![]() |
كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
لكل كائن رسالة وعمل الذي يحيا بلا رسالة، لا قيمة لحياته. قيمة حياة الإنسان، تنبع من قيمة الرسالة التي يقوم بها. إن كان بلا رسالة، يموت فتنتهي حياته. ولكهن تبقى حياة أصحاب الرسالات، حتى بعد موتهم. الذي بلا رسالة، لا يشعر بقيمة للوقت، فيبحث عن طريقة يقضي بها وقته، أو يقتل بها وقته! وما أكثر ما يحاربه السأم والملل والضجر، وربما القلق واليأس. لأن الحياة بلا رسالة لا طعم لها. يحاول أن يجد لها طعمًا باللذة واللهو، وهذا أيضًا لا يكفي، وربما لا يجده! الإنسان الذي بلا رسالة، يتمركز حول ذاته، ولكن تبدأ رسالته حينما يهتم بالآخرين، ويعمل خيرًا لغيره.. الكل له رسالة، حتى الملائكة، والطبيعة الجامدة. الملائكة لهم رسالة حب، نحو الله والناس: نحو الله في التسبيح، ونحو الناس في الخدمة "أليسوا جميعًا أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب14:1). والشياطين أيضًا لهن رسالة يعملون لها، ويتعبون لأجلها. ولكنها رسالة هدامة ضد مشيئة الله، وضد الحب والنقاوة. وقد جعل الله رسالة، حتى لأولاد صغار، استخدمهم الرب لتنفيذ مشيئته، مثل صموئيل، وداود، وإرمياء.. والطبيعة لها رسالة، الشمس والقمر والنجوم تؤدي رسالة جوهرية لإنارة الكون، والهواء له رسالة، وكذلك الرياح والأمطار. والأرض ذاتها، التي نفلحها، أو نبني عليها.. وباطن الأرض له رسالة. لو لم تكن هناك رسالة لكل هذه، ما خلقها الله. فالله لا يخلق شيئًا عبثًا، بدون رسالة وفائدة.. حياتك لها رسالة، وستؤدي حسابًا على هذه الحياة. وكذلك كل مواهبك وزنات، لها رسالة ولها حساب.. كلما كانت مواهب أكثر، كلما اتسع نطاق رسالتك: سواء كانت هذه المواهب ذكاء وعقلًا، أو فكرًا، أو خيالًا، أو فنًا، رسمًا أو شعرًا، أو أية قدرات أخرى، تستطيع أن تضمها جميعًا في يدي الله، وتؤدي بها رسالة لخير العالم والمجتمع الذي تعيش فيه.. والإنسان قد تكون له رسالة محددة. أو متسعة.. الرسالة المحددة قد يحددها نطاق مهنة، أو نطاق مجتمع ضيق، أو مكان محدود، أو زمن محدود. كأن يقول إنسان: رسالتي هي الطب، أعالج أمراض الناس في قرية معينة، طوال حياتي على الأرض، أو في فترات عملي.. إنها رسالة محددة، ومثلها أية مهنة أخرى، تؤدي خيرًا، ولكنه خير في نطاق محدد، وينتهي.. ومثله أيضًا أية خدمة إجتماعية، على نطاق الأسرة، أو في محيط العمل، أو في مجتمع محدود.. وهناك أشخاص يسيئون فهم رسالتهم في الحياة: كالأم التي تظن أن كل مهمتها، هي الإهتمام بطعام إبنها، وملبسه، وصحته، وتعليمه، ورفاهيته..ولا شيء غير ذلك. كأن روحيات الإبن لا وزن لها في رسالة هذه الأم! وكأن مصيره الأبدي لا يستحق أن يكون رسالة في حد ذاته!.. ونفس الكلام نقوله عن الأب الذي يشعر أن رسالته نحو أبنائه قد إنتهت على خير وجه، حينما يتوظف أولاده، وتتزوج بناته!! أم المصير الأبدي فليس رسالته! والبعض للأسف الشديد، قد تكون له رسالة محطمة. كبعض الذين يرون رسالتهم في منح اللذة للناس، وقد تكون لذة خاطئة، أو مجرد الترفيه عنهم، وقد يكون مضيعة لوقتهم إن زاد عن حده، أو متلفًا إن فسدت وسيلته. وقد يرى أحد أن رسالته هي نوع من الفن ربما يكون فنًا رخيصًا ضالًا. ولكن هناك رسالات أخرى من الله، رسالات مقدسة.. الله يختار لها من أبنائه من يراهم صالحين لذلك.. قد قال الرسول "الذي سبق فعرفهم، سبق فيعنهم" (رو29:8). ولعلك تقول: ما ذنبي أنا، إذا كان الله لم يخترني لرسالة هامة؟ أقول لك: لو كانت لك صلاحية لها لأختارك الله بلا شك.. حقًا إن الفخاري حر في أن يجعل أنية للكرامة، وأخرى للهوان (رو9)، ولكنه حسب نوعية الطينة التي تقع في يده، يشكلها. إن وجدها طينة ناعمة جيدة تصلح أنية للكرامة، يجعلها كذلك. وإن وجدها طينة رديئة لا تصلح للكرامة. تصير أنية للهوان.. والله له أسلوبه في إعداد أصحاب الرسالات: لقد أعد رسله بالتلمذة على يديه مدى سنوات طويلة، ثم أعدهم بالتدريب العملي حينما أرسلهم إثنين إثنين، وصحح لهم أخطاءهم (مت10، لو10). وأعدهم أيضًا بقوة الروح القدس، وقال لهم "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وحينئذ تكونون لي شهودًا" (أع8:1). ويوسف الصديق، الإبن المدلل لأبيه، صاحب القميص الملون وصاحب الأحلام، أعده الرب بالضيق وبالتجارب. ما كان ممكنًا ليوسف المدلل أن يصلح لرسالته الكبيرة، لذلك سمح الله له أن يلقي في البئر، وأن يخونه أخوته ويتآمروا عليه، ويباع كعبد. وسمح أن يتهم ظلمًا من امرأة فوطيفار، وأن يلقى في السجن. كل ذلك لإعداده للرسالة.. وموسى الذي تربى في قصر فرعون، في جو السلطة. أعده الرب لاحتمال شعب صلب الرقبة، ينقله من الإمارة إلى الرعي، من حياة القصر إلى البرية، في الإشفاق على الغنم، حتى يشفق على الشعب العاصي.. وهكذا كان الله بأنواع وطرق شتى يعد أولاده للرسالات: وكثيرًا ما كان يستخدم أسلوب التشجيع كما فعل مع موسى، والوعود كما فعل مع يشوع وإرمياء.. في كل ما يحيط بك من ضيقات وأحداث، أعلم أن الله يعدك للقيام برسالتك، إن عرفت كيف تستخدم الضيقات لخيرك، لا للتذمر والشكوى. لقد أعد إبراهيم في حياة الغربة، وأعد يونان بالعواصف والأمواج وبطن الحوت، وأعد بطرس باختبار الضعف البشري حتى لا يظن أنه أفضل من باقي التلاميذ.. بل إن إعداد أصحاب الرسالات الكبيرة، يسبق أحيانًا ولادتهم: إرميا النبي، قال له الرب "قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب" (أر5:1). ويوحنا المعمدان: من بطن أمه إمتلأ من الروح القدس (لو15:1) وبولس الرسول يقول عن نفسه "لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته.." (غل15:1). والرسالات عند الله تتنوع، ويختار لها أشخاصًا أكفاء.. إن توبيخ آخاب الملك الفاسد، والتخلص من كل أنبياء البعل، رسالة تحتاج إلى نبي شديد مثل إيليا، يقول بضمير مستريح "لتنزل نار من السماء وتحرق الخمسين" (2مل10:1، 12). وقيادة شعب معاند مقاوم رسالة صعبة، تحتاج إلى الرجل موسى الذي "كان حليمًا جدًا، أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عدد 3:12). وقد يختار الله من لا مواهب لهم، ثم يهبهم بنعمته كل ما تحتاج إليه الخدمة من مقدرات.. قد يتختار جهال العالم، ويخزي بهم الحكماء. ويختار ضعفاء العالم، ويخزي بهم الأقوياء (1كو27:1، 28)، ويختار أواني خزفية ضعيفة لتحمل رسالته، حتى يكون فضل القوة لله وليس لنا كما قال الرسول (2كو7:4). إن الرسالات في الدنيا عديدة، ولكن أعظمها هو العمل على خلاص الناس، وحفظ أبديتهم من الهلاك. والذي يعملون في هذا الميدان، "يضيئون كالجلد، وكالكواكب إلى أبد الدهور" (دا3:12). وقد قال يعقوب الرسول "من رد خاطئًا عن طريق ضلاله، ينقذ نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" (يع20:5). ما أعظم إنقاذ نفس من الموت: فكم بالأولى إن كانت الرسالة هي إنقاذ نفوس عديدة.. والذي يعلمون في هذا المجال، إنما يعملون مع الله. كما قال بولس الرسول عن نفسه وعن سيلا "فإننا نحن عاملان مع الله" (1كو9:3). وقال في موضع آخر "كأن الله يعظ بنا" (2كو20:5).. حقًا إنها شركة مع الروح القدس في العمل. وهذه الشركة تعطي هذه الرسالة أهمية وخطورة.. النفوس التي تعمل في هذا المجال، هي بلا شك نفوس كبيرة: إن يوحنا المعمدان، أعد الطريق امام المسيح، في أقل من سنة واحدة. لقد بدأ عمله وهو في سن الثلاثين، وبعد ستة أشهر بدأ المسيح عمله. وكانت معمودية التوبة قد إكتسحت الكل. وفي شهور أعد يوحنا الطريق. والرسل الإثنى عشر في سنوات قليلة، أوصلوا الكرازة بالإنجيل إلى أقصى الأرض، وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم (مز4:19). وكانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا، وجماهير تنضم إلى الإيمان (أع7:6)، وقد "أتى ملكوت الله بقوة.." (مر1:9). إن أصحاب الرسالات الكبيرة، أشخاص جادون في عملهم.. حياتهم دسمة، كشجرة ضخمة محملة بالثمار.. تذكرني بقول القديس الأنبا أنطونيوس عن القديس الأنبا مقاريوس "إن قوة عظيمة تخرج من هاتين اليدين".. إن حياة أصحاب الرسالات، لم تقتصر على جيلهم. لقد عبروا الزمان، فلم يستفد جيلهم فقط من رسالتهم، بل كل الأجيال، وكان لرسالتهم إمتداد حتى بعد موتهم أيضًا، واستمر عملهم.. قديسون كثيرون، حتى بعد موتهم كلفهم الله برسالة. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الآخرون في حياتك صدق ذلك الأديب الذي قال: ما استحق أن يعيش، من عاش لنفسه فقط. لذلك فالشخص الروحي، في حياته في المجتمع، يجد لذته في أين يحيا لأجل غيره، متبعًا قول الرب، "تحب قريبك كنفسك" (مت39:22). وهكذا يحب كل أحد من أعماق قلبه.. وتكون محبته للآخرين محبة عملية حسبما قال الرسول "لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق" (1يو18:3). هذه المحبة تتميز بالعطاء، وتتميز بالبذل، سواء من الناحية الجسدية، أو الناحية الروحية.. لذلك فإن الشخص الروحي، هو بطبيعته إنسان خادم. يخدم غيره في كل مجال، لا لأنه مطالب بهذا، وإنما لأن الخدمة جزء من طبيعته، وجزء من كيانه، يشعر فيها بالحب، ويتغذى بها أكثر مما يغذي غيره. وإذا كانت الخدمة هي من عمل الملائكة (عب14:1). فكم بالأولى البشر.. والملائكة حينما يخدمون البشر، إنما يخدمونهم في حب وبذل، وليس عن مجرد واجب أو تكليف. أنظروا إلى السارافيم المخصصين للتسبيح، لما سمعوا من أشعياء أنه نجس الشفتين، طار واحد منهم بسرعة، وأخذ جمرة من على المذبح، وطهر بها شفتي أشعياء (أش6:6). هوذا السيد المسيح ظهرت محبته للبشر في الخدمة والفداء: وهكذا ورد عنه في الكتاب "إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر45:10). وكما قال الرب أيضًا "ليس حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه" (يو13:15). ما أجمل أن يكون الإنسان سبب سعادة لكل من حوله: من هنا كانت المحبة التي تتصف بها الأمومة، والتي تتصف بها الأبوة، كما قال الرب لأورشليم، كم مرة أردت أن أجمع أولادك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها" (مت33:23). "إن نسيت الأم رضيعها، لا أنساكم" (أش15:49).هذا الحب الذي يسعد الغير، بالعطاء والبذل، هو سمة من سمات الروحيين، ولذلك حسنًا قال الرب: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع35:20). ففي العطاء محبة للأخرين، أما الأخذ فكثيرًا ما يحوي إهتمامًا بالذات.. إن المحبة التي تعطي، تظهر فيها أعماق قول الرب "كنت جوعانًا فأطعمتموني.." (مت35:25). وأعماق قول الرسول "الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس" (يع27:1). والعطاء الذي ينبغ من الحب، غير العطاء الذي هو مجرد تنفيذ للوصية، أو هو لكسب المديح أو لأداء الواجب.. هناك وظائف هي موضع محبة للناس، لأنها تعتني بهم: مثال ذلك الطب والتمريض والخدمة الاجتماعية. وهناك أيضًا الأطباء الروحيون، آباء الإعتراف الذي يحملون أثقال الناس، ويخففون من متاعبهم. وقد يوجد شخص لا يقدم لغيره معونة مادية، ولكنه يقدم أذنًا صاغية تستمع فتريحهم، أو يقدم إبتسامة طيبة أو كلمة تطيب الخاطر، فيحبونه. بعكس ذلك، الذي يتمركزون حول أنفسهم، ذواتهم هي كل شيء. ما أصعب من يقول "أنا أو الطوفان" أو الشاعر الذي قال: إذا مت عطشانًا فلا نزل المطر لم يكن موقفًا روحانيًا، ذلك الذي وقفه يونان حينما إغتاظ لخلاص أهل نينوى، وغضب لأن كلمته من جهة عقوبتهم، لم تنفذ، فاعتبر ذلك ضد كرامته!! لذلك عاتبه الله قائلًا له: "هل أغتظت بالصواب" (يون4:4). أما موسى النبي، فقد ضرب مثلًا عاليًا في محبة الأخرين. وذلك حينما تضرع إلى الرب من أجل الشعب المخطئ قائلًا "والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت" (خر32:32). ويشبه ذلك قول بولس الرسول "فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، لأجل إخوتي إنسبائي حسب الجسد.." (رو3:9). فكلا الإثنين فضل أن يحرم هو نفسه من الرب – أي يفقد أبديته – من أجل إنقاذ الآخرين.. وهذا أمر عجيب، مثالي في الحب، وإن كان من جهة التنفيذ غير ممكن.. فلا أقل من جهة الحب – أن تصلي من أجل الآخرين. ولهذا هناك أناس يجعلون الآخرين عنصرًا بارزًا في صلواتهم. والكنيسة في صلواتها الطقسية لا تترك أحدًا لا تصلي من أجله، بل تصلي حتى من أجل الحيوان والطبيعة. والسيد الرب أعطانا تعليمًا جميلًا في الصلاة من أجل الآخرين، حينما وضع لنا الصلاة الربية، وفيها تكلم الله بأسلوب الجمع – لا بأسلوب الفرد- مدمجين حاجيات الآخرين معنا. وكذلك نصلي قانون الإيمان: وتعلمنا المسيحية أننا جميعًا أعضاء في جسد واحد.. إن تألم عضو، تتألم معه بقية الأعضاء (1كو26:12). ويقول لنا الرسول "فرحًا مع الفرحين، وبكاء مع الباكين" (يو15:12). فماذا فعلنا نحن من أجل الآخرين، أيًا كانوا؟ إننا نحب الذي يحبوننا، ولكن السيد المسيح يقول لنا "إن سلمتم على الذي يسلمون عليكم، فأي أجر لكم؟! الخطاة أيضًا يفعلون هكذا" (مت46:5، 47). إذن علينا واجب حيال الخطاة والمسيئين أيضًا.. حيال من يسخرنا ميلًا. أو من يخاصمنا ويريد أن يأخذ الثوب، أو من يلعن أو من يسئ.. الإنسان الروحي لا يبني راحته على تعب الآخرين. بل يتعب دائمًا لكي يريح غيره، هو شمعه تذوب لكي يستضئ الناس بها، الذي يضعهم في قمة إهتمامه.. الرجل الروحي يعمل كل جهده لكي يبنى الآخرين.. لا يبحث من فيهم مستحق، ومن هو غير مستحق إنما يفكر من فيهم محتاج، وكيف يبذل كل جهده حتى لا يدع أحدًا محتاجًا إلى شيء حين يكون بإمكانه أن يعطيه إياه.. وتربطه بجميع الناس رابطة قوية من حسن المعاملة. في جو من المجاملة ومن التفاهم، ومن الروح الواحد، مراعيًا قول الرسول، الذي نردده في صلاة باكر "أسألكم أنا الأسير في الرب، أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التي دعيتم إليها، بكل تواضع القلب، والوداعة، وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا في المحبة، مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل، لكي تكونوا.. روحًا واحدًا (أف4). إن الأبن الأكبر، لم يضع أخاه الراجع في اعتباره، لم يفرح لفرحه، ولم يشترك في الوليمة التي صنعت لأجله، بل ركز إهتمامه في نفسه وما ينبغي أن يعطي له من أبيه. أما نحن فلننكر ذواتنا، لكي نحب الآخرين.. ونسعدهم. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
