، فيكتسب طبيعتهما ويتّصف بصفاتهما، وفي هذا يقول الكتاب: " وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ وَلَداً عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيثاً " (تك3:5). ولمَّا تم التوالد في الجنس البشري بعد أن سقط الأبوان الأولان في الخطية (تك1:4)، فكان ولابد لأولاد آدم أن يرثوا حالته الساقطة، لأنَّهم ولدوا منه بعد سقوطه، ولو كانوا ولدوا منه قبل السقوط لكانوا قد ورثوا حالته السامية التي كان عليها قبل السقوط، فلا عجب أن يرث الابن أو الابنة.. حالة المرض أو الضعف أو الاستعداد لمرض انحدر إليه من أحد جدوده لأبيه أو لأمه، فمثل هذا ما يعرف بالأمراض الوراثية، كالسكر أو عمي الألوان... ولهذا يقول داوود النبيّ: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، " زَاغَ الأَشْرَارُ وَهُمْ مَا بَرِحُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَضَلُّوا نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ مُنْذُ أَنْ وُلِدُو " (مز 3:58)، وإشعياء النبيّ يقول: " مِنَ الْبَطْنِ سُمِّيتَ عَاصِياً " (إش 8:48)، أمَّا أيوب الصديق فيقول: " مَنْ يَسْتَوْلِدُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ! " (أي4:14). تلك النصوص وغيرها تشهد بأنَّ جرثومة الخطية تغلغلت في كيان الجنس البشري، وكل إنسان يولد عليه أن يحملها! ومثل الإنسان في ذلك، النبات والشجر، فكل نبات وشجر يُثمر ثمراً كصنفه: " وَقَالَ اللهُ: لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْباً وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْراً وَشَجَراً ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَراً كَجِنْسِهِ بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ وَكَانَ كَذَلِكَ " (تك1 :12،11)، ولهذا يقول رب المجد يسوع: " مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ " (مت16:7) (لو6: 44،43) (يع12:3). من هنا نفهم السبب الذي من أجله ولد المسيح من عذراء بغير زواج.. عذراء لم يعرفها رجل معرفة الأزواج.. لأنَّ هذا هو الطريق الأوحد الذي يضمن عدم سريان الخطية الجدية إلي المسيح يسوع، الذي حملت به العذراء وولدته مثلنا تماماً في كل شيء إلاَّ في خلوة من لوثة الخطية الأصلية، فجميع الأولاد يولدون ملوثين بالخطية الأصلية، إلاَّ يسوع المسيح وحده (مت 18:1) ، ولهذا قال مرّة لليهود: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ " (يو46:8) فهو الوحيد الذي " الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ " (ابط22:2). وكون المسيح لم يرث الخطية الجدية، أهّله ليكون دون غيره من بين من أخذوا طبيعة الإنسان أن يقوم بعملية الفداء ويتمم لنا الخلاص، كما قال معلمنا بطرس الرسول: " وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ " (أع12:4)، " لأَنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ " (1تي5:2). المعمودية: طريق الخلاص من الخطية الأصلية أخطأ آدم بأكله من الشجرة المنهي عنها، فصدر عليه الحكم بالموت عقاباً له، لكن آدم لم يمت وحده، وإنّما ماتت معه كل ذريته لأنَّها كانت في صلبه عندما أخطأ، فلا مفر من الموت إذن، لكن المسيح مات بدلاً من المحكوم عليهم بالموت وعوضاً عنهم، ففداهم بموته وصار هو الفاديّ والمخلص... ثم بعد قيامته رسم لنا طريق المعمودية، لتكون الطريق البديل الذي به يتم الحكم علينا بالموت.. فالموت يتم فعلاً في المعمودية بطريقة سرية روحانية غير منظورة، بفعل الروح القدس الذي ينحدر علي مياه المعمودية. يقول معلمنا بولس الرسول: " مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَإِذْ كُنْتُمْ أمْوَاتاً فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا (كو2: 13،12)، (رو6 : 3-8)، فالمعمودية إذن موت مع المسيح ودفن معه في الماء بدلاً من القبر، هي موت لطبيعتنا الأولي، أو إنساننا العتيق، وقيامة حقيقية بطبيعة جديدة، وكل من الموت والقيامة، يتم بطريقة روحانية خفية غير خاضعة لحواسنا البشرية. |
رد: كتاب شوكة الخطية
سـؤال والآن نتساءل: ألم يكن في وسع الله أن يمنع سقوط الإنسان؟! الجـواب كان يمكن لله أن يوقف هذه المهزلة بطريقة أو بأُُخرى، لكنَّ الله " محبة " وقد خلق الإنسان لكي يحيا في دائرة المحبة، والمحبة والحرية لا ينفصلان فحيثما توجد محبة توجد أيضاً حرية، أمَّا الإكراه فهـو يلغي المحبة! والسيد لا يعرف حُب عبده وإخلاصه له، إلاَّ إذا أعطاه حريته! كما أنَّ الإنسان بدون الحرية لا يكون إنساناً، كائن عاقل بدون حرية لم يوجد بعد، ونحن نعرف أنَّ الحيوانات ليس لها مصير سوى الرعي والذبح والموت، أمَّا الإنسان فهو صاحب مصير، بل ينسج مصيره بنفسه، وهذا لا يتم إلاَّ في وجود الحرية. بدون حرية لا توجد خطية، نعم، ولكن بدون الحرية لا يصير الإنسان على صورة الله ومثاله، وبدون الحرية لا يقدر أن يدخل في شركة حُبّه! ولهذا لم يتدخّل الله لكي يمنع الإنسان من السقوط رغم عِلمه السابق بسقوطه! فالله كان يعلم بسقوط الإنسان، وكان أيضاً يعرف وسيلة خلاصه! وقد ارتضى الله أن يتجسد ابنه الحبيب ويموت ليُخلّص الإنسان بموته! ولكنَّه رفض أن يمنع الإنسان من السقوط! لأنَّ المنع هنا مناقض لمفهوم الحرية، وطعن في احترام الله للإنسان! ولهذا عندما عصت الملائكة تركها أيضاً تسقط، وحتى الآن رغم أنَّ الله يُعلن عن حقيقة وجوده بوسائل عديدة، ورغم أنَّه يُريدني أن أختـاره إلهاً وأحيا معه.. إلاَّ أنَّه سمح لي بأن: لا أرفضه بل وأُنكر وجوده أيضاً! نستطيع أن نقول: إنَّ معرفة الله بخطية آدم وخطايانا، لا تلعب دوراً في الحد من حرية الإنسان، إن سمح بالتجربة فيجعل معها المخرج (1كو10: 13) ويترك الأمر في النهاية لحرية الإنسان! أخيراً وختاماُ لهزا البحث المتواضع نقول: إنَّ بعض الناس ينظرون إلي عقيدة الخطية الجدية نظرة قاتمة، إذ يقولون: إنَّ وراثة الخطية الأولي ونتائجها فكرة قاسية تجعل الإنسان يؤخذ بذنب لم يقترفه بالفعل، لكن إن كنّا قد ورثنا حالة آدم الساقطة فحُسبنا فيه أمواتاً لأنَّه أبونا، فلا نحتج ولا نتذمر، لأننا قد نلنا أيضاً بر المسيح الذي بالإيمان، ونعمة التعميد " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو22:15) وقد أخذنا في المسيح يسوع بركات عظيمة لا يُعبّر عنها، وقد طعّمنا ونحن أغصان في زيتونة برية، طعمنا في جسد المسيح، فصار لنا خلاصاً وقوتاً وثباتاً.. |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل الرابع سلطان وقيود وسلسلة الخطية للخطية سلطان، وسلطانها قوي، فأمام سلطان الخطية يخر الأبطال لأجل سيجارة يدخنونها، أو لأجل كأس خمر يرتشفونه، أو لأجل لذة يطفئون بها نار شهواتهم!! فالخطية هي التي جرحت وأذلت كثيرين، ولهذا لم يفلت منها أحد، وكم من العشاق سكبوا أنفاسهم بين طيات أثواب الخطاة، وعلى أقدمهم هرق جبابرة قطرات دموعهم، وبين أيديها المُعطّرة بكل ما هو فاسد وضع رجال تنهدات أشواقهم، وهكذا صـاروا يتنقلون من شـهوة إلى شهوة حتى انتهت حياتهم بالفناء!! كما أنَّ الخطية تغري محبيها، وتعدهم بآمال كثيرة.. حتى إذا سقطوا تُقيدهم بقيودها الآثيمة، أمَّا قيودها فكثيرة ومتنوعة، فهناك من تقيَّده بحبال الزني كالمرأة السامرية، وآخر تقيَّده بحبال البخل ومحبة المال كالشاب الغنيّ، وثالث تقيّده بقيود العظمة والكبرياء كهيرودس الملك، هؤلاء غير الذين تُقيّدهم بقيود السرقة أو القتل أو إدمان المسكرات.. وهى قيود تبدوه أنّها ضعيفة في نظر كثيرين، ولكن ما أصعب فك قيود الخطية!! وغالباً ما تقود الخطية الخاطيء إلي خطايا أُخري، لأنَّ الخطايا سلسلة متماسكة، فكل خطية تسلّم الخاطيء إلي الأُخري، فمثلاً: السكر يقود إلي الزنى.. والزنى يقود إلي الخيانة والغدر الذي يقود إلي القتل أحيانا، وهكذا... " من يعمل الخطية هو عبد للخطية " (يو 34:8) إنَّ سلطان الخطية حقيقة لا يُنكرها أحد.. وكل من ينظر إلي سيرة بني جنسه، ويفحص بدقة قلبه.. يقر أنَّ الخطية تملّكت علي جميع بني البشر، لأنَّها تغلغلت وتسلسلت في ذرية آدم. لقد صار الجميع عبيداً لها، وأسري يخضعون لأوامرها، لأنَّهم قد زاغوا وفسدوا، ولم يعد أحد منهم يفعل الصلاح( رو12:3)، وقد برهن السيد المسيح علي ذلك بقوله: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ " ( يو34:8). يقول القديس مكاريوس " إنَّ العالم مستعبد لشهوة الخطية وهو لا يدري بها، وهناك نار نجسة تشعل القلب وتنتشر إلي كل الأعضاء، وتحث الناس علي فعل الشهوات وعلي أُلوف خطايا أُخري ". يحق لنا أن نقول: إنَّ شوكة الخطية قوية جداً، ولم تقدر أي قوي علي ردعها، ولهذا قال البعض: غمر الطوفان العالم الأول ولم يغرقها! ونزلت النار علي سدوم وعمورة وأحرقتها ولم تحرقها! فتحت الأرض فاها وابتلعت القوم الأشرار ولم تبتلعها! انفجرت البراكين وأخرجت مقذوفاتها ولم تقذفها! وبالإجمال فإنَّ كل الطرق والمحاربات معها لم تغلبها. لأنَّها تملّكت علي قلب الإنسان وتحصّنت فيه. وصيرته منبعاً لكل إثم حتى إنّه صرخ متأوّهاً بألم شديد قائلاً: " وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ " (رو24:7). ويُعلن لنا سليمان الحكيم سلطان الخطية في آية شهيرة له إذ قال: " طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ " ( أم26:7)، ولهذا لم يفلت منها أحد، فالملوك كفرعون، والجبابرة كجليات، والمشيرين كأخيتوفل، والأنبياء كداود، والحكماء كسليمان، والرسل كيهوذا... كلهم سقطوا تحت نيرها. وليس البشر هم فقط الذين سقطوا في الخطية، بل الملائكة الروحانيين، منهم من غلبتهم وأسقطتهم من رتبتهم، وصاروا يحملون اسم الشياطين أيّ المقاومين أو المعاندين، وقد كان سقوط الملائكة هو ميلاد الشر في العالم!! ومن شدة تسلّطها علي الإنسان، جعلته يكره القداسة، ويحب حياة النجاسة، يستثقل الوصايا، ويستخف الأفعال الشهوانية، كما أنّه يستصعب السير في طريق البر، في الوقت الذي يستسهل فيه الجري في طريق الإثم. قد يُستعبَد إنسان لسيد ما، ولكن قد يأتي يوم ويُعطيه هذا السيد حريته.. أمَّا الخطية فهي السيد الوحيد الذي لا يقبل أن يُحرر عبيده لأنَّه سيد شرير وظالم، مهما خدمته وأوفيته مطالبه لن يتركك! وإن هربت منه سيلاحقك أينما ذهبت! |
رد: كتاب شوكة الخطية
