منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   كتب البابا شنودة الثالث (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=260176)

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:11 PM

روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث



موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين علي وجه الأرض. مما يدل علي أن فكرة الصوم كانت راسخة في عقيدة البشرية قبل أن تتفرق إلي أمم وشعوب، بل أنها ترجع إلي أيام آدم وحواء.
ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع من الناحية العقيدية، إنما من الناحية الروحية.
نريد أن نتحدث عن الفهم الروحي للصوم، والسلوك الروحي أثناء الصوم، لن كل ما يهمنا هو نموك الروحي في محبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:13 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الفصل الأول: أهمية الصوم
موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين علي وجه الأرض. مما يدل علي أن فكرة الصوم كانت راسخة في عقيدة البشرية قبل أن تتفرق إلي أمم وشعوب، بل أنها ترجع إلي أيام آدم وحواء.
ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع من الناحية العقيدية، إنما من الناحية الروحية.
نريد أن نتحدث عن الفهم الروحي للصوم، والسلوك الروحي أثناء الصوم، لأن كل ما يهمنا هو نموك الروحي في محبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:14 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
على جبل التجلي


علي جبل التجلي، وقف ثلاثة يضيئون بنور مجيد..
وكانوا ثلاثتهم ممن أتقنوا الصوم..
إذ صام كل منهم أربعين يومًا وأربعين ليلة:
إنهم: السيد المسيح له المجد (متي 4: 2)، وموسي (خر 40: 28)، وإيليا (1 مل 19: 8)،
فهل يختفي وراء هذا المنظر البهي معني هام:
وهو انه بقهر الجسد في الصوم، تتجلي الروح، ويتجلي الجسد؟
هل اختار السيد المسيح معه في التجلي اثنين من الصوامين، ليرينا أن الطبيعة التي ستتجلى في الأبدية، هي التي قهرت الجسد بالصوم؟

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:15 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم أقدم وصيّة



الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية، فقد كانت الوصية التي أعطاها الله لأبينا آدم، هي أن يمتنع عن الأكل من صنف معين بالذات، من شجرة معينة (تك 2: 16، 17)، بينما يمكن أن يأكل من باقي الأصناف.
وبهذا وضع الله حدودًا للجسد لا يتعداها.
فهو ليس مطلق الحرية، يأخذ من كل ما يراه، ومن كل ما يهواه.. بل هناك ما يجب أن يمتنع عنه، أي أن يضبط إرادته من جهته. وهكذا كان علي الإنسان منذ البدء أن يضبط جسده. فقد تكون الشجرة " جيدة للكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر "(تك 3: 60). ومع ذلك يجب الامتناع عنها.

https://st-takla.org/Gallery/var/albu...ion-Prayer.gif
وبالامتناع عن الأكل، يرتفع الإنسان فوق مستوي والجسد، ويرتفع أيضًا فوق مستوي المادة، وهذه هي حكمة الصوم.
ولو نجح الإنسان الأول في هذا الاختبار، وانتصر علي رغبة جسده في الكل، وانتصر علي حواس جسده التي رأت الشجرة فإذا هي شهية للنظر لو نجح في تلك التجربة، لكان ذلك برهانًا علي أن روحه قد غلبت شهوات جسده، وحينئذ كان يستحق أن يأكل من شجرة الحياة..
ولكنه انهزم أمام الجسد، فأخذ الجسد سلطانا عليه.
وظل الإنسان يقع في خطايا عديدة من خطايا الجسد، واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت دينونة له أن يسلك حسب الجسد وليس حسب الروح (رو 8: 1).
وجاء السيد المسيح، ليرد الإنسان إلي رتبته الأولى.
ولما كان الإنسان الأول قد سقط في خطية الكل من ثمرة محرمة خاضعًا لجسده، لذلك بدا المسيح تجاربه بالانتصار في هذه النقطة بالذات، بالانتصار علي الكل عمومًا حتى المحلل منه. بدأ المسيح خدمته بالصوم، ورفض إغراء الشيطان بالكل لحياة الجسد، أظهر له السيد المسيح أن الإنسان ليس مجرد جسد،، إنما فيه عنصر آخر هو الروح. وطعام الروح هو كل كلمة تخرج من فم الله، فقال له:
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متي 4:4).
ولم تكن هذه قاعدة روحية جديدة، أتي بها العهد الجديد، إنما كانت وصية قديمة أعطيت للإنسان في أول شريعة مكتوبة (تث 8: 3).

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:16 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
وهكذا صام الأنبياء




https://st-takla.org/Pix/Bible-Illust...vid-Coptic.jpg
إننا نسمع داود النبي يقول: "أذللت بالصوم نفسي" (مز 35: 13)، ويقول "أبكيت بالصوم نفسي" (مز 69: 10)، ويقول أيضًا: "ركبتاي ارتعشتا من الصوم" (مز 109: 24). كما أنه صام لما كان ابنه مريضًا، وكان يطلب نفسه من الرب. وفي صومه "بات مضطجعًا على الأرض" (2 صم 12: 16).
وقد صام دانيال النبي (دا 9: 3)، وصام حزقيال النبي أيضًا (حز 4: 9).
ونسمع أن نحميا صام لما سمع أن سور أورشليم مُنهَدِم وأبوابها محروقة بالنار (نح 1: 3، 4). وكذا صام عزرا الكاهن والكاتب، ونادى بصوم لجميع الشعب (عز 8: 21).
وقد قيل عن حنه النبية إنها كانت " لاتفارق الهيكل عابده بأصوام وطلبات "(لو 2: 37).

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:17 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
وصام الرسل




https://st-takla.org/Pix/Saints/The-T...-Penticost.jpg
في العهد الجديد، كما صام المسيح، صار رسله أيضًا..
وقد قال السيد المسيح في ذلك "حينما يرفع عنهم العريس حينئذ يصومون" (متي 9: 15).. وقد صاموا فعلًا. وهكذا كان صوم الرسل أقدم وأول صوم صامته الكنيسة المسيحية. وقيل عن بطرس الرسول إنه كان صائمًا حتى جاع كثيرًا واشتهي أن يأكل (أع 10: 10) فظهرت له الرؤيا الخاصة بقبول الأمم. وهكذا كان إعلان قبول الأمم في أثناء الصوم. وبولس الرسول كان يخدم الرب "في أتعاب، في أسهار، في أصوام" (2 كو 6: 5)، بل قيل عنه "في أصوام مرارًا كثيرة" (2 كو 11: 27). وقيل إنه صام ومعه برنابا (اع 14: 23).
وفي أثناء صوم الرسل ظن كلمهم الروح القدس..
إذ يقول الكتاب "وفيما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي" (أع 13: 2، 3) وما أجمل ما قاله الرب للرسل عن الصوم وعلاقته بإخراج الشياطين:
"هذا الجنس لا يخرج بشيء، إلا بالصلاة و الصوم" (مت 17: 21). إلي هذه الدرجة بلغت قوة الصوم في إرعاب الشياطين. ولم يكن الصوم قاصرًا علي الأفراد، إنما كان الشعب كله يصوم..

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:17 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
صوم الشعب كله




https://st-takla.org/Pix/Bible-Illust...ations-043.jpg
صوم الشعب يدخل في العبادة الجماعية (وهو غير الأصوام الخاصة).
فيه تجتمع كل قلوب الشعب معًا، في تذلل امام الله. وكما اعتاد الناس أن يصلوا معًا واحدة، وبنفس واحدة، في صلاة جماعية يقدمونها لله (أع 4: 24)، وهذه غير الصلوات الخاصة التي في المخدع المغلق، كذلك في الصوم:
هناك أصوام، لها أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس:
يشترك فيها جميع المؤمنين معًا، بروح واحدة، يقدمون صومًا واحدًا لله. إنه صوم للكنيسة كلها.. ولعل أبرز مثال له الصوم الذي صامه كل الشعب لما وقع في ضيقة أيام الملكة أستير حتى يصنع الرب رحمة (إس 4: 3، 16). وصام الجميع بالمسوح و الرماد والبكاء، وسمع الرب لهم وأنقذهم. وكما صام الشعب كله بنداء عزرا الكاهن علي نهر أهوا متذللين أمام الرب (عز 8: 21، 23)، كذلك إجتمعوا كلهم بالصوم مع نحميا وعليهم مسوح وتراب (نج 9: 1). وكذلك صام الشعب أيام يهوشافاط (2 أي 20: 3) ويحدثنا سفر أرمياء النبي عن صوم الشعب في أيام يهوياقيم بن يوشيا (أر 36: 9). وصوم آخر جماعي في أيام يوئيل النبي (يوئيل 3: 5). ومن الأصوام الجماعية أيضًا:" صوم الشهر الرابع، وصوم الخامس، وصوم الخامس، وصوم السابع، وصوم العاشر "(زك 8: 19).
والصوم معروف في كل ديانة. وقد صام الأمم..

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:18 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
صوم الأممين أيضًا




https://st-takla.org/Pix/Bible-Illust...-Prophet-3.jpg
ولعل أبرز مثال له صيام أهل نينوي (يون 3). وكيف أن الله قبل صومهم، وغفر لهم خطاياهم. وكذلك كرنيليوس قائد المائة (أع 10: 30)). وكيف قبل الله صومه، وأرسل إليه بطرس الرسول الذي وعظه وعمده. ويحدثنا العهد القديم عن صوم داريوس الملك أثناء تجربة دانيال النبي، وكيف " بات صائمًا، ولم يؤت قدامه بسراريه" (دا 6: 18).
الصوم معروف في كل ديانة، حتى الديانات الوثنية و البدائية. مما يدل على أنه معروف منذ القدم قبل أن يفترق الناس.
والذي يقرأ عن البوذية والبراهمية والكنفوشيوسية، وعن اليوجا أيضًا، يري أمثلة قوية عن الصوم، وعن قهر الجسد لكي تأخذ الروح مجالها. والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضًا. وفي حياة المهاتما غاندي الزعيم الروحي الشهير للهند، نري الصوم من أبرز الممارسات الواضحة في حياته. وكثيرًا ما كان يواجه به المشاكل. وقد صام مرة حتى قال الأطباء عن دمه بدأ يتحلل..
وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات الروح..
هذه الطاقة الروحية التي كانت محتجبة وراء الاهتمام بالجسد وقد عاقها الجسد عن الظهور ولم يكتشفوها إلا بالصوم.. ويري الهندوس أن غاية ما يصلون إليه هو حاله (النرفانا) أي انطلاق الروح من الجسد للإتحاد بالله، لا يمكن أن يدركوها إلا بالنسك الشديد والزهد والصوم وهكذا نجد أنه حتى الروح البعيده عن عمل الروح القدس، التي هي مجرد روح تنطلق من رغبات الجسد ومن سيطرته بالتداريب، تكون روحًا قوية، تصل إلي بعض طاقاتها الطبيعية، فكم بالحري التي إلي جوار هذه القوة الطبيعية تكون مشتركة مع روح الله..؟

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:20 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم هِبة
وإن عرفنا فوائد الصوم، نجد أنه هبة من الله.
نعم، ليس الصوم مجرد وصية من الله إنما هو هبة إلهية. إنه هبة ونعمة وبركة.. إن الله الذي خلقنا من جسد ومن روح، إذ يعرف أننا محتاجون إلي الصوم، وان الصوم يلزم حياتنا الروحية لأجل منفعتها ولأجل نمونا الروحي وأبدتنا لذلك منحنا ان نعرف الصوم ونمارسه. وأوصانا به كأب حنون وكمعلم حكيم..

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:20 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
والصوم يسبق كل نعمة وخدمة

كل بركة يقدمها لنا الله، نستقبلها بالصوم، لكي نكون في حالة روحية تليق بتلك البركة. الأعياد تحمل لنا بركات معينة. لذلك كل عيد يسبقه صوم. والتناول يحمل لنا بركة خاصة. لذلك نستعد لها بالصوم.
والرسامات الكهنوتية تحمل بركة. لذلك نستقبلها بالصوم.
فالأسقف الذي يقوم بالسيامة يكون صائمًا، والمرشح لدرجة الكهنوت يكون أيضًا صائمًا، كذلك كل من يشترك في هذه الصلوات واختيار الخدام في عهد الآباء الرسل كان مصحوبًا بالصوم: "ففيما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول.. فصاموا حينئذ وصلوا، ووضعوا عليهما الأيادي" (اع 13: 2، 3).
والصوم أيضًا يسبق الخدمة..
والسيد المسيح قبل أن يبدأ خدمته الجهارية، صار أربعين يومًا، في فترة خلوة قضاها مع الآب علي الجبل. وفي سيامة كل كاهن جديد، نعطيه بالمثل فترة يومًا يقضيها في صوم وفي خلوة في أحد الأديرة مثلًا، قلب أن يبدأ خدمته. وآباؤنا الرسل بدأوا خدمتهم بدأت بحلول القدس وكان صومهم مصاحبًا لخدمتهم، لتكون خدمة روحية مقبولة والخادم يصوم، ليكون في حالة روحية، ولكي ينال معونة من الله، ولكي يحنن قلب الله بالصوم ليشترك معه في خدمته.. ولعلنا نري في حياة يوحنا المعمدان، انه عاش حياته بالصوم و الخلوة في البرية، قبل أن يبدأ خدمته داعيًا الناس إلي التوبة. وليست الخدمة فقط يسبقها الصوم، بل أيضًا أسرار الكنيسة يسبقها الصوم.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:21 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
أسرار الكنيسة يسبقها الصوم

سر المعمودية، يستقبله المعمد وهو صائم، ويكون إشبينه أيضًا صائمًا، والكاهن الذي يجربه يكون صائمًا كذلك. الكل في صوم لاستقبال هذا الميلاد الروحي الجديد. ونفس الكلام نقوله عن: سر الميرون، سر قبول الروح القدس الذي يلي المعمودية.
سر الأفخارستيا، التناول، يمارسه الكل وهو صائمون سر مسحة المرضي (صلاة القنديل) يكون فيه الكاهن صائمًا أيضًا. ولكن يستثني المرضي العاجزون عن الصوم، الذين يعفون من الصوم حتى في سر التناول.. وسر الكهنوت كما قلنا، يمارس بالصوم..
لم يبق سوي سر الأعتراف، وسر الزواج.
وما أجمل أن يأتي المعترف ليعترف بخطاياه وهو صائم ومنسحق ولكن لأن الكنيسة تسعي وراء الخاطئ في كل وقت، لتقبل توبته في أي وقت، لذلك لم تشترط الصوم.
أما سر الزواج فقد أعفاه السيد المسيح بقوله " لا يستطيع بنو العرس ان يصوموا مادام العريس معهم" (مر 2: 19). ومع ذلك ففي الكنيسة الناسكة الولي ويستمران ذلك اليوم في صوم.. حاليًا طبعًا لا يحدث هذا..
إن بركات الروح القدس التي ينالها المؤمنون في الأسرار الكنيسة كانت تستقبل بالصوم، إلا في حالات الإستثنائية.
وكما عرفت الكنيسة الصوم في حياة العبادة، وفي حياة الخدمة، كذلك عرفته في وقت الضيق، وخرجت بقاعدة روحية وهي أنه بالصوم يتدخَّل الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:22 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
بالصوم يتدخَّل الله

لقد جرب هذا الأمر نحميا، وعزرا ودانيال. وجربته الملكة أستير من أجل الشعب كله. وجربته الكنيسة في القرن الرابع في عمق مشكلة آريوس. وجربته الأجيال كلها. وأصبح عقيدة راسخة في ضمير الكنيسة، تصليها في صلاة القسمة في الصوم الكبير، مؤمنه إيمانًا راسخًا أن الصوم يحل المشاكل..
الإنسان الواثق بقوته وذكائه. أما الشاعر بضعفه، فإنّهُ في مشاكله، يلجأ إلي الله بالصوم. في الصوم يتذلل أمام الله، ويطلب رحمته وتدخله قائلًا "قم أيها الرب الإله.." وفي ذلك ينصت إلي قول الرب في المزمور "من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم -يقول الرب- أصنع الخلاص علانية" (مز 11)
الصوم هو فترة صالحة، لإدخال الله في كل مشكلة. فترة ينادي فيها القلب المنسحق، ويستمع فيها الله.
فترة يقترب فيها الناس إلي الله، ويقترب فيها الله من الناس، يستمع حنينهم وإلي أنينهم، ويعمل.. طالما يكون الناس منصرفين إلي رغباتهم وشهواتهم، ومنشغلين بالجسد و المادة فإنهم يشعرون أن الله يقف بعيدًا لا لأنه يريد أن يبعد، وإنما لأننا أبعدناه، أو رفضناه، أو رفضنا أن نقترب منه علي وجه أصح. أما في فترات الصوم الممزوج بالصلاة، فإن الإنسان يقترب إلي الله، ويقول له: اشترك في العمل مع عبيدك.. إنه صراخ القلب إلي الله، لكي يدخل مع الإنسان في الحياة.
يمكن أن يكون في أي وقت. ولكنه في فترة الصوم يكون أعمق، ويكون أصدق ويكون أقوي.
فبالصوم الحقيقي يستطيع الإنسان أن يحنن قلب الله.. والذي يدرك فوائد الصوم، وفاعليه الصوم في حياته، وفي علاقته بالله، إنما يفرح بالصوم.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:24 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الفرح بالصوم

إننا لسنا من النوع الذي يصوم، وفي أثناء الصوم يشتهي متى يأتي وقت الإفطار. إنما نحن حينما نكون مفطرين، نشتهي الوقت الذي يعود فيه الصوم من جديد. الإنسان الروحي يفرح بفترات الصوم، أكثر مما يفرح بالأعياد التي يأكل فيها ويشرب. كثيرون يشتهون الصوم في فترة الخمسين المقدسة التي يأتي بعد القيامة، والتي لا صوم فيها ولا مطانيات. وفيها يشتاق الكثيرون إلي الصوم اشتياقًا، لذلك يفرحون جدًا عندما يحل صوم الرسل، إذ قد حرموا من لذة الصوم خمسين يومًا من قبله.
ومن فرح الروحيين بالصوم، لا يكتفون بالأصوام العامة، إنما يضيفون إليها أصوامًا خاصة بهم..
ويلحون على آباء اعترافهم أن يصرخوا لهم بتلك الأصوام الخاصة، مؤيدين طلبهم بأن روحياتهم تكون أقوي في فترة الصوم، بل أن صحتهم الجسدية أيضًا تكون أقوي، وأجسادهم تكون خفيفة. إن الذين يطلبون تقصير الأصوام وتقليلها، هؤلاء يشهدون علي أنفسهم أنهم لم يشعروا بلذة الصوم أو فائدته.. وسنتحدث بمشيئة الرب في الفصول المقبلة عن فوائد الصوم، التي من اجلها صار فرحًا للروحيين، وصار للرهبان منهج حياة..