التشجيع كثيرًا ما كلمتكم عن المنتصرين الغالبين. في روحياتهم، وفي علاقاتهم مع الله والناس. واليوم أحب أن أكلمكم عن الضعفاء والساقطين. وما ينبغي أن يقدم إليهم من تشجيع.. إن التشجيع فضيلة كبرى. وعنها يقول الكتاب: "شجعوا صغار النفوس. اسندوا الضعفاء. تأنوا على الجميع" (1تس14:5). هذه أول مجموعة تحتاج إلى تشجيع: الضعفاء وصغار النفوس:
|
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الضعفاء و صغار النفوس صغار النفوس هم الذين أنهارت معنوياتهم من الداخل، وصغرت نفوسهم في أعينهم، فاحسوا بالعجز. وقاربوا اليأس. هؤلاء يحتاجون إلى تشجيع. يحتاجون إلى من يمسك بأيديهم ويقيمهم، لئلا يفشلوا ويضيعوا.. كذلك الضعيف يحتاج إلى من يسنده. ويقويه. لأن الذي يحتقر ضعيفًا ويتجنبه، أو يزدري به ويتهكم عليه، كإنسان فاشل أو ضائع. إنما يفقده، ويتركه إلى ضعفه بلا معين، فينتهي، ويستمر في سقوطه أو خطاياه.. بينما الكتاب يقول: "من رد خاطئًا عن طريق ضلاله، يخلص نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" (يع20:5). أخوك الضعيف الذي يسقط كل يوم، حاول أن تنقذه من ضعفه وتقيمه.. حتى إن جاهدت معه، ورأيت جهادك بلا نتيجة، ولا يزال هو مستمرًا في ضعفه وسقوطه، فلا تمل من العمل لأجله، ولا تطرحه من قدام وجهك، بل شجعه ليقوم.. ضع في ذهنك أن قيامة قد يحتاج منه إلى وقت، ويحتاج منك إلى طول أناة.. إن الخطايا التي رسبت في النفس مدة طويلة، حتى تحولت إلى عادة أو إلى طبع، لا تنتظر أن هذا الضعيف سيتخلص منها بسرعة، مهما كان كلامك له مقنعًا!! لذلك فإن الرسول لا يقول فقط "إسندوا الضعفاء"، إنما أيضًا "تأنوا على الجميع". الذي خضع مثلًا لعادة التدخين. ربما يقتنع تمامًا بضررها، ولكنه مع ذلك قد يعجز عن التخلص منها!! إنه يحتاج أن تسنده بصلوات، وبنصائحك وتشجيعك، وأن تصير عليه، ولا تيأس من خلاصه وتهمله!! الخطية التي مدت جذورها في أعماق النفس، وسيطرت على الشعور والإرادة، قد يضعف الإنسان في مقاومتها، وبخاصة لو أشتدت عليه حروب الشياطين من الخارج، مع ميل للخطيئة في الداخل، فتضعف المقاومة.. هذا يحتاج منك إلى تشجيع.. إن كثرة التوبيخ الذي تلقيه على إنسان ضعيف قد يحطمه.. مثل هذا يحتاج إلى نعمة، لا إلى لوم، ربما ينطبق عليه قول الكتاب "الشر الذي لست أريده إياه أفعل.. فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيّ" (رو19:7، 20).هذا الإنسان مقيد بأغلال من العادة والطبع والرغبة والرسول يقول: "أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم. والمذلين كأنكم أيضًا في الجسد" (عب3:13). حاول أن تشجع هذا المقيد، وساعده على التخلص من قيوده، موقنًا أننا كلنا تحت الضعف.. وإن ساعدته، ووجدته متراخيًا في خلاص نفسه، أو ذا إرادة ضعيفة يقوم ثم يسقط، ثم يعاود القيام والسقوط، فلا تحتقر ضعفه، بل تذكر قول الكتاب: "قوموا الأيادي المسترخية، والركب المخلعة" (عب12:12) الأيادي المسترخية هي العاجزة عن العمل، والركب المخلعة العاجزة عن القيام وعن الحركة، وكلاهما يعبران بصورة متكاملة عن عجز الإنسان كله، وعدم قدرته على عمل أي شيء.. ولعل بولس الرسول قد إقتبس هذه العبارة من قول الوحي الإلهي على فم أشعياء النبي "شددوا الأيادي المرتخية، والركب المرتعشة ثبتوها" (أش3:35). وقد اختبر أيوب الصديق هذا العمل الصالح. فقال له أليفاز التيماني "ها أنت قد أرشدت كثيرين، وشددت أيادي مرتخية. بل إن أعظم مثال هو ما قيل عن ربنا يسوع المسيح: "قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت20:12). لاقت هذه الصفة سرورًا لدى الله الآب. فقال فيها عنه "مختاري الذي سرت به نفسي.. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (أش1:42، 3). أي أنه لا يقطع رجاء أحد. حتى لو كان قصبة مرضوضة. يربطها ربما تستقيم. حتى لو كان فتيلة مدخنة. ربما تهب عليها ريح فتشتعل.. إذن شجع الكل. ولا تثبط همة أحد، فالكتاب يقول: "لا تشمتي بي يا عدوتي، فإني إن سقطت أقوم" (مي8:7). فما أسهل أن يقوم الإنسان من سقطته. بالإرشاد والتشجيع والصبر. وعمل النعمة فيه، ويتابع ميخا النبي كلامه فيقول "إذا جلست في الظلمة. فالرب نور لي" حقًا إن الكلام الذي يفيض أملًا ورجاءً، يقوي القلب، ويشجعه على القيام مهما سقط، ومهما أستمر سقوطه، فقال الحكيم في سفر الأمثال: "الصديق يسقط سبع مرات ويقوم" (أم16:24).. فإن وقع الساقط في اليأس، ذكره بهذه الآية. واحذر من أن تدينه في سقوطه. "هو لمولاه يثبت أو يسقط. ولكنه سيثبت، لأن الله قادر أن يثبته" (رو4:14). قُل له: حتى إن كنت لا تريد خلاصك، فالله يريد لك الخلاص. وهو قادر أن يخلصك.. الله الذي "يعطي المعيي قدرة. ولعديم القوة يكثر شدة" (أش29:40). الذي "جاء يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو10:19).. معزية جدًا هذه العبارة الأخيرة.. إنه لم يقل يخلص من قد ضعف، أو من قد سقط، بل يخلص ما قد هلك! إنه لأمثال هؤلاء الناس قد جاء. ويقول عن رسالته في سفر أشعياء: ".. مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق" (اش1:61). نعم لقد جاء المسيح من أجل المساكين، المنكسري القلوب، المسبيين والمأسورين، جاء يحمل إليهم بشرى طيبة، كلمة تشجيع.. جاء ينادي لهم بالعتق والإطلاق، بفك أسرهم وسبيهم. بل يقول أيضًا "لأعزي كل النائحين" لأعطيهم جمالًا عوضًا عن الرماد، ودهن فرح عوضًا عن النوح، ورداء تسبيح عوضًا عن الروح اليائسة" (أش3:61). نعم، هذا هو عمله كراع حنون شفوق على رعيته. مهما ضلت وجرحت وكسرت. إنه يقول: "أنا أرعى غنمي وأربضها- يقول السيد الرب- واطلب الضال، واستر المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح" (حز15:34، 16). احفظ هذه الآية، وشجع بها الضالين والمطرودين. والمنكسري القلوب الذين جرحهم العدو، إنه يجول يبحث عن كل هؤلاء، ليردهم إليه ويريحهم. لذلك إن قابلت أحدًا منهم، قل له: لا تخف. أنت لست وحدك. إن الله لن يتركك، سيرسل لك نعمة خاصة. ويفتقدك. إن الله يهتم بالضعفاء، ويبحث عن الساقطين. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الساقطين لقد كان يجلس مع العشارين والخطاة، وقال في ذلك: "لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة" "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى" (لو31:5، 32). فإن كت من هؤلاء المرضى، الخطاة، الضالين والمطرودين.. إن كنت كسيرًا وجريحًا، ثق أنك من الذين جاء المسيح لأجلهم. "إنه يفرح بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة" (لو7:15). ما أجمل ما فعله الرب مع الخاطئة في أورشليم (حز16). وجدها مطروحة بكراهة نفسها، مدوسة بدمها.. فلم يتركها، وإنما قال "بسطت ذيلي عليك، ودخلت معك في عهد، فصرت لي. فحممتك بالماء، وغسلت عنك دمائك، ومسحتك بالزيت.. وحليتك بالحلي.. وضعت تاج جمال على رأسك.. وجملت جدًا جدًا، فصلحت لمملكة" (حز6:16- 14). هذا هو أسلوب الله: يشجع الخطاة على طريق التوبة، ويقويهم ويعدهم بوعود جميلة فيقول: "أرش عليكم ماء طاهرًا. فتطهرون من كل نجاساتكم.. وأعطيكم قلبًا جديدًا. وأجعل روحًا جديدة في داخلكم.. وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي (حز25:36- 27). تشجع إذن. إن خلاصك ليس هو عملك أنت وحدك، إنما بالأكثر عمل الله فيك.لدرجة أن الرسول يقول "إن كنا غير أمناء. فهو يبقى أمينًا. لن يقدر أن ينكر نفسه" (2تي13:2). إن الرب الذي اختار المجدلية، وكان عليها سبعة شياطين (مر9:16)، وجعلها من خاصته، وظهر لها بعد القيامة. وكلفها بأن تبشر الرسل (مت10:28)، هو قادر أن يخلصك مثلها. هو الذي أختار متى العشار، ليكون أحد الإثنى عشر واشفق على زكا، ودخل بيته وقال "اليوم حصل خلاص لهذا البيت" (لو9:19). ولما طرح عليه موضوع قلع الشجرة غير المثمرة، قال: "أتركها هذه السنة أيضًا" (لو8:13). أي أعطها فرصة أخرى "حتى أنقب حولها وأضع زبلًا فإن صنعت ثمرًا، وإلا ففيما بعد تقطعها". إنه لا يشجع فقط، وإنما أيضًا يقف على الباب ويقرع (رؤ20:3). إنه يشجع الضعفاء والخطاة، وحتى اليائسين. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
اليائسين من أبرز المواقف لليائسين، تشجيع موسى النبي للشعب، الذي وجد نفسه محصورًا ما بين البحر الأحمر، ومركبات فرعون الستمائة التي تسعى وراءه.. وهوذا الموت ينتظره لا محالة. وهنا يقول موسى النبي: "قفوا ونظروا خلاص الرب، الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر13:14، 14). ونفس الوضع بالنسبة إلى داود النبي في المزمور الثالث حيث يقول: "يا رب لماذا كثر الذين يحزنونني: كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه". ولكن حالًا يتكلم الروح في قلبه مشجعًا فيقول "أنت يا رب هو ناصري، مجدي ورافع رأسي. بصوتي إلى الرب صرخت، فاستجاب لي من جبل قدسه" (مز23). كذلك ما أجمل مزمور "يستجيب لك الرب في يوم شدتك" (مز 20: 1). كله تشجيع.. لقد نشرت لكم كتابًا عن التأملات في هذا المزمور المملوء رجاء وتشجيعًا، وسوف نحاول وضعه هنا في موقع الأنبا تكلا في القريب.. إقرأ أيضًا مزمور "لولا أن الرب كان معنا" (مز23) الذي يقول فيه المرتل: "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ أنكسر ونحن نجونا.. " كل المزمور عبارات مشجعة. وما أكثر المزامير التي من هذا النوع.. حتى الذي يئسوا لطول المدة، أعطاهم الرب تشجيعًا ورجاء في مجيئه حتى في الهزيع الرابع من الليل لإنقاذ التلاميذ (مت25:14). |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الخائفين كثيرون كانوا يقفون خائفين. حتى في مجال دعوتهم للخدمة فلم يرفضهم لخوفهم وضعفهم. وإنما كان يشجعهم ويعدهم، ويثبت دعوته لهم. ومن أمثلة ذلك: موى النبي، خاف لأنه ثقيل الفم واللسان. لقد خاف من لقاء فرعون، كيف يكلمه؟ وكيف يجيب عن أسئلته وأسئلة الشعب. وقال الرب "لست أنا صاحب كلام، منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان" (خر10:4). ها أنا اغلف الشفتين فكيف يسمع لي فرعون؟!" (خر30:6). ولكن الرب شجعه، ومنحه أخاه هرون معينًا له، وقال له "تكلمه، وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه. وأعلمكما ماذا تصنعان.. وهو يكلم الشعب عنك وهو يكون لك فمًا" (خر17:4). إرميا أيضًا خاف وقال" لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" (أر6:1). ولكن الرب شجعه وقال له" لا تقل إني ولد، لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب.. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك، لأنقذك"، "ها قد جعلت كلامي في فمك، أنظر قد وكلتك اليوم على الشعوب وعلى الممالك.." (أر7:1- 10). بل أكثر من هذا، رفع معنوياته جدًا قوال له: "هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود جديد وأسوار نحاس على الأرض كلها.. فيحاربونك. ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك- يقول الرب- لأنقذك" (أر18:1، 19). يشوع أيضًا كان خائفًا بعد الفراغ العظيم الذي تركه موسى النبي بوفاته. ولكن الرب شجعه، وقال له "تشدد وتشجع"، "لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك.. أما أمرتك؟ تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يش5:1- 9). وهكذا شجع الرب يعقوب، وهو خائف من ملاقاة عيسو.. لذلك قواه، ومنحه المواعيد وظهر له، وأعطاه فرصة أن يجاهد معه ويغلب (تك28:32).وكان في أول هروب قد ظهر له. أيضًا رؤيا السلم والملائكة وقال له" ها أنا معك. واحفظك حيثما تذهب. وأردك إلى هذا الأرض" (تك15:28). أسلوب التشجيع عند إلهنا، هو أسلوب ثابت. إنه لم يشجع فقط الضعفاء والمأسورين. والخطاة والخائفين واليائسين، وإنما أيضًا: أصحاب القليل. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