يقول القديس أُغسطينوس " يا له من استعباد مُذل هو استعباد الخطية، إنَّ معظم الذين يتألّمون من استبداد أسياد ظالمين، يتمنّون لو يباعون لكي يُغيّروا علي الأقل مواليهم، ولكن ماذا يستطيع أن يعمل عبد الخطية؟! وبمن يستجير؟! ومِنْ مَنْ يباع؟! وأخيراً نري العبد وقد مل مطلب سيده، وهو يرغب أن يتخلّص منه، ولكن إلي أين يهرب عبد الخطية؟! إن هرب جر وراءه خطيته.. " إعلم أنَّ الخطية في بدايتها سهلة، وفي نفس الوقت تبدو لذيذة، هذا ما يقوله سليمان الحكيم: " الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ " (أم17:9). كما يظن البعض، ويتوهّم كثيرون، أنَّ التخلص منها أمر سهل يمكن تحقيقه في أي وقت يرغبون، لكنَّ الحقيقة إنَّ كثيرين عاشوا في الخطية سنينَ بهذا الفكر من أجل تحقيق لذة جسدية توهّموا فيها سعادة!! ولكن علي الرغم من أنَّ اللذة أنقضت إلاَّ أنَّ الأسر مازال كما هو، لقد انتهت اللذة وبقيت الخطية تطل بوجهها القبيح علينا، وكنير قاس يحني ظهورنا، أليس هذا قمة العبودية؟! لا تظن أنك ستجني سعادة من الخطية، لأنَّ آلامها تفوق أفراحها، فبقدر ما تشعر بسعادة تجد أنَّك مشدود ومُقيّد برباطات كثيرة، تجعلك عبداً للخطية، ذليلاً لتلك العادات الرديئة التي تملّكت عليك، فالخطية إذا تملّكت علي إنسان أضعفته بدنياً وروحياً وعاطفياً.. وكلَّما زادت الخطية جعلت صاحبها عاجزاً عن مقاومة الضغط المُصاحب لها، فتراه بالنتيجة ينهار تحت ثقلها، وكثيراً ما ينتهي به الأمر إلي أن يُصبح مُصاباً عصبياً أو عقلياً أو ينتحر.. وتستطيع أن تتحقق من هذا لو تفحصت حياة المجرمين والسكّيرين.. يقول القديس مكاريوس إنَّ الخطية هي كجبال ثقيلة لا تُحتَمل، وفي وسطها توجد تنانين ووحوش سامة، وكما يبتلع الحوت إنساناً في بطنه هكذا تبتلع الخطية النفوس، إنَّها لهيب نار حارقة وسهام ملتهبة من الشرور. ولا تنظر إلي الخطاة ولا إلي طريقهم.. لأنَّ طريق الخطاة رحب والسائرون عليه كثيرون، وإن أردت أن تنظر فلا تنظر إلي بدايته بل إلي نهايته تطلع، لأنَّ في نهايته هوة عميقة سيقع فيها كل السائرين عليه. يُحكي عن شاب تعلق قلبه بفتاة تعلُّقاً شديداً، حتى أخذها لتعيش معه في قصره دون أن يتزوجها، وحدث بعد مدة لمَّا اشتد عليه المرض، وازدادت ديونه أن زاره أحد أصدقائه، وقد كان خادماً تقياً، فسأله: ماذا أعمل لأنجو بحياتي وأخرج من هذه التجارب التي حاصرتني، ففرح الخادم بسؤاله وطلب منه أن يسدد ديونه، ويطرد هذه المرأة الزانية التي كانت السبب في فقره ومرضه.. فلمَّا سمع الشاب المطلب الأخير تنهد ثم قال: كل ما طلبت مني أستطيع أن أعمله، أمَّا طرد حبيبتي فلا أستطيع! فأخذ الخادم يشرح له أن طرد المرأة أفضل له، فخير للرجل أن يخسر امرأة من أن يخسر حياته وأبديته.. فأجابه: لا أستطيع!! فأخذ تارة يُهدده بعذاب جهنم وتارة أُخري يُشوّقه إلي أمجاد السماء، وهكذا أخذ يعده ويتوعده، أمَّا هو فكان يجاوبه في كل مرّة: لا أستطيع!! إلي أن قال بلهجة الإصرار: قلت ولا زلت أقول: لا أستطيع!! ثم جمع قواه الضعيفة الباقية وقبض علي ذراعي تلك الشقية وقال لها بصوت مرتفع كما لو كان يلفظ أنفاسه الأخيرة: كنت عزي في حياتي وستكونين كذلك في مماتي: ثم اجتذبها بعنف وضمها إلي صدره واحتضنها، وفي الحال اشتد عليه المرض، واضطربت حركة قلبه وأسلم روحه الهالكة إلي الجحيم. لقد مات الرجل وهو يحتضن الخطية بين ذراعيه!! ولكن إن كان للخطية سلطان إلاَّ أنَّ الله قد أعطانا قوة، يمكن بها أن نتحرر منها، ونتخلّص من سلطانها، فقد ظهر المُحَرر الأعظم، خرج الأسد الغالب من سبط يهوذا، جاء نسل المرأة ليسحق رأس الحية.. يسوع الذي داس الموت بموته وأبطل سلطانه. فإن آمنت به " آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ " (أع31:16)، وأعطيته قلبك " يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ " (أم26:23)، وصرت في نور وصاياه المقدسة " احْفَظْ وَصَايَايَ فَتَحْيَا " (أم2:7).. تستطيع أن تفك كل قيود الإثم، وتتحرر من سلطان الخطية.. لأنَّ ابن الله هو الوحيد الذي يستطيع أن يُحرر، كما قال: " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً " ( يو36:8)، وعندما أراد توما أن يعرف الطريق " يَا سَيِّدُ لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟ " (يو5:14)، أعلن له المسيح أنَّه هو الطريق المؤدي إلى السماء: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي " {(يو6:14). فاقترب منه واعلم أنَّ كل من يُقبل إليه لا يلقي به خارجاً ( يو37:6)، لأنَّ مشيئة الله: " أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ " (يو40:6). |
رد: كتاب شوكة الخطية
" الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيته يُمسك " ( أم5: 22) لا شك أنَّ عدونا الأول والأشد هو الخطية، لأنَّ أي عدو مهما كانت قوته يمكنك أن تصالحه في يوم ما، وقد تصيرا أصدقاء فيما بعد، وتنقلب العداوة التي كانت بينكما إلي محبة!! أمَّا الخطية فهي العدو الوحيد الذي لا يقبل أن يصطلح معك أو يصير لك صديقاً، وإن ظهر هكذا فهذا هو ثوب الرياء الذي يرتديه، فمن الخارج يبدو حسناً، أما الداخل فيحمل خبثاً وانتقاماً.. فهو بمداومة يخطط لهلاكك ويسعي لفنائك. ولهذا كثيراً ما أُشبه الخطية بعدو قاسٍ لا يشفق ولا يرحم، إذا انتصر عليك ووقعت تحت أسره، يُقيّدك بأغلال، وإذا أردت أن تهرب منه سيلاحقك في كل مكان أينما ذهبت. يقول إشعياء النبيّ: " وَيْلٌ لِلْجَاذِبِينَ الإِثْمَ بِحِبَالِ الْبُطْلِ وَالْخَطِيَّةَ كَأَنَّهُ بِرُبُطِ الْعَجَلَةِ " (إش18:5)، وهذا يعني: إنَّ الذين يسعون إلي الخطية بإرادتهم أو يسحبونها بقوة نحوهم، يصنعون لأنفسهم حبالاً وربطاً تسحبهم أو تجرهم كالعجلة نحو الشر، وتقيدهم بقيود الإثم. وكثيراً ما يدّعي الخاطيء أنَّه حر، ولكن هذا في الواقع رياء، لأنه لا شيء أقرب منه إلي الأسر والعبودية والمهانة.. ومن الذي يزله ويستعبده؟ إنها الخطية، العدو القاسي الذي لا يشفق ولا يرحم، وإذا حاول أن يُناقض نفسه أو يبرر ذاته، فصوت رب المجد يسوع سيظل يطارده قائلاً: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ " ( يو34:8). يقول القديس أغسطينوس " لكي تصنع لك حبلاً لابد أن تجمع خيوطه خيطاً خيطاً، ثم تشدها شداً قوياً، هكذا الحال في الخطايا التي تتجمّع وترتبط الواحدة بالأُخرى، لتؤلّف حبلاً قوياً طويلاً، وما الغاية من هذا الحبل إن لم يكن لربط رجلي الخاطيء ويديه وطرحه في الظلمة الخارجية ". حقاً إنَّها مُرّة وقاسية هي عبودية الخطية، وويل للذين يقعون تحت نيرها، فكثيرون ظنوا في البداية أنهم مهما فعلوا الخطية يستطيعون في أي وقت أن يتخلّصوا منها، حسبما يريدون، ولكن سرعان ما وجدوا أنفسهم مقيدين بأغلال يصعُب فكها!! في البداية تملّكهم الوهم واقتنعوا أنَّ بإمكانهم أن يقذفوا بذلك الصنم ويحطموه وقت ما شاءوا، ولكن بعد أن تذوقوا خمر اللذة وجدوا أنفسهم عبيداً لصنم الخطية، يُلّبون رغباته ويعملون كل ما يأمرهم به، أين إرادتهم؟ سلبتها الخطية! ويجب أن نعلم أنَّ قيود الخطية كثيرة ومتنوعة.. فهناك من يتقيّد بحبال الزنا والنجاسة، كما تقيّدت السامرية والمرأة الخاطئة وأهل سدوم وعمورة.. وآخر تُقيّده حبال البخل ومحبة المال، كالشاب الغني والغني الغبي.. وثالث يتقيّد بقيود العظمة والكبرياء مثل هيرودس الملك، الذي عندما رقصت ابنة هيروديا في يوم مولده وأعجبته، وعدها بقسم أنَّها مهما طلبت يُعطيها، وعندما طلبت رأس يوحنا المعمدان كرغبة أمّها. يقول الكتاب: " فَاغْتَمَّ الْمَلِكُ وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ الأَقْسَامِ وَالْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى فَأَرْسَلَ وَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ " (مت9:14)، وهناك من تقيده بقيود المسكرات.. أو القتل.. أو السرقة.. وكلّما تعمّقت في الخطية تأصلت فيك جذورها وبالتالي ازدادت قيودها، ولهذا قيل: إنَّ ما يحدُث مع الخاطيء تجاه شهواته المسيطرة عليه، كالذي يحدّث مع البرابرة تجاه أسراهم، فلكي لا يهرب الأسري يفقئون أعينهم ويقطعون أيديهم وأرجلهم.. وهكذا الخطية تفقأ عيني الخاطيء، فلا يري سوي الدنس والنجاسة، وتقطع رجليه فتعوق سيره في طريق الأبدية. جاء الشاب الغني إلي السيد المسيح قائلاً: " مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟ "، فأجابه رب المجد: " نْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَسْلِبْ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ "، فلمَّا أجاب الشاب وقال: ¬" هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي "، يقول الكتاب المقدس: " فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ " (مر10: 17-22). وكأنَّ السيد المسيح أراد أن يقول له: إن أردت أن تتبعني فلابد أولا أن تحل قيودك التي أنت مقيد بها، لأنّك لا تستطيع أن تتقيّد بقيودي إن لم تحل قيود الشيطان أولاً، ولا تستطيع أن تتقيّد بقيود البر إن لم تنحل من قيود الإثم.. وها أنت مُقيّد بحبال الغني ومحبة المال،فحلها لتتقيد بقيود الجوهرة الثمينة. وفي حديثه مع المرأة السامرية أراد أن يُلفت نظرها إلي قيد قيّدها سنينَ، ألا وهو: الزني، فقال لها: " اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، قَالَ لَهَا يَسُوعُ: حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ " (يو4: 16-18)، ولكي تدخلي معي في زيجة روحية، وتصيري عروس للعريس السماويّ، لابد أن تتخلصي من قيود الزنى التي استعبدتك وأذلتك.. لابد أن تحليها وتقطعي حبالها وتلقيها بعيداً عنك، حتى لا تتقيدي بها ولا يستطيع أحد أن يُقيدك بها مرَّة أُخرى، حينئذ أربطك بحبال لا تنقطع وأقيدك بقيود حُبي التي لا تنفك. وهكذا استحوذ يسوع على قلب السامرية، فاعترفت بخطيتها وأنّه نبي، فشعاع الحب قد اخترق قلبها، فتحول ماضيها الخريفيّ إلى ربيع دائم تفتحت زهوره وفاحت رائحة عبيره.. فتركت عند البئر جرتها وهى في الحقيقة فقد تركت خطيتها لتبشر بعريسها السماوي، الذي معه تذوّقت طعم الحُب الروحانيّ، بعد أن رأت الطهارة تتكيء في عينيه كطفل بريء. عندما حاد صدقيا الملك عن طريق الرب، ولم يصغ هو ولا شعبه إلي كلمة الرب التي تكلم بها علي فم إرميا النبيّ (إر37: 2،1)، ونجس الهيكل بالعبادة الوثنية (2أخ36: 14)، ولم يقضِ بالعدل (إر21: 12،11). قيّدته شروره هذه بسلاسل من نحاس وقادته إلي بابل مسبياً: " فَقَتَلَ مَلِكُ بَابِلَ بَنِي صِدْقِيَّا فِي رَبْلَةَ أَمَامَ عَيْنَيْهِ وَقَتَلَ مَلِكُ بَابِلَ كُلَّ أَشْرَافِ يَهُوذَا، وَأَعْمَى عَيْنَيْ صِدْقِيَّا وَقَيَّدَهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ لِيَأْتِيَ بِهِ إِلَى بَابِلَ " (إر39: 7،6). وفي قصة الإنسان الذي كان به شياطين كثيرة في كورة الجدريين: نري أن الخطية إذا قيّدت إنساناً، لا تقبل أن يُقيّد بقيود أُخري سواها. ولهذا قيل: " كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلاَ بِسَلاَسِلَ لأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيراً بِقُيُودٍ وَسَلاَسِلَ فَقَطَّعَ السَّلاَسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ " (مر5: 3-5). ولكن غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله، الذي أمامه تخضع وتسجد كل الأرواح، وتنحل وتذوب كل القيود. فذلك الإنسان الذي كان به شياطين كثيرة، نراه أمام رب المجد يسوع يخر ويسجد، ويتوسل إليه ألاَّ يُعّذبه، يقول الكتاب: " فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللَّهِ الْعَلِيِّ! أَسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ أَنْ لاَ تُعَذِّبَنِي! ( مز5: 7،6). فاصرخ إليه أيها الخاطيء.. واطلب منه أن يحل قيودك.. لتذبح له ذبيحة التسبيخ.. وأن يربطك برباط حُبّه المقدس.. حتى لا تتقيد بقيود الخطية.. وتأكد أن الله إذا ربطك بقيوده.. سيقودك لا إلي العبودية أو المذلة.. بل إلي الحرية الحقيقية.. حرية مجد أولاد الله. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" فرأي إمرأة تستحم.. فأرسل رسلاً وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معهـا .. وفي الصـباح كتب داود يقـول : اجعـلوا أوريا في وجه الحرب .. فيُضرب ويمـوت " (2صم11) ذكرنا أنَّ الخطية مرض قد يتضخم وينمو في الإنسان، فأكثر المجرمين بدأوا حياتهم الإجرامية بجرائم تافهة، وكما قيل: معظم النار من مستصغر الشرر. وهذه القصة تُؤكد قولي: قصة يُحكي أنَّ لصاً سطا في نصف الليل علي منزل رجل ثري ليسرقه، ولكن علي غير المتوقع استيقظ الرجل ففاجأ اللص وهو يسرق، فوقع عليه وأخذ يصرخ بشدة عسي أن يسمع أحد من الناس صوته فيأتي ليساعده في القبض علي المجرم، فلمَّا رأي اللص أنَّ جريمته فشلت حاول أن يهرب ولكن دون جدوى.. وإذ لم يستطع الفرار أطلق عياراً نارياً علي صاحب البيت فوقع الرجل قتيلاً. فأتى الناس وقبضوا علي اللص، الذي أُلقي في السجن إلي أن صدر الحكم ضده.. أمَّا الحكم فكان الإعدام شنقاً، وكعادة المحكومين عليهم بالإعدام.. سُئل المجرم قبل تنفيذ الحكم: أتريد شيئاً؟ فقال نعم، أريد أن تُحضروا إليّ أمي لأراها قبل أن أموت، فأحضروها بناءً علي طلبه.. فلمَّا رآها طلب أن تقترب منه ليقول لها كلاماً سراً، فلمَّا اقتربت ضغط علي أُذنها بأسنانه فقطعها، أمَّا هي فأخذت تصرخ من شدة الألم.. عندئذ نظر إليها وقال لها: هذا أقل جزاء لكي مني، فأنت التي أتيتِ بي إلي هذا المكان، لأنَّك لو لم تشجعيني علي سرقة البيض من جارتك وأنا بعد صغير، لَمَا صرت لصاً وأنا كبير!! لكن في أحيان كثيرة لا يتضخم المرض بهذه الصورة، إنَّما يمتد ويتسع، فكثيراً ما يسقط الإنسان في خطية واحدة ولكنه بعد قليل يجد نفسه مُصاباً بعدة خطايا أُخري، لأنَّ الخطايا سلسلة كل منها تُسلّم الخاطئ إلي غيرها.. مثلما يسقط إنسان علي سُلم فكل درجة تُسلمه إلي أخري حتى يصل إلي القاع. فمثلاً: كأس الخمر التي يرتشفها إنسان دون أن يُدرك عواقبها.. قد يجر وراءه السقوط في الزني.. الذي يجر وراءه الخيانة والغدر.. وأحياناً القتل والسرقة... وخطية النهم قد تقود أحياناً إلي الزني.. والزني إلي الطمع.. والطمع يقود إلي السرقة.. التي تقود إلي القتل والغضب.. الذي يؤدي إلي الحزن والكآبة. وهذا ما أكده الأب سيرابيون عندما قال: ف الذيادة في النهم يتبعه الزني، والزني يتبعه الطمع، والطمع يُثير الغضب، والغضب يوّلد الكآبة (الغم)، والغم يُنشيء الفتور.. فإن أردت الغلبة علي الفتور، يلزمك النصرة علي الكآبة، ولكي تتخلص من الكآبة، يلزمك طرد الغضب، ولتهدئة روح الغضب يلزم أن نطيء بأقدامنا علي الطمع، ولأجل اقتلاع الطمع يلزم الامتناع عن الزني، ولكي ما نهلك الزنا، فلننتهر خطية النهم... وقد يقع إنسان في خطية الغضب، فيتولد حقد في قلبه.. وهذا الحقد يجعله يسب ويشتم في الآخرين الذين غضب عليهم، وأحياناً يثور ويريد الانتقام منهم، وهذه الثورة تقوده إلي الضرب، الذي يقود أحياناً إلي القتل، وغالباً ما يحاول القاتل تبرير نفسه أمام القضاء فيقع في خطية الكذب والإدانة... أيضاً خطية محبة المال تقود إلي السرقة، التي يتفرع منها الغش والتزوير، وهذه تقود إلي الظلم إذ يسلب حقوق الآخرين، وأحياناً إلي القتل، الذي كثيراً ما يحدث عندما يُضبط السارق وهو يسرق.. وبالطبع إذا قُبض عليه سيكذب حتى لا يُحكم عليه.. يقول القديس مرقس الناسك " يستحيل علي الإنسان أن يسقط في الزنا، ما لم يسقط أولاً في شراهة الأكل، أو أن يُثأر بالغضب ما لم يكن طمَّاعاً يُقاتل من أجل الطعام أو المال أو الشهرة، ومن المستحيل عليه أن يتجنب قتال التذمر، ما لم يكن قد سبق له أن احتمل الحرمان من هذا كله.. ويستحيل عليه أن يهرب من الكبرياء، ما لم يكن قد أستأصل من قلبه محبة المال ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
أمثـلة لقد ذكر الكتاب المقدس، وكذلك كتب الآباء القديسين أمثلة كثيرة، وكلها تؤكد أنَّ الخطايا سلسلة متماسكة، كل حلقة منها مرتبطة بما قبلها وما بعدها، ومن أبرز تلك الأمثلة: آدم وحواء جلست أُمنا حواء مع الحية، التي بدأت تكلّمها كلاماً مناقضاً لكلام الله، لكنّه مُغري، فالله أوصاه أن يأكل من جميع شجر الجنة إلاَّ شجرة معرفة الخير والشر: " لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتا ًتَمُوتُ " ( تك17:2)، والحية قالت: " يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ " ( تك5:3). فتطلعت حواء أن تصير كالله!! فسقطت في الكبرياء، وأيضاً في الشك وفقدان الثقة في كلام الله، وهنا دخلت الشهوة قلبها، يقول الكتاب المقدس: " فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ " ( تك6:3). وبعد شهوة الأكل كانت شهوة الجنس، فقبل الأكل كانا كلاهما عريانين، وهما لا يخجلان (تك25:2)، أمَّا بعد السقوط " فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ، فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ " ( تك 7:3). قايين بدأت سلسلة خطايا قايين بالحسد والغيرة، حدث ذلك بعد أن قبل الرب قربان هابيل ولم يقبل قربانه، ثم تطوّر الحسد إلي غضب: " فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَسَقَطَ وَجْهُهُ " (تك5:4). وقاده الغضب إلي القتل، وبعد القتل نراه يكذب، فعندما سأله الله عن هابيل قال: لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟ " (تك9:4). العالم القديم إنَّ قصة السقوط المريعة التي تسببت في فناء العالم كله بالطوفان بدأت بنظرة: " أَبْنَاءَ اللهِ رَأُوا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ " (تك2:6)، فهم إذ رأوا اشتهوا، " ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتاً " (يع15:1)، فلما اشتهوا مالت أجسادهم وأرادوا إشباع شهواتهم، " فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا " (تك2:6)، ولكن كما يقول معلمنا بولس الرسول: " لاَ تَضِلُّوا! فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ " (1كو33:15)، وهذا ما قد حدث، إذ عمّ الفساد وانتشر الشر علي الأرض، حتى إنّ الرب حزن أنَّه عمل الإنسان، فكان لابد من عملية تطهير للفساد، فأتى الله علي العالم بماء الطوفان... فالبداية كانت نظرة شريرة من قوم فاسدين، وهذه النظرة الشريرة قادت إلي خطايا أُخري، انتهت بالهلاك والفناء.. ولهذا يقول القديس أغسطينوس: " إنَّ حلقات السقوط أربعة: نظرة، فتصور، فهُيام، فسقوط ". داود النبيَّ بدأت سلسلة خطايا داود، بقليل من الكسل والفراغ، فكان يجلس في البيت ولا يخرج للحرب كما كان يفعل من قبل، وهذا الفراغ قاده إلي النظر لخصوصيات الناس، فتطلّع وهو يتمشي علي السطح وقت المساء إلى إمرأة وهي تستحم، وإذ كانت المرأة جميلة أرسل إليها فاضطجع معها، وسقط رجل المزامير العظيم في خطية الزنا!! ولكي يخفي خطيته التي تورط فيها، أمر بقتل زوجة أوريّا وهو في الحرب حتي يستطيع أن يتزوجها.. (2صم11). يهوذا الإسخريوطيّ كان خطية حُب المال هو الخطية الأولي التي دخلت إلي قلب يهوزا، تلك التي قال عنها معلمنا بولس الرسول إنَّها " أصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ " (1تي10:6). وهذه الخطية هى التي قادته إلي سرقة الصندوق الذي عهد به إليه الرب (يو6:12)، ومحبة المال قادته أيضاً إلي إدانة مريم، عندما دهنت قدمي يسوع بالطيب في بيت عنيا ( يو12: 1-8)، ثم الخيانة إذ سلم الرب بثلاثين من الفضة، وهذه الخطية الشنعاء قادته إلي اليأس وفقدان الرجاء، الذي قاده إلي الانتحار، إذ " مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ " ( مت27: 3-5). يعقوب المجاهد كان لملك إبنة صرعها روح نجس، ولم يستطع أحد إخراجه.. فذهبوا إلي القديس يعقوب المجاهد، فلمَّا صلي عليها خرج الروح النجس، ولكن ما أن عادت إلي بلدها حتى عاد إليها مرّة أُخري.. فعادوا بها للقديس فصلي عليها فخرج الروح النجس، ولكنه عاد إليها مرّة أُخري، فسافروا مرَّة ثالثة.. فقرر الملك أن تبقي ابنته بجوار القديس فبنوا لها حجرة.. وكان الشيطان كلَّما يصرعها يدخلونها إليه، وتطوّر الأمر إلي أن أبقوها معه ثم تركوها ومضوا!! ولكن بمرور الوقت تكوّنت دالة بين الفتاة والقديس، وهذه الدالة تطورت إلي خطية، إذ سقطا في الزني، وحبلت الفتاة.. فلما رأي أن الخطية ستنكشف وتضيع سمعته، وربّما يقتله الملك، وسوس له الشيطان أن يقتلها، فقتلها ودفنها في مكان بعيد! وحدث أن جاء رسل الملك يسألوا عنها، فكذب وقال: إنَّ الشيطان صرعها مرَّة، فانطلقت بسرعة هاربة في الجبل، ولم أستطع اللحاق بها واختفت، فصدقوه لأنَّه لم يكن موضع شك!! وبهذا سقط القديس في ثلاثة خطايا ألا وهى: الزنا الذي قاده إلي القتل، الذي قاده إلي الكذب لكي يخفي جريمته. |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل الخامس أسباب الخطيـة قد يُخطيء الإنسان مدفوعاً بأسباب كثيرة.. وهذه الأسباب إمَّا أن تكون داخلية أي مصدرها الإنسان نفسه.. وإمَّا أن تكون خارجية.. ويعد الجهل من الأسباب الداخلية التي تتسبب في سقوط الإنسان في الخطية، وهناك الجهل المقصود الذي صاحبه يعرف الحق، ولكنّه يتجاهله لأسباب في نفسه، وهناك الجهل الذي يأتي عفواً. كذلك الغضب الممقوت يُعد سبباً آخر لسقوط الإنسان، وهو غالباً ما يقود الإنسان إلي عدة خطايا أُخري قد تنتهي في مواقف بالقتل أحياناً.. هذا بالإضافة إلي لذة الخطية، وهى كثيراً ما تجعل الإنسان ينس أشياء كثيرة أهمها محبة الله ووصاياه.. أمَّا الأسباب الخارجية فمنها الناس الأشرار الذين