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:26 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
منهج حياة

من محبة آبائنا الرهبان للصوم، جعلوه منهج حياة.
صارت حياتهم كلها صومًا ماعدا أيام الأعياد، ووجدوا في ذلك لذة روحية ولم يشعروا بأي تعب جسدي. بل استراحوا للصوم وتعودوه.. وروي أنه لما حل الصوم الكبير في احدي البراري، أرسلوا من ينادي في البرية لينبه الرهبان إلي حلول هذا الصوم المقدس، فلما سمع أحد الشيوخ من المنادي هذا التنبيه، قال له: ما هو يا أبني هذا الصوم الذي تقول عنه؟ لست أشعر به الآن أيام حياتي كلها واحدة (لأنها كلها كانت صومًا). والقديس الأنبا بولا السائح، كان يأكل نصف خبزة يوميًا، وفي وقت الغروب كنظام حياة ثابت. وبعض الرهبان كان يصوم كل أيامه حتى الغروب، مثل ذلك الراهب القديس الذي قال: مرت علي ثلاثون سنة، لم تبصرني فيها الشمس آكلًا… وبعض الرهبان كانوا يطوون الأيام صومًا. والقديس مقاريوس الإسكندري لما زار أديرة القديس باخوميوس. كان يأكل في يوم واحد من الأسبوع طوال أسابيع الصوم الكبير، وكان يطوي باقي الأيام.. ولم يقتصر صوم أولئك الآباء علي طول فترات الصوم، أو طي الأيام، إنما شمل النسك أيضًا نوع طعامهم.. أبا نفر السائح كان يتغذي بالبلح من نخله في مكان توحده، والأنبا موسى السائح كان يقتات بحشائش البرية، وكذلك كان الأنبا بيجيمي السائح. وكان يشرب من الندي..
هذا الصوم الدائم كان يجعل حياة الآباء منتظمة.
في الواقع أن حاله الرهبان من هذه الناحية مستقرة علي وضع ثابت، استراحت له أجسادهم، واستراحت له أرواحهم.. وضع لا تغيير فيه اعتادوه ونظموا حياتهم تبعًا له. أما العلمانيون فهم مساكين، أقصد هؤلاء الذين ينتقلون من النقيض إلي النقيض من صوم يمنعون فيه أنفسهم، إلي فطر يأخذون فيه ما يشتهون. يضبطون أنفسهم فتره، ثم يمنحونها ما تشاء فترة أخري، ثم يرجعون إلي المنع، ويتأرجحون بين المنع و المنح فترات وفترات. يبنون ثم يهدمون، ثم يعدون إلي بناء يعقبه هدم إلي غير قيام.
أما الصوم الحقيقي الذي يتدرب فيه الصائم علي ضبط النفس ويستمر معه ضبط النفس كمنهج حياة..
فيضبط نفسه في أيام الفطر كما في أيام الصوم، علي الرغم من اختلاف أنواع الأطعمة ومواعيد الأكل.. وهكذا يكون الصوم نافعًا له، ويعتبر بركة لحياته.
وبهذا المعني لا يكون الصوم عقوبة، بل نعمة.
كانت أكبر عقوبة توقع علي أحد الروحيين، أن يأمره أب اعترافه بان يأكل مبكرًا، أو يأكل لحمًا أو طعامًا شهيًا. وكان أب الاعتراف يفعل هذا إن رأي أبنه الروحي قد بدأ يرتفع قلبه أو يظن في نفسه أنه قد صار ناسكًا أو زاهدًا. فيخفض كبرياءه بالأكل، فتنكسر نفسه، وبذلك يتخلص من أفكار المجد الباطل..

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:27 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم والاستشهاد




https://st-takla.org/Pix/Saints/03-Co...Demiana-04.jpg
طبيعي أن الذي لا يستطيع الاستغناء عن أكله، يكون من الصعب عليه أن يستغني عن الحياة كلها.
أما النفوس القوية التي تتدرب علي احتمال الجوع والعطش، والتي تستطيع أن تخضع أجسادها وتقهر رغباتها وشهواتها، هذه بتوالي التداريب، وبعدم الاهتمام بالجسد واحتياجاته، يمكنها في وقت الاستشهاد أن تحتمل متاعب السجون وآلام العذاب، وتستطيع بنعمة الله أن تقدم أجسادها للموت.
لهذا كان الصوم مدرسة روحية تدرب فيها الشهداء.
ليس من جهة الجسد فقط، وإنما أيضًا من جهة روحانيه الصوم: لأنه إذ تكون أيام الصوم مجالًا للعمل الروحي والتوبة والاقتراب إلي الله، تساعد هذه المشاعر علي محبة الأبدية و عشرة الله، و بالتالي لا يخاف الإنسان من التقدم إلي الموت، إذ يكون مستعدا للقائه، بل أنه يكون فرحًا بالتخلص من الجسد للالتقاء بالله، ويقول "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جدًا" (في 1: 23).
بالصوم كانت الكنيسة تدرب أولادها علي الزهد. وبالزهد كانت تدربهم علي ترك الدنيا والاستشهاد.
فالذين استشهدوا كانوا في غالبيتهم أهل صوم وصلاة وزهد في العالم. وكما قال القديس بولس الرسول "يكون الذين يستعملون العالم، كأنهم لا يستعملونه، لأن هيئة هذا العالم تزول" (1 كو 7: 31).

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:27 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الفصل الثاني: الصوم والجسد
موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين علي وجه الأرض. مما يدل علي أن فكرة الصوم كانت راسخة في عقيدة البشرية قبل أن تتفرق إلي أمم وشعوب، بل أنها ترجع إلي أيام آدم وحواء.
ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع من الناحية العقيدية، إنما من الناحية الروحية.
نريد أن نتحدث عن الفهم الروحي للصوم، والسلوك الروحي أثناء الصوم، لن كل ما يهمنا هو نموك الروحي في محبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:28 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
تعريف الصوم
تعريف الصوم من الناحية الروحية سنذكره بالتفصيل فيما بعد.
ولكن ما هو تعريف الصوم من الناحية الجسدية؟ الصوم هو انقطاع عن الطعام فترة من الوقت، يعقبها طعام خال من الدسم الحيواني.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:30 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
فترة الانقطاع في الصوم | الصوم الانقطاعي



لابد من فترة انقطاع (الصوم الانقطاعي)، لأننا لو أكلنا من بدء اليوم بدون انقطاع، لصرنا نباتيين وليس صائمين. وحتى الصوم في اللغة هو الامتناع أو الانقطاع. فلا بد إذن أن نمتنع عن الطعام لفترة معينة.
فترة الانقطاع عن الطعام تختلف من شخص لآخر.
وذلك لأسباب كثيرة نذكر من بينها:
1-يختلف الناس في درجتهم الروحية. فهناك المبتدئ الذي لا يستطيع أن ينقطع عن الطعام لفترة طويلة. وأكثر من هؤلاء الناسك الذي يستطيع أن يطوي الأيام صومًا، كما كان يفعل آباؤنا الرهبان و المتوحدون و السواح.
2-يختلف الصائمون في سنهم. فمستوي الطفل أو الصبي في الصوم، غير مستوي الشاب أو الرجل الناضج، غير ما يستطيعه الشيخ أو الكهل.

https://st-takla.org/Pix/Saints/St-Ta...0-Apostles.jpg
3- يختلف الصائمون أيضًا في صحتهم، فما يحتمله القوي غير ما يحتمله الضعيف. كما أن المرضي قد يكون لهم نظام خاص، أو يعفون من الانقطاع حسبما تكون نوعية أمراضهم وطريقة علاجهم.
4- يختلف الصائمون كذلك في نوعية عملهم. فالبعض يقومون بأعمال تحتاج إلي مجهود جسدي كبير. والبعض أعمالهم مريحة يجلسون فيها إلي مكاتبهم بضع ساعات في اليوم. واحتمال هؤلاء للانقطاع غير احتمال أولئك.
5- هناك أيضا نظام التدرج. فقد يبدأ الصائم الأسبوع الأول من صومه بدرجة انقطاع معينة، تزداد علي مر الأسابيع، حتى يكون انقطاعه في آخر الصوم أعلي بكثير من نقطه البدء. وهذا التدرج نافع وينصح به الآباء الروحيون.
علي انه قد يوجد حد ادني لهذا الانقطاع.
وربما يختلف هذا الحد الأدنى من صوم إلي آخر. فالصوم الكبير مثلًا يكون حده الأدنى أعلي من باقي الأصوام. والحد الأدنى في أسبوع الآلام يكون أعلي مما في الصوم الكبير نفسه والبعض كانوا يطوون الفترة من بعد خميس العهد إلي قداس العيد. وأيام البرامون في أصلها تطوي أيضا. أما الضعفاء فلهم تسهيل خاص. ومع كل ذلك، فيمكننا أن نضع قاعدة هامة وهي:
فترة الانقطاع تكون حسب إرشاد أب الاعتراف.
وذلك حتى لا يبالغ فيها البعض فتتبعهم جسديًا، وقد تتعبهم روحيًا أيضا إذ تجلب لهم أفكارًًا من المجد الباطل. كما أن العض من الناحية الأخرى قد يتهاون بطريقة تفقده فائدة الصوم. والأفضل أن يشرف أب اعتراف علي هذا الأمر. علي أنه من جهة النظام العام للكنيسة في فترة الانقطاع، نود أن نسأل سؤالًا:
هل هناك علاقة بين الانقطاع عن الطعام والساعة التاسعة؟
يبدو أن هناك علاقة.. لأنه في طقس الكنيسة الخاص بصلاة الساعة التاسعة نلاحظ إختيار فصل الإنجيل الخاص بمباركة الطعام بعد فترة من الجوع (لو 9: 10-17). وواضح أننا في صلاة الساعة التاسعة نذكر موت السيد المسيح علي الصليب، فلماذا إذن هذا الفصل من الإنجيل الخاص بمباركة الطعام؟ يبدوا أن نظام الانقطاع كان عمومًا إلي الساعة التاسعة، فيصلي الناس هذه الساعة بإنجيلها المناسب، ثم يتناولون طعامهم. ولما كانت غالبية السنة صومًا، ولكي لا يتغير نظام الصلاة اليومية بين الإفطار و الصوم، بقي هذا الفصل من الإنجيل علي مدار السنة.. حتى في الأيام التي ليس فيها انقطاع، يذكرنا بمباركة الرب للطعام قبل الكل أيًا كان الموعد..
و المعروف أن الساعة التاسعة من النهار هي الثالثة بعد الظهر، علي اعتبار أن النهار يبدأ علي الأغلب من السادسة صباحا. وعلي أية الحالات، لا داعي لاستفاضة في بحث هذه النقطة، مادامت فترة الانقطاع تتغير من شخص إلي آخر، كما إننا تركنا تحديدها لأب الاعتراف ولحالة الصائم الروحية...
والمهم عندنا هو الوضع الروحي لفترة الانقطاع.
فلا نريد ان ندخل في شكليات أو في قوانين خاصة بفترة الانقطاع، إنما نريد أن نتحدث عن الطريقة التي يستفيد بها الإنسان روحيًا من فترة انقطاعه عن الطعام. لأنه قد ينقطع إنسان عن الطعام إلي التاسعة من النهار أو غلي الغروب أو إلي ظهور النجم، ولا يستفيد روحيًا، إذ كان قد سلك بطريقة غير روحية. فما هي الطريقة الروحية إذن؟
1-ينبغي أن تكون أن تكون فترة الانقطاع فترة زهد ونسك.
فلا تهتم فيها بما للجسد. أي لا تكون منقطعًا عن الطعام، وتظل تفكر متى تأكل.. إنما ينبغي أن تكون فترة الانقطاع فترة زاهدة ناسكة، ترتفع فيها تمامًا عن مستوي الكل وعن مستوي المادة وعن مستوي الطعام.
2-وبعد فترة الانقطاع لا تأكل بشهوة.
فالذي ينقطع عن الطعام، ثم يأكل بعد ذلك ما يشتهيه، أو يتخير أصنافًا معينة تلذ له، هذا لا يكون قد أخضع جسده أو أمات شهواته. وإذ يأكل بشهوة، أو إذ يأكل ما يشتهي، يدل علي انه لم يستفيد روحيًا من فترة الانقطاع، ولم يتعلم منها الزهد و النسك..! أنظر ما قاله دانيال النبي عن صومه " لم آكل طعامًا شهيًا "(دا 10:3). وهكذا يكون يهدم ما يبنيه، بلا فائدة..! وليس الصوم هو أن نبني ونهدم ثم نبني ثم نهدم، بغير قيام..!
3-ولا تترقب نهاية فترة الانقطاع، لتأكل.
أن جاء موعد الكل، فلا تسرع إليه. وحبذا لو قاومت نفسك، ولو دقائق قليلة وانتظرت. أو إن حل موعد تناولك للطعام، قل لنفسك: نصلي بعض الوقت ثم نأكل، أو نقرأ الكتاب ونتأمل بعض الوقت ثم نأكل، ولا تتهافت علي الطعام.. الزهد الذي كان لك أثناء فترة الانقطاع، فليستمر معك بعدها. فهذه هي الفائدة الروحية التي تنالها.
أجعل روحياتك هي التي تقودك، وليس الساعة.
وادخل إلي العمق. العمق الذي في الامتناع عن الطعام. الذي الارتفاع عن مستوي الكل، وعن مستوي المادة، وعن مستوي الجسد. وبالنسبة إلي فترة الانقطاع وموعدها، حبذا لو وصلت بك إلي الشعور بالجوع فهذا أفيد جدًا.. هنا ونحدثك عن عنصر الجوع في الصوم.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:31 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
عنصر الجوع في الصوم