أصحاب القليل كما نصلي في اوشية القرابين ونقول "أصحاب الكثير وأصحاب القليل، الخفيات والظاهرات" وقد تعلمنا هذا الدرس من الرب نفسه. لقد طوب الأرملة التي دفعت الفلسين. وقال عنها إنها "ألقت أكثر من جميع الذي القوا في الخزانة" وأن "الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن أعوازها، ألقت كل ما عندها، كل معيشتها" (مر43:12، 44). وشجع اللص اليمين الذي جاءه في آخر ساعة من حياته، لم يوبخ تأخيره في التوبة، ولا كل حياته القديمة الشريرة، وإنما قال له في محبة: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو43:23). وقال الآباء إن العنقود وإن كانت فيه حبة واحدة. ففيه بركة. يكفي أن عصارة الكرمة (سلافها) لازالت تسري فيه. وعن هذه قال أشعياء النبي "كما أن السلاف يوجد في العنقود، فيقول قائل: لا تهلكه، لأن فيه بركة، هكذا أفعل لأجل عبيدي، حتى لا أهلك الكل" (أش8:65). كم من الصغار قبلهم الرب، وقبل عطاياهم. قبل التسبيح من أطفال بيت لحم، وقال "إن سكت هؤلاء فالحجارة تنطق" (لو4:19). وهكذا دافع عنهم، وقال "دعوا الأولاد يأتون إلى ولا تمنعوهم. لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (مر14:19). وتقبل من طفل خمس خبزات وسمكتين، وصنع بهذه العطية البسيطة معجزة عظيمة (يو9:6- 14). ومن تشجيع الرب اشفاقه على أصحاب الأمور المستعصية. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الأمور المستعصية مثل معجزات الشفاء للأمراض عديمة العلاج. كمنحه البصر للمولود أعمى (يو9). وشفاء مريض بيت حسدا الذي قضى 38 سنة مطروحًا إلى جوار البركة (يو5). وصاحب اليد اليابسة (مت10:12، 13) ونازفة الدم (مت20:9، 22). وكافة البرص والعميان والمفلوجين. ويقول القديس متى الرسول عنه في ذلك "فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة. والمجانين والمصروعين، والمفلوجين فشفاهم" (مت24:4).. يضاف إلى كل هذا معجزات إقامة الموتى. وهكذا شجع المرضى إنه لا يأس ولا مستحيل. وكذلك ما فعله الرب في حالات مستعصية مثل إلقاء دانيال في جب الأسود (دا6). وإلقاء الثلاث فتية في أتون النار (دا3). وخلاصه العجيب في مناسبات عديدة.. ما يفتح باب الأمل والرجاء أمام كل أحد. وفي الكلام عن التشجيع، نذكر أيضًا الوعود الإلهية. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الوعود الإلهية كلها رجاء وتشجيع. تقوي المعنويات وتبعث الأمل، كقوله: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر" (مت20:28). وكقوله أيضًا "هوذا على كفي نقشتك" (أش16:49). "أما أنتم فحتى شعور رؤوسكم محصاة" (مت30:10). "شعرة واحدة من رؤوسكم لا تسقط" (لو18:21). وقوله "لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت20:10). وما أجمل مواعيد الرب في سفر المزامير، وهي كثيرة. ليتنا من كل ما ذكرناه من أمثلة نتعود كيف نشجع الكل، مهما كانت حالتهم، ونمنحهم رجاء يشتدون به، وتقوى عزائمهم وإرادتهم. وبهذا ننقذ نفوسًا من اليأس والضياع. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
رابح النفوس حكيم أهم رسالة لنا في الحياة هي ربح النفوس. نربحها من حيث علاقتنا الطيبة بها. نربحها قبل كل شيء لله، فتصير له. ولعل هذا ما قصده الرب، حينما قال لبطرس وأندراوس "هلما ورائي فأجعلكما صيادي الناس" (مت 4: 19). وهي نفس الرسالة التي عهد بها لتلاميذه، حينما قال لهم "وتكونون لي شهودًا.." (أع 1: 8). والله هو أول رابح للنفوس. ربحهم بالحب، بالسعي إلي خلاصهم، وإلي رد الضال منهم. وإصحاح 15 من لوقا يعطينا ثلاثة أمثلة عن ذلك: الخروف الضال، والابن الضال، والدرهم المفقود.. ومن أجل هذا، نقول عن الرب في ختام كل صلاة بالأجبية: الذي لا يشاء موت الخاطئ، مثلما يرجع ويحيا. الداعي الكل إلي الخلاص، من أجل ربح الموعد بالخيرات المنتظرة. الله، من أجل ربح النفوس لملكوته، أرسل الأنبياء والرسل لهدايتهم وقيادتهم إلي التوبة. وعين الرعاة، وأقام الخدام ورجال الكهنوت، لكيما يعدوا للرب شعبًا مبررًا، كما كان يوحنا المعمدان: الملاك الذي يهيئ الطريق أمامه. وقد أعطانا السيد المسيح مثالًا عمليًا لربح النفوس. وهكذا قيل عنه عن الكل قد سار وراءه (يو12: 19). عندما دخل أورشليم، ارتجت المدينة لقدومه. وعندما كان يدخل البيوت كانت تزدحم حتى لا يوجد موضع لقدم. وفي قصة شفاء المفلوج: بسبب الزحام لم يستطع أصحاب المفلوج أن يدخلوه، فنقبوا سقف البيت وأنزلوه (مر2: 4).وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين كان عدد الرجال – غير النساء والأطفال – خمسة آلاف. ومن الأمثلة الرائعة لربح النفوس، القديس بولس الرسول: ذلك الذي قال "فإني إذا كنت حرًا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع، لأربح الكثيرين. فصرت لليهودي كيهودي، لأربح اليهود، للذين تحت الناموس كأني تحت الناموس، لأربح الذين تحت الناموس.. صرت للضعفاء كضعيف، لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء، لأخلص على كل حال قومًا (1كو9: 19- 22). صياد حكيم يلقي شباكه، ولابد أن يرجع بها مملوءة.. وهكذا كان السيد المسيح، الذي قيل عنه أنه كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38). كان يربح الناس بأنواع وطرق شتي: بالتعليم والكرازة، بالشفاء، بالعطف، بالحب، بالتأثير الشخصي، بكل نوع وأنت كيف تراك ستربح النفوس؟ |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
تربح النفوس بالحب أول وسيلة تربح بها الناس، هي الحب. إن لم تحب الناس، وإن لم يحبوك، لا تستطيع أن تقودهم إلي الله. لأن الناس يميلون إلي سماع من يحبونهم. والشخص الذي ينفر منك، تكون خسرته في علاقتك معه. وأيضًا لا يمكن أن تجذبه إلي الله. لن يسمع منك بينما الذي تحبه، قد يحب الله بسببك وتقدم له الله والحب. ومن مظاهر محبتك للناس، أن تحتملهم. كل إنسان في الدنيا له أخطاؤه وله ضعفاته، وإن ظللت ترقب أخطاء الناس وتحاسبهم عليها، تكون النتيجة انك تخسر الناس وأن يخسروك.. احتمل الناس إذن. إنسان تحتمل أخطاءه، وآخر تحتمل ثرثرته. وثالث تحتمل جهله، ورابع تحتمل ضعفه، وخامس تحتمل أعصابه.. إلخ. وكرمز لطول بال الكاهن واحتماله، تكون ملابسه واسعة فضفاضة. رمزًا لسعة الصدر. لأن الذي يكون ضيق الصدر، يخسر الناس. تذكر أن السيد المسيح قد حمل جميع خطايا العالم كله.. من امثلة احتمال الله للناس، أنه يوجد ملايين من الملحدين ينكرون وجود الله، أو يجدفون عليه، والله يحتملهم بدون عقوبة. ما أسهل ان يبيد الله كل هؤلاء، ولكنه ساكت، يحتمل. ربما لا يخلص هذا الجيل، ويدرك الخلاص الجيل التالي، وهكذا يحتمل الله الذين يستهزئون بالدين والتدين. احتمل الناس بالمحبة، فتكسبهم، فإن المحبة لا تسقط أبدًا (1كو12: 8). وتذكر قول الكتاب: "إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه" (رو12: 20). إن عاملك إنسان معاملة رديئة، واحتملته في لطف، فإنك باحتمالك له – كما يقول الكتاب – "تجمع جمر نار علي رأسه" (رو12: 20).ولاشك أن ضميره سيوبخه من جهتك. مثلما قال إنسان لشخص إحتمله "أنت تقتلني بنبلك هذا، تحطمني بأدبك". كان يري إنسانه العتيق يتحطم.. ما أسهل أن تغلب الناس بالنبل مثلما قال الكتاب "لا يغلبنك الشر. بل أغلب الشر بالخير" (رو12:21). جرب مثلًا أن يسئ إليك إنسان فتكون أول من يسعى لإنقاذه حينما يقع في مشكلة.. جرب الأدب الجم في الرد علي إنسان متسيب في ألفاظه لاشك أنه يحتقر نفسه ويحترمك.. أما إن أردت أن تأخذ حقك من الناس بالقوة، فسوف تخسر الناس، وتخسر حقك وتخسر الله، وتخسر أبديتك.. وكما تربح الناس بالحب والاحتمال والمعاملة الطيبة، اربحهم بالحكمة. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
اربح الناس بالحكمة السيد المسيح يهمه أن نكون حكماء حتى أنه مدح وكيل الظلم، لأنه بحكمة صنع (لو16: 8). مدح الحكمة التي فيه، وليس الظلم. يقول الكتاب "الحكيم عيناه في رأسه، أما الجاهل فيسلك في الظلام" (جا2: 14). ولأن الشمامسة يعلمون أيضًا في ربح النفوس، اشترط الآباء الرسل -في اختيار الشمامسة السبعة- أن يكونوا مملوءين من الروح القدس والحكمة" (أع6: 3). كان يمكن الاكتفاء بشرط الامتلاء من الروح القدس، علي اعتبار أنه روح الحكمة والمشورة والفهم (أش11: 2) ولكنهم شددوا علي صفة الحكمة هذه. قال بولس الرسول: "إننا نتكلم بحكمة بين الكاملين. ولكنها حكمة ليست من هذا الدهر" (1كو2: 6). وقد تحدث القديس يعقوب الرسول باستفاضة عن الحكمة النازلة من فوق (يع3: 13- 17). إنها حكمة تصلح لربح النفوس، لأنها طاهرة مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة.. وقال "من هو حكيم وعالم بينكم، فلير أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة". أما الحكمة العالمية فنسميها أحيانًا بالدهاء والخبث إذ تحوى تدابير شريرة. وكم من أشخاص فكروا أن يربحوا الناس بالخداع والكذب، وبالانحراف، وبأن يكونوا ذوي وجهين، وذوي لسانين، وبارعين في سبك الخطط!! وفي سبل الإغراء والتشويق. أما أنتم فلا تكن لكم هذه الحكمة، بل الحكمة الروحية النازلة من فوق.. أبيجايل إمراة نابال الكرملى، استطاعت بالحكمة أن تربح داود النبي وتمنعه عن الانتقام من زوجها وعن إرتكاب القتل (1صم 25). وأعجب داود بأسلوبها الحكيم الذي يمتزج فيه الاتضاع، بالتوبيخ المشبع بالمديح؟ وقال لها "مبارك الرب الذي أرسلك اليوم لاستقبالي. ومبارك عقلك. ومباركة أنت، لأنك منعتني عن إتيان الدماء". وكانت لما مات زوجها، أن تزوجها داود، الذي قبل منها التوبيخ دون أن يغضب.. الإنسان الحكيم يعرف متي يتكلم، وكيف يتكلم؟ ومتي يصمت، وكيف يتصرف؟ ويعرف المداخل التي يدخل بها إلي نفوس الناس، وكيف يقول لهم ما يمكنهم قبوله، وكيف ينصحهم بما يمكنهم عمله وكيف يدرجهم في الوصول إلي الفضيلة بل وإلي الكمال.. ولذلك اتصف آباؤنا القديسون بالإفراز. الرجل الحكيم يزيد عدد أصدقائه. أما الجاهل فيخسر أعز أحبائه.. الحكيم يعرف كيف يكسب الناس. والذين قد كسبهم، يعرف كيف يحتفظ بهم أيضًا.. والمرأة الحكيمة لا تخسر زوجها، ولا تخسر أقارب زوجها أيضا: أمه وأخوته..وحيث توجد الحكمة، يمكن أن تحل كل المشاكل الزوجية، وكل الخلافات العائلية.. وبالحكمة كل فريق يربح الآخر.. قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "هناك طريقة تتخلص بها من عدوك وهي ان تحول العدو إلي صديق". طبعًا، لا نستطيع أن ننكر أن هناك أشخاصًا ليس من السهل كسب صداقتهم. ويكون السبب راجًا إليهم هم. مثلما حدث للسيد المسيح نفسه مع الكهنة والفريسيين والصدوقيين ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. ولو ان عددًا كبيرًا منهم قد آمن فيما بعد. ولأن كسب جميع الناس ليس سهلًا لذلك قال الرسول: "إن كان ممكنًا، فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو12: 18). لذلك فإن ربح الناس قد يحتاج إلي صبر وإلي احتمال، وقد يحتاج إلي وقت. وهو لا يأتي بالإلحاح الكثير وبالإسراع.. فربما الإلحاح والإسراع يأتيان بنتيجة عكسية، لأنهما ربما يتعبان أعصاب ونفسية الشخص الذي تريد كسبه، أو تريد مصالحته. وربما يسببان له العناد.. أو أنه يشعر بإصرارك فيتثاقل ويعتز ويفرض شروطًا وحلولًا صعبة..! بالحكمة في التصرف، يمكن أن تكب الناس في العلاقات الاجتماعية وفي الروحيات أيضا.. أليس من المخجل أن كثيرين من أهل العالم، يكونون حكماء ويكسبون الناس بينما أولاد الله يفشلون فيما نجح فيه أولئك؟ مشكلة تقابل إنسانًا، فيرتبك لها، أو يتصرف فيخطئ. ونفس المشكلة تقابل شخصًا آخر، فيحلها بمنتهي السهولة.. إنها الحكمة.. ولكن ليست الحكمة أن تربح الناس علي حساب المبادئ والروحيات، أو تربحهم وتخسر الله. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
تربح النفوس لله العاملون في هذه الخدمة، سماهم الرب "صيادي الناس"، ولابد أن تكون لهم حكمة الصياد الذي يعرف طباع السمك، وطبيعة المياه. والذي يعرف كيف يلقي شباكه في العمق. حكمة إنسان اختبر الطريق الروحي وسار فيه، وعرف حروبه ومطباته.. لهذا يعرف نوعية الكلام الذي يقدمه للناس. 1- من هذه الحكمة انه لا يقدم للناس روحيات فوق مستواهم، لكي لا ييأسوا أو يفشلوا من أول الطريق. هذه المشكلة عرضها السيد المسيح في توبيخه للكتبة والفريسيين فقال إنهم "يحزمون أحمالًا عسرة الحمل، ويضعونها علي أكتاف الناس (مت23: 4). كثير من الخدام لهم مثاليات معينة ويريدون أن كل أحد يسير في هذه المثاليات، ومن أول خطوة.!! وإلا فإنهم يرفضونه وينتقدونه ويقولون إنه لا يصلح للطريق الروحي. بينما السيد المسيح لم يقل هكذا، بل إنه تدرج حتى مع تلاميذه، وقال هم "عندي كلام لأقوله لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو16: 12). وتلميذ بولس الرسول تعلم هذه القاعدة فقال: " سقيتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون" (1كو3: 2). والرسل الإثنا عشر – في مجمع أورشليم – راعوا نفس القاعدة فرأوا أنه "لا يثقل علي الأمم الراجعين إلي الله. بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنا، والمخنوق والدم" (أع 15: 19، 20). فلا يوضع علي أعناقهم نير "لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله" (أع 15: 10). ولكن ليس معنى التدرج، أن نتساهل في وصايا الله! كلا، بل ندرب الناس عليها بالتدريج، إلي أن يصلوا.. ذلك أن بعض الخدام يغلقون أبواب الملكوت أمام الناس، بتصعيب الطريق فلا هم يدخلون، ولا يجعلون الداخلين يدخلون (مت23: 13).. والبعض الآخر يتساهلون إلي الدرجة التي يفقد فيها المخدوم روحياته، ويفقد جدية الحياة الروحية أيضا..! 2- ومن الحكمة أن الخدام لا يقودون الناس في مناهج روحية متناقضة.. كأن يتوب إنسان، فيقوده البعض إلي حياة الندم والانسحاق والدموع، بينما يشده البعض الآخر إلي حياة الفرح بالرب "وبهجة الخلاص" ويشجعه فريق علي الخدمة وعلي التحدث بكم صنع الرب به.بينما يقوده آخرون إلي الشعور بعدم الاستحقاق، وعدم الإسراع إلي الخدمة، حتى تستوفى التوبة حقها من مشاعر الخزي علي الخطية.. وهكذا يرتبك المسكين بين مشورات متناقضة، ولا يدري أين يسلك! ويزيد الأمر تعقيدًا أن كل فريق يشرح له أن الفريق الآخر مخطئ، وإن سلك وراءه سيضيع! وهنا تظهر الذات في الخدمة. ويتنافس الخدام بغير حكمة في اختطاف المخدومين من بعضهم البعض. 