معاشرتهم تفسد الأخلاق الجيدة، وأيضاً إبليس الذي منذ البدء قتَّالاً للناس، وهو يسعى أن يُسقط جميع الناس. كما أنَّ البعد عن الوسائط الروحية يُضعف من قوة الإنسان الروحية، ويجعله عرضة للسقوط في أي وقت. ولا نُنكر وسائل العصر الحديثة من تليفزيونات وفيديوهات ودشات وشرائط كاسيت ومجلات.. نقلت لنا تطورات المجتمع الغربي العابثة بالقيم والمباديء الأخلاقية، وهي بلا شك ساعدت كثيراً في انتشار الإباحية والجنس بصورة لم تكن موجودة من قبل، وأدخلت لنا بعض المفاهيم الخاطئة التي أضرت بالكثيرين. " هلك شعبي من عدم المعرفة " ( هو 6:4) الجهل هو عدم المعرفة التي يجب علي الإنسان الإلمام بها في دائرة اختصاصه. إلاَّ أنَّ هناك معارف هامة يجب علي كل إنسان الإلمام بها مثل العلوم الدينية... وهي بالتأكيد لها دور هام في حياتنا الروحية، وتُعد كحصن يحمي الإنسان من سهام الخطية، وتقوده إلى الطريق الصحيح للحياة مع الله.. فسبب الجهل كاد أهل نينوي أن يهلكوا، أولئك الذين ما كانوا يعرفون يمينهم من شمالهم ( يون11:4)، وقد قال الله: " قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، لأَنَّكَ أَنْتَ رَفَضْتَ الْمَعْرِفَةَ أَرْفُضُكَ أَنَا حَتَّى لاَ تَكْهَنَ لِي. وَلأَنَّكَ نَسِيتَ شَرِيعَةَ إِلَهِكَ أَنْسَى أَنَا أَيْضاً بَنِيكَ " ( هو6:4). يقول القديس إبيفانيوس " النظر في الكتب حرز عظيم، وهو يمنع الإنسان من الوقوع في الخطية ويستميله إلي عمل البر، والجهالة بالكتب جرف سريع السقوط، وهوة عظيمة، إنَّ الذي لا يعرف النواميس الإلهية قد أضاع رجاء خلاصه ". وهناك ما يعرف بالجهل المقصود، أو الجهل الاختياريَّ، والذي أصحابه يعرفون الحق، ولكنهم يتجاهلونه باختيارهم لسبب في نفوسهم مثل الذين يقتلون الأرملة والغريب ويُميتون اليتيم، ويقولون الرب لا يبصر، وإله يعقوب لا يلاحظ ( مز 94: 7،6)، وكما قال معلمنا داود النبي: " قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلَهٌ " ( مز1:14). ويُعد قيافا من أصحاب الجهل المقصود، فهو اختار أن يكون جاهلاً برغبته! لأنَّه كان يعلم أن المسيح هو ابن الله وقد نطق بنبوته المشهورة: " خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا " ( يو11 : 50-52)، إلاَّ أنَّه عندما سأل المسيح: " أأنت هو المسيح ابن الله؟ " وأجاب المسيح بالإيجاب، تظاهر قيافا بالاشمئزاز من جوابه وحسبه تجديفاً، وقال أنه غير محتاج إلي شهود بعد، فحكموا عليه بصوت واحد بالموت ( مت26: 65-68). وهناك جهل يأتي عفواً أيّ بدون قصد، وهو ما يعرف بالجهل غير الإختياريّ، كما حدث مع معلمنا بولس الرسول عندما كان يحتج أمام المجمع اليهودي، فلمَّا أمر رئيس الكهنة بضرب بولس قال له: " سَيَضْرِبُكَ اللهُ أَيُّهَا الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ! أَفَأَنْتَ جَالِسٌ تَحْكُمُ عَلَيَّ حَسَبَ النَّامُوسِ وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِي مُخَالِفاً لِلنَّامُوسِ؟ "، ولما قال الواقفون: " أَتَشْتِمُ رَئِيسَ كَهَنَةِ اللهِ؟ "، قال بولس: " لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّهُ رَئِيسُ كَهَنَةٍ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: رَئِيسُ شَعْبِكَ لاَ تَقُلْ فِيهِ سُوءاً " (أع 23: 2-5). وينطبق هذا الجهل علي الذين صلبوا المسيح، ولهذا قال وهو علي الصليب: " يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ " (لو34:23)، وقال عنهم معلمنا بولس الرسول: " لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْد " (1كو8:2). وقد اعترف القديس بولس أنَّه بجهل غير مقصود اضطهد الكنيسة، فيقول لتلميذه تيموثاوس: " نَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفاً وَمُضْطَهِداً وَمُفْتَرِياً وَلَكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ فِي عَدَمِ إيمان " (1تي13:1). هذا وقد اعتبر القديس مرقس الناسك الجهل أحد الثلاثة الجبابرة الغرباء الأشداء، وهو أصل كل الشرور، فيقول: " وها أنا أُحدثك عن ثلاثة جبابرة غرباء أشداء، يعتمد العدو عليهم في تشكيل وعمل قواته العقلية المضادة لنا، فإذا أفلحت في طرحهم وقتلتهم ينتهي مصير كل قوات الشر حتماً بالهزيمة، هؤلاء الجبابرة الثلاثة الذين من صنع الشرير هم: 1- الجهل: وهو أصل (أم) كل الشرور. 2- النسيان: أخ الجهل المساعد والمعضد له. 3- الكسل: وهو يحيك من الظلمة رداء وغطاء يطمس به النفس. والبابا أثناسيوس الرسوليّ يعتبر الجهل والموت والخطية مرتبطين معاً فيقول: " هذه الثلاثة: الجهل والموت والخطية مرتبطة معاً بعضها ببعض وكل واحدة تعزز وتقوي الأُخريين ". أمَّا الوحي الإلهي: فقد حدثنا عن العقاب الشديد الذي سيُصيب الجهال، فيقول سليمان الحكيم: " اَلْقِصَاصُ مُعَدٌّ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ وَالضَّرْبُ لِظَهْرِ الْجُهَّالِ " (أم29:19). ومعلمنا داود النبيّ يقول: " وَالْجُهَّالُ مِنْ طَرِيقِ مَعْصِيَتِهِمْ وَمِنْ آثَامِهِمْ يُذَلُّونَ كَرِهَتْ أَنْفُسُهُمْ كُلَّ طَعَامٍ وَاقْتَرَبُوا إِلَى أَبْوَابِ الْمَوْتِ " ( مز107: 17،18). ومعروف أن العقاب جزاء لكل خطية، وهذا الجهل له عقابه فهو إذن خطية. يقول مار إسحق " ثمّة خطية ينجذب إليها الإنسان مكروهاً نتيجة ضغط ما، والثانية يفعلها بإرادته عن جهل، والثالثة تحصل لسبب عابر، وأُخري تتم بالاعتياد علي الشر وإلقاءه فيها، ورغم أنّها تستحق الذم مجتمعة، إلاَّ أنَّ عقوبة كل منها تختلف عن الأُخرى. لكن إن كان الجهل أحد مسببات الخطية، فالمعرفة والثقافة الروحية تعد من أقدر الوسائل للسيطرة علي الخطية، وفي هذا يقول مار غريغوريوس المُلقب بابن العبريّ: " الشغف بمحبة العلم من أقدر الوسائل لاستئصال العادات الرديئة من النفس، وطالب العلم الديني ليبدأ بدراسة سفر المزامير، ثم يتدرج فيدرس أسفار العهد القديم، فالعهد الجديد، ثم يتثقّف بكتب العلماء ". أمَّا القديس إكليمنضس السكندري فيقول: " إذا كانت الظلمة هل الجهل الذي من خلاله نسقط في الخطية غير مبصرين للحقيقة، فالمعرفة إذاً هي النور الذي نحصل عليه والذي يجعل الجهل يختفي ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
" الرجل الغضوب يُهيـّج الخصام، والرجل السخوط كثير المعاصي " (أم22:29) الغضب هو: شهوة أو انفعال كامن في القلب ومهيج علي ارتكاب الخطية، وإن كان هناك ما يعرف بالغضب المقدس، إلاَّ أننا نتحدث عن الغضب الممقوت الذي تسبب في أول جريمة قتل في العالم. غضب قايين لأنَّ الله قبل ذبيحة أخيه ولم يقبل تقدمته، وفي هذا يقول الكتاب المقدس: " فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَسَقَطَ وَجْهُهُ " ( تك5:4)، وظلت مشاعر الغضب تلتهب في قلب قايين إلي أن " قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ " (تك8:4). والغضب هو الذي جعل عيسو يحاول قتل أخيه يعقوب، الذي هرب إلي خاله لابان بناءً علي نصيحة أمه، التي لمَّا رأت أنَّ غضب عيسو اشتد علي يعقوب قالت له: " فَالآنَ يَا ابْنِي اسْمَعْ لِقَوْلِي وَقُمِ اهْرُبْ إِلَى أَخِي لاَبَانَ إِلَى حَارَانَ وَأَقِمْ عِنْدَهُ أَيَّاماً قَلِيلَةً حَتَّى يَرْتَدَّ غَضَبُ أَخِيكَ عَنْكَ " ( تك 27: 41-45). وبسبب الغضب صار شاول الملك عدواً لداود كل الأيام حتى موته (1صم 29:18)، وقد حاول قتله أكثر من مرّة، وطارده من برية إلي برية، بل حمي غضبه علي ابنه يوناثان لما دافع عن داود، وسبه قائلاً: " يَا ابْنَ الْمُتَعَوِّجَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ " (1صم30:20). يقول القديس يوحنا الدرجي " شنيع هو تعكّر القلب بالغضب، وأشنع منه ظهور الغضب بالشفتين، وأشنع من هذا مد اليد للأخ (الضرب). ألم يقل سليمان الحكيم: " اَلرَّجُلُ الْغَضُوبُ يُهَيِّجُ الْخِصَامَ وَالرَّجُلُ السَّخُوطُ كَثِيرُ الْمَعَاصِي " ( أم 22:29)، فالغضب إذن يتسبب في كثير من المعاصي.. فالغضوب هو إنسان قاسي القلب، فقد جاء في سفر الأمثال: " اَلْغَضَبُ قَسَاوَةٌ " ( أم4:27). والغضوب هو إنسان لا يغفر، لأنّه لو غفر لأخيه ما كان قد غضب عليه، وحينما لا يغفر الإنسان يُعرّض نفسه لعدم غفران الله " وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاَّتِكُمْ " (مت15:6). كما أنَّ الغضوب يحمل لوناً من البُغضة، لأنَّه لا يحتمل في حين أنَّ المحبة " َلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ " (1كو7:13).. وكثيراً ما يقع الإنسان الغضوب في كثير من خطايا اللسان العديدة، مثل الشتيمة وغيرها. هذا بالإضافة إلي فقدان السلام والعزاء الداخلي، والحرمان من الراحة والهدوء، وغليان الدم وثورة الأعصاب، وكل هذا له تأثير علي العقل وطريقة تفكيره، وفي هذا يقول مار إسحق السريانيّ: " القلب المتوقد بالغضب هو فارغ من العزاء الجوانيّ، وعادم من المعزيين الذين من خارج ". كما أنَّ صلوات وتقدمات الغضوب غير مقبولة عند الله، وقد أكد هذا مار أوغريس بقوله: " صلاة الغضوب هي بخور نجس مرذول، وقربان الغضوب هو ذبيحة غير مقبولة "، والقديس أنبا أغاثون يقول: " ولو أقام الغضوب أمواتاً فما هو مقبول عند الله ". هذا وقد أثبتت بحوث علم النفس ومشاهدات كبار الأطباء والجرّاحين، أنَّ الغضب سُم للجسد قبل أن يكون سُمّاً أخلاقياً، فقد قال أحد الأطباء: " إنَّ والدة كانت ترضع طفلها، في الوقت الذي تحمل فيه غضباً وحقداً دفيناً لجارتها، وكان غضبها قد وصل لقمته، فسقط طفلها الرضيع صريع السُم الذي تسرّب لجسمه من لبن رضاعها ". وقد أثبت أحد الأطباء بعد تجارب عديدة أجراها علي عدد كبير من المرضي: إنَّ الغضب والحقد من الأسباب الرئيسية لأمراض الربو والتهاب المفاصل والمغص وتصلّب الشرايين وارتفاع الضغط.. فالغضوب هو إنسان يحمل خنجراً يطعن به قلبه، قبل أن يطعن قلوب من يحقد ويغضب عليهم، فليس أقسي علي الغضوب إلاَّ الغضب، لأنّه يطعنه في صميم قلبه ونفسه!! يكفي في ذم الغضب ما قاله يعقوب الرسول: " غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللَّهِ " (يع20:1)، أيّ لا يتفق مع البر الذي يريده الله. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" الشهوة الحاصلة تلُذ النفس " ( أم 19:13) إذا ما ذاق الإنسان الخطية ووجدها حلوة، وشعر فيها بلذة، فما أسهل عليه أن يبتعد عن الله وينسي محبة، ولا يعود يعمل بوصاياه، فلذة الخطية تُغطي علي كل شيء، وتبسط غشاوة علي العقل والقلب.. لذة الخطية هي التي خدّرت شمشون، وأنسته كل شيء بل أنسته أنَّ دليلة لم تكن مخلصة له، وسلّمته لأعدائه أكثر من مرّة.. وهي التي قسّت قلب فرعون، فقد كان يمكن أن يترك اليهود يمضون، لكن لذة خطية السيادة والتسخير، قسّت قلبه فلم يستفد من كل الضربات التي حلّت عليه وعلي مصر كلها، وكلَّما كان القلب يستجيب ليتركهم كانت لذة الخطية تثنيه فيرجع! ولذة خطية الامتلاك هي التي جعلت آخاب الملك، يشتهي حقل نابوت اليزرَعيليّ، ويُلفق له تهمة ويقتله! لقد كانت حلاوة الحقل تغشي علي ضميره تماماً، وتقسي قلبه الذي قَبِلَ الظلم والقتل! يقول ابن العبريّ " إنَّ تمتع الإنسان باللذات في الحياة الفانية يصدّه عن الاستعداد للحياة الأبدية، وكما أنَّ الإنسان لا يتمكن من رؤية صورته في الماء العكر، هكذا أيضاً لا يتمكن من أن يرى ذاته متّحدة بربّها، إن لم تتطهر مِرآة نفسه من اللذات ". فلا تغرنكم حلاوة الخطية خاصة في بدايتها لأنَّ آخرتها مرَّة كالأفسنتين، فهي التي ظهرت ليهوذا كأنّها حلوة فارتكبها وسلم سيده، ولكن آخرته كانت الانتحار إذ مضي وشنق نفسه (مت5:27). فكأنَّ الخطية سلَّمت له سلاحاً حاداً، علي أمل أن يقتل به غيره فقتل به نفسه! يقول مار أفرآم السرياني " إهرب من اللذة فإنّ ثمارها أثمار الخزي، فقبل اللذة شهوة وبعد اللذة حزن، كرر الافتكار في أن اللذة يعقبها حزن وخزي ". ولا تخدعك الخطية لأنها تبدو كالوردة في البستان، لا يمل أحد من التطلع إلي جمالها أو تنسم عبير رائحتها.. ولكن إلي حين، لأنّها سرعان ما تتحوّل حلاوتها إلي مرارة لا يحتملها الخاطيء. وقد تقطف الوردة لتتمتع برائحتها، ولكن سرعان ما تجف وتذبل، ولا يبقي منها سوي الأشواك التي تُدمي اليدين، والشيء العجيب أنَّ الأشواك تكون في بدايتها خفيفة الآلام، ومع مرور الزمن تزداد حِدة، وبالتالي تزداد معها آلامها. يقول القديس أغسطينوس " لا تثق بسعادة تجنيها من الخطية لأنَّ آلامها تفوق أفراحها، فبقدر ما تشعر بسعادة تجد أنَّك مشدود ومقيد برباطات صيرتك عبداً للخطية.. لتلك العادات الرديئة التي تملَّكت عليك ". وفي أحيان كثيرة كان يناجي الله قائلاً: " لقد أبعدت عني اللذة الشنيعة وجلست مكانها أيها اللذة الحقيقية، لذتك تفوق كل لذة مهما كانت طيبة، إلاَّ أنَّها غير معروفة عند الناس الجسدانيين ". وإليك قصة توضح أنّ الذين ينغمسون في اللذات الجسدية، يشبهون رجلاً فر من أمام حيوان مفترس وهو في حالة غضب، ونجا من قبل أن يفترسه، وبينما هو يجري مسرعاً سقط في بئر عميقة. فبسط يديه وتعلق بغصنين كانا قد غُرسا بجانبها، وأمسك بهما شديداً، فظن أنَّه نجا من الخطر، لكنه نظر فأبصر( فأرين) أحدهما أبيض والآخر أسود، وهما مربوطان لا ينفكان، يأكلان هذين الغصنين الذي كان ممسكاً بهما، ثم نظر إلي أسفل البئر، فرأي تنيناً جسيماً ينفث ناراً وعيناه تتقدان، وقد فتح فاه ليلتقطه، ثم حوّل نظره إلي الموطيء الذي كان واقفاً عليه، فإذا بأربع أفاع قد أطلعت رؤوسها، من أوكارها في الحائط الذي كان متوكئاً عليه، وأخيراً رفع عينيه فرأى نحلاً قد كوّن عسلاً يقطر من الشجرة فذافه وتلاهي به عن التفكير في عاقبة أمره والاهتمام بالأخطار المحيطة به.. أمّا العسل فهو لذة الخطية الذي يخدع الإنسان، ولا يسمح له أن يهتم بخلاص نفسه!! فهل بعد هذا تتجرأ وتفعل الخطية وتقول إن فيها لذة؟! |
رد: كتاب شوكة الخطية
" المعاشرات الردية تُفسد الأخلاق الجيدة " ( 1كو 33:15) المقصود بالناس هم الأقارب والأصحاب والأصدقاء.. كل ما يحيط بنا من بشر، الذين بلا شك لهم تأثير علي حياة الإنسان الروحية. فإن عاشرت أناس قديسين، تعلمت منهم حياة الفضيلة.. وإن عاشرت أناس خطاة قد تضعف وتسير معهم في طريق الرزيلة. إنَّ معاشرتك للأتقياء تكسبك فضيلة وتجعلك واحداً منهم، فشاول لما اجتمع مع الأنبياء تنبأ مثلهم، ولكنه لما كان بين الجهال صار جاهلاً. وبطرس الرسول حينما كان في وسط التلاميذ أقرَّ واعترف بأن المسيح ابن الله، ولكن لما كان في دار قيافا أنكره ثلاث مرات، فالمعاشرة تؤثر في الأخلاق بل تجعل الإنسان كعشيره. يقول مار إسحق السريانيّ " معاشرة المجاهدين تغنينا وتغنيهم بأسرار الله، أما معاشر المتهاونين والكسالى فإنه يتخم بطنه ولا يشبع من التسلية مع الآخرين". وكما أنَّ الصديق الصالح يجذبك معه إلي فوق، كذلك الصَديق الخاطيء يجذبك معه إلي أسفل.. وفبهذا قال أحد الشيوخ: " إذا مشيت مع رفيق صالح من قلايتك إلي الكنيسة فإنه يقدمك ستة أشهر، وإذا مشيت مع رفيق رديء من قلايتك إلي الكنيسة فهو يؤخرك سنة ". ونفس هذا السبب هو الذي دفع أحد الآباء أن يقول: " الذي لا يشابهك تجنبه ولا تعاشره، لأنَّ الماء الذي من أعلي ينزل بسهولة إلي أسفل، وأما الذي من أسفل يصعد بعد جهد، لأنك عندما ترفعه إلي فوق ينحدر إلي أسفل ". والمثل الشعبي يقول: " اختار الرفيق قبل الطريق "، فبولس الرسول عندما كان مسافراً في البحر وحصل نوء عنيف وانكسرت السفينة، نجا جميع الذين كانوا فيها إكراماً لبولس (أع 24:27). والرب بارك لابان لنزول يعقوب عنده ( تك34:24)، وبارك بيت فرعون بل ومصر كلها لأجل يوسف (تك5:39). ولوط لما كان مرافقاً لإبراهيم حصل علي ثروة طائلة، ولكن لما سكن بين الأمم خسر أمواله حتي استرجعها له إبراهيم (تك14:13). أيضاً الزوج البعيد عن الوسائط الروحية قد يضعف من روحيات زوجته, وعندما تضعف الروحيات ليس هناك أسهل من الخطية.. وهكذا تفعل الزوجة غير الروحية مع زوجها، فلولا عشرة إيزابل ما كان آخاب الملك قد تقسّي قلبه ليقتل نابوت اليزرعيلي لكي يأخذ حقله. فهي التي قدمت له الفكرة الخاطئة وساعدته علي تنفيذها ودبّرت له كل شيء (1مل21). وهكذا فعل الشباب مع رحبعام إذ نصحوه أن يقول للناس: " إنَّ خِنْصَرِي أَغْلَظُ مِنْ وَسْطِ أَبِي وَالآنَ أَبِي حَمَّلَكُمْ نِيراً ثَقِيلاً وَأَنَا أَزِيدُ عَلَى نِيرِكُمْ أَبِي أَدَّبَكُمْ بِالسِّيَاطِ وَأَنَا أُؤَدِّبُكمْ بِالْعَقَارِبِ " (1مل12: 11،10). وسليمان الحكيم أيضاً انحرف وسقط بسبب نسائه الغريبات اللاتي أملن قلبه وراء آلهة أخري.. وأقام المرتفعات ” لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ " (1مل11 : 1-8). هذا وقد وضع لنا القديس بولس الرسول مبدأ روحياً هاماً، في تعاملنا مع الناس قال فيه " لاَ تَضِلُّوا! فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ " ( 1كو 33:15). كما قال أيضاً: " لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ " ( 1كو 9:5)، " َاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ " (1كو 13:5). ووردت نفس النصيحة في المزمور الأول: " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ " ( مز 1:1). إنَّ استنشاق الهواء النقيّ، والسكني في الأماكن المعتدلة تفيد الجسد، كذلك صحبة الأتقياء نافعة ومفيدة للأخلاق والروحيات. فلا تضلوا وتصادقوا الخطاة علي أمل إصلاحهم إن كانت روحياتك ضعيفة، لأنَّ من لمس القار لصق به، ومن عاشر الأردياء اكتسب من صفاتهم، لأنَّه لا يوجد مرض يُعدي الأخلاق الردية أصحاب الأخلاق الجيدة.. فاهرب وابعد عن كل شرير خبيث واعتبره أشر من اللصوص والخونة، لأن السارق إنما يسرق مالك، وأما هذا يسلبك شرفك وأخلاقك، إنه يسرق غني النفس والفضائل الثمينة. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" الله صنع الإنسان مستقيماً أما هم فطلبوا اختراعـات كثيرة " ( جا 29:7) يقصد بالاختراعات الحديثة: أجهزة التلفزيون، والفيديو، والأفلام السينمائية، وشرائط الكاسيت، والدش، والنت.. وهذه كلها لو استُخدمت بطريقة إيجابية لكانت وسائل بنّاءة، لها دورها الفعّال في نمو الإنسان روحياً، فعن طريق هذه الأجهزة يمكن مشاهدة الأفلام الدينية، وسماع العظات والتراتيل الروحية، وكثير من البرامج الثقافية التي تنمي العقل، وتوسع مدارك الفكر... إمَّا إذا استُخدمت بطريقة خاطئة، فإنّها تقود الإنسان إلي السقوط في الخطية، وتُعلّمه أشياء تضره، كما أنَّها تغرس فيه أفكاراً قد تُغيّر نظرته الروحية، أو تقدم له مفاهيم جديدة عن السعادة والحرية والقوة.. ربَّما تشوش علي مبادئه وتُسقطه. فيجب أن نعترف بأنَّ الاختراعات المكرسة لحل مشاكلنا، كثيراً ما تصبح في ذاتها مشكلة، فالاختراعات الحديثة أعطتنا الطائرة والكمبيوتر.. لكنَّها أعطتنا أيضاً القنبلة الذرية، التي أنزلت الموت والألم علي هيروشيما، والسيارة التي تستخدمها في التنقل والتنزّه، هي عينها التي تنقلب بأُلوف الناس وتدوس تحت عجلتها مئات البشر، ولهذا قال البعض: إن بركة العلم تتحوّل إلي لعنة عندما تنحرف بها. ماذا يحدث لو رأيت فيلماً سينمائياً، يُبيح العلاقات غير المشروعة التي تُحرّمها المسيحية؟ أو مسلسلاً تليفزيونياً يُحلل الطلاق غير المباح أو المصرح به في ديانتنا؟ أو بعض المفاهيم الأُخري التي تتنافي مع عقيدتنا المسيحية أو تقاليدنا القومية؟ أليس في هذا تشويشاً علي ما استلمناه وما تعلمناه من آبائنا علي مر عصور؟ ومثل الوسائل الحديثة أيضاً مصادر الفكر من كتب ومجلات ومطبوعات.. وهذه أيضاً لها تأثيرها علي الناس خاصة البسطاء والضعفاء من جهة الإيمان.. ولهذا يجب علي الإنسان أن يكون حريصاً فيما يقرأ ويسمع ويري، فعقل الإنسان لا يسكت أبداً بل هو كرحي دائمة الحركة، وكلّما ألقي فيها من الحبوب طحنته، وهو علي الدوام يطلب غذاء، وبحسب الغذاء الذي يقتات به يفكر، فمن لا يفكر في الخير يفكر في الشر، ومن لا ينظر إلي فوق ينظر إلي أسفل، ومن لا يتقدم للأمام يرجع للوراء. يحق لنا أن نقول: إن الاختراعات الحديثة وإن كان دور هام في حياتنا، إلاَّ أنها تفشل في تلبية احتياجتنا الروحية، إنّها تصنع عجلات ومعدات تحت أقدامنا، لكنّها تصنع مخاوف وفزع في قلوبنا، قد تساعدنا أن نعيش أطول لكنها تعجز أن تجعلنا نعيش أفضل، وربّما تجعلنا ننعم بقسط أكبر من الراحة، لكن ليس بقسط أكبر من السعادة، فالسعادة مع الله وحده الذي خلقنا ولن نجد راحتنا إلاَّ فيه. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" اصحوا واسهروا لأنَّ إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه " (1 بط 8:5) منذ أن سقط الشيطان وهو قائم يحارب بكل جهده، عسي أن يلقي البشرية كلها تحت حكم الموت.. فهو الذي أسقط أمنا حواء وأبينا آدم وتسبب في طردهما من الفردوس.. وجلب الشقاء علي جنس البشرية.. إذ الجميع بلا استثناء يولدون محكوماً عليهم بالموت.. وبعرق جبينهم يأكلون خبزهم.. كما أنَّه قد أسقط أنبياءً ورسلاً وأشخاصاًَ حل عليهم روح الرب مثل: داود النبي، وشمشون الجبار، وشاول الملك... فهو لا يقف ساكتاً، إن وجد إنساناً يحيا مع الله يقف ضده.. ويسمي هذا أحياناً حسد الشيطان. وقد وصفه معلمنا بطرس الرسول بعبارة قال فيها: " اُصْحُوا وَاسْهَرُوا لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِساً مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط 8:5)، وقد قال السيد المسيح لبطرس مرّة: " هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ " ( لو22 : 32،31). ومعروف أنَّ الشيطان يملك قوة هائلة تفوق إمكانات البشر، لأنَّه كان قبل أن يسقط أحد الملائكة " الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً " ( مز20:103)، وقد استطاع بقوته أن يضل العالم كله أيام الطوفان، ولم تنجو من ضلالته سوي أُسرة واحدة هي أُسرة نوح البار، ونفس الشيء بالنسبة لسدوم التي لم ينجو منها سوي لوط البار وابنتيه. وتظهر قوة الشيطان في إسقاطه لسليمان في عبادة الأصنام (1مل 11: 4-8)، وصرعه لأُناس كثيرين، فقد كان علي واحد فرقة من الشياطين( مر5). أمّا أساليبه فكثيرة ومتنوعة وتختلف من واحد لآخر، فهو كما يقول مار إسحق السرياني: له عادة قديمة وهي تقسيم المعارك بمكر، ضد الذين يُحاربونه فيُغير أسلحته ويستبدل أساليبه الحربية وفقاً لإمكانات الأشخاص، فكما أن الصيادين يُغيّرون الطُعمْ للطيور والأسماك والوحوش حسب طعام كل واحد، هكذا الشياطين يغيرون الحروب حسب ما تميل الإرادة للصلاح أو للشر. يقول القديس مقاريوس " إن الشيطان عديم الرحمة في كراهيته للبشر، لذلك لا يتوقّف عن المحاربة ضد كل إنسان، ولكن الظاهر أنّه لا يهاجم الجميع بنفس الدرجة ". ويُعتبر الخِداع هو المبدأ الذي تنطوي عليه كل حيل الشيطان، فهو محتال في تزييف الحقائق، فالكتاب المقدس يُعلّمنا أنّ الشيطان يستطيع أن يُغيّر شكله إلي شبه " ملاك نور " (2كو24:11)، فهو دائماً يكيف نفسه حسبما تقتضي الأمور، ولا ننسى خبرته في حروبه مع البشر. وكما أن مزوري العملات يحاولون دائماً أن يجعلوا نقودهم المزيفة تبدو تماماً مثل العملة الحقيقية، هكذا يعمل الشيطان أيضاً حتي يسقط المؤمنين ويستعبدهم، أما خداعه فقد بدأ في جنة عدن، ومنذ ذلك الحين إلي وقتنا الحاضر يخدع الناس ويضللهم. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" من أجلهذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضي وكثيرون يرقدون... " (1كو 30:11) كل الوسائط الروحية أعطاها الله لخير الإنسان، ولفائدته الروحية، فإن أهملها، لا يكون قد عصي الله فقط، لكنه أضر بنفسه!! فالوسائط الروحية أو وسائط النعمة، هي بمثابة الأسلاك التي توصل إلينا تيار الروح القدس.. أو المجاري التي عن طريقها يصل إلينا ماء الحياة، فإذا قطعت الأسلاك توقف التيار، وإذا انسدت المجاري سوف لا يصلنا الماء. لقد أعطانا الله الوسائط الروحية لتقوينا في الحياة الروحية، فهي المجرى الحي الذي منه نشرب حليب النعمة الإلهية، وبه يتقوي إيماننا، ويثبت رجاؤنا، وتشتعل محبتنا لله، وننمو في كل شيء. ومهما وصل الإنسان إلي أعلى درجات الحياة الروحية، فلن يمكنه الاستغناء عنها.. لأنَّها طعامه الروحي، فهي التي تُعطي الإنسان قوة ومعونة حتي يستطيع أن يصمد ضد التجارب، ويُقاوم الحروب التي تأتي عليه. كما أنَّها تجعل الإنسان دائماً في حضرة الله، وبهذا الحضور لا يجرؤ الشيطان أن يقترب إليه، وإن اقترب فسرعان ما يتركه، لأنَّه لا يجد في قلبه مكاناً له.. ويري طرقه لا توافق طرقه، وإذا حاربه بشيء تكون حربه ضعيفة لأنَّه مشغول دائماً بالله. وأي إنسان يحاول أن يسلك في طريق الروح بدونها، يكون كمن يتكل علي ذراعه البشريّ!! وقد قال إرميا النبيّ: " مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ ذِرَاعَهُ وَعَنِ الرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ " (إر5:17). أمَّا إذا أهمل ممارستها فإنَّ حرارته الروحية تفتر، ويُعرّض نفسه لمحاربات خطيرة وسقطات كثيرة.. ولهذا فإن أول حرب يشنها العدو علي القديسين هي محاولة إبعادهم عن الوسائط الروحية، لأنّه بهذا يُبعدهم عن الله بطريقة غير مباشرة، فإذا ابتعدوا يستطيع أن يسقطهم في الخطية بطريقة سهلة. من أهم هذه الوسائط: التناول، الاعتراف، الصوم، الصلاة، الكتاب المقدس، القراءات الروحية.. ولكي تكمُل فائدة الوسائط الروحية لابد أن تُمارس بطريقة سليمة، لا بطريقة حرفية أو بطريقة جافة، فلو أخذنا الصلاة كمثل توضيحي نقول: إنَّ الصلاة ليست مجرد ألفاظ تخرج من أفواهنا، لأننا لم نقف أمام الله لنُعد ألفاظاً كما قال مار إسحق السريانيّ، فهذا هو المظهر الخارجي للصلاة. أمَّا الصلاة الحقيقية فهي شركة دائمة مع الله، مخاطبة ومحادثة لذيذة مع القدير، تملأ النفس بالأشواق المقدسة، وتُعطي العزاء الحي للروح، وتزيد النعمة في القلب، وتقلع الزوان وتستأصله من النفس. الصلاة هي سياج لكل فضيلة، بل هي السياج الذي فوقه تُبني كل فضيلة، ولا نجد مجري أوسع من هذه القناة التي تفتح لنا بسهولة باقي مجاري النعمة. لقد عرّف القديس يوحنا الدرجي الصلاة بأنها الاتصال بالله، وحدد شروطها، إذ قال: " ينبغي لمن يريد أن يخاطب الله، أن يقف أمامه بعقل يقظ، وحرارة وفهم، ونفس نقية من الحقد، وفكر واحد متضع وكلام قليل ". والصوم ليس هو الامتناع عن الطعام الحيوانيّ والاكتفاء بما هو نباتي، لأن هذا لا يقدّم الإنسان إلي الله، لأنه لا يعطي الإنسان نقاوة تليق بالله كما قال القديس صفرونيوس. إنَّما الصوم في مفهومه الروحي السليم هو منع النفس عن كل شهوة كما منع الجسد عن كل الأطعمة الشهية، وكذلك اتّخاذ الصوم فترة مقدسة للصلاة، والجلوس مع النفس، في خلوة روحية، وتعميق الشركة الروحية مع الله. ماذا ينتفع الإنسان لو صوّم فمه عن الطعام ولم يصوم قلبه عن الحقد ولسانه عن الأباطيل؟! بالطبع مثل هذا الإنسان صومه باطل، لأنَّ الصوم اللسان أفضل من صوم الفم، وصوم القلب والأفكار أفضل من الاثنين، وهذا ما أكده البابا أثناسيوس الرسولي عندما قال: " إننا مطالبون أن نصوم لا بالجسد فقط بل بالروح أيضاً ". أيضاً القراءة في الكتاب المقدس وكتب الآباء.. ليست مجرد وسيلة لجمع المعلومات.. إنما الهدف هو تحويل المعلومات إلي حياة وكذلك التأثر والعمل بما نقرأ، والقراءة الصحيحة هي التي تشغل الفكر بالله وتقدم للقاريء مادة للتأمل والصلاة، وتهييء له جواً روحياً.. يزكّره بالله، وبالقديسين، كما أنها تُعطي استنارة للفكر.. قال أحد الآباء: " القراءة تجلي صدأ القلوب ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
الفصل السادس نتــائج الخطيـة لا شك أنَّ للخطية نتائج كثيرة، ونتائجها سيئةً.. وتستطيع أن تتحقق من هذا لو تأملت حياة الخطاة، فما من إنسان يتمرغ في وحل الخطية إلاَّ ونراه دائماً قلقاً، مضطرباً، شخصيته مهزوزه، بلا سلام، دائم الخوف.. كما أنَّ عذاب الضمير يؤرقه، والحزن يتملكه وإن إدّعي الفرح واصطنع الابتسامة!! إذ كيف يفرح والفرح ثمرة من ثمار الروح القدس الذي فارقه (غل 22:5)؟! وقد يسعى الخاطيء أن يُسكّن ضميره ولكن إلى حين!! وهذا ما يدفع الخطاة إلى الهروب من أنفسهم، والتواجد وسط الناس بصورة شبه دائمة!! وكثيراً ما نري الخطاة وأجسادهم تحمل أمراضاً.. تعلن عن إثمهم وحياة الفساد التي انغمسوا في ملذاتها، وهناك أمراض تنتقل عن طريق العدوى، وهى تُصيب الذين ينغمسون في تلك الحياة المبتذلة، ويُعد الإيدز من أشهر هذه الأمراض.. هذا بالإضافة إلي حالة التلف والفساد التي تخلفها لنا الخطية.. إذ تفسد قوتنا الذهنية، وأعضائنا الجسدية، وتُميت أحاسيسنا أو مشاعرنا الروحية.. يكفي أنَّ الخطية تجلب علينا غضب الله، فبسببها قد غضب الله علي العالم القديم أيام نوح وأهلكه بماء الطوفان، وغضب علي سدوم وعمورة فأحرقها بالنار والكبريت.. وكثير من النتائج الأُخري سوف نتحدث عنها. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأنّي عريان فاختبأت " ( تك 10:3) لا شك أنَّ الخطية تجلب الخوف علي صاحبها، الخوف من المسئولين الذين سيُعاقبون هنا علي الأرض، والخوف من الله الذي سيُعاقب في يوم الدينونة، ولهذا تجد الخاطيء إذا شعر بزلزلة أو سمع صوت رعد أو صاعقة، يرتعب ويرتجف، بل إنَّ أوراق الشجر إذا تحرّكت تُخيفه، هذا ما يقوله أيوب البار عن الخاطيء: " صَوْتُ رُعُوبٍ فِي أُذُنَيْهِ " (أي 1:15). ودائماً ما يهرب كما قال سليمان الحكيم: " اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ طَارِدَ" (أم 1:28)، ولدينا علي هذا مثلاً وهو قايين، فعلي الرغم من أن الأرض لم يكن فيها سواه، إلاَّ أنَّه بعدما قتل أخاه هابيل قال: " إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهاً وَهَارِباً فِي الأَرْضِ فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي " ( تك 14:4). لا نُنكر أنّ السلام كان سائداً يملأ كل أركان الجنة، وذلك قبل السقوط، ولكن منذ أن سقط آدم ودخلت الخطية العالم، نُزع السلام وملأ الخوف قلوب البشر، فبعدما كان الإنسان يحيا مع الله فرحاً سعيداً، أصبح بعد السقوط يخشي التطلع إليه، ولهذا نري آدم يختبيء من وجه الله في وسط أشجار الجنة، ولما ناداه الرب صرخ بصوت مليء بالخوف قائلاً: " سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ " ( تك 10:3). لقد زحف إلي قلب آدم شيئاً جديداً بعد الخطية، لم يكن موجوداً فيه من قبل ألآ وهو: الخوف وفقدان السلام، وبعد طرده من الجنة، شهر ضده سيف الكاروبيم، فاشتد قلق الإنسان أكثر وفقد طعم السلام، ولم يعد الله يُعلن ذاته له إلاَّ في وسط لهيب نار، حتي إن بني إسرائيل لمَّا رأوا الجبل مضطرماً عند ظهور الله في جبل سيناء قالوا لموسي " تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ " ( خر19:20). وهكذا اعتقدوا أنَّ رؤية الله لا يلحقها سوي الموت، ولا سيما وأنَّ الله قد صرح قائلاً: " لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ " (خر20:33)، ومع أن الله قد وضع للناس ناموساً عادلاً ومقدساً، إلاَّ أنَّ الناموس زادهم اضطراباً وخوفاً، لأنَّه كما قال معلمنا بولس الرسول: " لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟ " (أع10:15)، حتي إنَّ الذبائح كانت تُذبح بالسكين، فكانت السكين متعطشة دائماً لسفك الدماء، وكل هذا أعلن عن زوال السلام بين البشر.. والرؤساء كانوا ينادون: " سَلاَمٌ وَلَيْسَ سَلاَمٌ " ( حز10:13)، وإشعياء النبيّ يقول: " لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارِ " ( إش21:57)، وإرميا النبيّ يقول: " لَيْسَ سَلاَمٌ لأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ " ( إر 12:12). وظل الحال هكذا طوال مدة العهد القديم، فكان الجميع يرجون إتيان رئيس وملك السلام، ليُعيد الطمأنينة إلي قلب الإنسان مرّة أُخري... أمّا الأمم الوثنية فكانت لا تقل عطشاً إلي السلام عن اليهود، وذلك بعد أن رأت ضعف آلهتها، وعجزها عن تعزية أرواحهم، ونزع الخوف من قلوبهم.. لقد جرّبوا كل الديانات الكاذبة وعبدوا آلهتها، فوجدوها عاجزة عن أن تهبهم السلام والطمأنينة. إلي أن جاء المسيح لينشر رسالة السلام علي الأرض.. ولهذا هتفت الملائكة يوم مولده قائلة: " الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ " (لو14:2). وقبل الصلب ترك لنا سلامه إذ قال: " سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ، سلاَمِي أُعْطِيكُمْ، لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا " (يو27:14)، وهذا دعا معلمنا بولس الرسول أن يقول عنه: " لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِداً " (أف14:2). وقبل معلمنا بولس الرسول سبق إشعياء النبي أن تنبأ عنه قائلاً: " لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً مُشِيراً إِلَهاً قَدِيراً أَباً أَبَدِيّاً رَئِيسَ السَّلاَمِ " (إش6:9). قال أحد الآباء " فالآن بعد عودة السلام، ليطمئن آدم الخائف، وليهدأ يعقوب القائل: ما أرهب هذا المكان، وليحيا موسي المرتعب في سلام، لما أخطأنا فارقنا السلام، ولما أتي المسيح إلينا جاءت الملائكة تعلن عودة السلام، إذ قالت: " وعلي الأرض السلام ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