كثيرون ينقطعون عن الطعام، ثم يأكلون دون أن يشعروا بالاحتياج إلي الطعام، ودون أن يصلوا إلي الشعور بالجوع، وإلى احتمال الجوع والصبر عليه وأخذ ما فيه من فوائد روحية. وقدم لنا الكتاب أمثله للجوع في الصوم:
السيد المسيح صام حتى جاع، وكذلك الرسل.
قيل عن السيد المسيح له المجد في صومه الأربعيني إنه "جاع أخيرًا" (مت 4: 2). وحسب رواية معلمنا لوقا البشير "لم يأكل شيئًا في تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا" (لو 4: 2). وذكر عن السيد المسيح أنه جاع، في مناسبة أخري، في أثنين البصخة (مر11: 12). ولكن لعل البعض يقول أن مستوي صوم السيد صعب علينا، فلنتحدث عن صوم البشر، وفيه أيضًا عنصر الجوع. قيل عن القديس بطرس الرسول إنه "جاع كثيرًا واشتهي أن يأكل" (أع 10: 1). وفي حديث القديس بولس الرسول عن خدمته هو وزملائه، قال " في تعب وكد، في أسهار مرارًا كثيرة، في جوع وعطش، في أصوام مرارًا كثيرة "(2كو 11: 27). وقال أيضًا "تدربت أن اشبع وان أجوع" (في 4: 12).
وقد طوب الله حالة الجوع فقال:
"طوباكم أيها الجياع الآن، لأنكم ستشبعون "(لو 6: 21).
وأن كان جوع لعازر المسكين قد أهله للجلوس في حضن أبينا إبراهيم، علي اعتبار أنه استوفي تعبه علي الأرض علي الرغم من أن ذلك كان بغير إرادته، فكم بالأكثر ينال خيرًا في الأبدية من قد جاع ههنا بإرادته، نسكًا وزهدًا، وتقربًا إلي الله.
وقد درب الرب شعبه في البرية بالجوع.
وقال لهذا الشعب "وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب هذه الأربعين سنه في القفز.. فَأَذَلَّكَ وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك لكي يعلمك انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما خرج من فم الرب يحيا الإنسان" (تث 8: 2، 3) إن الذي يهرب من عبارة "أذلك وأجاعك"، ستهرب منه عبارة "وأطعمك المن في البرية"… علي أن بني إسرائيل تذمروا علي تدريب الجوع، فهلكوا في البرية
إن الصوم يصل إلي كماله، في الجوع واحتماله.
فإن كنت لا تجوع، فأنت لم تصل إلي عمق الصوم بعد. وإن أطلت فترة انقطاعك حتى وصلت إلى الجوع، ثم أكلت مباشرة، فأنت إذن لم تحتمل الجوع ولم تمارسه. وبالتالي لم تنل الفوائد الروحية التي يحملها الجوع.
فما هي الفضائل الروحية التي يحملها الجوع؟
الذي يمارس الجوع، يشعر بضعفه عن الغرور والشعور بالقوة والثقة يذل الجسد، فتُذلُّ النفس، وتشعر بحاجتها إلي قوة تسندها، فتلجأ إلى الله بالصلاة وتقول له: أسند يا رب ضعفي بقوتك الإلهية، فأنا بذاتي لا أستطيع شيئا.
صلاة الإنسان وهو جائع، صلاة أكثر عمقا.
أن الجسد الممتلئ بالطعام، لا تخرج منه صلوات ممتلئة بالروح. ولذلك دائمًا تمتزج الصلاة بالصوم، ويمتزج الصوم و الصلاة. وحينما يريد الناس أن يصلوا في عمق، نراهم يصومون. وهكذا صلوات الناس في أسبوع الآلام لها عمقها، وحتى القراءات كذلك حينما تقال بصوت خافت من الجوع..
إن تسجيل لحن من ألحان البصخة، خلال أسبوع الآلام، يكون له عُمق، لأن الذي سَجَّلهُ كان صائمًا، وله روحيات الصوم.. وتسجيل نفس اللحن في غير أيام الصوم، وصاحبة مفطر، يجعل اللحن يفقد الكثير من عمقه الروحي، وربما يتحول إلي مجرد أنغام وموسيقي. إن الله يحب أن يشعر الإنسان بضعفه، لكيما ينسحق قلبه. والجوع يساعد علي الشعور بالضعف. ولذلك تصلح فيه المطانيات، ولا تصلح لمن هو ممتلئ بالطعام. نصيحتي لك: أن شعرت بالجوع فلا تأكل. وإنما أحتمل وخذ بركة الجوع.إن السيد المسيح صام أربعين يومًا وجاع أخيرا. ولما نصحه الشيطان أن يأكل رفض أن يأكل علي الرغم من جوعه. وأعطانا بذلك درسًا.. لذلك أحتمل الجوع وأيضا:
إن شعرت بالجوع، لا تهرب منه.
لا تهرب من الشعور بالجوع، عن طريق الانشغال ببعض الأحاديث، أو ببعض المسليات، أو عن طريق النوم، لكي تمضي فترة الجوع دون أن تشعر بها.. فإنك بالهروب من الجوع، إنما تهرب من بركاته ومن فوائده الروحية، وتهرب من التدريب علي فضيلة الاحتمال وفضيلة قهر الجسد.. إننا نريد أن نستفيد من الجوع، وليس أن نهرب منه.
إن ضغط عليك الجوع، قل إنك لا تستحق الأكل.
قل لنفسك: أنا لا أستحق آكل بسبب خطاياي. وهكذا تنسحق نفسك من الداخل، في الوقت الذي يسحقها فيه أيضًا تعب الجسد. وهكذا تتخلي عنك الكبرياء والخيلاء والعجب بالذات. وإن يصلي. أما الشبعان كثيرًا ما ينسي الصلاة ولذلك غالبية المتدينين يصلون قبل الأكل. وقليلون هم الذين يصلون بعد الانتهاء من الأكل أيضًا، إلا في الرسميات..
تدريب الجوع في الصوم، ينبغي أن يكون بحكمة.
حقًا إن الذين شعروا بالفائدة الروحية التي تأتي من الجوع، كانوا يطيلون مدته.. علي إني لا أقصد بهذا التدريب المبالغة فيه، بحيث يصل الصائم إلي وضع لا يستطيع أن يقف فيه علي قدميه للصلاة من شدة الإعياء. وقد يفضل أن يصلي وهو ساجد، ليس عن خشوع وإنما طلبًا للراحة واسترخاء الجسد في تعب إنما يجب السلوك في هذا التدريببحكمة، في حدود احتمال الجسد. ومع ذلك أقول لك كلمة صريحة وهي:
لا تخف من الجوع، فهو لا يستمر معك
فالمعدة كلما تعطيها أزيد من احتياجها تتسع لتحتمل ما هو أكثر.. ويزداد اتساعها في حالة الترهل، مع ضعف جدران المعدة. وإن لم تعطها ما يصل بها إلي الامتلاء تشعر بالجوع، فإن صبرت علي الجوع ولم تعط المعدة ما يملؤها، تبدأ في أن تكيف نفسها وتنكمش. وبتوالي التدريب لا تعود تتسع لكثير.. ولا يستمر الجوع، فالقليل يشعرها بالشبع. والإنسان الحكيم هو الذي يضبط نفسه، ويحفظ نظام معدته، فهو لا يكثر من تناول الطعام حتى تترهل معدته، ولا يبالغ في منع الطعام عنها بحيث تنكمش إلي وضع أقل من احتياج جسده.
فالاعتدال في هذا الأمر نافع وفيه حكمة.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:33 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم والسهر
الامتلاء بالطعام يساعد علي ثقل الجسد، وبالتالي علي النوم. أما الصائم فيكون جسده خفيفًا، غير مثقل بعمليات الهضم، ويمكنه السهر. والصوم مع السهر يعطي استضاءة للفكر. وكل القديسين الذين اتقوا الصوم، اشتهروا أيضًا بالسهر. نلاحظ أن التلاميذ بعد العشاءين، ثقلت عيونهم بالنوم وهم في البستان، ولم يستطيعوا أن يسهروا مع الرب ولا ساعة واحدة (مت 26: 40). وأنت يا أخي، ليس من صالحك أن يأتي الختن في نصف الليل فيجدك نائمًا، بينما الكتاب يقول "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (إنجيل لوقا 12: 37). تدرَّب إذن علي الصوم، فالصوم يتمشي مع السهر. ونقصد بالسهر، السهر مع الله، وقضاء الليل في الصلاة.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:34 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
نوع الطعام في الصوم

تحدثنا في الصوم عن الجوعوفترة الانقطاع، بقي أن أحدثكم عن نوع الطعام. ويهمني هنا أن أذكركم بقول دانيال النبي عن صومه:
"لم آكل طعامًا شهيًا" (دا 10: 3). لذلك إن صمت، أعطيت جسدك ما يشتهيه، لا تكون قد صمت بالحقيقة. ابعد إذن عن المشتهيات لكي تقهر جسدك وتخضعه لإرادتك. لا تطلب صنفًا مختارًا بالذات، ولا تطلب أن تكون طريقه صنع الطعام بالأسلوب الذي يلذ لك. وإن وضع أمامك -دون أن تطلب- صنف من الذي تحبه نفسك، لا تكثر منه في أكلك.. ولا أريد أن أقول لك كما قال أحد الآباء القديسين " إن وضع أمامك طعام تشتهيه، فأفسِده قليلًا ثم كله". ولعله يقصد بإفساده، أن تضيف عليه كمثال شيئًا يغير طعمه.. علي الأقل: مثل هذا الصنف المشتهي، لا تأكل كل ما يقدم لك منه. وكما قال أحد الآباء "ارفع يدك عنه، ونفسك ما تزال تشتهيه". أي أن جسدك يطلب أن يكمل أكله من هذا الصنف، وأنت تضبط نفسك وتمنعها عنه.
هنا ونقف أمام أسئلة كثيرة يقدمها البعض:
هل النباتين والمسل الصناعي (السمن) يحل آكله في الصوم أو لا؟ هل الجبنة الديمكس طعام صيامي أم فطاري؟ هل السمك نأكله في هذا الصوم أم لا نأكله؟ ما رأيك في الشوكولاته الصيامي؟.. إلخ
أسئلة كثيرة يمكن الإجابة عليها من جهة تركيب تلك الأطعمة، ويمكن من ناحية أخرى أن تٌبحَث روحيًا: فالسمن النباتي، إن كانت مجرد زيت نباتي مهدرج تكون طعامًا نباتيًا يتفق مع حرفية الصوم. أما إن كنت تأكلها شهوة منك في طعم السمن، فالأمر يختلف: تكون من الناحية الشكلية صائمًا، ومن الناحية الروحية غير مستفيد.
ونحن لا نريد ان نأخذ من الصوم شكلياته.
كذلك الجبنة الديمكس، المقياس هو: هل يوجد في تركيبها عنصر حيواني؟ هذا من الناحية الشكلية. ولكن روحيًا: هل أنت تحب الجبنة وتصر علي أكلها منفذًا رغبات جسدك في الصوم وكذلك بالنسبة للشوكولاته الصيامي: هل أنت تشتهي هذا الصنف بالذات؟ ولماذا لا تستبدله بكوب من الكاكاو؟ أما السمك، فهو أصلًا طعام حيواني. وقد صرح به للضعفاء الذين لا يحتملون كثرة الأصوام. ولكن لا يصرح به في أصوام الدرجة الأولي. ومع ذلك:
إن اشتهي جسدك سمكًا في الصوم، أي صوم، فلا تعطه.
ليس فقط السمك، بل كل المشتهيات مهما كانت حلالًا. لأنك في الصوم تضبط شهواتك.
أليس الزواج حلالًا؟ ولكن الصائمين يبعدون عن المعاشرات الجسدية في الصوم ضبطًا لأنفسهم (1 كو 7: 5). بل هكذا فعل أيضًا الملك دار يوس الأممي (دا 6:8).

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:35 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الطعام النباتي

تحدثنا في الصوم عن فترة الانقطاع وعن الجوع، بقي أن نتحدث عن الطعام النباتي في الصوم، ونشرح كيف انه نظام إلهي، وأنه الأصل في الطبيعة، إذ أن أبانا آدم كان نباتيًا، وأمنا حواء كانت نباتية. وكذلك أولادهما إلي نوح.
إن الله خلق الإنسان نباتيًا.
فلم يكن آدم وحواء يأكلان في الجنة سوي النباتات: البقول والثمار. وهكذا قال الله لآدم وحواء "إني قد أعطيتكم كل بقل يبذر بذرًا علي وجه كل الأرض. وكل شجر فيه ثمر شجر يبذر بذرًا، لكم يكون طعامًا" (تك 1: 29). بل حتى الحيوانات إلي ذلك الحين كانت نباتية أيضا، إذ قال الرب "ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء، وكل دابة علي الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعامًا" (تك 1: 30).
وبعد طرد الإنسان من الجنة، بقي أيضًا نباتيًا.
ولكنه إلي جوار البقول وثمار الأرض، أعطي أن يأكل من عشب الأرض، أي من الخضراوات، فقال له الرب بعد الخطية " وتأكل عشب الحقل "(تك 3: 18). ولم نسمع أن أبانا آدم مرض بسب سوء التغذية، ولا أمنا حواء. بل نسمع أن أبانا آدم -وهو نباتي- عاش 930 سنة (تك 5:5). وهكذا طالت أعمار أبنائه وأبناء أبنائه في هذه الأجيال النباتية.. (تك5).
ولم يصرح للإنسان بأكل اللحم بعد فلك نوح.
وحدث ذلك في زمن مظلم كان فيه "شر الإنسان قد كثر علي الأرض" حتى "حَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ"، واغرق العالم بالطوفان (سفر التكوين 6: 5، 6). وهكذا بعد رسو الفلك، قال الله لأبينا نوح وبنيه "كل دابة حية تكون لكم طعامًا، كالعشب الأخضر، دفعت إليكم الجميع. غير أن لحمًا بحياته دمه لا تأكلوه" (تك 9:3،4). ولما قاد الله شعبه في البرية، إطعامه طعامًا نباتيًا.
وكان هذا الطعام النباتي هو المن "وَهُوَ كَبِزْرِ الْكُزْبَرَةِ، أَبْيَضُ، وَطَعْمُهُ كَرِقَاق بِعَسَل" (سفر الخروج 16: 31). وكان الشعب يلتقطونه ويطحنونه أو يدقونه في الهاون كما كانوا أيضًا يطبخونه في القدور ويعملونه ملأت. وكان طعمه كطعم قطايف بزيت (عدد 11: 8).
ولما صرح لهم باللحم، فعل ذلك بغضب.
وكان ذلك التصريح بسبب شهوتهم، وتذمرهم علي الطعام وطلبهم اللحم بدموع. فأعطاهم الرب شهوتهم، وضربهم ضربه عظيمة "وإذ كان اللحم بعد بين أسنانهم قبل أن ينقطع، حمي غضب الرب علي شعب، وضربهم ضربة عظيمة جدًا، فدعي أسم ذلك الموضوع قبروت هتأوة (أي قبور الشهوة) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا" (عدد11، 33، 34).
والأكل النباتي كانا أيضًا طعام دانيال النبي وأصحابه.
إذ كانوا يأكلون القطاني أي البقول (دا 1:12)، هؤلاء الذين وضعوا في قلوبهم ألا يتنجسوا بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه (دا 10: 3).
وكان الطعام النباتي آكل حزقيال النبي في صومه.
وفعل ذلك بأمر إلهي، إذ قال له الرب " وخذ أنت لنفسك قمحًا وشعيرًا وفولًا وعدسًا ودخنًا وكرسنة (حز 4:9).
والطعام النباتي طعام خفيف، هادئ ومهدئ.
ليس فيه ثقل اللحوم،دهونها وشحومها، بكل تأثير ذلك علي صحة الجسد ونلاحظ أنه حتى في الحيوانات: المتوحشة منها هي آكله اللحوم، والأليفة منها هي آكله النباتات. والمعروف أن النباتيين أكثر هدوء في طباعهم من آكلي اللحوم والعجيب أن غالبية الحيوانات التي نأكلها هي من الحيوانات آكله النباتات كالبهائم والغنام و الماعز والطيور الداجنة.
وتلك الحيوانات النباتية لم تضعف بالطعام النباتي.
بل إننا قد نصف الإنسان بأن صحته كالجمل أو كالحصان، وهما نباتيان. وكانوا قديمًا يقيمون رياضة هي مصارعة الثيران، لإثبات القوة بمصارعة هذه الحيوانات الجبارة في قوتها، وهي نباتية. إذن أكل النبات لا يضعف الأجساد.
وقد طالت أعمار النباتيين، ومنهم المتوحدون و السواح.
كان برنارد شو Bernard Shaw الكاتب المشهور نباتيًا، وقد عاش 94 سنة ولم يصبه أي مرض طوال حياته.. وما أكثر النباتيين الذين طالت أعمارهم. و القديس الأنبا بولا أول السواح، عاش ثمانين سنة كسائح لم ير خلالها وجه إنسان، أي عاش حوالي المائة سنة. وغالبية السواح عاشوا أعمارًا طويلة. ولم يكن هؤلاء نباتيين فحسب، بل كانت حياتهم كلها زهدًا، وكانت أطعمتهم زهيدة. ومع ذلك كانت صحتهم قوية. و القديس الأنبا انطونيوس أب جميع الرهبان عاش 105 سنة، وكانت حياته صومًا مستمرًا، وكان قويًا في صحته يمشي عشرات الأميال ولا يتعب..
موضوع الطعام النباتي لا أريد أن أبحثه علميًا بل عمليًا، في حياة البشرية منذ آدم..
حقًا إن الأحماض الأمينية الرئيسية موجودة بغني في البروتين الحيواني أكثر مما في البروتين النباتي، التي توجد فيه علي أية الحالات بنسب أقل، ولكنها كانت كافية لكل الذين ذكرناهم، وعاش بها الرهبان و النباتيون في صحة قوية. ومع ذلك لا ننسي أن الكنيسة تسمح في بعض الأصوام بالسمك، ولا شك أنه يحوي بروتينًا حيوانًا. كما أن هناك فترات طويلة من الإفطار.
لا تخف إذن من الصوم، فالصوم يفيد الجسد.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:38 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
فائدة الصوم للجسد