3- كذلك ليس حسنًا أن يقحم خادم نفسه في خصوصيات إنسان، ويتطوع لإرشاده، بدون معرفة بظروفه وداخلياته ونوع نفسيته. لذلك فإن الكنيسة وضعت هذا الإرشاد تحت مسئولية أب الاعتراف الذي يعرف نفسية وظروف المعترف، ويستطيع أن بقدم له العلاج الذي يناسب حالته. وفي نفس الوقت يقوده في منهج واحد لا تناقض فيه، يوافق مستواه الروحي. رابح النفوس الحكيم يعرف متي يقدم التوبيخ علي الخطية، ومتي يفتح باب الرجاء بلا توبيخ، حسبما ينفع النفس. فالشخص الغارق في تبكيت نفسه اليائس من خلاصه، فهذا نقدم له الرجاء. أما الذي لا يشعر بجسامة الخطية، وينظر إليها ويعرف أن الخطية خاطئة جدًا، وأجرتها الموت. 4- والخادم الحكيم لا يحاول أن يجعل من يخدمهم صورة منه فلا يقود الناس إلي الوحدة، والصمت، وإن كان هو يحب ذلك. فربما له تلميذ اجتماعي لا تناسبه الوحدة. وبالعكس لا يقود مخدوميه كلهم إلي الخدمة التي تستغرق كل الوقت والجهد إن كان هو يحب ذلك، فربما له تلميذ يحب حياة الصلاة والتأمل والهدوء. لا يجوز له أن يطبعهم بطابعه، فكل إنسان له نفسيته الخاصة، وله ما يناسبه.. وكل إنسان له ظروفه الخاصة، وله درجة معينة في الروحانية، ربما لا يوافقها المنهج الذي يسير عليه الخادم. وظيفة الخادم إذن أن يرشد إلي الحق مجردًا. ويترك التفاصيل إلي ما يناسب نوعية النفس، وإلي إرشاد أب الاعتراف. بعض الخدام إذا تحمسوا لشيء، يريدون أن يتحمس له كل احد، مهما كانت حالته! فمثلًا واحد منهم متحمس لإصلاح معين، وثائر في داخله، يريد أن يكون الجميع ثائرين مثله! وقد تضرهم هذه الثورة، وقد يخطئون فيها، وقد لا تكون حكيمة.. أو شخص يحب الرهبنة، فيدعو الكل إليها وقد لا تناسبهم. 5- رابح النفوس الحكيم، ينبغي أن يكون صبورًا لا يمل. ليس من الحكمة أن يتعجل الثمر ولا أن ييأس من مخدومة ويتركه، إن لم يستجب لتعليمه بسرعة، أو تحتد أعصابه عليه ويكثر من توبيخه لئلا يفشل ذاك أيضا. الخدمة تحتاج إلي طول أناة، وإلي رفق بالخطاة. كما أن الرب نفسه يتأنى، وطول أناته تقتاد إلي التوبة (رو2: 4). بطول الأناة تحول أوغسطينوس من شاب خاطئ إلي قديس عظيم، وتحول شاول الطرسوسي من مضطهد للكنيسة إلي اكبر كارز في الخدمة. لذلك لا تشطب من كشفك أسماء الذين افتقدتهم مرات ولم يحضروا، ولا تيأس من الذين نصحتهم مرارًا ولم يتوبوا.. لا تظن أنه لا استجابة، ربما توجد الاستجابة، ولكن تحتاج إلي وقت.. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
لا تكن نقادًا هناك أشخاص لا يرون في غيرهم إلا ما يعيبهم. ولا ينظرون إلي الآخرين إلا بمنظار اسود. فهم باستمرار ينتقدون، ويخسرون الناس بنقدهم لهم.. أما الإنسان الروحي، فإنه لا ينتقد كثيرًا، ولا يدين كثيرًا. وإذا كان هناك داع روحي للنقد، فإنه ينتقد في حكمة وفي محبة وفي لطف. لذلك يكسب الناس. والسيد المسيح، الذي سيأتي في مجده، ليدين الأحياء والأموات، يقول إنه لم يأت لكي يدين العالم، بل ليخلص العالم (يو3: 17). فأن أردت أن تربح الناس، اسلك كما فعل السيد المسيح، وبدلًا من أن تعكف علي إدانتهم، أعمل علي خلاصهم.. بدلًا من أن تحكم عليهم، أشفق عليهم. وبدلًا من أن توبخهم علي أخطائهم نساعدهم علي التخلص من تلك الأخطاء. في قصة المرأة الخاطئة، التي ضبطت في ذات الفعل نلم يستطع أن يكسبها الذين عاملوها بقسوة وحكموا عليها، طالبين رجمها. أما السيد المسيح فقد استطاع أن يكسب نفسها بأن دافع عنها ضد المشتكين عليها، ثم قال لها "ولا أنا أدينك. أذهبي ولا تخطئ أيضًا" (يو8: 11). الناس يحتاجون إلي عين مغمضة، لا تنفتح إلي أخطائهم، محملقة فيما يفعلون! يحتاجون إلي عين إن رأت خطأ، كأنها لم تبصر شيئًا. يحتاجون إلي قلوب مشفقة عطوفة، تدرك تمامًا ضعف الطبيعة البشرية وسهولة سقوطها، وتشفق علي الناس عن سقطوا، وتصلي من أجلهم لكي يقوموا.. وبهذا تربحهم.. لا يمكنك أن تربح الناس فإن كنت باستمرار تتأمل أخطاءهم، وتفحص عيوبهم، وتتحدث عنها أمام الآخرين، وتستصغرهم بسببها. وقد تعايرهم بها..! وهكذا تخدش مشاعرهم ولا تكسبهم.. إننا في عالم جوعان إلي العطف، وإلي الحنان والمعاملة اللطيفة، وقد ذكر القديس بولس الرسول إن اللطف هو من ثمار الروح (غل5: 22). عامل الناس إذن بلطف. ولا تكن عينك مفتوحة لأخطائهم، إنما مفتوحة لتري فضائلهم. إن تركيزك علي أخطاء الناس، ربما يدفعهم إلي اليأس أو إلي صغر النفس، كما أنه لا يشعرهم باحترامك لهم، أو علي الأقل بتقديرك لحالتهم ورغبتك في إنقاذهم. يمكنك كخادم أن تنقذهم من أخطائهم، دون أن تخجلهم بها. ويستثني من هذا، أولئك الذين هم في حالة الاستباحة واللامبالاة، ويحتاجون إلي من يوقظهم من سباتهم الروحي، ليعرفوا خطورة ما هم فيه وينيروا طريقهم.. وحتى هؤلاء، يحتاجون إلي من يوبخهم. دون أن يشعرهم باحتقار، كما أنه ينتهر بأسلوب من يحب ومن ينقذ. صدقوني، كما أن الناس جياع إلي العطف والحنان، هم أيضًا جياع إلي المديح والتشجيع. المديح الذي يشعرهم أن فيهم شيئًا خيرًا، فترتفع معنوياتهم، ويشعرون أنهم قادرون علي حياة البر. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
تأكد تمامًا أن الشخص الذي تمدحه في صدق وفي إخلاص، من السهل أن تكسبه. وكذلك الذي تشجعه كثيرًا تكسبه. والذي تكتشف فضائله وميزاته وقدراته، وتتحدث عنها، مكنك بهذا أن تكسبه.. بهذا كله، تشعره بمحبتك وتقديرك، فيميل إليك، ويكون مستعدًا أن يسمع نصائحك، وأن يقبل عملك الروحي من أجله. تصور انك في اجتماع، يحضره لأول مرة عضو جديد. لتقدمه أنت للحاضرين، وتشرح مواهبه وإمكانياته وتاريخه وإنتاجه، وتظهر فرحك بوجوده. لاشك أنك بذلك تكسبه، إذ يجد فيك صديقًا يحترمه ويقدره. ولكن ليس مديح الناس معناه تملقهم. كلا. وإنما كل إنسان – مهما كان – له ميزة أو مميزات. أكتشفها وامتدحها، بصدق وإخلاص. لقد وجد السيد المسيح شيئا صالحًا يستحق المديح في زكا العشار، وفي المرأة السامرية، وفي الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها.. بل حتى في الشاب الغني، إذ قيل عن الرب بأنه "نظر إليه وأحبه" (مز10: 21). كما أنه قال للسامرية "حسنًا قلت.. هذا قلت بالصدق" (يو4: 17، 18). وقال عن الخاطئة الباكية إنها "أحبت كثيرًا" (لو7: 47). وشرح كيف أنها كانت أفضل من سمعان الفريسي. إن الرب في كل هذا، اكتشف الجوهرة المدفونة في الطين، ونظفها ومدحها، وأظهرها للناس، فربحها، ورابح النفوس حكيم. " كان شاول الطرسوسي مضطهدًا للكنيسة، وكان يجر رجالًا ونساء موثقين إلي أورشليم " (أع9: 2). ومع ذلك كان في داخله شيء حسن. رآه المسيح، فأختاره رسولًا يبني به الملكوت.. إن اكتشاف النور الداخلي الذي تخفيه ظلمة خارجية، أمر جميل ومشجع.. يوجد كثيرون يتعبون، ولا يجدون من يقدرهم، ويجاهدون ولا يجدون من يشجعهم، ارفع نفسية هؤلاء فتربحهم. مثل طفل يجتهد في دروسه ويحصل علي درجات عالية، ولا يحس به أحد في المنزل. فيضطر أن ينبههم بنفسه إلي امتيازه، ما اسعد هذا الطفل بمن يكتشف تفوقه ويشجعه، دون أن يتكلم هو عن نفسه. لا تظنوا أن التشجيع هو للصغار فقط، فالكبار أيضًا يحتاجون إليه. كما يحتاج خادمك إلي تشجيع، ليستمر في إخلاصه لك وفي تعبه وتفانيه، كذلك يحتاج رئيسك إلي تشجيع، ليستمر في معاملته الطيبة لك ولغيرك. إن صاحب البيت تسعده كلمة تحية، وتقدير يسمعها من بواب منزله.. فيقول إن هذا البواب هو أفضل بواب عرفه. لا من اجل تفانيه في عمله، بل لجل الكلمة الطيبة والمديح والشكر.. الناس يحتاجون دائما إلي كلمة طيبة تسعدهم، فيحبون قائلها. والإنسان الذي يملك لسانًا عذبًا حسن المنطق، ووجهًا بشوشًا، وحسن معاملة للناس، يمكنه أن يربح الدنيا كلها ومن عليها، إلا من يستسلمون تمامًا لقيادة الشياطين.. من اجل حاجة الناس إلى كلمة طيبة، أعطاهم الله الإنجيل ومعناه "بشارة مفرحة" وبدأ الرب عظته علي الجبل بالتطويبات، وكلمة "طوبي " معناها السعادة والبركة معًا.. وكان الرب يشجع باستمرار حتى انه مدح الزرع الذي أنتج ثلاثين فقط، وقال إنه زرع جيد كالذي أتي بستين ومائة.. إن الإنسان الحكيم، هو شخص لطيف، يشجع الناس ولا يدينهم، لذلك فهو يربحهم. السيد المسيح ما كان يدين بل يشجع، مع أن جميع خطايا الناس.. الخفيات والظاهرات.. كانت مكشوفة أمامه ومعروفة، حتى مشاعر القلب، وحتى الأفكار والنيات والظنون. فإن كان وهو الذي يعرف كل الخطايا وكل الخفايا، ويعرفها عن يقين، لا يوبخ أحدًا، فكيف بنا نحن الذين لا نعرف الحقيقة تمامًا!وربما ما لدينا من انتقادات فيه الكثير من الظن أو الشك أو الظلم، وقد نحكم علي الناس ظلمًا، فيكرهوننا، ولا نربحهم. وحتى إن وجد في الناس خطأ يقيني، فبالكلمة الطيبة نعالجه ونربحهم.. ما أجمل قول الكتاب "شجعوا صغار النفوس" (اتس5: 14). الصغير شجعوه، والكبير قدروه، والممتاز امدحوه، والضعيف لا تحتقروه.. والإنسان الحكيم الطيب، رابح النفوس، يوزع كلمات التشجيع والبركة علي كل أحد.. والمعاملة الرقيقة يعامل بها الكل. وكما يقول الكتاب "باركوا ولا تلعنوا" (رو12: 14). خذوا هذا التدريب ونفذوه: حاولوا أن تكسبوا الناس.. أعطوا كل إنسان حقه في الكرامة. أكرموا الكل. اكسبوهم في محبتهم لكم، لكي تقودهم إلي محبة الله.. أنظروا الخير الذي في الناس وشجعوه. واكسبوهم بالتشجيع، وأيضًا بالاتضاع. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
اكسبوهم بالأتضاع
https://images.chjoy.com//uploads/im...fe8828e89b.jpg الناس لا يحبون الشخص الذي يتعالى عليهم، ويحدثهم من فوق، كأنه في مستوي أسمى من مستواهم، بل يحبون الإنسان المتضع، الذي لا يشعرهم بأنه أعلي منهم. لذلك في كسب الناس إياك من هذا التعالي الذي ينفر الناس، ويبعدهم عنك. في عظاتك ابتعد عن أسلوب عرض المعلومات والتباهي بالمعرفة، إنما ركز علي ما يلزمهم في حياتهم الروحية. ولا تستخدم ألفاظًا أو تعبيرات لا يفهمونها، بقصد أن تظهر أنك تفهم ما لا يفهمون..! إنما كن متضعًا في أسلوبك بسيطًا في تعبيرك، تشرح أعمق المعاني في أسهل الألفاظ. إياك أن تحول الدين إلي فلسفة. وتذكر قول القديس بولس الرسول "وأنا لما أتيت إليكم أيها الأخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة.." (1كو2: 1). "وكلامي وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة" (1كو2: 4). إنك في خدمتك، لست تبني نفسك ، بما تقوله من كلام، إنما أنت تبني الآخرين. لذلك كن متواضعًا في خدمتك، ولا تجعل هذه الخدمة مجالًا للذات، فليس في ذلك ربح للناس.. والذين هدفهم (الذات) قد يجعلون مركز اهتمامهم في عظاتهم هو اللغة أو المعلومات، وليس التأثير الروحي.. أو قد يكون هدفهم هو إعجاب الناس بكلامهم، وليس قيادة الناس إلي التوبة. كذلك فإن رابح النفوس الحكيم، ليس واجبه فقط هو أن يربح المخدومين وإنما أيضًا أن يربح زملاءه في الخدمة. الخادم المتواضع، لا يغطي علي غيره، بل يعطيه فرصة ليعمل هو أيضًا. وهو لا يكتسح غيره من الخدام، بل يتذكر قول الرسول "مقدمين بعضكم بعضًا في الكرامة" (رو12: 10). وإذا كان في لقاء لا يأخذ الجلسة كلها لحسابه الخاص، بل يعطي مجالًا لغيره لكي يتكلم. ولا يقاطعه، ولا يحقر رأيه، ولا يحاول أن يثبت أنه أعمق فكرًا أو أكثر معرفة، بل يمتدح ما يقوله زملاؤه من الخدام – ولو كانوا تلاميذه. وتكون له فضيلة حسن الإصغاء. فيحبه الناس لإصغائه.. وعندما يتكلم، لا مانع من أن يقول أعجبني رأي فلان في كذا. ومن النقط الجميلة ما قاله فلان، وأنا أوافق فلانا علي رأيه، وقد استفدت كثيرًا مما قاله فلان".. وهكذا يعجب الناس بطريقة كلامه، كما يعجبون بإصغائه. والخادم الحكيم المتواضع، لا يتجاهل أحدًا، ولا يستصغر أحدًا، بل يحترم الكل. فيحبه الناس في تواضعه. السيد المسيح تواضع فدخل بيت زكا العشار، وأعطي مقامًا لمتى العشار بأن جعله رسولًا. ودخل بيوت الخطاة وسمح للمرأة الخاطئة أن تلمس قدميه وتمسحهما بشعرها. بل أعطي أهمية للأطفال أيضًا. لذلك أحبه الكل، وربح الكل. وقادهم بمحبته وتواضعه إلي الملكوت. وداود النبي بعد انتصاره علي جليات، وبعد تعيينه رئيسًا علي رجال الحرب، أمكنه أن يكسب جميع الناس بسبب عدم تعاليه عليهم. وكانوا "يحبونه لنه كان يخرج ويدخل أمامهم" (1صم18: 16). والخادم المتواضع الحكيم يربح الناس أيضًا بتنازله إلي ضعفاتهم.. ومن أمثلة تنازل السيد المسيح لضعفات الناس، أنه زار نيقوديموس ليلًا وسرً، إذ كان نيقوديموس خائفًا من اليهود. فلم يجبره الرب علي إعلان صلته به مادام لم يكن قد وصل إلي احتمال ذلك. وبهذا ربحه إليه، وأعلن انتماءه فيما بعد.. تنازل الله أيضا لضعف المجوس. وكانوا يرصدون النجوم، فأظهر لهم قوة سمائية في هيئة نجم عجيب في تحركاته وفي إتجاهه، وفي سيره ووقوفه. وبهذا جذبهم إلي الإيمان. فلما آمنوا، لم يرشدهم عن طريق نجم، وإنما أوحي إليهم في حلم (مت2: 12). كذلك تنازل الله للبشرية كلها بتجسده وربحهم بذلك. إن الذي يتنازل لضعف الناس يربحهم.. أما الذي يتعامل معهم من برجه العالي، فلا يمكن ان يصل إلي قلوبهم ولا إلي أفكارهم. لا تكن كالفيلسوف الذي لا يتكلم إلا بأسلوب معقد، ولا يتنازل ليبسط معلوماته للناس، فلا يجتمع حوله سوي نفر قليل من مريديه وحوارييه ومن يمكنهم فهمه. ولا تكن كذلك الأديب الذي عاتبه أحدهم بقوله "لم لا تقول ما يُفهم". فأجابه في عظمة، "ولم لا تفهم ما يُقال". احتمل قصر فهم الناس، وإن جادلوك في تعليمك فلا تثر عليهم ولا تنتهرهم. الخادم الحكيم المتواضع، لا يحسب أن كلامه منزه عن الجدل والنقاش والحوار. ولا يحاول أو يفرض رايه علي الناس. ولا يعتبر أن مناقشته في كلامه أهانه له، وإنما بكل محبة وبكل اتضاع يجيب. ولا يضيق صدره مطلقًا بأية معارضة لرأيه، كما لو كانت كلماته عقائد! إن