" فأين إذن آمالي، آمالي من يعاينها " ( أي 15:17) كان الابن الضال يعيش عيشة هنيئة، لا ألم أصابه من العيشة الرغدة مع أبيه، ولا ظلم وقع عليه من إخوته، ولا حُرم من عطف أو حنان أمه.. ولكنَّه تصوَّر أن السعادة مذخرة في حياة البذخ واللهو والمرح وسط الأصدقاء... فطلب من أبيه أن يعطيه نصيبه من المال، وقد كان هذا الطلب حسارة منه، فكيف يطلب ميرائاً من أبيه وهو لا يزال حياً؟!( لو12:15). وولكنَّ أبيه لم يرفض فأخذ نصيبه وسافر إلي كورة بعيدة، ليحيا الحياة التي رسمها لنفسه.. وهناك أمضي أوقاته وسط أصدقاء السوء.. بين الخمر وسهر الليالي لإشباع شهواته، ولكن أية نتيجة وصل إليها هناك؟ خيبة الأمل.. هناك جني عوض الفرح حزناً، وعوض الراحة تعباً وشقاءً.. وعوض الغني فقراً واحتياجاً، وعوض السعادة بؤساً وآلاماً.. تغرّب عن بيت أبيه جرياً وراء سعادة تصورها، فوجدها كذباً وأحلاماً لا حقيقة لها. وهذا أمر يفج قلوب الخطاة، إنّهم يتركون الله ويسعون وراء الخطية، أملاً في الحصول علي سعادة وهمية، وبعد أن يفنوا قواهم فيها، يشعرون أنّهم خسروا محبة الله، وفي الوقت نفسه لم يربحوا من الخطية شيئاً، وأنَّ مسرات العالم التي سعوا إليها، لم تكن إلاَّ آباراً مشققة لا تضبط ماء (إر13:2)، فتتألم نفوسهم وتحزن لخيبة الأمل التي سقطوا فيهاّ!! ولابد أن الابن الضال تألم كثيراً.. بعد أن أكتشف حقيقة الخطية المرة وأنها لا تعطي، بل تأخذ كل شيء، فقد أخذت ماله، زاده، كساءه، حتي محبة أبيه خسرها، وأيضاً عطف أمه وإخوته، وفي النهاية فقد طهارته، وخسر سمعته وكرامته إذ أصبح الغني متسولاً وليس من يعطيه!! ويسعى الخاطيء جاهداً للبحث عن كل ما هو جديد ومثير في عالم الخطية، وقد تخدعه شهواته وتضلله أفكاره فيضحي بكل شيء، ولكن دون جدوى، فنتائج الخطية ثابتة وهى لا تتغير لا بتغير الأشخاص أو بتنوع الملذات! |
رد: كتاب شوكة الخطية
" اشــفني يارب لأنَّ عظـامي قـد اضطربت ونفسي قد انزعجت جداً " ( مز6: 3،2) إنَّ عذاب الضمير هو السوس الذي ينخر في عظام الخطاة علي الدوام، ومهما حاول الخاطيء أن يهرب من الناس والعدالة الأرضية، فإنّه لا يقدر أن يهرب من عذاب ضميره، الذي هو أشر عذاب يُقلق الخاطيء ويزعجه. يقول القديس أُغسطينوس " سوف تهرب من الريف إلي المدينة، ومن الساحة إلي بيتك، ومن عتبة الباب إلي مخدعك ويظل الضيق يتبعك، وهل تهرب إلي مخدعك إلاَّ إلي سريرك، وإذا كان سريرك قلقاً عالقاً بدخان الشر، مضطرباً إثماً.. فلا يمكنك أن تفزع إليه بل تُطرد عنه، ثم تُطرد عن ذاتك ". فلا عجب إذا رأينا من يتحدي الله وينغمس في الشر، يحيا في توتر قاتل لنفسه، وبحثه الدائم عن نشوات جديدة واختبارات مثيرة، تجعله دائماً في قبضة الخوف والشك والقلق وعذاب الضمير. يقول ذهبي الفم " تأمّل في عذاب أولئك الذين يشعرون بعظم خطيتهم ومرارة بكائهم، ثق بأنَّهم أشد كآبة من الذين يُطرحون في النار، اُذظر ماذا يفعلون؟ كيف يتألمون؟ كم يذرفون من الدموع؟ وكم يصعدون من الزفرات ليتخلصوا من عذاب الضمير؟ ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
" حياتي قد فنيت بالحزن " ( مز 10:31) إنَّ كان الفرح هو ثمرة من ثمار الروح القدس (غل 22:5)، فالحزن ثمرة أيضاً ولكن من ثمار الخطية، لأنَّ الخاطيء إنسان مأسور روحياً، فمهما رأي وسمع لا يُسر ولا يفرح قلبه، مثل شعب بني إسرائيل أيام السبي، كانوا جالسين علي أنهار بابل، التي تحيط بها أشجار الصفصاف الجميلة، ومع ذلك لم تسرهم تلك المناظر الجميلة، بل نراهم وقد مزجوا مياه النهر بدموع الحزن والألم، وعوض أنغام الطرب علت أصوات البكاء، والسبب أن الفرح ليس له مكان في ظل العبودية (مز137). وداود النبيّ بعد أن أخطأ امتلأ قلبه من الحزن، وكانت الدموع ثمرة هذا الحزن المفرط، فكان يُبلل فراشه بدموعه (مز6:6)، وصارت له دموعه خبزاً (مز3:42)، وقد مزج شرابه بدموعه. والمرأة الخاطئة حزنت علي خطاياها جداً، حتي إنَّها غسلت رجلي المسيح بدموعها ( لو44:7). ولا تُحزن الخطية الخاطيء وحده، بل تُحزن الله أيضاً، ولهذا بعد أن كثر شر الإنسان في الأرض، يقول الكتاب المقدس: " فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ " ( تك6: 6). كما تحزن الخطية الروح القدس، ولهذا عندما طلب معلمنا بولس الرسول من أهل أفسس أن يطرحوا خطاياهم قال لهم: " وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ " ( أف 30:4). |
رد: كتاب شوكة الخطية
" ها أنت قد برئت فلا تخطيء أيضاً لئلا يـكون لك أشر " ( يو 14:5) كان المرض في العهد القديم إحدي الضربات، التي يعاقب بها الله الخطاة علي خطاياهم، وقد كان البرص مرتبطاً قديماً بالخطية وعقاباً لها ولهذا عاقب به الرب مريم أخت موسي، بسبب كلامها علي أخيها موسي (عد10:12)، كما عاقب به جيحزي، بسبب سعيه وراء نعمان السريانيّ، ليأخذ منه الفضة والثياب، ثم كذبه علي سيده أليشع ( 2مل 5: 27). وأيضاً عُزيّا الملك بسبب تعدّيه علي وظيفة الكهنوت، ودخوله الهيكل ليوقد علي مذبح البخور (2أخ 26: 16-21).. هكذا أيضاً مرض الفلج، ولهذا عندما شفي المسيح المفلوج قال له: " يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ " (مر5:2)، وبعد أن شفي المخلع قال له: " هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضاً لِئَلاا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ " (يو14:5)، موضحاً أنّ الخطية هي السبب الأول لمثل هذه الأمراض، وقد كان لابد قبل الشفاء أن يغفر لهم خطاياهم. ولأنَّ هذه الأمراض كانت ضربة من الله، لم يكن ممكناً لأحد أن يشفي منها إلاَّ بواسطة الله، ولهذا عندما أرسل ملك آرام إلي ملك إسرائيل يطلب منه أن يشفي نعمان السريانيّ من برصه، مزّق ملك إسرائيل ثيابه وقال: " هَلْ أَنَا اللَّهُ لِكَيْ أُمِيتَ وَأُحْيِيَ، حَتَّى إِنَّ هَذَا يُرْسِلُ إِلَيَّ أَنْ أَشْفِيَ رَجُلاً مِنْ بَرَصِهِ؟ " (2مل7:5)، هذا بالإضافة إلي الأمراض الكثيرة التي تُصيب الخاطيء كنتيجة طبيعية لتلك الحياة الملوثة التى يعيشون فيها، فالمدخن قد يصاب بالسرطان والزاني بالسيلان.. فالحقيقة إنَّ الخطية تتسبب في كثير من الأمراض، لكن ما هي قوة مرض الخطية إزاء مهارة الطبيب الأعظم، رب المجد يسوع الذي كسر السبت ليشفي يد مشلولة تعيد للجسد رونقه وجماله، وأوقف نزيف امرأة ليتجدد خصب جسدها من جديد، وأعاد لمُقعد أذله المرض ثمانية وثلاثين عاماً القدرة علي الحركة والعمل، هؤلاء غير المفلوجين الذين شفاهم، والعمي الذين أعاد إليهم النور، والبرص الذين طهّرهم من مرضهم الملعون.. فإن كان يسوع وقف أمام الجسد البشري، وقفة طبيب ماهر لا يُعادله فيها طبيب، فلماذا لا تتقدم إليه ليشفي أمراضك؟! فهو كما يقول مار أفرام السرياني: " ليس طبيباً قاسياً ولا عديم التحنن ولا فاقد الرحمة، ولا يستعمل دواءاً مضراً وكاوياً، من أجلك تجسد وتأنّس ليشفي جراحاتك الخفية، وبمحبة جزيلة يدعوك قائلاً: قوم وابرأ واطرح عنك ثقل خطاياك، فتقدم إلي طبيب أيها الخاطيء وقدم له الدموع، فهي الدواء البليغ الجودة، فإنّ الطبيب السماوي يريد أن يبرأ كل أحد بدموعه ". يقول القديس إشعياء الأسقيطيّ " الطبيب صالح لا يطالبني بأتعابه، لكن كسلي لا يسمح لي أن أذهب إليه لأستشيره، يأتي إلي بنفسه ليتعهدني فيجدني أستعمل أطعمة تزيد من تقيح جروحي، يناشدني ألاّ أستعملها فيما بعد، ولكن توبتي ليست صادقة، يرسل إلي أطعمة فيقول لي: كل منها لكي تشفي، لكن عاداتي الشريرة لا تدعني أتعاطاها ". |
رد: كتاب شوكة الخطية
" قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً.. ثم مضـي وخنـق نفســه " ( مت27: 5،4) قد يُخطيء إنسان، فيتسرّب القلق والحزن إلي قلبه وتتملكه الكآبة، فيتوهم أنَّ لا خلاص له! وهكذا تظلم الدنيا أمام عينيه، ويري العالم وقد أصبح آباراً جافة، وأرضاً يابسة، لا تروي نفساً عطشي... ثم يلتفت وراءه فيري أبدية مظلمة تنتظره، هى بحيرة متقدة بنار لا تطفأ ودود لا ينام، لا يري أمامه سوي اليأس، إذ يشعر أنَّه فقد كل رجاء في العالم الحاضر والحياة الأبدية!! ولعل أعظم مثل ليأس الخطاة هو يهوذا الإسخريوطيّ، الذي بعدما أسلم سيده، لم يحتمل عذاب ضميره، الذي أتعبه جداً فندم علي خطيته، وذهب لرؤساء الكهنة ورد الثلاثين من الفضة قائلاً: " قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! " (مت4:27)، وأخيراً " مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ " (مت5:27).. وقد ثبت إحصائياًَ أن أعلي نسبة انتحار علي مستوي العالم في البلاد الأكثر مدنية، وهي البلاد التي أباحت الشر وحللت الخطية، حتي إنهم صاروا يمارسون الجنس، في الشوارع والميادين العامة أمام أعين الناس وبلا أي خجل!! فكانت النتيجة أن تسرّب اليأس إلي قلوبهم، وكثيرون وصل بهم اليأس أن قالوا: لا علاج لأي شيء في الحياة، الموت هو العلاج التام لكل المآسي وخُتمت حياتهم بالانتحار!! منذ القرن الثامن عشر ومع التقدّم العلميّ والرفاهية.. ابتعد الإنسان عن الله في الغرب، وساد تيار الألحاد والمادية، وأقام الغرب نظرية خالية من النبض الروحيّ، والتواجد الإلهيّ، وانتصب العلم إلهاً، والطبيعة معبداً، والإنسان سيداً وقائداً لمسيرة المادة، وظهر (نيتشه) الفيلسوف الألمانيّ الملحد وألّف كتاب أسماه ( مات الله)!! فيه سخر بالإيمان وبكل ما هو مقدس، لكن هل مات الله كما ألحد نيتشه؟! بالطبع لا، فحاشا للحياة أن يموت. لكن نيتشه الفيلسوف هو الذي مات مجنوناً، وبقي الله حياً، وسيظل هكذا إلي أبد الآبدين. وأيضاً (سارتر) الفيلسوف الفرنسيّ المُلحد، قد عاش مع عشيقته متمرداً علي كل النظم الاجتماعية، فلم يعقد عق زواج ولم يعترف بهذه الأوراق، وأقام نظرية متكاملة عن الحياة بدون الله!! ومات سارتر وماتت معشوقته سيمون، وظل الله لا يشوبه تغيير ولا ظل دوران. قال أحد علماء الغرب " انتشر الفساد في الغرب وسادت الخطية وأصبحت نقطة ارتكاز وآمال الكثيرين، حتي قال البعض: لقد مات الله في القرن التاسع عشر، ولكن بعد أن اكتشفوا حقيقة الخطية المرّة وما يجنيه الإنسان منها قالوا: والإنسان قد مات في القرن العشرين ". وهذا دليل علي أنّه لا سعادة يجنيها الإنسان من حياة الخطية، إنّما يجني ألماً ويأساً وموتاً.... |