للصوم فوائد عديدة للجسد، نذكر بعضًا منها فيما يلي:
1-الصوم فترة راحة لبعض أجهزة الجسد.
إنها فترة تستريح فيها كل الأجهزة الخاصة بالهضم و التمثيل، كالمعدة والأمعاء و الكبد والمرارة، هذه التي يرهقها الأكل الكثير، والطعام المعقد في تركيبه وبخاصة الأكل المتواصل أو الذي في غير مواعيد منتظمة، كمن يأكل ويشرب بين الوجبات، في الضيفات وفي تنازل المسليات والترفيهات وما أشبه. فترتبك أجهزته إذ يدخل طعام جديد يحتاج إلي هضم، علي طعام نصف مهضوم،، علي طعام أوشك أن ينتهي هضمه..! أما في الصوم ففي خلال فترة الانقطاع تستريح أجهزة الجسم هذه. وفي تناول الطعام تصلها أطعمة خفيفة لا تتعبها. وكذلك يريحنا في الصوم تدريب (عدم الأكل بين الوجبات). وما أجمل أن يتعود الصائم هذه التدريب، ويتخذه كمنهج دائم حتى في غير أوقات الصوم، إلا في الحالات الاستثنائية. من فوائد الصوم أيضا للجسد أن:
2-الطعام النباتي يريح من مشكلة الكوليسترول.

https://st-takla.org/Pix/People-Gener...l-Arteries.gif
ما أخطر اللحوم بشحومها ودهونها في إزادة نسبة الكوليستيرول في الدم، وخطر ذلك في تكوين الجلطات، حتى ان الأطباء يشددون جدًا في هذا الأمر، ويقدمون النصائح في البعد عن دسم اللحم و البيض والسمن وما إلي ذلك، حرصًا علي صحة الجسد، وبخاصة بعد سن معينة وفي حالات خاصة، وينصحون أيضًا بالطعام النباتي، ويحاولون علي قدر الطاقة إرجاع الإنسان إلي طبيعته الأولي وإلي طعام جنة عدن.. ومن فوائد الصوم أيضًا للجسد أنه:
3-بالصوم يتخلص الصائم من السمنة و البدانة و الترهل.
هذه البدانة التي يحمل فيها الإنسان كمية من الشحوم و الدهون، ترهقه وتتعب قلبه الذي يضطر أيضًا أن يوصل الدم إلي كتل من الأنسجة فوق المعدل الذي أراد له الله أن يعوله.. بالإضافة إلي ما تسببه السمنة من أمراض عديدة للجسد. ويصر الأطباء من أجل صحة الجسد علي إنقاص وزنه. ويضعون له حكمًا لابد أن يسير عليه يسمونه الريجيم. regime، ويأمرون الإنسان البدين -الذي يعتبرونه مريضًا- بان يضبط نفسه في الأكل، بعد أن كان يأكل بلا ضابط.
إن الصائم الذي يضبط نفسه، لا يحتاج إلي ريچيم.
والصوم كعلاج روحي، أسمي من العلاج الجسدي، لأنه في نفس الوقت يعالج الروح و الجسد و النفس معًا.. ليت الإنسان يصوم بهدف روحي، من اجل محبته لله، وسيصلح جسده تلقائيًا أثناء صومه. فهذا أفضل من أن يصوم بأمر الطبيب لكي ينقص وزنه.. حقًا إنها لمأساة، أن الإنسان يقضي جزاءًا كبيرًا من عمره، يربي أنسجة لجسمه، ويكدس في هذا الجسم دهونًا وشحومًا… ثم يقضي جزءًا آخر من عمره في التخلص من هذه الكتل التي تعب كثيرًا في تكوينها واقتنائها..! ولو كان معتدلًا، ولو عرف من البدء قيمة الصوم و نفعه، ما أحتاج إلي كل هذا الجهد في البناء و الهدم.. لعل هذا يذكرني بالتي تظل تأكل إلي أن يفقد جسدها رونقه. ثم ينصحها الأطباء أن تصوم وتقلل الكل وتتبع الريجيم. وهكذا تقلل الأكل، ليس من اجل الله، وإنما من أجل جمال الجسد فهي لا تآكل، وفي نفس الوقت لا تأخذ بركة الصوم، لأنها ليست محبة في الله تفعل هذا..! أما كان الجدار بكل هؤلاء أن يصوموا، فتستفيد أجسادهم صحيًا، ولا تفقد رونقها، وفي نفس الوقت تسمو الروح وتقترب إلى الله. صوموا إذن لأجل الله، قبل أن يرغمكم العالم علي الصوم بدون نفع روحي. ولعلَّ من فوائد الصوم أيضًا، وبخاصة فترات الانقطاع و الجوع، أن:
4-الصوم يساعد علي علاج كثير من الأمراض.
ومن أهم الكتب التي قرأتها في هذا المجال، كتاب ترجم إلي العربية سنة 1930 باسم (التطبيب بالصوم) للعالم الروسي ألكسي سوفورين Anton Alexei Souvorin. وقد ذكر هذا العالم أن الصوم يساعد علي طرد السموم من الجسم بعمليات الإخراج المختلفة، إلا أن جزءًا قد يتبقى الصوم لطرده.. ويقول هذا العالم أيضًا إن الجسم في صومه، إذ لا يجد ما يكفيه من غذاء، تتحلل بعض أنسجته، وأولها الدهون و الشحوم والأنسجة المصابة و المتقيحة، وهكذا يتخلص منها الجسد. وقد جاء هذا العالم أن الصوم الانقطاعي الطويل المدى، بنظام خاص، يعالج كثيرًا من الأمراض. وغني اعرض بحثه للدراسة كرأي لعالم اختبر ما ورد في كتابه.. هل هناك فوائد أخري يقدمها الصوم للجسد؟ نعم:
5-الصوم يجعل الجسد خفيفًا ونشيطًا.
آباؤنا الذين أتقنوا الصوم، كانت أجسادهم خفيفة، وأرواحهم منطلقة. كانت حركاتهم نشطة وقلوبهم قوية، كانوا يقدرون علي المشي في اليوم عشرات الكيلومترات دون تعب. يتحركون في البرية كالأيائل. ولم تثقل أذهانهم بل كانت صافية جدًا. وهكذا منحهم الصوم نشاطًا للجسد و للروح وللذهن. وقد وجدوا في الصوم راحتهم، ووجدوا فيه لذتهم، فصارت حياتهم كلها صومًا.
6-لا يقل أحد إذن إن الصوم أو الطعام النباتي يضعف الصحة، لأنه في الواقع يقويها. أليس الصوم مجرد علاج للروح، إنما هو علاج للجسد أيضًا. ولم نسمع أبدًا أن الطعام النباتي قد أضعف أحدا إن دانيال و الثلاثة فتية لم يأكلوا لحمًا من مائدة الملك، واكتفوا بأكل البقول فصارت صحتهم أفضل من غيرهم (دا 1: 15). والآباء السواح، وآباء الرهبنة الكبار، كانوا متشددين جدًا في صومهم، ولم نسمع أبدًا أن الصوم أضعف صحتهم، بل كانت قوية حتى في سن الشيخوخة. وأبونا آدم لم يقل أحد إنه مرض وضعف بسبب الطعام النباتي، وكذلك أمنا حواء، وكل الآباء قبل فلك نوح.. فاطمئنوا إذن علي صحتكم الجسدية.
الذي يتعب الجسد ليس هو الصوم، بل الأكل.
تتعب الجسد كثرة الأكل، والتخمة، وعدم الضوابط في الطعام، وكثرة الخلاط غير المتجانسة في الطعام، ودخول أكل جديد علي أكل لم يهضم داخل الجسد. كما يتعب الجسد أيضا الطاقات الحرارية الزائدة التي تأتي من أغذية فوق حاجة الإنسان. وما أكثر الأمراض التي سببها الأكل.
لذلك يجب أن تتحرروا من فكرة أن الصوم يتعب الصحة.
إنها فكرة خاطئة، ربما نبتت أولًا من حنو الأمهات الزائد علي صحة أبنائهن حينما كانت الأم تفرح إذ تري ابنها سمينًا وممتلئ الجسم، وتظن أن هذه هي الصحة! بينما قد يكون السمين أضعف صحة من الرفيع حنو الأمهات الخاطئ كان يمنع الأبناء من الصوم، أو كان يخيفهم من الصوم. ونقول إنه حنو خاطئ، لأنه لا يهتم بروح الإبن كما يهتم بجسده، كما لو كانت أولئك الأمهات أمهات لأجساد أبنائهن فقط.وفي إشفاق الأم علي جسد ابنها كانت تهتم بغذاء هذا الجسد، دون أن تلتفت إلي غذاء روحه!
ومع ذلك سمعنا عن أطفال قديسين كانوا يصومون.
ولعل من أمثله هؤلاء القديس مرقس المتوحد بجبل أنطونيوس الذي بدأ صومه منذ طفولته المبكرة، واستمر معه كمنهج حياة. وكذلك القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين الذي كان في طفولته يعطي طعامه للرعاة ويظل منتصبًا في الصلاة وهو صائم حتى الغروب وهو بعد التاسعة من عمره. كان الصوم للكل كبارًا وصغارًا. منحهم صحة وقوة.
وقد خلص أجسادهم من الدهن و الماء الزائدين.
وهكذا حفظت لنا كثير من أجساد القديسين دون أن تتعفن. بسبب البركة التي حفظ بها الرب هذه الأجساد مكافأة علي قداستها، هذا من جهة. ومن جهة أخري لأن الأجساد كانت بعيدة عن أسباب التعفن، بسبب التعفن قلة ما فيها من رطوبة ومن دهن. قد تحفظ اللحوم فترة طويلة بلا تعفن، إذا شوحوها (قددوها) أي عرضوها للحرارة التي تطرد ما فيها من ماء وتذيب ما فيها من دهن، فتصبح في جفاف يساعد علي حفظها. إلي حد ما هكذا كانت أجساد القديسين بالصوم، بلا دهن بلا ماء زائد، فلم يجد التلف طريقًا إليها...

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:41 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم ليس مجرد فضيلة للجسد



الصوم ليس مجرد فضيلة للجسد بعيدًا عن الروح. فكل عمل لا تشترك فيه الروح لا يعتبر فضيلة علي الإطلاق. فما هو عمل الجسد في الصوم؟ وما هو عمل الروح؟ الصوم الحقيقي هو عمل روحي داخل القلب أولًا.

https://st-takla.org/Gallery/var/albu...ine-Ascent.jpg
وعمل الجسد في الصوم، هو تمهيد لعمل الروح أو هو تعبير عن مشاعر الروح.
الروح تسمو فوق مستوي المادة و الطعام، وفوق مستوي الجسد معها في موكب نصرتها، وفي رغباتها الروحية. ويعبر الجسد عن هذا بممارسة الصوم.
إن قصرنا تعريفنا للصوم علي إنه إذلال للجسد بالجوع و الأمتناع عما يشتهي، نكون قد أخذنا من الصوم سلبياته، وتركنا عمله الإيجابي الروحي.
الصوم ليس جوعًا للجسد، بل هو غذاء للروح.
ليس الصوم تعذيبًا للجسد، أو استشهادًا للجسد، أو صليبًا له، كما يظن البعض، إنما الصوم هو تسامي الجسد ليصل إلي المستوي الذي يتعاون فيه مع الروح.
ونحن في الصوم لا نقصد أن نعذب الجسد، إنما نقصد ألا نسلك حسب الجسد، فيكون الصائم إنسانًا روحيًا وليس إنسانًا جسدانيًا. الصوم هو روح زاهده، تشرك الجسد معها في الزهد والصوم ليس هو الجسد الجائع، بل الجسد الزاهد.
وليس الصوم هو جوع الجسد، إنما بالأكثر هو تسامي الجسد وطهارة الجسد ليس هو حالة الجسد الذي يجوع ويشتهي أن يأكل، بل الذي يتخلص من شهوة الكل ويفقد الأكل قيمته في نظره.. الصوم فترة ترفع فيها الروح، وتجذب الجسد معها.
تخلصه من أعماله وأثقاله، وتجذبه معها إلي فوق، لكي يعمل معها الرب بلا عائق. والجسد الروحي يكون سعيدًا بهذا.
الصوم هو فترة روحية، يقضيها الجسد و الروح معًا في عمل روحي. يشترك الجسد مع الروح في عمل واحد هو عمل الروح.
يشترك معها في الصلاة و التأمل و التسبيح و العشرة الإلهية.
نصلي ليس فقط بجسد صائم، أنما أيضا بنفس صائمة.
بفكر صائم وقلب صائم عن الشهوات والرغبات، وبروح صائمة عن محبة العالم، فهي ميتة عنه، وكلها حياة مع الله، تتغذي به وبمحبته.
الصوم بهذا الشكل هو الوسيلة الصالحة للعمل الروحي. هو الجو الروحي الذي يحيا فيه الإنسان جميعه، بقلبه وروحه وفكره وحواسه وعواطفه.
الصوم هو تعبير الجسد عن زهده في المادة و الماديات، واشتياقه إلي الحياة مع الله. وهذا الزهد دليل علي اشتراك الجسد في عمل الروح، وفي صفاتها الروحية وبه يصبح الجسد روحيًا في منهجه، وتكون له صورة الروح.
في الصوم لا يهتم الإنسان بما للجسد به أيضًا في حالته الروحية.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:44 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
لا تهتموا بما للجسد