فرض الرأي لا يقنع احدًا. وبالتالي لا يربح احدًا. والذي يفرض رأيه في أمور الخدمة، ينفر الكل منه.. والخادم الذي يعيش في خدمته وفي تعاليمه مع زملائه أو مخدوميه، بأسلوب الأمر والنهي، وبأسلوب السلطة والإرادة، لا يمكن أن يربح العاملين معه. فإما أن ينفر الكل منه ويصل إلي الانفرادية في العمل، أو يتحول محيط الخدمة إلي مجال للصراعات التي تفقد الخدمة روحانيتها. طريق الإقناع والتفاهم، قد يكون أطول بكثير من طريق السلطة أو القوة، ولنه أكثر ثباتًا، وأعمق تأثيرًا. وهو الأسلوب الروحي الذي يتسم بالوداعة والاتضاع، وهو أيضًا أسلوب حكيم، لأنه يؤدي إلي نتائج عملية سليمة.. حتى إن كنت علي حق بالتمام، وغيرك علي باطل بالتمام، أصبر واحتمل، حتى تقنع هذا الغير، ولا تظن انك بالعنف يمكن أن تتجاهله وتقضي علي رأيه في الخدمة. الخادم الحكيم يربح الناس بالاحتمال، وبطول الأناة وسعة الصدر.. يحتمل في سبيل ربح الناس كل كلمة جارحة، وكل صد يحتمل رفض الناس له، ويحتمل جدلهم ومناقشاتهم.. بل يحتمل تهكمهم أيضًا عليه من أجل الرب، من أجل خلاص النفس لأنه إن لم يحتمل، قد يخسر مواقف، وقد تفشل خدمته..! الخادم المتواضع يربح أقل الناس فهمًا، وأكثرهم عنادًا، وذلك بكياسته ولباقته، وعدم تعاليمه، وعدم توبيخه للناس، وحرصه علي مشاعر الكل.. أما الخادم الحكيم، أو غير المتواضع، أو الخادم الضيق الصدر، فإنه لثقته بذكائه أو بعلمه أو بمركزه، قد لا تعجبه أفكار وتصرفات الناس. فيكثر من توبيخهم حتى يخسرهم. وينتهر هذا، وينتقد ذاك، ويكلم ثالثًا بكلمة شديدة، أو ينصح بأسلوب جارح، أو بهزء وسخرية. ويعلق تعليقات قاسية علي طريقة تفكير غيره ومدي فهمه. هكذا يخسر الكل، لمقارنته في داخل قلبه بين ذكائه وضعف تفكيرهم..! كثيرون لهم عقول كبيرة، وفي نفس الوقت لهم قلوب صغيرة ونفسيات أصغر..! ولذلك يفشلون في الخدمة، لا بسبب العقل أو المعرفة، إنما بسبب القلب المحب لذاته، وبسبب النفس التي تضيق بسرعة، أو بسبب الأعصاب المتوترة. وفي كل ذلك لا تسعفهم عقولهم بحلول، لأن حالتهم النفسية لم تعط فرصة للعقل الكبير أن يتصرف. فقامت الأعصاب بقيادة الموقف. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
كن إنسانًا روحيًا، قبل أن تدخل الخدمة لتعلم الناس الروحيات. اعرف الطريق
|
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
العمل الإيجابي البناء في حياتنا الروحية وفي خدمتنا، علينا أن نهتم بأعمال البناء وبالأعمال الإيجابية. ولكن فيما نحن نبني حياتنا وحياة الناس، مشتركين مع الروح القدس في العمل، يتدخل الشيطان ليقدم لنا سلبيات لكي ننشغل بها عن عملنا الروحي البناء.. أما الإنسان الحكيم، فهو الذي لا يسمح للسلبيات أن تشغله وتعطله عن عمله الإيجابي. لذلك فهو يسلك في عمل البناء باستمرار، ويبعد عن الأمور السلبية، التي تدخله في صراعات لا تنتهي، ويفقد خدمته، ويتعطل عمله البناء.. في الواقع أن السيد المسيح نفسه، هو الذي وضع لنا قاعدة العمل الإيجابي وعدم الإنشغال بالسلبيات. في فتره تجسده علي الأرض، حينما بدأ خدمته، كانت هناك أخطاء كثيرة جدًا في المجتمع الذي عمل فيه.. كانت هناك أخطاء تحيط بالقادة: الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين والكهنة وشيوخ الشعب.. وهناك أخطاء أخري تحيط بكل من هيرودس وبيلاطس.. وبالعشارين ورؤسائهم، وبغير أولئك جميعًا. ولم يضيع السيد المسيح وقته في محاسبة كل هؤلاء، إنما كان يجيبهم إن تعرضوا له. وانشغل بالعمل الإيجابي. إنشغل بالوعظ والتعليم، وبالإشفاق علي المرضي وبالحزاني والمعوزين، وكان باستمرار "يجول يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس" (أع10: 38). "وكان يطوف كل الجليل، يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" (مت4: 23). "ويقول قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر1: 15). اشتغل وانشغل بتعليم الناس، وبرعايتهم.. "تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها" (مت 9: 36). كان يعظ علي الجبل، ووسط الزروع، وفي الطريق، وفي مواضع خلاء، وفي البيوت، وعلي شاطئ البحيرة، وفي كل مكان، ويشفق علي الناس ويهتم بهم، مع أنه "لم يكن له أين يسند رأسه" (لو 9: 58). لم يضيع وقته في مشكلة العشارين كيف يجمعون العشور بطريقة يظلمون فيها الناس، ولا شغل وقته بما يفعله حنان وقيافا ومجمع السنهدريم.. إنما كان شغله هو الشعب، وكيف يعلمه ويرعاه. وهكذا قدم لنا عمليًا المثل الذي يقول: بدلًا من أن تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة.. نعم. إن أضأنا شمعة، ينقشع الظلام دون أن نحاربه، ودون أن نعطل عملنا الإيجابي بسببه.. ولكن لعل أحدكم يقول: ولكن السيد المسيح وبخ الكتبة والفريسيين، وقال لهم: أيها القادة العميان. إنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون.. كيف تهربون من دينونة جهنم؟!" (مت 23: 13، 33).. وكذلك قال للكهنة "إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطي لأمه تعمل ثماره (مت 21: 43). ووقف ضد الصدوقيين والناموسيين (مت 22). كما أنه طهر الهيكل، وقلب موائد الصيارفة. وقال "مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعي، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (مت 21: 12، 13). فكيف نقول إنه لم تشغله السلبيات؟! لقد فعل السيد المسيح ذلك في الأسبوع الأخير، لكي يغير القيادات حتى لا تبقي كنيسته تحت سلطانها.. كل ذلك حدث ما بين أحد الشعانين وما قبل الفصح بيومين (مت 26: 2) قبل الجلجثة بأيام قليلة. وكان تغيير القيادات الدينية لازمًا قبل صلبه.. أما طوال سنوات الخدمة، فكان إهتمامه كله بالعمل الإيجابي في رعاية الشعب، وتكوين القيادات الجديدة التي يسلمها مفاتيح الملكوت. وخلال تلك السنوات لم يكن يحارب أولئك المنحرفين، بل هم الذين كانوا يحاربونه. فيرد عليهم ليشرح لهم الصواب هم والذين يسمعونه.. وهناك مثل عجيب قدمه لنا السيد المسيح عن الملكوت، وهو مثل الحنطة والزوان، وما يحمل من تعليم روحي.. قال إن "عدوًا جاء وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضي.." (مت 13: 25). فاقترح عبيد السيد أن يقلعوا الزوان من الحقل. فأجابهم "لا. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معا إلي الحصاد" (مت 13: 29). وفي يوم الحصاد يجمع الزوان ويحرق. نعم يا أخوتي، ليس عملكم أن تقلعوا الزوان، لئلا تقلعوا حنطتكم معه.. عملكم هو أن تنموا كحنطة. وعندما يأتي يوم الحصاد العظيم، ينظر الرب إلي حقولكم فيجدها مملوءة حنطة. فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة، وتمتلئ أهراؤه قمحًا. هذا هو العمل الإيجابي النافع.. أما إذا شغلتم وقتكم بجمع الزوان وخلعه من الأرض، فقد تتلفون أعصابكم، وتضيعون روحياتكم، وتقعون في أخطاء لا تعد.كاولئك الذين باسم الإصلاح، استخدموا أسلوب الشتائم والإدانة والتشهير، ووقعوا في الغضب والنرفزة، وفي الحقد والتحطيم، مع الصياح وعلو الصوت، وإعثار الآخرين بما يقولون.. وإذا بهم فيما يخلعون الزوان، صاروا هم زوانًا.. لأنه ما هي طبيعة الزوان إلا ما يفعلون..! أما روحياتهم فضاعت في غمرة الصراع. وخدمتهم توقفت وأعثرت. ولم يقدموا لا قدوة ولا إصلاحًا.. واختبروا واختبر الناس معهم حكمة ما قاله السيد المسيح: "لا. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه". إن كان الرب قد قال هذا عن الزوان الحقيقي، فماذا يقال إذن عن الذين يحسبون الحنطة زوانًا، لضعف رؤيتهم، فيتحمسون لخلع الحنطة، ويبقي الزوان وحده في الحقل!! ولا يجد صاحب الحقل شيئًا قد بقي له ليحصده ويضمه إلي مخازنه.. كونوا إذن حنطة. واحذروا من الإنشغال بجمع الزوان. إن الشغوفين بخلع الزوان يفقدون سلامهم القلبي، ويفقدون التواضع والوداعة، بل يفقدون أيضًا سلامهم مع الناس. وباستمرار تجدهم غاضبين متضايقين، ينفثون غضبهم في الكل. ولا يتحدثون إلا عن الأخطاء والنقاط السوداء. ويصورون الحال قاتمًا كئيبًا، ويتحولون إلي شرر من النار يحرق كل ما يصادفه في قسوة وعنف.. وفيما يفكرون في خطايا الآخرين، ينسون خطايا أنفسهم!! أما أنت يا رجل الله، فانشغل ببناء الملكوت في وداعة وهدوء، وفي محبة للكل، وبتواضع قلب. عملك الإيجابي كخادم هو أن تبني. وكما قال القديس بولس الرسول "ليكن كل شيء للبنيان" (1كو14: 26). واعرف أن الذي يبني، دائما يصعد إلي فوق. أما الذي يهدم، فهو دائما ينزل أو يهبط إلي إسفل.. واحذر وأنت تخلع الزوان من الأرض، أن تقلع الحنطة التي فيك، والتي في سامعيك.. أزرع الحنطة في كل مكان، واحسن انتقاء ما تلقيه من بذار، ازرع الحب في كل قلب، وقل كلمة عزاء ورجاء، وكلمة منفعة. حتى الأشرار، حاول أن تكسبهم بالحب. وليس معني هذا أن تخضع للباطل أو تجامله، فتنتقل من الضد إلي الضد. ولا تبدد طاقاتك في السلبيات، فإن الشيطان مستعد أن يقدم لك سلبيات في كل يوم، ليشغلك بها!! هو مستعد أن يقدم لك شائعات وأخبارًا في كل يوم، ومشاكل وصراعات ومضايقات. ويكشف لك أسرارًا وأفكارًا، إن أعطيتها مكانًا في ذهنك تتعب أعصابك ونفسيتك.. قل لنفسك: ما شأني بكل هذا؟! أنا وقتي مكرس لخدمتي. لا يجوز لي أن آخذ وقت الله، لكي أقدمه لمناقشة السلبيات.. أحب أن أضرب لك مثلًا بما حدث في تاريخنا الحديث من أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين. كانت هناك نقائص شديدة في الخدمة، بل لم يكن هناك وعاظ في الكنائس ولا كهنة متعلمون. ولذلك بدأت الطوائف تتأسس وتنمو علي حساب الكنيسة. وكثرت لذلك الإنشقاقات والصراعات الداخلية. البعض استخدم أسلوب الشتائم والإنتقادات والتجريح. والبعض دخل مع الكنيسة في صراع وصل إلي المحاكم وانفقت أموال طائلة في القضايا.. والبعض ظل يبكي علي سوء ذلك الحال.. وكل ذلك لم يجد نفعًا. لا انتفعت الكنيسة بالإنتقادات والتجريح، ولا بالإنقسام والقضايا، ولا بالبكاء.. فكيف تم الإصلاح إذن؟ تم الإصلاح عن طريق العمل الإيجابي الذي آمن به حبيب جرجس قائد الخدمة في القرن العشرين.. لم ينشغل بكل أخطاء زمانه. وإنما بدأ يعمل: حفر أساسًا ووضع فيه حجرين هما الإكليريكية ومدارس الأحد.وظل يبني. وأخذ البناء يرتفع. وتكوًن عدد كبير من الخدام يعملون في الوعظ والتعليم، في الكنائس وفي الجمعيات وفي مدارس الأحد وفي القري. وهو يرتل في قلبه للرب قائلًا" وأما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك". إنه لم ينتقد النقص، إنما عمل علي تزويد الكنيسة بالإحتياجات التي تنقصها.. وجد الكنيسة ينقصها الوعظ، حتى أن كثيرًا من الآباء الكهنة كانوا يقرأون من كتب الوعظ ولا كفاءة، فلم ينتقد ذلك ولم يملأ الدنيا بكاء علي الكنيسة، وإنما بدأ في إعداد الوعاظ والخدام. واستطاع أن يجعل طلبة الإكليركية ينشيءون جمعيات للوعظ أمكنها أن تؤسس 84 فرعًا في القاهرة والجيزة وضواحيها. ووجد أن الأطفال والشبان لا يجدون من يعلمهم، فلم ينتقد الكنيسة علي ذلك ولم يجرحها. وإنما أنشأ مدارس الأحد التي انتشرت في كل مكان. وبدأ يولف الكتب لتدريسها في المدارس العامة، وفي مدارس التربية الكنسية. ولما وجد الترانيم البروتستانتية بدأت تزحف وتجد مكانها في بعض الاجتماعات، أخذ ينظم تراتيل علي ألحان الكنيسة. وهكذا خدم في كل مجال. والآن نسي الناس كل السلبيات التي كانت موجودة. وثبت في ذاكرتهم العمل الإيجابي البناء الذي قام به حبيب جرجس، وقدًم به درسًا. وهنا أذكر عبارة وردت في قصة الخليقة: قيل "كانت الأرض خربة وخالية، وعلي وجه الغمر ظلمة" (تك 1: 2). فما الذي فعله الرب؟ لم يقل الكتاب إن الله لعن الظلمة والخراب. إنما قيل "إن روح الله كان يرف علي وجه المياه". ولم يقل الله: لا تكن ظلمة. إنما "قال الله فليكن نور، فكان نور" (تك1: 3). ورأي الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة" (تك 1: 4). والله يدعونا أن نكون نورًا. بل قال "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). وإن صرنا نورا، فسوف ينقشع الظلام من تلقاء ذاته، دون أن نلعن الظلام. العمل البناء هو العمل اباقي لنا ولغيرنا. والعمل الإيجابي كله ربح، لا خسارة فيه لنا ولا لغيرنا.. أقول هذا لكم، لأني رأيت في طريق الحياة أشخاصًا ينظرون بعيون لا تري إلا السواد. وأما النقاط البضاء فلا يرونها، ولا يتحدثون عنها. هم يبحثون عن الظلام، لكي يركزوا عليه وينتقدونه. وفي كل ذلك يفقدون بشاشتهم ووداعتهم وسلامهم الداخلي. وحديثهم عن الظلام يجعل سامعيهم يفقدون سلامهم أيضًا، ويفقدون فرحهم، ولا يرون الأرض إلا خربة وخالية. وعيون هؤلاء الناقدين لا تري روح الله يرف علي وجه المياه، ولا تسمع صوت الله يقول "ليكن نور" فكان نور.. حقًا، ما أجمل قول الكتاب:"ما أجمل قدميً المبشر بالخير، المخبر بالخلاص" (أش 52: 7) (نا 1: 15). لقد بدأ العهد الجديد بملائكة يبشرون بالخلاص ويحملون بشارة مفرحة، يقول فيها الملاك" أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعب" (لو2: 10). ليتكم إذن في خدمتكم تحملون للناس خبرًا مفرحًا. إن الشعب له من آلامه ما يكفيه، ويحتاج إلي كلمة عزاء تفرحه وتعطيه رجاء. افتحوا له إذن وطاقات من نور. وإن لم تجدوا نورًا علي الإطلاق، حاشا.. فكونوا أنتم نورًا له. كونوا أصحاب العمل الإيجابي البناء. وقدموا للشعب بعملكم وخدمتكم ما يفرحه. كونوا كالحمامة التي حملت لنوح ورقة زيتون خضراء. فعلم أن المياه قد قلت عن الأرض (تك8: 11). |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