رد: كتاب شوكة الخطية
" فصـعد عليهم غضب الله وقـتل مـن أسمنهم وصرع مختاري إســرائيل في هذا كله أخطأوا بعد ولم يؤمنوا بعجائبه " ( مز78: 32،31) ليس هناك شيء يُهيّج غضب الله علي الإنسان أكثر من الخطية، فبسببها لعن الله الأرض التي خلقها وأحسن تكوينها، فقد قال لآدم بعد أن أخطأ: " مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ، بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ " (تك17:3).. كما لعن قايين بعد قتله أخيه البار هابيل: " مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ! " (تك 11:4). بسبب الخطية أغرق الله العالم الأول بماء الطوفان (تك 8). وبسببها أيضاً أحرق مدينة سدوم وعمورة بنار وكبريت، وجعلها عبرة للعتيدين أن يفجروا (2بط 6:2). وهل يُنكر أحد أنَّ الخطية هي التي جعلت الرب يضرب شعب بني إسرائيل في البرية، فسقط منهم في يوم ثلاثة وعشرين ألفاً، وذلك بعد أن زنوا مع بنات موآب (1كو8:10)، (عد1:25)، وبنو إسرائيل أليس بسبب خطية عخان بن كرمي هُزموا أمام عاي القرية الصغيرة ( يش 7). ألم يغضب الرب علي أهل نينوى، لمّا صعد شرهم أمامه (يون2:1)، وأرسل لهم يونان النبيّ ليُنادي عليهم بالهلاك؟ وغضب علي قورح وداثان وأبيرام أيضاً، ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم وكل ما كان لهم (عد16: 31-33).. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية " ( أم 34:24) إنَّ من يتأمل في الكتاب المقدس يري أنَّ بر يوسف الصديق، رفع من شأن أمة بني إسرائيل وعظّمها في عيني فرعون، وكان سبباً في الرخاء الذي حل عليهم أيام المجاعة.. في حين لما أخطأوا انحط شأنهم، واستعبدتهم الشعوب وأذلوهم وعاشوا في خزي وعار، حتي إنَّ جُليات الجبّار كان يقف صباحاً مساء مدة (40 يوماً) يُعيّر الإسرائليين، ولم يكن هناك من يصده! بل عندما كانوا يسمعون كلامه، كانوا يرتاعوا ويخافوا بما فيهم شاول الملك نفسه (1صم17: 16،11،10). وهنا ندرك بشاعة الخطية، وما تجلبه علي الإنسان من خزي وعار، ولهذا عندما قتل داود جُليات قال: " أنا سللت سيفه الذى كان بيده وقطعت رأسه و نزعت العار عن بنى اسرائيل " ( مز151). وإذا أردت أن تعرف معني العار الذي تجلبه الخطية، اُنظر إلي السكّيرين والزناة ومدمني المخدرات.. لتعرف كم صاروا عاراً، لا لأنفسهم فقط بل ولأُسرهم والمجتمع!! ولأنَّ الخطية تجلب العار، لازلنا حتي الآن نري في الأماكن المتشددة قتل المنحرفات اللواتي أسلمن أعضاءهن للنجاسة! لماذا؟ لأنهن جلبن العار لأسرهن ولوثن سمعتهن، ولهذا فضّل كثيرون الموت عن أن يتلوّثوا بعار الخطية، حتي إنّه قيل في المثل الشعبي: النار لا العار!! فعالجوا الخطية بخطية أشر!! وكما تجلب الخطية العار، تجلب الخزي والخجل أيضاً.. فالخاطيء يخجل من نفسه ومن خطيته.. التي تقف أمامه في كل حين (مز51)، وتطارده صورتها في كل وقت كأنها سياط من نار، تلهب ضميره أينما ذهب!! ماذا يحدث لو ضبط اثنان وهما متلبسان في خطية زني؟ في الحال يغطيان نفسيهما، ويضعا أيديهم علي وجوههما.. لماذا؟ لأنّ الخاطيء وإن كان يسعى للخطية، إلاَّ أنَّه لا يريد أن يراه أحد في هذا المنظر البشع المخجل. ولا يخجل الخاطيء من نفسه ومن الآخرين فقط.. وإنَّما يخجل من الله أيضاً، فكثيراً ما نري الخطاة منكسي الرؤوس.. فلا يستطيعون أن ينظروا إلي السماء من شدة الخجل، لأنَّ خطاياهم أنزلتهم إلي المستوي الترابيّ، فكيف يتطلعون إلي الله البار، أو إلي السماء مسكن الأطهار! وليست مبالغة إذا قلنا: إنَّ الخاطيء يخجل حتي من أعدائه.. الذين يشمتون به ويفرحون لسقطاته.. وغالباً ما يُشهّرون به في كل مكان أينما وجدوا، للإضرار به وتشويه سمعته.. كما أنَّ الخاطيء يخجل من الكنيسة وقُدسيتها.. ويخجل أيضاً من الهيكل والمذبح.. فالخطية هي الشيء الوحيد الذي يجعل الإنسان لا يحتمل أن يجلس في الكنيسة ولو لمجرد لحظات.. وهذا العار والخجل، كثيراً ما يجعلان الخاطيء لا يحتمل السُكني بين الناس فينتقل إلي مكان آخر لا يعرفه فيه أحد!! |
رد: كتاب شوكة الخطية
" كم من أجيـر لأبي يفضـل عنه الخبز وأنا أهلك جوعاً " ( لو 17:15) النفس الخاطئة هي نفس جائعة، جائعة وإن امتلأت مخازنها بالأموال، ونالت كل مظاهر السعادة العالمية، هي جائعة من نحو التعزية وقت الأحزان، وما أظلم ساعات الحزن علي الأشرار، الذين بسبب بعدهم عن الله لا ينالون أية تعزيات وقت الضيق!! ماذا فعلت الخطية في الابن الضال؟ هل أشبعته شيئاً من خيراتها؟ كلاّ! بل جعلته يهلك جوعاً.. حتي إنَّه عندما رجع إلى نفسه قال: " كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! " (لو17:15). هناك حقيقة يجب أن نعرفها ألا وهى: إنَّ الخطية لا تملك سوي الفقر والجوع والحزن والمرض.. وهذا ما يمكن أن تُكافيء به محبيها! وهذا ما أعطته للابن الضال الذي فقد كل شيء، كما أنَّ الأرض أصابها جوع، والناس منعوا عنه الخرنوب طعام الحيوان، الذي كان يشتهي أن يملأ بطنه منه ولكن دون جدوى!! لقد شعر الإبن الضال بأنَّ خطر الهلاك يُهدده، وأنَّ الجوع سيقضي علي حياته، وهذا هو شعور كل خاطيء ترك مائدة الرب الروحية، وطعام الملائكة السماويّ.. من أجل التلذذ بحياة الخطية ومعاشرة الخطاة، والأكل علي موائد السكّيرين والزناة.. قال صاحب فندق مشهور " لي كل شيء ماديّ يشتهي أن يصل إليه إنسان، وظننت أنّي قد بلغت إلي ما تسعي إليه نفسي، لكني اكتشفت أني متّخم وحزين بكل هذا، إذ لمَّا حصلت علي شهواتي بدت في نظري أقل مما كنت أظنها، أعتقد أنَّ الحياة أكثر من هذا بكثير ". أليس هذا قمة الجوع الروحي، أن يملك إنسان كل ما تشتهيه نفسه ويكون غير قادر علي إشباع نفسه ؟! فالنفس الخاطئة هي نفس جائعة وستظل هكذا طالما تحيا في الخطية، والحقيقة التي يجب أن نعرفها، هي أنَّ ثمر شجرة الخطية لا يُشبع، وكل من يأكل منه سيظل دوماً جائعاً، فالمرأة السامرية التي أفلت زمام شهواتها، وتربّعت علي عرش الرذيلة، لم تشبع إلاَّ عند البئر عندما سقاها رب المجد يسوع ماء التوبة، فارتوت الشجرة التي جفت أغصانها، وأخرجت ثماراً لازلنا حتى الآن نأكل منه فتتعزى نفوسنا وتتهلل أرواحنا. والمرأة الخاطئة - خاطئة المدينة المشهورة - أُسطورة الجمال التي قيل: إنَّ قائد الحامية الرومانية قدّم وزنها ذهباً هدية لها، وكان شعرها الغزير المسترسل حتي قدميها، يحمله في سلة من القطيفة خادم أينما ذهبت، لم يشبعها المال ولا عشق الأُمراء لها، ولا الرقص والسكر في الأفراح، إنّما اشبعها حب يسوع الذي ارتمت تحت قدميه وبللت رجليه بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها في بيت سمعان الفريسي.. لأنَّ الخطية لا تُشـبع وفي نفس الوقت لا تشبع، يسوع وحده القادر على إشباع نفوسنا وأرواحنا. |
رد: كتاب شوكة الخطية
" لأنهم قد أكلوا يعقوب وأخربوا مسكنه " ( مز 7:79) لا شك أنَّ الخطية عندما تتملك علي إنسان لا تُدنّسه فقط.. إنّما وتتلف أيضاً كل ما أعطاه الله من قوي روحية وأدبية.. وتخربها، فهي تفسد: ++ القوي الزهنية يقول معلمنا بولس الرسول: " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِراً، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضاًوَضَمِيرُهُمْ " ( تي15:1). ومعني فساد الذهن: إختلاله وفقدان صفائه.. بحيث كل ما تراه العين لا يقبله الذهن علي صورته الطاهرة، ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: " لَيْسَ شَيْءٌ نَجِساً بِذَاتِهِ إِلاَّ مَنْ يَحْسِبُ شَيْئاً نَجِساً فَلَهُ هُوَ نَجِسٌ " (رو14:14). وهذا ما يفعله ذهن الأشرار الذي أفسدته الخطية وأتلفته، فأصبح كالمنظار القذر الذي يري كل ما حوله نجس، حتي إنَّه يري الصورة الطاهرة وكأنّها نجسة! والكلمات الطاهرة يفهمها فهماً نجساً، والحوادث النقية يري فيها فصولاً كلها رجس وفساد..!! ++ الأعضاء بالرغم من أنَّ الله قد خلق كل شيء طاهراً ومقدساً في الإنسان، إلاَّ أنَّ الخطية عندما تتسرّب إلي قلب إنسان، تشوّه الحقائق فتجعل هذه الأشياء الطاهرة دنسة فتختل وظائفها، فالعين تفقد نظرتها البسيطة، وتستبدلها بالنظرات الشريرة! والأُذن تميل إلي سماع العثرات وكلام الإدانة والنميمة! وهكذا اللسان وسائر الأعضاء.. تُصاب كلها بالبرص الروحي! وأفعالها تنادي أمام الكل ( نجس نجس). ++ الأحاسيس الروحية لقد أوجد الله في الإنسان أحاسيس، يستطيع من خلالها أن يُميز بين الخير والشر، ولكنه عندما يخطيء يفقد هذه العطية! ولهذا قال الرب: " كَهَنَتُهَا خَالَفُوا شَرِيعَتِي وَنَجَّسُوا أَقْدَاسِي. لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ, وَلَمْ يَعْلَمُوا الْفَرْقَ بَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ, وَحَجَبُوا عُيُونَهُمْ عَنْ سُبُوتِي فَتَدَنَّسْتُ فِي وَسَطِهِمْ " ( حز26:22)، حتي إنّهم يرتكبون الإثم ولا يرون في ذلك عيباً أو خجلاً! ولهذا قال سليمان الحكيم: " الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ. أَكَلَتْ وَمَسَحَتْ فَمَهَا وَقَالَتْ: «مَا عَمِلْتُ إِثْماً! " ( أم20:30)، ومعلمنا بولس الرسول يقول: " اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ " ( أف19:4). ++ الميول الداخلية فلا تصبح اشتياقاتها موجّهة نحو الله والفضيلة، لكن كل ميولها تصبح متجهة نحو الرذيلة، التي ينظرون إليها كمصدر فرح لهم، ولهذا يسعون إليها بكل جهد ونشاط.. فيعيشون ويميتون في نجاستهم، وعبثاً يحاول الأخرون إنتشالهم منها! ++ ومن نتائج الخطية الموت وقد تحدثنا عن هذه النقطة باستفاضة في الفصل الأول، تحت عنوان (الخطية موت) فنرجو الرجوع إليها. |
| الساعة الآن 11:23 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026