في حديث الرب عن الغذاء الروحي، نسمعه يقول:
إعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية (يو 6: 27). وبعد هذا يحدثهم عن الخبز النازل من السماء، الخبز الحقيقي، خبز الله، خبز الحياة (يو 6: 32 - 35). إنه هنا يوجه إلي الروح وغذائها ويقود تفكيرنا في اتجاه روحي، حتى لا ننشغل بالجسد وطعامه. وحينما ذكر عبارة " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (مت 4: 4). إنما أراد بهذا أنه ينبغي للإنسان ألا يحيا جسدانيًا يعتمد علي الخبز كطعام له، ناسيًا الروح وطعامها. وعن طعام الروح هذا قال لتلاميذه " لي طعام لآكل لستم تعرفونه" (يو 4: 32). وهنا يخطر علي فكرنا سؤال هو:
هل كان المسيح علي الجبل صائمًا أو يتغذي.
والجواب هو: كان صائمًا من جهة الجسد. وكان يتغذي من جهة الروح. كان له طعام آخر لا يعرفه الناس. وبهذا الطعام استطاعت الروح أن تحمل الجسد الصائم طوال الأربعين يومًا، التي لم يهتم فيها الرب بطعام الجسد، أو ترك الجسد يتغذي بطعام الروح... إنه يعطينا درسًا أن نهتم بما للروح، وليس بما للجسد. وفي هذا المجال نضع أمامنا كلام الوحي الإلهي علي فم معلمنا القديس بولس الرسول إذ:
بشرح موضوع الاهتمام بما للجسد وما للروح.
فيقول " أذن لا شي من الدينونة الآن علي الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" وهذا ما نريد أن نسلك فيه في الصوم وفي كل حياتنا. ويتابع الرسول شرحه فيقول (فإن الذين هم حسب الجسد، فبما للجسد يهتمون. ولكن الذين هم حسب الروح، فبما للروح يهتمون" (رو 8: 5).
فهل أنت تهتم بما للروح أم بما للجسد؟
هل يهمك نموك الروحي، أم رفاهية بصحة الروح، فسيمنحك الرب صحة الجسد أيضًا في فترة الصوم كما شرحنا قبلًا ولكن الخطورة في الاهتمام بالجسد هي تلك العبارات الصعبة:
"لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ.. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 6، 7). مَنْ يستطيع أن يحتمل هذا الكلام، ويظل سالكًا حسب الجسد؟! هوذا الرسول يقول أيضًا "فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ." (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 8). "فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ. لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 12، 13). حسن قول الرسول هذا. فنحن في الصوم لا نميت الجسد، إنما نميت أعمال الجسد، نميتها بالروح لنحيا. نحن لا نعذب الجسد، أنما لا نسلك حسب الجسد.. لا نعطي للجسد نعطي للجسد شهوات ورغبات، إنما نعطيه تساميًا، وارتفاعًا عن المادة، وتسليم ذاته لروح. لأن الرسول يقول: "ولكن اهتمامًا الجسد هو حياة وسلام" (رو 8: 6). هذا هو الصوم. لذلك أمام عبارات الرسول نسأل:
هل أنت في الصوم تهتم بما للروح؟
هذا ما نود إن نخصص له الفصول المقبلة، لكي يكون صومنا روحانيًا ومقبولًا أمام الله. ولكي لا نركز إهتمامًا في الجانب الجسدي من الصوم، ونغفل العمل الروحي، ولكي نفهم الصوم بطريقة روحية، ويكون لنا فيه منهج روحي لنفعنا.. وإن كان الصوم ليس هو مجرد جوع للجسد، إنما هو بالأحرى غذاء للروح. فلنبحث عن أغذية الروح فما هي؟ وهل تنالها الصوم أم لا؟

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:45 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الفصل الثالث: قدسوا صومًا
موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين علي وجه الأرض. مما يدل علي أن فكرة الصوم كانت راسخة في عقيدة البشرية قبل أن تتفرق إلي أمم وشعوب، بل أنها ترجع إلي أيام آدم وحواء.
ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع من الناحية العقيدية، إنما من الناحية الروحية.
نريد أن نتحدث عن الفهم الروحي للصوم، والسلوك الروحي أثناء الصوم، لن كل ما يهمنا هو نموك الروحي في محبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:49 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
معنى عبارة "قدسوا صومًا"
قال الرب علي لسان يوئيل النبي "قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يوئيل 1:14، 2:15). فما معني تقديسنا للصوم؟ وكيف يكون؟
كلمه "تقديس" كانت في أصلها اليوناني تعني التخصيص.
فلما قال الرب لموسى " قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم.. إنه لي" (خر 13: 2). كان يعني خصص لي هؤلاء الأبكار، فلا يصيرون لغرض آخ: أبكار الناس كانوا يتفرغون لخدمة الرب قبل اختيار هرون وأولاده. وأبكار البهائم كانت تقدم ذبائح.. والثياب المقدسة هي المخصصة للرب لخدمه الكهنوت. وفي هذا قال الرب لموسى النبي " فيصنعون ثيابًا مقدسة لهرون أخيك ولبنية، ليكهن لي "(خر 28: 5). أواني المذبح هي أوان مقدسة للرب، لأنها مخصصة لخدمته، لا يمكن أن تستخدم في غرض آخر. وتقديس بيت للرب معناها تخصيص بيت للرب، فلا يمكن أن يستخدم في أي غرض آخر سوي عبادة الرب " بيتي بيت الصلاة يدعي" (مت 21: 13). ولعل البعض يسأل: ما معني قول الرب عن تلاميذه " من أجلهم أقدس انا ذاتي.." (يو 17: 19)؟ معناها قول الرب عن تلاميذه " من أجلهم، أي لأجل الكنيسة، لأني جئت لأقدس هؤلاء..

وبهذه تكون المقدسات هي المخصصات للرب.
أي أنها أشياء للرب وحده وليس لغيره، هي مخصصه للرب، مثل البكور مثلًا. وفي هذا يقول الرب علي لسان حزقيال النبي "هناك أطلب تقدماتكم وباكورات جزاكم مع جميع مقدساتكم" (حز 20: 40). ويقول عن بكور كل شجرة مثمرة " وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدسًا لتمجيد الرب" (لا 19: 24) أي يكون ثمرها مخصصًا للرب، يعطي لكهنة الرب (حز 44: 30). والموال التي تدخل إلي خزانه الرب في الهيكل، قيل عنها " تكون قدسًا للرب، وتدخل في خزانه الرب "(يش 6: 19). أي تخصص للرب.
وبنفس المعني كان تقديس الأيام أي تكون مخصصه للرب.
فعبارة " أذكر يوم السبت لتقدسه" (خر 20: 8) أي تخصص هذا اليوم للرب " لا تعمل فيه عملًا ما " إنه للرب. وبنفس المعني تقديس كل مواسم الرب، كل أعياده. تقام فيها محافل مقدسة، وتخصص تلك الأيام للرب. لا تعمل فيها أي عمل (لا 23: 7، 8، 21، 25، 31، 36).
وهكذا تقدس الصوم معناه تخصيصه للرب.
تكون أيام الصوم مقدسه، أي مخصصة للرب. هي أيام ليست من نصيب العالم، ولكنها نصيب الرب، قدس للرب. ولهذا وضح الوحي الإلهي هذا المعني بقوله " قدسوا صومًا نادوا باعتكاف". لأن الاعتكاف يليق بسبب أعمالك الرسمية. أعتكف ما تستطيعه من الوقت لكي تتفرغ للرب وإن ضاق وقتك علي الرغم منك، فهناك معني آخر للتخصيص:
علي الأقل: خصص هدف الصوم للرب.
وهكذا يكون صومًا مقدسًا أي مخصصًا للرب في هدفه، وفي سلوكه. بهذا ندخل في المعني المتداول لكلمة مقدس، أي طاهر، لأنه للرب.. فهل هدف صومك هو الرب.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:51 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
ما هو هدف صومك؟!



لماذا نصوم؟ ما و هدفنا من الصوم؟ لأنه بناء علي هدف الإنسان، تتحدد وسيلته. وأيضًا بناء علي الهدف تكون النتيجة.
هل نحن نصوم، لمجرد أن الطقس هكذا؟
لمجرد أنه ورد في القطمارس katameooc، أو التقويم (النتيجة)، أن الصوم قد بدأ، أو قد أعلنت الكنيسة هذا الأمر؟ إذن فالعامل الفلبي الجواني غير متكامل.. طبعًا طاعة الكنيسة آمر لازم، وطاعة الوصية أمر لازم. ولكننا حينما نطيع الوصية، ينبغي أن نطيعها في روحانية وليس في سطحية.. وان كانت الكنيسة قد رتبت لنا هذا الصوم، فقد رتبته من أجل العمق الروحي الذي فيه. فما هو هذا العمق الروحي؟؟ وما هدفنا من الصوم؟
هل هدفنا هو مجرد حرمان الجسد وإذلاله
في الواقع إن الحرمان الجسد ليس فضيلة في ذاته، إنما هو مجرد وسيلة لفضيلة وهي أن تأخذ الروح مجالها. فهل نقتصر علي الوسيلة، أم ندخل في الهدف منها وهو إعطاء الروح مجالها؟… ما أكثر الأهداف الخاطئة التي تقف أمام الإنسان في صومه!

https://st-takla.org/Pix/Jesus-Christ...okrator-37.jpg
فقد يصوم البعض لمجرد أن يرضي عن نفسه.
لكي يشعر أنه إنسان بار، يسلك في الوسائط الروحية، ولا يقصر في آيه وصية… أو قد يصوم لكي ينال مديحًا لكي ينال مديحًا من الناس في صومه، أو في درجة صومه.. وهكذا يدخل في مجال المجد الباطل، أي يدخل في خطية! ما هو إذن الهدف السليم من الصوم؟
الهدف السليم أننا نصوم من أجل محبتنا لله.
من أجل محبتنا، نريد أن تكون أرواحنا ملتصقة بالله. ولا نشاء أن تكون أجسادنا عائقًا في طريق الروح. لذلك نخضعها بالصوم لكي تتمشي مع الروح في عملها. وهكذا نود في الصوم، أن نرتفع عن المستوي المادي وعن المستوي الجسداني، لكي نحيا في الروح، ولكي تكون هناك فرصه لأرواحنا البشرية أن تشترك في العمل مع روح الله، وان تتمتع بمحبة الله وبعشرته حقًا ان التمتع بمحبة الله وحلاوة عشرته، من المفروض أن يكون أسلوب الحياة كلها. ولكن لا ننسي أننا ننال ذلك بصورة مركزه في الصوم، فيها عمق أكثر، وحرص أكثر، كتدريب وكتمهيد لكي تكون هذه المتعة بالله هي أسلوب الحياة كلها.
فنحن نصوم لأن الصوم يقربنا إلي الله.
الصوم فيه اعتكاف، والاعتكاف فرصة للصلاة والقراءة الروحية والتأمل. والصوم يساعد علي السهر وعلي المطانيات. والسهر والمطانيات مجال للصلاة. والصوم فيه ضبط للإرادة وانتصار علي الرغبات. وهذا يساعد علي التوبة التي هي الطريق إلي الله وإلي الصلح معه. ونحن نصوم وفي صومنا تتغذي علي كل كلمة تخرج من فم الله (مت 4). إذن من اجل محبة الله وعشرته، نحن نصوم. نصوم، لأن الصوم يساعد علي الزهد في العالميات والموت عن الماديات. وهذا يقوينا علي الاستعداد للأبدي والالتصاق بالله. إن كان الصوم إذن هو أيام مخصصه لله وحده، وإن كنا نصوم من اجل الله ومحبته، فإن سؤالًا يطرح نفسه علينا وهو:
هل هناك اصوام غير مخصصه لله؟
نعم، قد توجد أصوام للبعض لا نصيب لله فيا. كإنسان يصوم ولا نصيب لله في حياته علي الرغم من صومه! يصوم وهو كما هو، بكل أخطائه، لم يتغير فيه شئ! أو يصوم كعادة، أو خوفًا من الإحراج لأجل سمعته كخادم. أو أن صيامه مجرد صوم جسداني كله علاقة بالجسد، ولا دخل للروح فيه! أو هو صوم لمجرد إظهار المهارة، والقدرة علي الأمتناع عن الطعام. أو قد يكون صومًا عن الطعام، وفي نفس الوقت يمتع نفسه بشهوات أخري لا يقوي علي الأمتناع عنها..!
يظن البعض أن الصوم مجرد علاقة بين الإنسان وبين الطعام، دون أن يكون الله طرفًا ثالثًا فيها.
كل اهتماماته في صومه هي هذه: ما هي فترة الانقطاع؟ متي يأكل؟ وكيف ينمو في أطاله فترة إنقطاعه؟ وماذا يأكل؟ وكيف يمنع نفسه عن أصناف معينه من الطعام؟ وكيف يطوي أيامًا..؟ كأن الصوم بين طرفين هو و الطعام، أو هو والجسد! دون أن يكون الله طرفًا في هذا الصوم بأيه صورة من الصور!! أحقًا هذا صوم؟! إن الصوم ليس هو مجرد تعامل مع الجسد بل هو تعامل مع الله. والصوم الذي لا يكون الله فيه، ليس هو صومًا علي الأطلاق.
نحن من أجل الله نأكل، ومن أجله نصوم.
من اجل الله نأكل، لكي ينال هذا الجسد قوة يستطيع بها أن يخدم الله، وأن يكون أمينًا في واجباته تجاه الناس. ونحن من أجل الله نجوع لكي نخضع الجسد فلا يخطئ إلي الله. ولكن يكون الجسد تحت سيطرتنا، ولا نكون نحن تحت سيطرة الجسد، لكي لا تكون رغبات الجسد وشهواته هي قائدتنا في تصرفاتنا. وإنما نسلك حسب الروح وليس حسب الجسد، من أجل محبتنا لله، وحفاظًا علي شركتنا مع روحه القدوس. أما في غير ذلك فيكون الصوم مرفوضًا من الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:53 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
أصوام باطلة ومرفوضة



ليس كل صوم مقبولًا من الله. فهناك أصوام باطلة، لا تعتبر بالحقيقة أصوامأ، وهي مرفوضة من الله. وقد قدم لنا الكتاب أمثلة من هذه الأصوام المرفوضة.
1-منها الصوم الذي لكسب مديح الناس.
الصوم المكشوف الظاهر، الذي يشاء أن يكون مكشوفًا لكي يراه الناس ويمتدحوه. وعن هذا الصوم قال السيد الرب في عظته علي الجبل: " ومتي صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتي صمت، فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائمًا بل لأبيك الذي في الخطاء. فأبوك الذي يري في الخفاء يجازيك علانية "(مت 6: 16-18) هذا الصوم الذي لمديح الناس، ليس لأجل الله، ولا نصيب لله فيه. لذلك هو صوم باطل.


2-وصوم الفريسي الذي وقف مثال آخر لصوم غير مقبول.
https://st-takla.org/Pix/People-Gener..._Self-Love.jpg
هذا الفريسي الذي وقف أمام الله يتباهي بفضائله ويقول " أصوم يومين في الأسبوع وأعشر جميع أموالي". وفي نفس الوقت كان يدين العشار قائلًا عن نفسه " لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناه ولا مثل هذا العشار". لذلك لم يخرج من الهيكل مبررًا، مثلما خرج العشار المنسحق القلب (لو 18: 9-14). وهذا المثل يرينا ان الصوم الذي لا يمتزج بالتواضع والانسحاق هو صوم مرفوض من الله لأن صاحبه يظن في نفسه أنه بار، ويحتقر الآخرين (لو 18: 9).
3- الصوم الذي هدفه خاطئ، صوم غير مقبول.
ومن أمثله هذا الصوم أولئك اليهود الذين صنعوا اتفاقًا فيما بينهم " وحرموا أنفسهم قائلين إنهم لا يأكلون ولا يشربون حتى يقتلوا بولس. وكان الذين صنعوا هذا التحالف نحو الأربعين " أع 23: 12، 13). وطبعًا كان صومهم هذا خطية بل لا نستطيع أن نسميه صومًا بالمعني الروحي.
4- صوم الشعب الخاطئ أيام ارمياء النبي.
هؤلاء لم يقبل الرب صومهم بل قال عنهم لأرميا النبي " لا تصل لأجل هذا الشعب للخير حين يصومون لا أسمع صراخهم. وحين يصعدون محرقه وتقدمه لا أقبلهم . بل بالسيف والجوع والوبأ أنا أفنيهم" (أر 14: 11، 12) هؤلاء لم يقبل الرب أصوامهم ولا صلواتهم ولا محرقاتهم، لأنهم كانوا يعيشون في الشر، وقلوبهم لم تكن طاهرة قدامه..
أذن الصوم البعيد عن التوبة هو صوم غير مقبول.
فالله يريد القلب النقي، أكثر مما يريد الجسد الجائع. والإنسان الذي يصوم فمه عن الطعام، ولا يصوم قلبه عن الخطايا، ولا يصوم لسانه عن الأباطيل، فصوم هذا الإنسان باطل، حتى إن يسلم جسده ليحترق فلا ينتفع شيئًا (1 كو 13: 3)
5- والصوم العيد عن الرحمة و الصدقة، غير مقبول.
وقد شرح الرب هذا الأمر لإشعياء النبي، فقال له "يقولون لماذا صمنا ولم تنظر؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ؟.. ها إنكم للخصومة و لنزاع تصومون.. أمثل هذا يكون صوم اختاره.. هل تسمي هذا صومًا ويومًا مقبولًا للرب؟! أليس هذا صومًا أختاره: حل قيود الشر، فَك عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحرارًا.. أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلي بيتك.." (أش 58: 3- 7). فالذي يصوم، حتى ولو كان صومًا بتذللك بالمسوح و الرماد، يحني فيه كالأسلة رأسه، هو صوم غير مقبول، أ لم يكن ممتزجًا بأعمال الرحمة وبنقاوة القلب...
6- والصوم الذي ليس لأجل الله، صوم باطل.
فقد يصوم إنسان، لأن الأطباء أمروه بهذا. وقد يصوم آخر من أجل رشاقة جسده وحسن منظرة وكلاهما ليس من أجل الله، ولا ينتفع روحيًا بصومه. وقد يصوم إنسان ثالث، بأسلوب إضراب عن الطعام، وليس بهدف روحي، ولا من أجل الله.. كما يمتنع رابع عن الطعام حزنًا أو يأسًا، ولا نستطيع أن نعتبر أحدًا من هؤلاء صائمًا بالحقيقة. نعود ونقول: كل صوم ليس هو من أجل الله، وليس هو بسبب روحي، لا يمكن أن نعتبره صومًا علي الإطلاق، ولا يقبله الله.
فما هو الصوم الروحي المقبول أمام الله؟
هو الصوم الذي تكون فيه علاقة عميقة مع الله. الصوم الذي تشعر فيه بالله في حياتك، هو الفترة المقدسة التي تشعر أن الله يملكها، وأنها مخصصة كلها لله، وان وجود الله ظاهرًا جدًا خلالها في كل تصرفاتك، وعلاقتك بالله تزداد وتنمو في كل يوم من أيام الصوم، بمتعة روحية تشتهي بسببها أن يطول صومك ولا ينتهي. لعل هذا يجعلنا نفحص سؤال هامًا وهو: ما علاقة الله بصومك؟!