العمل الفردي في العهد القديم لعله من أروع الأمثلة على أهمية العمل الفردي في الخدمة: أن الله نفسه – على الرغم من رعايته للعالم كله- اهتم بالعمل الفردي. في العهد القديم: الله يرسل ملاكه إلى الجب الذي أُلقي فيه دانيال، لكي يسدّ أفواه الأسود فلا تؤذيه (دا22:6). وكذلك يسير مع الثلاث فتية في أتون النار، فلا تكون للنار قوة لإحراقهم (دا25:3- 31). ويفتقد إيليا، وهو خائف، وهارب من الملكة إيزابيل، ويسأل عنه قائلًا له بصوت منخفض خفيف "مالك ههنا يا إيليا؟" (1مل12:19، 13). وكذلك يظهر ليعقوب وهو خائف وهارب من وجه أخيه عيسو، لكيما يعزي قلبه بكلمات المحبة والمعونة قائلًا له: "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض" (تك15:28). وبنفس العمل الفردي قام الرب بعملية إنقاذ، لكي ينجى سارة من الملك أبيمالك، وظهر له في حلم، وحذره وأنذره، وقال له "وأنا أمسكتك عن أن تخطئ إلىّ، لذلك لم أدعك تمسها" (تك3:20- 6). وكما كان للرب عمل فردي مع كل من هؤلاء لإنقاذه، أو منحه السلام، أو لإنقاذ الغير منه، كذلك كان للرب عمل فردي دعوة البعض إلى خدمته. فهكذا دعا الله أبانا إبرآم أبا الآباء والأنبياء، ليذهب إلى الجبل الذي يريه إياه، وباركه وجعله بركه، وقال له أيضًا "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تك1:12- 3). ودعا الرب موسى من وسط العليقة المشتعلة بالنار، ولما اعتذر عن ذلك بأنه ثقيل الفم واللسان وليس صاحب كلام، منحه أخاه هرون لكي يكون له فمًا. وقال له "تكلمه وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه. وأعلمكما ماذا تصنعان" (خر4:3)، (خر10:4- 16). ودعا الرب إرميا اليوم أيضًا "ولما اعتذر بأنه صغير السن، قال له "هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود جديد، وأسوار نحاس على كل الأرض..فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك – يقول الرب لأنقذك" (أر6:1- 19). ودعا الرب سائر الأنبياء، وكان معهم. وكان له عمل فردي مع كل منهم. وفي قصة يونان النبي، كان للرب عمل فردي معه، ومع أهل السفينة. وعمل فردي آخر مع مدينة نينوى. وهكذا في تلك القصة، كان العمل الفردي مع يونان هو قيادته إلى الطاعة وإنقاذه من جوف الحوت، وإقناعه وتخليصه من فمه. وكان عمله مع أهل السفينة، لقيادتهم إلى الإيمان، وتقديم ذبيحة له.. وعمله مع أهل نينوى هو لقيادتهم إلى التوبة والانسحاق، والإيمان به أيضًا، باعتبارهم من الأمم.. وهنا نلاحظ ملاحظة هامة وهي: عمل الله مع مدينة نينوى يعتبر عملًا فرديًا، إذا قيست بكل ما في العالم من مدن. ونفس الوضع يعتبر عمل الله مع شعب إسرائيل في العد القديم: من جهة قيادته لهذا الشعب، وإرسال الأنبياء والشريعة والعهود له، وكذلك ما أجراه معه من الآيات، وما أوقعه عليه من العقوبات.. إنه مجرد شعب واحد، إذا قيس بالشعوب العديدة في العالم كله. لاشك أن عمل الله معه، يعتبر بوجه المقارنة عملًا فرديًا. والأمثلة عن العمل الفردي في العهد القديم عديدة جدًا، من الصعب إيرادها الآن. ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: العمل الفردي للسيد المسيح. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
العمل الفردي للسيد المسيح كانت للسيد المسيح رسالة وسط الجموع والآلاف العديدة من الناس، مثلما حدث في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث كان الرجال فقط خمسة آلاف غير النساء والأطفال (مت21:14)، وقد قيل في أكثر من موضع أن الجموع كانت تزحمه (لو42:8، 45) (مر24:5- 31). وحدث مثل ذلك أيضًا في قصة شفاء المفلوج الذي حمله أربعة (مر2:2- 4). وعلى الرغم من كل ذلك، كان للسيد المسيح عمل فردي. إذ لم يشأ أن يضيع الفرد في زحمة الجموع. ومثالنا عمله مع زكا العشار. كان الجمع يزحم السيد المسيح. ولم يقدر زكا أن يراه بسبب الجمع، فصعد إلى جميزة. ووسط كل تلك الجموع والزحام، وقف السيد ونادي زكا باسمه، ودخل بيته "وحصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا إبن إبراهيم" (لو9:19). وتاب زكا، واعترف بأخطائه، ورد ما قد ظلم فيه الغير أربعة أضعاف. كذلك كان السيد المسيح عمل فردي مع نيقوديموس. قابله نيقوديموس ليلًا، وحدثه المسيح عن الميلاد من الماء والروح وعن ابن الإنسان الذي هو في السماء، وعن الخلاص (يو1:3- 21). وأثمر هذا اللقاء فآمن نيقوديموس، بل إنه اشترك مع يوسف الرامي في تكفين جسد المسيح (يو38:20- 40). ويذكر التاريخ إنه فيما بعد صار أسقفًا.. وكان للسيد أيضًا عمل فردي مع المرأة السامرية. قابلها عند البئر، وتحدث معها عن الماء الحي، وعن السجود لله بالروح والحق، وقادها إلى الاعتراف والتوبة وإلى الإيمان به. وقد تعجب التلاميذ من أنه كان يتكلم مع إمرأة (يو27:4). وأثمر هذا اللقاء فآمن نيقوديموس، بل إنه اشترك مع يوسف الرامي في تكفين جسد المسيح (يو38:20- 40). ويذكر التاريخ إنه فيما بعد صار أسقفًا.. وكان للسيد أيضًا عمل فردي مع المرأة السامرية. قابلها عند البئر، وتحدث معها عن الماء الحي، وعن السجود لله بالروح والحق، وقادها إلى الاعتراف والتوبة وإلى الإيمان به.وقد تعجب التلاميذ من أنه كان يتكلم مع إمرأة (يو27:4). ولكن حديثه معها كان له ثمرة، ليس فقط في حياتها الخاصة في إيمانها وتوبتها، بل أكثر من هذا إنها ذهبت لتبشر أهل السامرة، بأن هذا هو المسيح (يو28:4- 30). والإصحاح 15 من إنجيل لوقا، كله عن أعمال فردية لأجل التوبة. سواء عن الخروف الضال، الذي ذهب الراعي الصالح ليبحث عنه تاركًا التسعة والتسعين، حتى وجده وحمله على منكبيه فرحًا، أو البحث عن الدرهم المفقود، أو الفرح برجوع الإبن الضال وإقامة وليمة له، أو العمل الفردي لإقناعه أخيه الكبير الذي كان ساخطًا على الفرح برجوعه. ومن الأعمال الفردية أيضًا التي لها دلالتها: عمل السيد المسيح مع مرثا، حيث قال لها "أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد" (لو41:10، 42). وكذلك عمله مع المولود أعمى، بعد شفائه له، وقد طرده اليهود خارج المجمع. فظهر له الرب، ودعاه إلى الإيمان به، وأعلن له أنه إبن الله: فقال الرجل "أؤمن يا سيد، وسجد له" (يو35:9- 38). كذلك حديثه مع نثانائيل، لما قال له "قبل أن دعاك فيلبس، وأنت تحت التينة- رأيك. فآمن نثنائيل وقال له "يا معلم، أنت إبن الله" (يو47:2- 51). وما أكثر الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح، سواء مع تلاميذه الإثنى عشر، أو مع بطرس ويعقوب ويوحنا، أو حتى في قصة التجلي مع موسى وإيليا (مر2:9- 8). ومع أفراد كثيرين آخرين. ولا ننسى الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح بعد القيامة: حيث ظهر لتلميذي عمواس "وابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو27:24). كذلك ظهوره لتوما، وكيف نجاه من شكه، وأعطاه الفرصة أن يلمس جراحه، وقال له "لا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا" (يو26:20- 29). وبنفس الوضع ظهر لمريم المجدلية، التي ثلاث مرات تقول "أخذوا سيدي ولست أدري أين وضعوه" (يو2:20، 13، 15). فبكلامه معها آمنت بقيامته، بل أرسلها لتبشر التلاميذ مع مريم الأخرى (مت28). وظهر الرب بعد القيامة للتلاميذ، وأقنعهم بأنه ليس مجرد روح أو شبح، فالروح ليس له لحم وعظام، واراهم يديه ورجليه، وأكل قدامهم (لو36:24- 43). بل ظهر لهم أيضًا ومنحهم سرّ الكهنوت. نفخ في وجوههم، وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتم له خطاياه غفرت له، ومن امسكتموها عليه أمسكت" (يو22:20، 23). بل عمل أيضًا عملًا فرديًا مع بطرس، الذي كان حزينًا جدًا على إنكاره للمسيح قبل صلبه. فعزاه وقال له "أرع غنمي.. أرع خرافي" (يو15:21- 17). ومن أعظم الأعمال الفردية التي عملها الرب بعد صعوده: دعوته لشاول الطرسوسي. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
دعوة المسيح لشاول الطرسوسي ظهر له في طريق دمشق، وعاتبه قائلًا "شاول شاول لماذا تضطهدني؟! (أع4:9). وقاده إلى الإيمان، وأرسله إلى حنانيا فعمده (أع16:22). واختاره رسولًا للأمم (أع15:9- 18). وظهر له مرة أخرى في رؤيا الليل وهو في كورنثوس وقال له: "لا تخف، بل تكلم ولا تسكت. لأني أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك. لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة" (أع9:18، 10). كما أرسله مرة وقال له "اذهب فإني مرسلك بعيدًا إلى الأمم" (أع21:22). كذلك ظهر له مرة أخرى وقال له "ثق يا بولس، لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم، هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضًا" (أع11:23). وأطاع القديس بولس، وذهب إلى رومية ليؤسس كنيستها وأقام سنتين كاملتين في بيت أستأجره لنفسه. وكان يقبل جميع الذين يدخلون إليه، كارزًا بملكوت الله، ومعلمًا بأمر الرب يسوع المسيح، بكل مجاهرة بلا مانع" (أع30:28، 31). ولعل من أعظم الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح: عمله مع اللص اليمين. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
عمل المسيح مع اللص اليمين كيف كان تأثيره على ذلك اللص المصلوب معه، حتى آمن وقال له "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" فأجابه الرب "الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو42:23، 43). وأدخله معه فعلًا إلى الفردوس. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
أعمال فردية للرسل إن الرسل كرزوا في جميع الأمم وتلمذوهم وعمدوهم (مت9:28). بل كرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر15:16). ومع ذلك كانت لهم أعمال فردية: مثال ذلك عمل بولس وسيلا مع سجان فيلبي، في دعوته إلى الإيمان: "حيث كلماه وجميع من في بيته بكلمة الرب.. واعتمد في الحال هو والذين له أجمعون" (أع31:16- 33). كذلك عمل بولس مع ديونسيوس الأريوباغي (أع34:17)، الذي صار فيما بعد أسقفًا لأثينا.. كذلك عمله مع تلاميذ كثيرين صاروا من أعوانه في الخدمة فيما بعد.. ومن الأمثلة الجميلة في العمل الفردي: عمل فيلبس مع الخصي الحبشي. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
عمل فيلبس مع الخصي الحبشي فيلبس رأى ذلك الرجل في مركبته يقرأ سفر أشعياء، فسأله "أتفهم ما تقرأ ثم بدأ يشرح له، وبشره باسم يسوع. وانتهى ذلك اللقاء العابر، بأن اقبلا على ماء، فعمده، وذهب ذلك الخصي في طريقه فرحًا (أع27:8- 39). كذلك العمل الفردي الذي قام به بولس الرسول نحو ليديا بائعة الإرجوان التي تأثرت بكلامه وآمنت واعتمدت. واستجاب بولس الرسول لطلبتها، فدخل بيتها (أع15:16). وقيل إن بيتها صار كنيسة للرب في ثياترا. ومن الأمثلة التاريخية للعمل الفردي، عمل مار مرقس مع أنيانوس. وكيف أنه انتهز كلمة عن الله التي لفظها، فبشره وعمده، وصار أول من آمن على يديه في الأسكندرية، وصار بيته كنيسة. بل أصبح أسقفًا، وأول خليفة لمار مرقس. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
عمل فردي الآباء الرسل كان لهم عمل فردي، حتى في رسائلهم: مثال ذلك رسالة القديس بولس مع فيلمون. فقد كان فيها عمل فردي مع فليمون، وعمل آخر مع عبده أنسيموس الذي صيره القديس بولس أخًا وخادمًا نافعًا له في الخدمة، وتعهد بأن يوفي عنه دينونة.. (فل16- 18). كذلك رسالته أيضًا إلى تيموثاوس. بالإضافة إلى ما ورد فيها عن حياته وسلوكياته، بل عن صحته الجسدية أيضًا، إذ يقول له: "لا تكن بعد شريب ماء، بل خذ قليلًا من الخمر لأجل معدتك وأسقامك الكثيرة" (1تي23:5). والأمثلة كثيرة عن العمل الفردي في رسائل الآباء الرسل. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
مميزات العمل الفردي العمل الفردي يتميز عن العمل الجماعي بعدة أمور، نذكر منها: 1. فيه نوع من التركيز والتخصيص والفائدة المباشرة: ففي العظة التي تلقى في الكنيسة أو في أي إجتماع، يتكلم الخادم كلامًا عامًا لجميع الناس. ولكنه في العمل الفردي يكلم إنسانًا بالذات يمس الحياة الخاصة لهذا الإنسان، والظروف التي يمر بها. إنها خدمة مركزة، ونتيجتها واضحة. فما معنى عبارة "نتيجتها واضحة"؟ أي أنه في العظة العامة، لا يعرف الواعظ ماذا كان تأثير كلامه، وهل أتى بنتيجة أم لا. أما في العمل الفردي، فيرى النتيجة أمامه. إنه يكلم شخصًا يرى أمامه مدى استجابته أو رفضه، ومدى تفاعله مع الكلام الذي يسمعه، وإن كان له إعتراض يبديه.. 2. العمل الفردي يتميز أيضًا بمكافأة خاصة، لأنه عمل في الخفاء. العظات العامة، والفصول الكبيرة في التربية الكنسية، والخدمة في القرى، لها وضوح وهي ظاهرة أمام الكل. وقد يوضع جدول لها يبين إسم الخادم وخدمته وموعدها. أما العمل الفردي، فهو في الخفاء، لا يحس به أحد، ولا ينال إعجابًا من جمهور. ولكن كما قال السيد الرب "أبوك الذي يرى في الخفاء، هو يجازيك علانية" (مت4:6، 6). 3. كذلك العمل الفردي، يحمل أيضًا تواضعًا في الخدمة. هناك أشخاص لا يخدمون إلا على مستوى معين!! إما في إجتماع كبير، أو كنيسة كبيرة، أو مكان له شهرته.. وإلا فإنهم يعتذرون عن الخدمة..! أما العمل الفردي فإن فيه اتضاعًا، لأن الخادم يكلم فيه شخصًا واحدًا، في بعد عن الشهرة، فهي خدمة تعطي، وفيما يبدو لا تأخذ شيئًا.. 4. العمل الفردي يتميز بحب أكثر، وبإهتمام أكثر. فيه عنصر المبادرة وعنصر الإهتمام. ففي العظات العامة يذهب الناس إلى الكنيسة. أما في العمل الفردي، فالخادم هو الذي يذهب إلى المخدومين، وليسوا هم الذي يأتون إليه. وحتى إن أتى بعضهم، فإنه يجد إهتمامًا خاصًا. العمل الفردي هو حب الناس. هو إدراك لقيمة النفس الواحدة. هو إدراك عملي لقيمة النفس التي مات المسيح لأجلها. وكان ثمنها هو دم المسيح. وهو إنتشال لهذه النفس من النار، كما قال الرسول "وخلصوا البعض بالخوف، ومختطفين من النار" (يه23). وكما قال ملاك الرب عن يهوشع وهو ينقذه من الشيطان الذي يقاومه "أفليس هذا شعلة متشلة من النار" (زك2:3). وما أعمق قول معلمنا يعقوب الرسول "من ردّ خاطئًا عن ضلال طريقه، يخلص نفسًا من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يع20:5). 5. وربما عمل فردي تكون له خطورته، ويتحول إلى عمل عام كبير. مثل عمل السيد المسيح مع شاول الطرسوسي، في عتابه له وهدايته، وفي دعوته أيضًا. وكيف أنه بهذا العمل الفردي، تحول شاول إلى طاقة جبارة في العمل الكرازي، وتعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو10:15). فما أدراك. ربما هذا الفرد الذي تخدمه يصير شيئًا كبيرًا فيما بعد.. 6. أيضًا في العمل الفردي، تأخذ خبرة روحية عميقة. خبرة لا تستطيع أن تحصل عليها في العمل العام. فأنت تعرف خلالها طبيعة النفس البشرية وحروبها، وما تقف أمامها من عوائق عملية في طريق الفضيلة.وترى الفارق بين التعليم النظري الذي يقال للجماعات، وبين شخص تكلمه فيرد عليك، وتأخذ وتعطي معه في الحديث. وتشرح له الفضيلة، فيشرح لك العقبات العملية التي تقف أمام التطبيق.. 7. لذلك فالعمل الفردي يتميز بالناحية العملية أكثر من العمل الجماعي. والإنسان الذي له خبرة سابقة أو حالية في العمل الفردي، يستطيع في عمله الجماعي أو في العظات العامة أن يكون أكثر فعالية، وأن يمس كلامه مشاعر الناس، ويكون علميًا في تعليمه يتحدث عن الواقع الذي يعيشه السامعون، ولا يقول كلامًا نظريًا. وفي خدمة الكهنوت، يوجد العمل الفردي والعمل الجماعي، كلاهما معًا. العمل الجماعي في الصلاة العامة، وفي العظات العامة والخدمات العامة. أما العمل الفردي ففي الإعترافات، وفي حل مشاكل الناس، وفي الزيارات والافتقاد. إنه يتعامل مع الكل، ومع كل فرد على حدة. ومن الجائز أن العمل الفردي لا يكون مع فرد واحد. من الجائز أن يكون مع إثنين معًا، يصلحهما أو يدبر حياتهما المشتركة، أو يوفق خدمتهما. أو يكون العمل الفردي مع أسرة كاملة، ولكن لها طابعها الفردي بالنسبة إلى باقي الأسرات. أو مع مجموعة من الناس، مع مجلس جمعية مثلًا.. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
مجالات العمل الفردي من الممكن أن يوجد عمل فردي في مجال الأسرة. مثلما يقول الكتاب "أما أنا وبيتي فنعبد الرب" (يش15:24).. ومثلما قال الرب عن وصاياه "قصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك" (تث7:6). فهل أنت لك خدمة روحية وسط أفراد أسرتك؟ أم علاقتك بهم مجرد علاقة إجتماعية عائلية! أم علاقة إحتكاكات أحيانًا!! هل افتكرت أن توصل أخاك الصغير إلى الله؟ أو أن تقود أحد أقربائك إلى حياة التوبة، أو تعلمه العقدية السليمة؟ إنه عمل فردي. يمكن أن يكون العمل الفردي في مجال الجيران أو المعارف. إن كنت شخصًا روحيًا، ولك جيران أو أصدقاء، فهل استفادوا من روحياتك؟ هل تمر حياتك الروحية مرورًا عابرًا على الآخرين، دون أن تترك فيهم أثرًا، ويكون وجودك وسطهم بلا ثمر؟! هل كل أحاديثك معهم خالية من الله؟ أم تراك تتحاشى ذلك أو تخجل منه، لئلا يتهموك بأنك متدين؟! ونفس الكلام يقال عن زملائك في العمل أو في الدراسة. وأيضًا عن زملائك في النادي، أو في أي نشاط اجتماعي. ما هي خدمتك الفردية وسط كل هؤلاء؟ هل استطعت أن تجذب أحدًا إلى طريق الله، أو حتى أن تدعوه إلى إجتماع في الكنيسة؟ يعجبني فيلبس، أنه وهو سائر في الطريق، كان له عمل عميق مع الخصي الحبشي. قدّم له الإيمان وعمده، وذهب في طريقه فرحًا (أع38:8، 39). وأنت كم من الناس قد قابلتهم في طريق الحياة، دفعهم الله إلى طريقك. فهل قدّمت لأحد منهم كلمة روحية، أو أية كلمة منفعة، أو دفعة إلى قدام.. ما أعجب خدام الرب الحقيقيين. إنهم مميزون بشهادتهم للرب (أع8:1). أشخاص كثيرون يتقابلون معك.واحد منهم يقدم لك عمله ومعرفته، وآخر يقدم لك ذكاءه، وثالث يقدم ظرفه ولطفه، ورابع يقدم خدمة. أما هذا النوع المميز، فيقدم لك المسيح، بلباقة ولطف فتشعر باشتراك المسيح معكما.. المسيح، بلباقة ولطف فتشعر باشتراك المسيح معكما.. قد يكون ذلك في أية مناسبة، في زيارة، في مرض، في تعزية، في معايدة.. في لقاء عادي، يحوله هو إلى لقاء روحي، بأسلوب هادئ طبيعي.. وهنا أتذكر أعماقًا مذهلة في لقاءات القديسين. لعل في مقدمتها لقاء مريم العذراء مع إليصابات. أكان لمجرد خدمة تلك العجوز في الشهور الأخيرة من حملها؟ أم أننا نقف امام هذه العبارة الجميلة "فلما سمعت إليصابات سلام مريم.. إمتلأت إليصابات من الروح القدس" (لو41:1).. وكان لقاء نبوءة وكشف إلهي، وتسبيح وكلام روحي. ماذا أيضًا عن اللقاء بين القديس الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا.. وماذا عن اللقاءات بين القديسين التي كانوا يتكلمون فيها بعظائم الله، وإسمه على ألسنتهم. وكما تقول التسبحة "اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك". ولعلك تقول: من يسمع؟ ومن يقبل؟ ومن يفهم؟ كلا يا أخي. تكلّم أنت، وأترك النتيجة إلى عمل الله في القلوب. المهم أن تنطق بكلمة الله في حكمة. وثق أن كلمة الله لن ترجع فارغة. بل كما قال السيد الرب "هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إلىّ فارغة، بل تعمل ما سررت به، وتنجح فيما أرسلتها له" (أش11:55). إذن أحرص فيما تخدم، أن يكون الله متكلمًا على فمك. أما عن النتيجة، فاذكر قول الكتاب: "إرم خبزك على وجه المياه، فإنك تجده بعد أيام كثيرة" (جا1:11). هناك نفوس تحتاج إلى مدى زمني، حتى تقبل كلمة الله، وحتى يمكن أن تأتي الكلمة فيها بثمر.. والأمر يحتاج إلى صبر ومثابرة. إن كل نفس تعمل معها عملًا فرديًا، لها ظروفها الخاصة، وعقليتها الخاصة، ولها ماضيها وحاضرها، وبيئتها وضغوطها، ولها مشاعرها وأحساسيسها ومفاهيمها. وليست كل نفس تنفعها نفس الكلمة. لذلك فإن العمل الفردي يحتاج إلى حكمة، تتخير الكلام المناسب، والأسلوب المناسب، ونوع المعاملة. إن كانت بصدد مشكلة معينة معروفة، يمكن أن تطرقها بطريقة مقبولة. أما إن كنت بصدد هداية عامة، فربما لا يصلح الأسلوب المباشر الذي تفرض به العمل الروحي فرضًا، بطريقة غالبًا لا تقبلها ولا تستسيغها النفوس التي لم تتعودها إنما يترقب الشخص المناسبة التي يقول فيها الكلمة الروحية بحيث تبدو طبيعية جدًا غير مصطنعة.. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
لاحظ نفسك والتعليم | لمن | لماذا "لاحظ نفسَك والتعليم" (1تي16:4). من قالها؟ ولمن؟ من قال هذه العبارة "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا، تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1تي16:4) القديس بولس الكارز العظيم، الذي اختبر الخدمة في عقمها، واختبر الحياة الروحية في عمقها، الذي في الخدمة تعب أكثر من جميع الرسل (1كو10:15) وفي الروحيات صعد إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس (2كو2:12، 4).. بولس هذا يكتب إلى تلميذه تيموثاوس أسقف أفسس، الذي سكن فيه الإيمان العديم الرياء، وفي أسرته، أمه وجدته من قبل، وهو منذ الطفولة يعرف الكتب المقدسة (2تس15:3).. يكتب إليه فيقول له "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. لأنك إن فعلت ذلك تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1تي16:4). ومع أنه في الأسقفية محاط بأعباء ومسئوليات ضخمة، وبخاصة في بلد كأفسس، ليست الخدمة فيها سهلة إذا قال القديس بولس نفسه "حاربت وحوشًا، في أفسس" (1كو32:15).ولكن على الرغم من كل مسئوليات الخدمة الملحة، يقول له معلمه "لاحظ نفسك". ويقول "لاحظ نفسك" أولًا قبل التعليم، ويرى هذا لازمًا لخلاصه ولخلاص أنفس الناس "لأنك إن فعلت ذلك، تخلص نفسك والذي يسمعونك أيضًا".. إنها قاعدة أساسية يقدمها الرسول للجميع، سواء كانوا خدامًا أو أشخاصًا عاديين، ولكن الخدام يمسهم هذا الأمر بعمق أكثر فلماذا؟ |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
لاحظ نفسك، لماذا؟ لأن هناك خدامًا كثيرين، وصلوا إلى مستوى كبير من شهرتهم وفي نشاطهم وفي سعيهم وراء الآخرين. وصارت لهم أسماء رنانة.. ومع ذلك نسوا أنفسهم وضاعوا. هم يخدمون من الخارج فقط.. ولكن داخلهم مفقود!! بعض هؤلاء الخدام كانوا يهتمون بانفسهم قبل أن يصيروا خدامًا. فلما بدأوا الخدمة زحف الفتور إلى قلوبهم. لأنهم ظنوا أن مهمتهم صارت الإهتمام بالأخرين وليس بأنفسهم هم والبعض منهم وهؤلاء يقول الرسول لكل منهم: "لاحظ نفسك والتعليم".. ولماذا؟ "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مت26:16). ماذا يستفيد هؤلاء الخدام الذين يميتون أنفسهم في الخدمة، وإذ يهملون أنفسهم يخسرون الملكوت؟ ويظن الواحد منهم وهو في الخدمة، أنه قد أخذ راحيل، ثم ينظر فإذا هي ليئة.. خدام كثيرون وجدوا أنهم في الخدمة قد دخلت إلى حياتهم مشاكل وصراعات وإدانات ما كانوا يعانون منها من قبل. حقًا إن الخدمة ليست في جوهرها سببًا لكل هذه المشاكل والصراعات ولكن الذي لا يلاحظ نفسه، قد يصل إلى هذه الوضع أو إلى ما يشبه. ويجد أنه في الخدمة قد كثرت أخطاؤه، ونبتت خطايا جديدة لم يكن يشكو منها، أو كانت خافية ثم ظهرت. وربما يبدو أن الخدمة قد أصعدته إلى فوق، بينما هو في حقيقة الأمر قد هبط إلى أسفل، سواء شعر بذلك أو لم يشعر!! كلما يكبر في الخدمة تزيد مشغولياته وقد تزيد أيضًا أخطاؤه وكلما تزداد مسئولياته تمتص وقته كله، وبالتالي يهمل نفسه ولا يعطيها الغذاء الروحي اللازم لها. وهكذا ينزلق إلى تحت. وإن نصحته بترك الخدمة لكيما يلتفت إلى نفسه، ويحزنه ذلك جدًا، لأن الخدمة صارت بالنسبة له كل شيء في حياته، لا مكنه أن يحيا في المجتمع بدونها وليت مثل هذا الخادم يدرك حقيقة هامة وهي: الذي يوصل إلى الله، ليس الخدمة بل القلب النقي.. والخدمة الحقيقية ليست هي الخدمة التي تقل فيها روحيات الإنسان، وتظل تقل حتى تنتهي، لأن الإنسان عاش فيها بعيدًا عن نفسه. كل همه خارجها ينسى عبارة "ملكوت الله داخلهم" (لو21:17). ويحسب أن الملكوت هو خارج نفسه، وسط الناس..! في عمق أعماق الخدمة، كان القديس بولس الرسول يلاحظ نفسه ويتهم بروحياته. ولذلك أستطاع أن يقول في صراحة تامة: "أقمع جسدي واستعبده، حتى بعدما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو27:9). ما أخطر هذه العبارة وما أوجعها أن يصير إنسان مرفوضًا من الله، على الرغم من كرازته للآخرين.. يصير كالجسر الذي يوصل من شاطئ إلى شاطئ بينما هو قابع مكانه لا يتحرك، ولا يصل إلى الشاطئ الآخر.. أو يصير كأجراس الكنائس التي تدعو الناس أن يدخلوا إلى الأقداس دون أن تدخل هي.. ليتك تخاف من عبارة "لئلا أصير أنا نفسي مرفوضًا"! إذن لاحظ نفسك لأن هناك خدامًا حياتهم الروحية لها شكل هرمي يرتفع أولًا حتى يصل إلى قمته، ثم ينحدر إلى أسفل نازلًا من ارتفاعه!.. يصبح وقتهم ليس لهم، وأهتمامهم أيضًا ليس لهم، وكذلك عاطفتهم.. كل الوقت والإهتمام والعاطفة يتحول إلى ما يسمونه الخدمة! أما روحياتهم الخاصة، فلا يجدون لها وقتًا على الإطلاق، ولا توجد رغبة في قلوبهم للإهتمام بها..! وربما يظن بعضهم أن هذا لون من بذل الذات لأجل الآخرين! بذل الذات فضيلة بلاشك.ولكن بذل الروحيات خطيئة وضياع.. ويوحنا المعمدان: عندما قال "ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص" (يو30:3). لم يقصد ملطقًا أنه ينقص في الروحيات أو محبة الله! كلا، بل ينقص من جهة الكرامة والخدمة والظهور. أما روحياته فكانت تزيد باختفائه لكي يظهر المسيح مكانه، ويتولى دفة الكنيسة بنفسه، يتسلم العروس.. وهكذا كان يوحنا يزيد فيما كان يبدو أنه ينقص!.. كان يزيد في اتضاعه وفي محبته لله وفي إيمانه بالمسيح وعمله.. لاحظ نفسك. فإن وجدت روحياتك تقل في محيط الخدمة، اتخذ موقفًا لانقاذ نفسك: لا تقطع من روحياتك لكي تعطي للخدمة وأيضًا لا تقطع الخدمة وتوقفها من أجل روحياتك.. إنما أقتطع من الوقت الضائع وقدمه لروحياتك، واقتطع أيضًا من مشغولياتك العالمية أو العلمانية لكي تهتم بروحياتك. قم من غفلتك هذه، وافهم الخدمة على حقيقتها إنها ليست دوامة تدور فيها نفسك، دون أن تعرف أني أنت! |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