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:56 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
ما علاقة الله بصومك؟!



ما الذي آخذه الله من صومك؟ وما الذي أخذته أنت من الله؟ ماذا أعطيت الله في صومك، وماذا أعطاك؟ هل كان صومك فتره غير عادية في حياتك؟ أيامًا مقدسة شعرت فيها بيقظة روحية تدعوك أن تذوق وتنظر ما أطيب الرب؟ هل اختبرت فيها كيف تسلك حسب الروح وليس حسب الجسد؟
ليس الصوم هو تغيير طعام بطعام.
وليس هو امتناع فتره معينة عن الطعام.. كل هذه مجرد وسائل، ولكنها ليست هي جوهر الصوم. فجوهر الصوم هو انطلاق الروح من مطالب هذا الجسد، لكي يسمو الجسد معها، ويرتفع الإنسان بعيدًا عن ثقل المادة، متجهين معًا في اتجاه واحد هو محبة الله، والتمتع بعشرته. هذا هو الصوم المقدس، أي المخصص لله. ثلاثة أشياء لابد أن تخصصها لله في صومك، إن أردت ان تقدس هذا الصوم لله.
في الصوم تخصص القلب و الفكر والإرادة لله.

https://st-takla.org/Pix/Jesus-Christ...okrator-22.jpg
فلا يكون كل صومك هو انشغال بالأكل والشرب. وإنما امتناعك عن الأكل والشرب، وضبطك فيما تآكل وتشرب، إنما هو تدريب لهذه الإرادة كيف تقوي، ولا تكون قاصرة علي موضوع الطعام فحسب، وإنما إرادتك التي نجحت في السيطرة علي الطعام، تقدم ذاتها لله في كل شيء.
فلا تريد إلا ما يريده الله..
وهذه هي الحكمة من الصوم. أن منع النفس عن الكل، يمتد إلي أن يصير منعًا عامًا عن كل ما يغضب الله.. فلا يكفي أن تمنع نفسك عن الأطعمة الحيوانية، أو عن الكل عمومًا، وتبقي بلا ضابط في خطايا معينة (اقرأ مقالًا آخراُ عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات)! إنما في صومك قدم إرادتك لله في كل تصرفاتك وقل له " لتكن لا إرادتي بل إرادتك".
إبحث إذن أين تشرد إرادتك بعيدا عن الله.
وركز علي هذه النقطة بالذات لكي تنجح فيها، وتقدم لله إرادة صالحة ترضيه وهذا التدريب الذي تسلك فيه أثناء الصوم، سوف يصحبك بعده أيضًا. لأنه من غير المعقول أن تضبط نفسك في البعد عن خطايا معينه أثناء الصوم، ثم تبيح هذا الأمر لنفسك عندما ينتهي الصوم! وإلا فما الذي تكون قد استفدته من صومك؟!
أحرص أن يكون الصوم قد غير فيك شيئًا.
لا تأخذ من الصوم مجرد تغيير الطعام، إنما تغيير الحياة إلي أفضل.. تغيير النقائص التي فيك، والضعفات التي تحسها في علاقتك مع الله و الناس. لأنه ماذا تستفيد أن قهرت نفسك خلال خمسة وخمسين يومًا في الصوم الكبير، وخرجت من الصوم كما كنت تمامًا قبله، دون أن تكون علاقة حب مع الله، وعلاقة حب مع الله، وعلاقة ثابت فيه؟!
تأمل كم صومًا مر عليك، وأنت كما!
كم هي الأصوام، التي صمتها، منذ أن عرفت الله حتى الآن؟ كم سنة مرت عليك، وفي كل سنة عدد من الأصوام، مع أربعاء وجمعة في كل أسبوع. تأمل لو كنت في كل صوم منها تنجح إرادتك، ولو في الانتصار علي نقطة ضعف معينه حتى تصطلح مع الله فيها وتذوق حلاوة مشيئته.. تري لو سلكت هكذا، كم كنت تري حصاد حياتك وفيرًا في الروحيات، وكم كانت علاقتك بالله تزيد وتتعمق...
لا تأخذ من الصوم شكلياته، بل ادخل إلي العمق.
فليس الصوم مجرد شكليات ورسميات، ولا هو مجرد فروض أو طقوس، إنما هو نعمة أعطت لنا من الله، ونظمتها الكنيسة لخيرنا الروحي. لأجل تنشيط أرواحنا، وتذكيرنا بالمثالية التي ينبغي أن نسلك فيها، وتدريبنا علي " القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب "(عب 12: 14).
الصوم إذن فترة مقدسة مثالية غير عادية.
يحتاج إلي تدبير روحي من نوع خاص يتفق مع قدسيتها. حالمًا يبدأ الصوم نشعر أننا دخلنا في حياة لها سموها، وفي أيام غير عادية نتدرب فيها علي حياة الكمال. ولذلك لا يجوز أن تمر علينا شأنها كباقي الأيام... إنها صفحة جديدة في علاقتنا مع الله، ندخلها بشعور جديد وبروح جديدة.. حقًا إن كل أيام حياتنا ينبغي أن تكون مقدسة. ولكن فترة الصوم هي أيام مقدسة غير عادية. وإن سلكنا فيها حسنًا، سنصل غلي قدسية الحياة كلها.. إنها فتره نتفرغ فيها لله علي قدر إمكاننا، ونعمق علاقتنا به.
هل سمعتم عن الصوم الذي يخرج الشياطين؟
وكيف قال الرب عن الشياطين " هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم (مت 17: 21). فأي صوم هذا الذي لا تستطيع الشياطين أن تحتمله فتخرج؟ أهو مجرد الامتناع عن الطعام؟ كلا بلا شك. بل إنها العلاقة القوية التي تربط الصائم بالله، هذه التي لا يحتملها الشيطان.. الدالة التي بين الإنسان والله، دالة الحب وصلة الروح التي حرم منها الشيطان، ما ان يراها حتى يتعب ويذهب.. القلب الملتصق بالله في الصوم، هذا يراه الشيطان فيهرب.
فهل قلبك ملتصق بالله في الصوم؟
هل تعطيه قلبك كما تعطيه إرادتك؟ وهل تشعر بحبه أثناء الصوم؟ هل هذا الحب طابع واضح في صلواتك وتاملاتك أثناء الصوم؟ وهل من أجل محبته نسيت طعامك وشرابك، ولم تعد تهتم بشيء من هذا؟
وكأنك تقول لجسدك أثناء صومك:
أنا لست متفرغًا لك الآن. أكلت أو لم تأكل، هذا موضوع لم يعد يشغلني أو يهمني... " لكل شيء تحت السموات وقت". وليس هذا هو وقتك.. أنا الآن مشغول بعمل روحي مع الله. فتعال اشترك معنا، أن أردت أن يكون لك كيان في هذا الصوم. أما الطعام فليس الان مجاله. طعامي الآن هو كل كلمة تخرج من فم الله. هذه هي مشاعر من يقول في صومه مع القديس يوحنا الرائي:
كنت في الروح في يوم الرب (رؤ 1: 10).
ولا شك أن يوم الصوم هو يوم للرب. فهل انت " في الروح " أثناء صومك؟ هل نسيت جسدك تمامًا بكل ماله من رغبات ومطالب واحتياجات، وفضلت أن تحيا في الروح خلال فترة الصوم؟ ليس للجسد عندك سوي الضروريات التي لا قيام له بدونها.. وكأنك تقول مع بولس الرسول " في الجسد أم خارج الجسد، ليست أعلم. الله يعلم "(2كو 12: 3).
هل يكون فكرك منشغلًا بالله في صومك؟
في أثناء القداس الإلهي ينادي الأب الكاهن قائلًا " أين هي عقولكم "؟ ويجيب الشعب " هي عند الرب". وانا اريد ان أسأل نفس السؤال أثناء الصوم " أين هي عقولكم "؟ أتستطيع ان تجيب " هي عند الرب "؟ أليس الصوم فترة مقدسة لله، مخصصة له، يجب فيها ان ينشغل الفكر بالله وحده؟ افحص يا أخي نفسك، وأبحث عن أفكارك اين هي أثناء الصوم.
هل مشاغل الدنيا تملأ فكرك أثناء الصوم؟
فأنت في دوامه العمل، وفي دوامة الأخبار، وفي دوامة الأحاديث مع الناس، لا تجد وقتًا لله تعطيه فيه فكرك! وربما تصوم حتى الغروب، وفكرك ليس مع الله، قد أرهقه الجولان في الأرض و التمشي فيها..! وربما تفكر في التافهات، وتتكلم عن التافهات، والله ليس علي فكرك، ولا تذكره إلا حينما تجلس لتآكل، فنصلي قبل الأكل، وتذكر الله وتذكر انك كنت صائمًا! هل هذا صوم روحي يريح ضميرك؟! ليتك إذن تذكر قول داود النبي:
جعلت الرب أمامي في كل حين.
هو أمامي في كل عمل أعمله، وفي كل كلمة أقولها.إنه شاهد علي كل شيء. وأيضًا جعلته أمامي لأنه هدفي الذي لا أريد أن اتحول عنه لحظه واحدة وهو امامي لأنني من أجله وحده أصوم لكي لا أنشغل عنه بل اجعله أمامي كل حين.. أن كنت في الأيام العادية، ينبغي أن تضع الله أمامك في كل حين، فكم بالأكثر في فترات الصوم التي هي مخصصة لله ومقدسة له؟
إن كان الله ليس علي فكرك، فلست صائمًا.
يوم الصوم الذي لا تفكر فيه في الله، اشطبه من أيام صومك، إنه لا يمكن أن يدخل تحت عنوان "قدسوا صومًا".. ولكن لعل البعض يسأل: كيف يمكنني تنفيذ هذا الأمر، وأنا أعيش في العالم، ولي مسئوليات كثيرة ينبغي أن أفكر فيها؟
إذن احفظ التوازن، وأمامك ثلاث قواعد:
1-لا تجعل مسئولياتك تطغي، بحيث تستقطب كل أفكارك، ولا تبقي في ذهنك موضعًا لله.. أجعل لمسئولياتك حدودًا، وأعط لربك مجالًا.
2- كل فكر لا يرضي الله إبعده عنك، فهو لا يتفق مع المجال القدسي الذي تعيش فيه. وكما يقول القديس بولس الرسول " مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح "(2 كو 10: 5). لذلك لا تنجس صومك بفكر خاطئ. فالفكر الذي يطيع المسيح استبقه معك، والذي لا يطيع اطرده عنك.
3- إشرك الله معك في أفكارك، وفي أهداف أفكارك. وقل:
أنا من أجل الله أفكر في هذا الموضوع.
أنت تفكر في مسئولياتك. حسنًا تفعل. ولكن لا تجعلها منفصلة عن الله. الله هو الذي أعطاك هذه المسئوليات. وأنت من أجل تفكر فيها. ولا يكون فكرك فيها منفصلًا عن الله.. من أجل الله تفكر في شئون عملك. ومن أجله تفكر في دروسك ومذكراتك. ومن اجله تفكر في خدمتك وفي مسئوليتك العائلية. بشرط أن هذا التفكير كله لا يبعدك عن الله الذي هو الأصل والأساس. فكر في مسئولياتك العائلية. بشرط أن هذا التفكير كله لا يبعد عن الله الذي هو الأصل والأساس. فكر في مسئولياتك. وقل للرب أثناء ذلك:
إشترك في العمل مع عبيدك.
طالب مثلًا يذاكر أثناء الصيام. والله يشترك معه. هو يذاكر والله يعطيه الفهم، ويثبت المعلومات في ذهنة وفي ذاكرته. وهذا التلميذ يقول للرب " أنا يا رب لا أستطيع أن أفهم من ذاتي. أنت تجلس معي وتفهمني،و أشكرك بعد ذلك لأنك كنت معي.. وأنا أذاكر يا رب، ليس من اجل العلم، ولا من أجل مستقبلي، إنما من أجلك أنت، لكي يعرف الكل أن أولادك ناجحون، وأن كل عمل يقومون به يكونون أمناء فيه، ويكون الرب معهم ويأخذ بيدهم، فيحبك الناس بسببهم..." تقول لله: من أجلك آكل، ومن أجلك أصوم.
من أجلك آكل، لكي آخذ قوة أقف بها في الصلاة، وأسهر بها في التأمل، وأخدم بها أولادك، ويأخذ بها الناس فكرة أن أولادك أمناء في عملهم وأنا اصوم، لكي يمكن لروحي أن تلتصق بك دون عائق من الجسد. هكذا تكون في الصوم مع الله في كل عمل تعمله.
وتدخل في شركة مع المسيح الذي صام.
تشترك معه في الصوم، علي قدر ما تستطيع طبيعتك الضعيفة أن تحتمل. هو صام عنك، فعلي الأقل تصوم عن نفسك. وهو قد رفض هذا الخبز المادي، وأنت تشترك معه في رفض هذا الطعام البائد. وهو كان يتغذي بحبه للآب وعشرته معه، وأنت أيضًا تكون كذلك. وهو انتصر علي الشيطان أثناء صومه، وأنت تطلب إليه ان يقودك في موكب نصرته..
وبهذا يكون الصوم فترة غذاء روحي لك.
أخطر ما يتعب البعض في الصوم، أن يكون الجسد لا يتغذي و الروح أيضًا لا تتغذي وهذا الوضع يجعل الصوم فترة حرمان أو تعذيب، وليس هذا هو المعني الروحي للصوم. بل إن هذا الحرمان يعطي صورة قاتمه للصوم، إذ يقتصر علي حرمان الجسد (سلبيًا) ويترك غذاء الروح من الناحية الإيجابية.
وغذاء الروح معروف وهو:
الصلاة، والتأمل، وقراءة الكتاب المقدس، وكل القراءات الروحية كأقوال الآباء وسير القديسين، والألحانوالتسابيح، والإجتماعات والأحاديث الروحية و المطانيات،… وما أشبه. وغذاء الروح يشمل أيضًا المشاعر الروحية، ومحبة الله التي تتغذي بها الروح وكل أخبار الأبدية..
والروح إذا تغذي، تستطيع أن تحمل الجسد.
وهذا نراه واضحًا جدًا في أسبوع الآلام، إذ تكون درجة النسك فيه شديدة وفترة الإنقطاع طويلة. ولكن الجسد يحتمل دون تعب، بسبب الغذاء التي تأخذه الروح خلال هذا الأسبوع من ذكريات آلام المسيح، ومن القراءات والألحان والطقوس الخاصة بالبصخة، وتركيز العقل في الرب وآلامه.. وكثيرًا ما يقرأ الإنسان، ويشبع بالقراءة ولذتها، ويحين موعد الطعام، فلا يجد رغبة في أن يكمل القراءة. لأن الروح تغذت فحملت الجسد فلم يشعر بجوع.. إذن اعط الروح غذاءها أثنا الصوم. وكن واتقًا إن غذاء الروح سيعطي الجسد قوة يحتمل بها الصوم. كما أن صوم الجسد يعطي عمل الروح قوة إذ يكون عملا روحيًا بزهد الجسد وزهد الفكر. ولذلك نجد:
صلوات الصوم اعمق، وقداسات الصوم أعمق.
هي صلوات خارجة من جسد صائم قد أسلم قيادته للروح. وهي صلوات خارجه من قلب صائم عن الماديات، ومن روح صائمه عن كل شهوة عالمية. لذلك تكون صلاة قوية. كصلوات الليل ونصف الليل التي يصليها الإنسان بجسد خفيف بعيد عن الأكل. آباؤنا في أصوامهم كانوا يهتمون بعمل الروح. فماذا عن أكلهم؟
كانوا أيضًا في تناول الطعام يهتمون بعمل الروح.
وذلك انهم كانوا يكلفون واحدا منهم يقرأ لهم شيئًا من سير القديسين وأقوال الآباء أثناء تناولهم للطعام، حتى لا ينشغلون بالأكل المادي ولا يتفرغون له، وحتي يكون لهم غذاؤهم الروحي أيضًا أثناء تناولهم غذاء الجسد. وهكذا تعودوا عدم التفرغ لعمل الجسد، وتعودوا سيطرة الروح علي كل عمل من أعمال الجسد. هناك وصايا تامر بالصوم. ولكن آباءنا لم يصوموا بسبب المر.
لم يصوموا طاعة و للوصية، إنما محبة للوصية.
الطاعة درجة المبتدئين. ولكن الحب هو درجة الناضجين و الكاملين. وآباؤنا لم يكن الصوم بالنسبة إليهم أمرًا ولا فرضًا ولا طقسًا، إنما كان لذة روحية، وجدوا فيها شبعًا، ووجدوا فيها راحة نفوسهم وأجسادهم.
وفي الصوم لم يقف آباؤنا عند حدود طاعة الوصية، وإنما دخلوا في روحانية الوصية..
وروحانية الوصية الخاصة بالصوم هو لخيرنا، ولولا ذلك ما أمرنا الله بالصوم وبالإضافة إلي ما قلناه، سنشرح هذا الأمر بالتفصيل بمشيئة الرب في الفصل المقبل الخاص (بالفضائل المصاحبة للصوم). أما ألان فسنتحدث عن أقدس أصوام السنة وهو الصوم الكبير.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 06:58 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم الكبير



الصوم الكبير عبارة عن ثلاثة أصوام:
الأربعين المقدسة في الوسط. يسبقها أسبوع أما أن نعتبره تمهيديًا للأربعين المقدسة، أو تعويضيًا عن أيام السبوت التي لا يجوز فيها الانقطاع عن الطعام. يعقب ذلك أسبوع الآلام. وكان في بداية العصر الرسولي صومًا قائمًا بذاته غير مرتبط بالصوم الكبير.
والصوم الكبير أقدس أصوام السنة.
وأيامه هي أقدس أيام السنة، ويمكن أن نقول عنه إنه صوم سيدي، لأن سيدنا يسوع المسيح قد صامه. وهو صوم من الدرجة الأولي، إن قسمت أصوام الكنيسة إلي درجات.

https://st-takla.org/Gallery/var/albu...-Lent-logo.jpg
هو فترة تخزين روحي للعام كله.
فالذي لا يستفيد روحيًا من الصوم الكبير، من الصعب أن يستفيد من أيام أخري أقل روحانية. والذي يقضي أيام الصوم الكبير باستهانة، من الصعب عليه يدقق في باقي أيام السنة. حاول أن تستفيد من هذا الصوم في ألحانه وقراءاته وطقوسه وروحياته الخاصة وقداساته التي تقام بعد الظهر.
كان الآباء يتخذون الصوم الكبير مجالًا للوعظ.
لأن الناس يكونون خلاله في حالة روحية مستعدة لقبول الكلمة. حقًا عن الوعظ مرتب في كل أيام السنة. ولكن عظات الصوم الكبير لها عمق أكثر. وهكذا فإن كثيرًا من كتب القديس يوحنا ذهبي الفم، كانت عظات له ألقاها في الصوم الكبير، وكذلك كثير من كتب القديس أوغسطينوس. بل أن الكنيسة كانت تجعل أيام الصوم الكبير فترة لإعداد المقبلين للإيمان.
فتعدهم بالوعظ في الصوم الكبير ليتقبلوا نعمة المعمودية.
فكانت تقام فصول للموعوظين خلال هذا الصوم تلقي فيها عليهم عظات لتعليمهم قواعد الإيمان وتثبيتهم فيها. وهكذا ينالون العماد في يوم أحد التناصير، لكي يعيدوا مع المؤمنين الأحد التالي أحد الشعانين ويشتركون معهم في صلوات البصخة وأفراح عيد القيامة ومن أمثلة ذلك عظات القديس كيرلس الأورشليمي إعداد الموعوظين للإيمان بشرحه لهم قانون الإيمان في أيام الصوم الكبير.
ولاهتمام الكنيسة بالصوم الكبير جعلت له طقسًا خاصًا.
فله ألحان خاصة، فترة إنقطاع أكبر. وله قراءات خاصة، ومردات خاصة، وطقس خاص في رفع بخور باكر، ومطانيات خاصة في القداس قبل تحليل الخدام نقول فيها (اكلينومين تاغوناطا). ولهذا يوجد للصوم الكبير قطمارسkatameooc خاص. كما انه تقرأ فيه قراءات من العهد القديم. وهكذا يكون له جو روحي خاص.
وقد عَيّنت الكنيسة له أسبوعًا تمهيديًا يسبقه. حتى لا يدخل الناس إلي الأربعين المقدسة مباشرة بدون استعداد. وإنما هذا الأسبوع السابق، يمهد الناس للدخول في هذا الصوم المقدس، وفي نفس الوقت يعوض عن إفطارنا في السبوت التي لا يجوز الانقطاع فيها.
بل الكنيسة مهدت له أيضا بصوم يونان.
فصوم يونان، أو صوم نينوي يسبق الصوم الكبير بأسبوعين، ويكون بنفس الطقس تقريبًا وبنفس الألحان، حتى يتنبه الناس لقدوم الصوم الكبير ويستعدون له بالتوبة التي هي جوهر صوم نينوي. وكما اهتمت الكنيسة بإعداد أولادها للصوم الكبير، هكذا ينبغي علينا نحن أيضا أن نلاقيه بنفس الاهتمام.
وإن كان السيد المسيح قد صار هذا الصوم عنا،
وهو في غير حاجة إلي الصوم، فكم ينبغي أن نصوم نحن في مسيس الحاجة إلي الصوم لكي نكمل كل بر، كما فعل المسيح. ومن اهتمام الكنيسة بهذا الصوم أنها أسمته الصوم الكبير
فهو الصوم الكبير في مدته، والكبير في قدسيته.
إنه أكبر الأصوام في مدته التي هي خمسة وخمسون يومًا. وهو أكبرها في قدسيته، لأنه صوم المسيح له المجد مع تذكارًا لآلامه المقدسة. لذلك فالخطية في الصوم الكبير أكثر بشاعة.
حقًا إن الخطية هي الخطية. ولكنها أكثر بشاعة في الصوم الكبير مما في باقي الأيام العادية. لأنّ الذي يخطئ في الصوم عمومًا، وفي الصوم الكبير خصوصًا، هو في الواقع يرتكب خطية مزدوجة: بشاعة الخطية ذاتها، يضاف إليها الاستهانة بقدسية هذه الأيام. إذن هما خطيئتان وليس واحدة.
والاستهانة بقدسية الأيام، دليل علي قساوة القلب.
فالقلب الذي لا يتأثر بروحانية هذه الأيام المقدسة، لا شك أنه من الناحية الروحية قلب قاس يخطئ في الصوم، ينطبق عليه قول السيد المسيح "إن كان النور الذي فيك ظلامًا، فالظلام كم يكون" (مت 6:23). أي إن كانت هذه الأيام المقدسة المنيرة فترة للظلام، فالأيام العادية كم تكون؟!
وقد اهتم الآباء الرهبانالقديسون بالصوم الكبير.
حياتهم كلها كانت صومًا. ولكن أيام الصوم الكبير كانت لها قدسية خاصة في الأجيال الأولي، حيث كانوا يخرجون من الأديرة في الأربعين المقدسة ويتوحدون في الجبال. ولعلنا نجد مثالًا لهذا في قصة القديس زوسيما القسولقائه بالقديسة مريم القبطية التائبة. وهكذا كان أيضًا نفس الاهتمام في رهبنة القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، وفي كثير أثيوبيا.
فلنهتم نحن أيضًا بهذه الأيام المقدسة.
أن كنا لا نستطيع أن نطوي الأيام كما كان يفعل السيد المسيح له المجد فعلي الأقل فلنسلك بالزهد الممكن، وبالنسك الذي نستطيع أن نحتمله. وأن كنا لا نستطيع أن ننتهر الشيطان ونهزمه بقوة كما فعل الرب، فعلي الأقل فلنستعد لمقاومته. ولنذكر ما قاله القديس بولس الرسول في رسالته إلي العبرانيين معاتبًا "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4). مفروض إذن أن يجاهد الإنسان حتى الدم في مقاومة الخطية. إن كانت ثلاثة أيام صامتها أستير وشعبها، وكان لها مفعولها القوي؛ فكم بالأولى خمسة وخمسون؟
هنا وأقول لنفسنا في عتاب:
كم "صوم كبير" مَرَّ علينا في حياتنا، بكل ما في الصوم الكبير من روحيات؟ لو كنا نجني فائدة روحية في كل صوم، فما حصاد هذه السنين كلها في أصوامها الكبيرة التي صمناها، وباقي الأصوام الأخرى أيضًا؟ إن المسألة تحتاج إلي جدية في الصوم، وإلي روحانية في الصوم، ولا نأخذ الأمر في روتينية أو بلا مبالاة.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:00 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الفصل الرابع: فضائل ومشاعر مصاحبة للصوم
موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين علي وجه الأرض. مما يدل علي أن فكرة الصوم كانت راسخة في عقيدة البشرية قبل أن تتفرق إلي أمم وشعوب، بل أنها ترجع إلي أيام آدم وحواء.
ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع من الناحية العقيدية، إنما من الناحية الروحية.
نريد أن نتحدث عن الفهم الروحي للصوم، والسلوك الروحي أثناء الصوم، لن كل ما يهمنا هو نموك الروحي في محبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:02 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم مصحوب بفضائل
إن الذين يصومون ولا يستفيدون من صومهم، لابد أنهم صاموا بطريقة خاطئة، فالعيب لم يكن في الصوم، وإنما كان في الطريقة. وهؤلاء أما أنهم صاموا بطريقة جسدانية، ولم يهتموا بالفضائل المصاحبة للصوم أو أنهم اتخذوا الصوم غاية في ذاتها، بينما هو مجرد وسيلة توصل إلي غاية. والغاية هي إعطاء الفرصة للروح.
إن الصوم هو فترة روحيات مركزة.
فترة حب لله، والتصاق به. وبسبب هذا الحب ارتفع الصائم عن مستوي الجسد الجسدانيات.
هو ارتفاع عن الأرضيات ليتذوق الإنسان السمائيات. إنه فتره مشاعر مقدسة نحو الله. علي الأقل فيها الشعور بالوجود مع الله والدالة بالوجود مع الله والدالة معه. وهو فترة جهاد روحي: جهاد مع النفس، ومع الله، وجهاد ضد الشيطان.

أيام الصوم هي أيام للطاقة الروحية وفترة تخزين. فمن عُمْق الروحيات التي يحصل عليها في الصوم، يأخذ الصائم طاقة روحية تسنده في أيام الإفطار. فالذي يكون أمينًا لروحياته في الصوم الكبير مثلًا، يحصل علي خزين روحي يقويه أيام الخمسين حيث لا صوم ولا مطانيات.. ولكي يكون صوم الإنسان روحيًا، عليه بالملاحظات الآتية:
1-يكون الصوم روحانيًا في هدفه ودوافعه:
لا يكون اضطرارًا، أو لكسب المديح، أو بسبب عادة. إنما يصوم لأجل محبة الله، ارتفاعًا عن الماديات والجسدانيات لتأخذ الروح فرصتها.
2-يكون الصوم فترة للتوبة ونقاوة القلب:
يحرص فيه الصائم علي حياة مقدسة مقبولة أمام الله. فيها الاعتراف وتبكيت النفس، وفيها التناول من الأسرار المقدسة..
3-يكون الصوم فترة غذاء روحي ببرنامج روحي قوي:
ويهتم فيه بكل الوسائط الروحية. ولا يركز حول أمور الجسد في الصوم، أنما علي أمور الروح. وأضعًا أمامه باستمرار ليس مجرد نوعية الطعام الصيامي، وإنما علي أمور الروح. واضعًا أمامه باستمرار ليس مجرد نوعية الصيامي، وأنما قدسية أيام الصوم وما يليق بها، لكي تقوي روحه فيها الصوم يوصل إلي قوة الروح. وقوة الروح تساعد علي الصوم.
وفي الصوم فضائل يرتبط بعضها بالبعض الآخر.
الصوم يساعد علي السهر لخفة الجسد. والسهر يساعد علي القراءة والصلاة. والقراءة الروحية أيضًا تساعد علي الصلاة. والعمل الروحي في مجموعة يحفظ الإنسان الروحي ساهرًا. القراءة مصدر للتأمل، والتأمل يقوي الصلاة. والصلاة أيضًا مصدر للتأمل..
والصوم يرتبط بالميطانيات. والمطانيات تساعد علي التواضع وانسحاق علي الواضع وأنسحاق القلب كما ان انسحاق الجسد بالصوم يوصل إلي إنسحاق الروح.
كما يرتبط الصوم بفضائل تتعلق بغرض الصوم.
فهناك صوم غرضه الاستعداد للخدمة، كصوم الرسل. وصوم غرضه التوبة كصوم نينوي. وصوم غرضه إنقاذ الشعب، كصوم استير.. وهناك من يصوم لأجل غيره، وفي ذلك حب وبذل ومشاركة. وكلها أصوام ممزوجة بفضائل خاصة. ليتنا نتذكر في صومنا أن السيد المسيح صام وهو ممتلئ بالروح. أما نحن فعلي الأقل فلنصم لكي نمتلئ بالروح.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:04 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم تصحبه التوبة

الصوم أيام مقدسة، يحياها الإنسان في قداسة.
لابد أن يكون فيها الفكر مقدسًا. والقلب مقدسًا، والجسد أيضًا مقدسًا.الصوم فترة تريد فيها ان تقترب إلي الله، بينما الخطية تبعدك عنه. لذلك يجب أن تبتعد عن الخطية بالتوبة، لتستطيع الالتصاق بالله. في الصوم، يصوم الجسد عن الطعام، وتصوم الروح عن كل شهوة ارضية، وكل رغبة عالمية، وتصوم عن الملاذ الخاصة بالجسد. وهكذا تقترب إلي الله بالتوبة. فاسأل نفسك: هل أنت كذلك؟
بدون التوبة يرفض الله صومك ولا يقبله. وبهذا تكون لا ربحت سماءًا ولا أرضًا. وتكون قد عذبت نفسك بلا فائدة.. فإن أردت ان يقبل الله صومك، راجع نفسك في كل خطاياك، وأرجع عنها.. لقد أعطانا الله درسًا، حينما تقدم التوبة قبل صومه. وكان ذلك رمزًا.
خذ مثالًا واضحًا من صوم نينوي.
قال عنها الكتاب في صومهم إنهم رجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم (يون3: 8)
:8). ولهذا السبب لم يشأ الرب أن يهلكهم " لما رأي أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة" (يون 3:10). ولم يقل لما رأي مسوحهم وصومهم، بل رأي توبتهم هذه التي كانت هي العنصر الأساسي في صومهم.
وفي سفر يوئيل نري مثالًا للتوبة المصاحبة للصوم.
حيث قال الرب للشعب علي لسان نبيه "أرجعوا إلي بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح.. مزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وأرجعوا إلي الرب إلهكم لأنه رؤوف.." (يوئيل 2: 12، 13). واضح هنا أن الصوم مصحوب بالتوبة و البكاء. إذن ليس هو مجرد امتناع عن العام إنه مشاعر قلب من الداخل نحو الله.
وفي صوم دانيال النبي، قدم توبة الشعب كله.
لقد صام، واعترف للرب قائلًا " أخطأنا وأثمنا، وعلمنا الشر وحدنا عن وصاياك.. لك يا سيد البر، أما لنا فخزي الوجوه.. يا سيد لنا خزي الوجوه، لملوكنا ولرؤسنا ولآبائنا أخطأنا إليك "(دا 9: 5-8).
إذن اصطلح مع الله في صومك..
لا تقل " إلي متي يا رب تنساني؟ إلي الانقضاء؟ حتى متي أحجب وجهي عنك " طهروا إذن نفوسكم وقدسوها، واستعدوا للقاء هذه الأيام، استعدوا بإسكان الله في قلوبكم، وليس بمجرد الامتناع عن الطعام.
إن كنت في خطية، إصطلح مع الله. وان كنت مصطلحا معه، عمق محبتك له.
وأن أبطلت الخطية في الصوم، إستمر في أبطالها بعده
فليست التوبة قاصرة علي الصوم فقط، وإنما هي تليق بالصوم ويتدرب الإنسان عليها، فيتنقي قلبه، يحفظ بهذا النقاء كمنهج حياة.
وفي ذلك كله، أعدد نفسك للجهاد ضد الشيطان.
قال يشوع بن سيراخ "يا بني ان اقبلت لخدمة الرب الاله فاثبت على البر والتقوى واعدد نفسك للتجربة".. (سفر يشوع بن سيراخ 2: 1)
إن الشيطان إذ يري صومك وتوبتك، يحسد عملك الروحي، فيحاربك ليفقدك ثمرة عملك، ويلتمس الحيل إسقاطك لك " لن أتركك حتى تكمل كل بر".. تذكر إذن قول القديس بطرس الرسول " قاوموه راسخين في الإيمان" (2بط 5: 9).
الصوم إذن فترة حروب روحية كما حدث للسيد له المجد (مت 4). وهي أيضًا فترة إنتصار لمن يشترك مع المسيح في صومه.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:05 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم تصحبه الصلاة والعبادة

الصوم بدون صلاة يكون مجرد عمل جسداني.
وهكذا يفقد طابعة الروحي ويفقد فائدته الروحية.. وليس الصوم هو الاكتفاء بمنع الجسد عن الطعام، فهذه ناحية سلبيه. أما الناحية الإيجابية فتظهر في إعطاء الروح غذاءها. الذين يصمون، وليس في أصوامهم أي عمل روحي، لا صلاة، ولا تأمل، ولا قراءات روحية، ولا ألحان ولا تراتيل، ولا مطانيات، هؤلاء تكون أصوامهم ثقلًا عليهم، وبلا فائدة. ما الفرق بين هؤلاء وأصوام البوذيين و الهندوس. وأين شركة الروح القدس في الصوم؟! الصوم فرصة للصلاة، لأن صلاة واحدة تصليها في صومك، هي أعمق من مائة صلاة وانت ممتلئ بالطعام وصوتك يهز الجبل!
الكنيسة تعلمنا باستمرار ارتباط الصلاة بالصوم.
وفي قسمة الصوم الكبير في القداس الإلهي تتكرر عبارة "بالصلاة و الصوم". والسيد المسيح لما تكلم عن إخراج الشياطين، قال "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة و الصوم" وهكذا قرن الصوم بالصلاة.
والأصوام المشهورة في الكتاب، مرتبطة أيضًا بالصلاة.
ففي صوم نحميا يقول "فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أيامًا، وصمت وصليت.. وقل " أيها الرب إله السماء.. لتكن أذنك مصغية وعيناك مفتوحتين، لتسمع صلاة عبدك الذي يصلي إليك الآن نهارا وليلًا.." (نح 1: 4-6) وبدأ يعترف بخطايا الشعب، طالبًا الرحمة وتَدَخُّل الرب.. وصوم عزرا أيضًا كان مصحوبًا بالصلاة والصراع مع الله، بقوله: "أمل أذنك يا إلهي واسمع. أفتح عينيك وانظر خرابنا و المدينة التي دعي أسمك عليها لأنه ليس لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك، بل لأجل نفسك يا إلهي، لأن أسمك دعي علي مدينتك وعلي شعبك "(دا 9: 18،19). وصوم نينوى كانوا فيه " يصرخون إلي الله بشدة" (يون 3:8).
فاصرخوا إلي الرب خلال صومكم، وارفعوا إليه قلوبًا منسحقة.
وثقوا ان الله يستجيب لصومك وصراخكم، وينتهر الرياح والأمواج، فيهدأ البحر. حقًا ما أعمق الصلوات، إن كانت في أيام مقدسة، ومن قلوب متذللة أمام الله بالصوم، ومتنقية بالتوبة، وكم يكون عمقها إن كانت مصحوبة أيضًا بقداسات وتناول درب نفسك في الصوم علي محبة الصلاة والصراع مع الله. وقد كتبنا لك في الفصل الخامس مجموعة تدريبات عن الصلاة.
والمهم في صلاتك أن تعطي الله قلبك وفكرك.
ولا تحاول أن تريح ضميرك بشكليات، بمجموعة من التلاوات لا عمق فيها وليست حاجة من القلب، ثم تقول "أنا صمت وصليت"! فالرب يعاتب قائلًا "هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا" (مر 7: 6). إن الصلاة صلة، فاشعر أثناء صلاتك وصومك، أنك في صله مع الله. وغن كان تقديس الصوم معناه تخصيصه للرب:
فهل فترة صومك خصصتها للصلاة وللعمل الروحي؟
هل هي فترة صلاة وتأملات وقراءات روحية، وتخزين روحي، وتفرغ لله وعشرته؟ وهل صلواتك فيها أضعاف صلواتك في الأيام العادية. وأن لم تخصص فيها أكبر وقت لله، فهل خصصت له مشاعرك وعواطفك؟
إن الصوم المصحوب بعشرة الله، يتحول إلي متعة روحية.
وفي هذه المتعة، يحاول الصائم أن يكثر من صومه، ويصبح الطعام ثقلًا عليه، لأنه يرجعه إلي استعمال الجسد الذي استراح منه إلي حين طوال ساعات انقطاعه.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:06 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم مصحوب بالتذلُّل والبكاء

الصوم فترة تنسحق فيها الروح أمام الله، بالتوبة والدموع وانكسار القلب واتضاعه، فتعرف الذات ضعفها، أنها تراب ورماد، وتلجأ إلي القوة العليا.
حينما ينسحق الجسد بالجوع، تنسحق الروح أيضًا وفي انسحاقها، وتنحني النفس أمام الله خاشعة ذليلة معترفة بخطاياها وتذلل النفس يحنن قلب الله وقلوب السمائيين جميعًا. والإنسان في اتضاعه وشعوره بضعفه، يشعر أيضًا بزهد في كل شيء، ولا يتعلق قلبه بآيه شهوة فيكلم الله بعمق.
والكتاب المقدس يقدم أمثلة عديدة عن التذلل في الصوم:
لأن الله لا يحتمل أن يري مذله أبنائه أمامه. واكثر الأمثلة في سفر القضاة التي رأي فيها الله مذله شعبة فنزل وخلصهم (قض 2)، " في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم" (أش 63:9). بتذللهم وانسحاقهم يتضرعون. وقريب هو الرب من المتضعين، ومنسحقو القلوب هو يخلصهم..
الصوم الذي آمر به يوئيل النبي، مثال واضح.
قال: " تنطقوا ونوحوا أيها الكهنة.. أدخلوا، بيتوا بالمسوح يا خدام إلهي... قدسوا صوما، نادوا باعتكاف "(يوئيل 1: 13، 14). " الآن - يقول الرب - أرجعوا إلي الرب إلهكم.. قدسوا صومًا نادوا باعتكاف.. ليخرج العريس من مخدعه و العروس من حجلتها. ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق و المذبح ويقولوا: أشفق يا رب علي شعبك، ولا تسلم ميراثك للعار، حتى تجعلهم الأمم مثلًا. لماذا يقولون بين الشعوب: أين إلههم؟" (يوئيل 2: 12-17).
إننا نري هنا صورة تفصيلية للصوم المتكامل.
الصوم، ومعه التوبة (الرجوع إلي الله)، ومعه الصلاة، والتذلل والبكاء و النوح والبعد عن الجسدانيات، ومعه أيضا الاعتكاف والمسوح... هذا هو الصوم في كل عناصره، وليس مجرد الامتناع عن الطعام.
مثال آخر، هو صوم أهل نينوي.
صاموا، حتى الأطفال و الرضع، لم يذوقوا ولم يأكلوا شيئًا ولكنهم لم يكتفوا بهذا، بل تذللوا أمام الله في المسوح والرماد. حتى الملك نفسه، خلع تاجه وملابسه
الملكية. ولم يجلس علي عرشه، بل جلس معهم علي المسوح والرماد.. وصرخ الكل إلي الله بشدة (يون 3).
كذلك أيضًا صوم نحميا، وصوم عزرا.
قال عزار الكاتب والكاهن " ناديت هناك بصوم علي نهر أهوا، لكي نتذلل أمام إلهنا، لنطلب منه طريقًا مستقيمة لنا ولأطفالنا.. فصمنا وطلبنا ذلك من الله فاستجاب (عز 8: 21،23). وكذلك نحميا أيضًا يقول:" بكيت ونحت أيامًا، وصمت وصليت "(نح 1:4). هذا عن نفسه، أما عن الشعب، فيقول إنهم: إجتمعوا بالصوم، وعليهم مسوح وتراب، وانفصلوا عن الزيجات الخاطئة، ووقفوا واعترافوا بخطاياهم وذنوب آبائهم. وأقاموا في مكانهم، وقرأوا في شريعة الرب إلههم (نح 9:1-3). أليس هذا أيضًا صومًا متكاملًا: بالصلاة، والبكاء والنوح، وقراءة الكتاب، والتوبة والاعتراف في المسوح و التراب.. إذن ليس هو مجرد امتناع عن الطعام..
وبنفس الوضع كان أيضًا صوم دانيال النبي.
يقول " فوجهت وجهي إلي الله السيد، طالبًا بالصلاة و التضرعات، بالصوم و المسح والرماد. وصليت إلي الرب إلهي واعترفت.. أخطأنا وأثمنا وعلمنا ¸الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك.." (دا9:3-5). وفي صوم آخر يقول " أنا دانيال. كنت نائحًا ثلاثة أسابيع أيام. لم آكل طعامًا شهيًا، ولم يدخل في فمي لحم ولا خمر، ولم أدهن.."(دا 10: 2، 3). إنها نفس عناصر الصوم التي وردت في الأصوام السابقة.. حقًا، هذا هو الصوم الذي قال عنه داود النبي:
" كان لباسي مسحًا. أذللت بالصوم نفسي "(مز 35:17).
ولا شك أن النوح يوقف كل شهوة للجسد، ويبعد كل رغبة في الطعام. كما أنه بالإتضاع تفتح أبواب السماء.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:08 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم يصحبه الاعتكاف والصمت

لقد تكررت هذه العبارة مرتين في سفر يوئيل النبي "قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يوئيل 1: 14،2:15).
نادوا باعتكاف، لكي تجدوا وقتًا للعمل الروحي.
في الاعتكاف تصمت، ولا تجد من تكلمه، فتكلم الله. ولكن لا تعتكف مع الخطية، أو مع طياشة الأفكار.. وتعتكف أيضًا حتى لا يظهر صومك للناس بل لأبيك الذي يري في الخفاء. والمعروف أن الصائم في نسكه وجوعه، قد يكون في حالة من الضعف، لا تساعده علي بذل مجهود، فالاعتكاف بالنسبة إليه أليق. في صومه، روحه مشغولة بالعمل الجواني مع الله، لذلك فالكلام يعطله عن الصلاة والهذيذ والتأمل، والمقابلات والزيارات تمنع تفرغه لله، وربما توقعه في أخطاء.
السيد المسيح في صومه، كان معتكفًا علي الجبل.
في خلوة مع الله الآب، وتفرغ للتأمل..
وهكذا أيضًا كانت أصوام آبائنا في البرية..أما أنت، فعلي قدر إمكانياتك أعتكف.. وإذا اضطررت لخلطة، ليكن ذلك في حدود الضرورة، وتخلص من الوقت الضائع، ومن كل كلمة زائدة. وهذا يذكرنا بصوم آخر هو: صوم اللسان والفكر والقلب.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:09 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
صوم اللسان والفكر والقلب



قال مار اسحق:" صوم اللسان خير من صوم الفم. وصوم القلب عن الشهوات خير من صوم الاثنين " أي خير من صوم اللسان ومن صوم الفم كليهما. كثيرون يهتمون فقط بصوم الفم عن الطعام. وهؤلاء وبخهم الرب بقوله " ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان" (مت 15: 11). وهكذا أرانا أن الكلام الخاطئ نجاسة. وايضًا قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان إنه " يدنس الجسد كله "(يع3:6). فهل لسانك صائم مع صوم جسدك؟ وهل قلبك صائم عن الشهوات.

https://st-takla.org/Pix/People-Gener...-Talkative.gif
إن القلب الصائم يستطيع ان يصوم اللسان معه.
لأنه " من فيض القلب يتكلم الفم "(مت 12: 34) وكما قال الرب أيضًا " وأما ما يخرج من الفم، فمن القلب يصدر "(مت 15: 18). وكذلك لأن " الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح. والرجل الشرير من كنز قلبه الشرير تخرج الشرور "(مت 12: 35). لذلك إن كان قلبك صائمًا عن الخطية، فسيكون لسانك صائمًا عن كل كلمة بطالة.
والذي يصوم قلبه، يمكنه أن جسده أيضا.
أذن المهم هو صوم القلب و الفكر عن كل رغبة خاطئة. أما صوم الجسد فهو أقل شيء. وأحرص إذن في صومك أن تضبط لسانك، وكما تمنع فمك عن الطعام، إمنعه عن الكلام الردئ. وسيطر علي أفكارك، واضبط نفسك.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:10 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم يصحبه ضبط النفس

جميل أن تضبط نفسك ضد كل رغبة خاطئة، سواء أتتك من داخلك أو من حروب الشياطين. فالذي يملك روحه خير ممن يملك مدينة) (ام 16: 32).
أمسك إذن زمام إرادتك في يدك.
في صوم الجسد تشمل كل فكر، وكل رغبة بطالة، وكل تصرف خاطئ، وكل شهوة للجسد. أما الذي يملك إرادتك في الطعام فقط، وينغلب من باقي شهواته، فصومه جسداني. والذي لا يستطيع أن يضبط نفسه في صوم الجسد، فبالتالي سوف لا يستطيع ان يضبط نفسه في الأفكار والشهوات والتصرفات.
أما ضبطك لشهواتك فدليل علي الزهد ومحبة الله.

Mary Naeem 28 - 02 - 2014 07:11 PM

رد: روحانية الصوم - كتاب للبابا شنوده الثالث
 
الصوم يصحبه قهر الجسد

تقول للجسد في الصوم: أرفع يدك عن الروح، واطلقها من روابطك، لتتمتع بالله. وأنت تصوم لكي تنفك من رباطات الجسد. وشهوة الأكل هي إحدى هذه الرباطات. وهناك رباطات أخري كالشهوات الجسدية. وهكذا في الصوم، يكون قهر الجسد أيضا بالبعد عن العلاقات الزوجية، ولكن يكون ذلك باتفاق (1كو 7:5). وكما يقول يوئيل النبي في الصوم " ليخرج العريس من خدره، والعرس من حجلتها" (يؤئيل 2: 16). وكما قيل عن داريوس الملك، لما ألقي دانيال في الجب إنه " بات صائمًا، ولم يؤت قدامه بسراريه "(دا 6: 18). حتى مجرد زينة الجسد.. قال دانيال النبي في صومه " ولم أدهن "(دا 10: 3). وقال عن شهوة الطعام " ولم آكل طعامًا شهيًا".
قهر الجسد ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة للروح.
إن ضبط الجسد لازم حتى لا ينحرف فيهلك الروح معه وفي ذلك ما أخطر قول الرسول " أقمع جسدي وأستعبده. حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا "(1كو 9:27). فحينما يكون الجسد مقهورًا، تمسك الروح بدفة الموقف وتدبير العمل. والجسد حينئذ لا يقاومها، بل يشترك معها ويخضع لقيادتها. أضبط إذن جسدك، وأبعده عن كل المتع والترفيهات والشهوات، بحكمة.
ولا يكفي فقط أن تصوم، بل تنتصر علي شهوة الأكل.
وهذا يقودنا في الصوم إلي فضيلة أخري هي الزهد.


الساعة الآن 05:29 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026