أمثلة للضياع في الخدمة https://st-takla.org/Gallery/var/albu...en-Deacons.gif تحت هذا العنوان نقدم نوعين: نقدم أمثلة من أشخاص، وأمثلة من أخطاء. الأبن الضال الكبير (لو15) كان مثلاً واضحاً حينما رفض أن يشترك في الفرح برجوع أخيه، بل احتج على ذلك، وكلم أباه بروح الإنتقاد والشكوى والتذمر، قائلاً له "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم تعطني جدياً لأفرح به مع أصدقائي، وإبنك هذا" وإذا به بعد سنين هذا عددها في الخدمة، يصل إلى هذا المستوى الساقط! فهو مركز حول ذاته، وهو ساخط على وضعه، ويقارن نفسه بأخيه، ويغضب لأن أخاه في موضع الرضى وقد فرح به كل أهل البيت.. بينما هو ليس في شركة مع الآب! وما أكثر الخدام الذي يعيشون في نفس هذا المشاعر، على الرغم من طول خدمتهم. لذلك يقول الرسول لكل منهم: لاحظ نفسك.. في الخدمة أيضاً سقط سليمان، مع أنه كان من قبل ممتلئاً حكمة.. وكان قد بدأ خدمته بروح عجيبة، وقام بأعمال عظيمة. وتراءى له الله مرتين: في جبعون وفي أورشليم. ولكنه إذ لم يلاحظ نفسه سقط (1 مل 11). وأبونا داود أيضاً الذي حلَّ عليه روح الرب (1 صم 16)، وكان رجل صلاة ومزامير، إذ لم يلاحظ نفسه لما كبر في الخدمة، سقط أكثر من مرة وتاب.. ديماس كان خادماً كبيراً من أعوان بولس الرسول، وإذ لم يلاحظ نفسه سقط وانتهى (2 تي 4: 10). ونيقولاوس كان أحد الشمامسة السبعة المملوئين من الروح القدس وسقط! هناك أمور عديدة يسقط فيها الخادم الذي لا يلاحظ نفسه، وفي مقدمتها الكبرياء. الخادم الروحي يحتفظ بتواضع قلبه ويحب كل حين أن يتعلم ويزداد معرفة. ولكن يحدث أن البعض حينما يكبرون تكبر قلوبهم، ويفقدون تلمذتهم. ثم يعتزون برأيهم الخاص وبأفكارهم الخاصة. ولا يسترشدون بأحد. وقد يسألون أحياناً أحد المرشدين لمجرد معرفة رأيه، دون التقيد بالسير حسب هذا الرأي؟ ثم يتطورون من حب التعلم واستلهام الطريق إلى المناقشة والمجادلة، ثم إلى المعارضة والتشبث بالرأي، ثم إلى الإدانة وتحطيم الغير. وبعضهم قد ينتهي به الأمر إلى التأله، فيقدم فكره وكأنه عقيدة ولا يقبل مناقشة فيه ولا يتحمل معارضة، ويثور على كل من يخالفه في شيء من الخدمة . ويأتي وقت قد يفرض فيه رأيه فرضاً. ويصف كل من يخالف الرأي بالعناد والعصيان.. أليس من الأصلح لمثل هذا الخادم أن يلاحظ نفسه أولاً ليرى أين هو؟ وإلى أين يسير؟! وكثير من الخدام كلما كبروا، يلاحظ أن أعصابهم قد ضعفت، واصبحوا يثورون! تكثر أنتهاراتهم للغير، ويكثر توبيخهم وعضبهم. ولا يعودون يحتملون أخطاء الغير. وإن نبهوهم إلى هذه الأخطاء، يكون تنبيههم في عنف، وربما بأسلوب جارح وفي غير إحترام لشعورهم، وتكثر إدانتهم للآخرين. وفي كل ذلك يفقدون وداعتهم ويفقدون اتضاعهم.. وتضيع صورتهم البشوشة ومعاملتهم الطيبة.. وبعض هؤلاء يكثر صياحه ويعلو ه، ويكثر أمره ونهيه ويملكه روح التسلط. ومثل هذا يحتاج بلا شك إلى عبارة "لاحظ نفسك" قوانين الكنيسة تشترط في الأسقف أنه لا يكون غضوباً. وهذا هو تعليم الكتاب أيضاً (تي7:1). وهذا الوصف أيضاً للقسوس والشمامسة وكل الخدام.. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
كيف تلاحظ نفسك؟ 1. ضع هذا في فكرك وقلبك باستمرار أنك تهتم بنفسك وأبديتك. وأن النعيم الأبدي لا يمكن أن تناله إلا بنقاوة القلب وعمق صلتك بالله. وأنك إن خسرت نفسك خسرت كل شيء وإن ربحتها ربحت كل شيء. 2. واعرف أنك إن لاحظت نفسك سوف تلاحظ التعليم أيضًا. بل إن نفسك ذاتها هي التعليم. هي الدرس والقدوة والعظة والنموذج الحي.. الأم والأب هما أول درس يتلقاه الطفل في حياته الروحية. والزوجة المتدينة هي درس عملي لزوجها.. تجذبه معها إلى الله والخادم أو المدرس هو الدرس والقدوة بالنسبة إلى أولاده وتلاميذه. يتعلمون من حياته أكثر مما يتعلمون من عظاته.. 3. لذلك إن أردت أن تهتم بتلاميذك وتهتم بالتعليم، ضع أماك قول الرب: "من أجلهم أقدس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو17). وطبعًا هذه العبارة تؤخذ على الرب بمعنى، وعلى الخدام بمعنى آخر. المهم أن تتقدس حياتك للرب كلما تكون خدمتك ناجحة ومثمرة. لأنك لا يمكن أن تعطي غيرك من فراغ. وإنما كن كما نقول دائمًا في مجال الخدمة "لا يفيض إلا الذي إمتلأ". فليكي تفيض على غيرك ينبغي أن تمتلئ أولًا.. 4. ولكن لا يمكن غرضك من الإمتلاء هو أن تفيض على غيرك. إنما امتلئ لأن هذا الإمتلاء متعة روحية لك.. إمتلئ بالحب، امتلئ بالروح، أمتلئ بالمعرفة، لأن الحب هو حياتك وفكرك. ومعرفة الله هي أعمق تغذي الروح وتعطيها متعة روحية، هنا وفي الأبدية (يو3:17). إقرأ من أجل روحياتك، وليس لكي تحضر درسًا، أو لكي تنفع الآخرين بمعلوماتك! 5. وعندما تلاحظ نفسك، لاحظ أفكارك ومركز الله فيها. استوقف عقلك بين الحين والحين، لكي تعرف أين تجول أفكارك. وإن سرحت أعرف في أي موضوع تسرح ولماذا؟ وماذا تختبئ وراء ذلك من مشاعر. وتذكر أن الأب الكاهن يسأل الشعب في القداس الإلهي ويقول لهم: "أين هي عقولكم؟" فيجيبونه قائلين" هي عند الرب" ليت هذه الإجابة تكون صادقة وسليمة في كل وقت. ولتكن لك باستمرار يقظة العقل.. وإن سرحت بك أفكارك، اجمعها بسرعة وقل لنفسك "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز3). وليتك تقول في ذلك أيضًا "أنا استيقظ مبكرًا" (مز56). 6. وكما تلاحظ افكارك.. لاحظ حياتك كلها، وتصرفاتك.. لاحظ تعاملاتك مثلًا مع الناس.. ولاحظ مدى روحانية تصرفاتك. وفي كل خطوة تخطوها إسأل نفسك- أين أنا الأن؟ حاسب نفسك جيدًا. بدون تبريرات وبدون أعذار ولا تجامل ذاتك في أمر من الأمور وأذكر قول القديس مقاريوس الكبير "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك..". 7. لاحظ أيضًا أهدافك وكذلك وسائلك: هل لك أهداف عالمية؟ هل ذاتك؟ هي أهم أهدافك؟ أم لك هدف واحد هو الالتصاق بالله.ومعه لا تريد شيئًا على الأرض؟ وهل أنحرفت بك الأهداف؟ هل أصبح من أهدافك المال أو الشهرة أو السلطة أو العظمة أو الترف أو مجرد العلم والمعرفة؟ وما هي الوسائل التي تحقق بها أهدافك؟ أهي وسائل روحية؟ أم دخل فيها التحايل والخطأ؟ 8. لاحظ مستواك: أهو المستوى الجسداني؟ أم المستوى الروحي؟ أم الاجتماعي؟ قد تكون فضائلك كلها إجتماعية لا دخل للروح أو لمحبة الله فيها. وقد تكون مجرد فضائل جسدانية بلا روح. وربما لا تكون قد وصلت إلى هذا المستوى أو ذاك. فليتك تعرف أين أنت؟ وتعرف مدى ممارستك لوسائط النعمة. 9. لاحظ أيضًا أخطاءك.. لا تجعلها تمر عليك سهلة.. أو بدون علاج.. الإنسان الروحي قد يسقط، ولكنه يدرك سقطته ويندم عليها. وبسرعة يقوم. كما أنه يحتاط للمستقبل حتى لا يتكرر سقوطه. فهل أنت كذلك؟ أم أنك تسقط وتستمر في سقوطك. وقد تتحول إلى أسوأ. أو قد تتأقلم مع الأخطاء وتصبح عادات لك. أو تدخل في طباعك فتتطبع بها. وتحاول أن تفلسفها. وتبررها كسلوك سوي..! 10. لاحظ نفسك أيضًا من جهة النمو الروحي. الحياة الروحية هي رحلة نحو الكمال.. يتقدم فيها الإنسان باستمرار. حتى يصل إلى الصورة الإلهية التي خلق بها (تك27:1). فهل أنت في كل يوم تمتد إلى قدام؟ أم وصلت إلى مستوى معين في الروحيات وتجمدت عنده؟ أنظر إلى نفسك؟ هل أنت سائر في الطريق الروحي؟ أم أنت واقف؟ أم أنت راجع إلى الخلف؟ وهل تنمو من جهة الكمية والنوعية؟ أم هو نمو شكلي؟ كمن يزيد عدد صلواته، ولكن بغير عمق، بغير روح، بغير فهم ولا تأمل، بغير حرارة ولا خشوع، بغير إيمان بغير اتضاع!! |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
لاحظ نفسك و التعليم والتعليم ليس مجرد رسميات. والخدمات كذلك ليست هي وظيفة. الدين هو حب ينتقل من قلب إلى قلب، وإيمان يتسلمه جيل من جيل.. والدين هو قدوة تنتقل من حياة إلى حياة، وهو ملكوت الله ينتشر وينمو. وهو غيره مقدسة تشتعل في قلب فتشعل بلهيبها قلوبًا أخرى.. والخادم الروحي هو إنسان إلتصق بالله "والله محبة" فامتلأ بالحب نحو الله والناس. هذه هي الخدمة التي ينبغي أن تلاحظها. ومن جهة التعليم فينبغي أن يكون تعليمًا سليمًا، كما قال القديس بولس لتلميذه تيطس "تكلم بما يليق بالتعليم الصحيح" (تي1:2). فلا يكن تعليمك فكرًا شخصيًا، ولا تعليمًا منحرفًا، ولا مجرد عقيدة أبتكرتها. فتعدد مدارس التعليم أوجد البدع والهرطقات. وكما يكون تعليمك سليمًا، ينبغي أن يكون أيضًا تعليمًا دسمًا يشبع سامعيك. كما يجب أن يكون مناسبًا لهم، متدرجًا مع مستواهم. ويكون تعليمًا نقيًا من الشتائم ومن التوبيخ. يشعر كل من يسمعه أن الروح هو الذي يتكلم على فمك، وهو الذي أعطاك ما تتكلم به. لاحظ التعليم الذي تعلّمه لغيرك بحيث يكون تعليمًا كتابيًا يستند على كلمة الله التي تحكمك للخلاص (2تي15:3).وكما قال القديس الأنبا أنطونيوس "كل ما تقوله ينبغي أن يكون لك عليه شاهد من الكتب". وليكن تعليمك أيضًا تعليمًا رسوليًا حسب التقليد الذي تسلمناه من الآباء (2تي2:2)، ليكن تعليمًا آبائيًا حسبما تعلمناه من آبائنا القديسين. لا تعتمد على فكرك الخاص، لئلا تضلك الأفكار. وكما قال الكتاب "وعلى فهك لا تعتمد" (أم5:3). وإنما أنظر ماذا قال أباؤنا الذين تكلموا بالروح. وليكن تعليمك أيضًا كاملًا. فلا تذكر أنصاف الحقائق، واحذر من خطورة استخدام الآية الواحدة. فالكتاب كله تعليم متكامل.. وليكن تعليمك أيضًا مؤثرًا وجذابًا، ومشوقًا لسامعيك. يفرح به تلاميذك "كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119).. تمتصه الروح في بهجة قلب، ويشع به الفكر. وإن لاحظت نفسك والتعليم، ماذا تكون النتيجة؟ |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
تخلص نفسك لا تنسَ نفسك وسط اهتمامك بالآخرين وتعليمهم. وينبغي أن تشعر أنك تحتاج إلى التعليم مثلهم، وتسعى إلى الخلاص أيضًا مثلهم إن كانت القديسة العذراء قد قالت "تبتهج روحي بالله مخلصي" (لو47:1). فماذا تقول أنت عن نفسك؟ أنت محتاج إلى الخلاص أيضًا، كما كان يحتاج إليه القديس تيموثاوس الأسقف الذي كتب له هذه العبارة. ولا تظن أن عملك في الخلاص هو خاص بخلاص الآخرين، وإنما بنفسك أيضًا. لذلك لاحظ نفسك، لكي تتمم خلاصك بخوف ورعدة كما يقول الرسول (في12:2). وأنصت إلى القديس بطرس وهو يقول "سيروا زمان غربتكم بخوف" (1بط17:1). إنك لا تستطيع أن تعمل على خلاص غيرك، طالما أنت نفسك لم تسر في طريق الخلاص بعد، ولا يمكنك أن تعلم غيرك التدقيق في الحياة الروحية، إلا إن كنت أنت نفسك مدققًا، أعني إن كنت تلاحظ نفسك، وتلاحظ كيف تطبق التعليم في حياتك الخاصة.. وحينئذ كما تلاحظ نفسك وتعمل على خلاصها. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
تخلص الذين يسمعونك أي تقودهم في طريق الخلاص، وبالتعليم السليم، وبالقدوة الصالحة التي تقدمها لهم في ملاحظتك لنفسك وإهتمامك بها.. فيقلدون حياتك وسيرتك، كما كان يفعل القديس تيموثاوس بالنسبة إلى معلمه القديس بولس الرسول (2تي10:3، 11). هذا هو السلوك السليم الذي ينبغي أن يسلكه كل خادم. أما الذي لا يهتم بنفسه، ولا بالتعليم، فإنه يضيع نفسه والذين يتتلمذون عليه أيضًا. فإن لاحظت نفسك والتعليم، استمر هكذا، وكما يقول الرسول: داوم على ذلك. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
داوم على ذلك لأن كثيرين بدأوا خدمتهم باهتمام وحرص، ثم فتروا في حياتهم، وفترت خدمتهم أيضًا، وفتر تأثيرهم على غيرهم!! أما أنت يا رجل الله فلا تكن هكذا. وإنما لاحظ نفسك والعليم، وداوم على ذلك. ولتكن روحك مشتعلة بالحب الإلهي، وبنقل هذا الحب إلى الآخرين. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الدموع في الخدمة لعل من أشهرها دموع ارمياء النبى. هذه التي سجلت في سفر كامل من الأسفار المقدسة دعى (مراثى أرمياء). والذى يشمل صلوات كثيرة، كلها تنهد وحسرة، كأن يقول: "أنظر يا رب ماذا صار لنا. وانظر إلى عارنا. قد صار ميراثنا للغرباء.. صرنا بلا أب، أمهاتنا كأرامل" (مرا 5: 1-3). ويقول أيضًا "مضى فرح قلبنا. صار رقصنا نوحًا. من أجل هذا حزن قلبنا. من أجل هذه اظلمت عيوننا.. لماذا تنسانا إلى الأبد وتتركنا طول الأيام. ارددنا يا رب فنرتد. جدد أيامنا كالقديم. هل كل الرفض رفضتنا؟!" (مرا 5: 15 –22) ويشرح في هذا السفر بكاء مملكة يهوذا فيقول: "على هذا أنا باكية. عينى عينى تكسب مياهًا. لأنه قد ابتعد عنى المعزى، راد نفسى" (مر1: 6) "كلت من الدموع عيناى. غلت أحشائى" (مر 2: 11). "سكبت عيناى ينابيع ماء على سحق بنت شعبى. عينى تسكب ولا تكف بلا انقطاع، حتى يشرف وينظر الرب من السماء" (مر2: 49، 50). هنا بكاء بلا انقطاع، وبلا عزاء، حتى تعبت العين من البكاء، وشعور بان الله قد ترك النفس أو نسيها أو رفضها!! وصلاة.. مع صلاة إليه أن يرجع. 2-ولعل من الأمثلة أيضًا بكاء المسبيين عند أنهار بابل. وفي ذلك يقول المرتل: "على أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علقنا قيثاراتنا. لأن هناك سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح.. كيف نسبح تسبحة الرب في ارض غريبة؟! (مز 136) 3-ومن الأمثلة أيضًا بكاء نحميا لما سمع أخبار سيئة عن أورشليم. فقال: فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أياما وصمت وصليت أمام إله السماء" (نح 1: 4).وفى صلاته أعترف بخطاياه وخطايا كل الشعب، وطلب من الرب رحمة، مذكرًا إياه بمواعيده للآباء. 4- ونفس الوضع بالنسبة إلى عذرا الكاهن، لما عرف خطايا الشعب. فبكى وأبكى الشعب معه وفى ذلك يقول الكتاب "فلما صلى عزرا، واعترف وهو باك وساقط أمام بيت الله، اجتمع إليه من إسرائيل جماعة كثيرة جدًا من الرجال والنساء والأولاد لأن الشعب بكى بكاء عظيما" (عز 10: 1) وفى غير المراثى، يقول إرميا النبى في سفره: "يا ليت رأسي ماء، وعينى ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلًا قتلى بنت شعبي" (أر9: 1). 5-وقد بكى دانيال النبي ايضًا من جهة سنوات السبى: وقال في ذلك "فوجهت وجهى إلى الله السيد طالبًا بالصلاة والتضرعات، بالصوم والمسح والرماد. وصليت إلى الرب إلهى واعترفت وقلت.. أخطأنا وأثمنا، وعملنا الشر، تمردنا وحدنا عن وصاياك واحكامك.." (دا 9: 3 –5) "في تلك الأيام، أنا دانيال كنت نائحًا ثلاثة أسابيع أيام، لم آكل طعامًا شهيًا، ولم يدخل في فمى لحم ولا خمر، ولم أدهن، حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام" (دا 10: 2،3). وهنا نرى البكاء مصحوبًا بالصلاة والصوم والزهد والاعتراف بالخطايا. 6-من أمثلة البكاء في الخدمة بكاء ميخا النبى "من أجل إثم يعقوب ومن أجل خطية بيت إسرائيل" (مى 1: 5). وفي هذا يقول: "ومن أجل ذلك أنوح وأولول. أمشى حافيًا وعريانًا. وأصنع نحيبًا كبنات آوى، ونوحًا كرعال النعام. لأن جراحاتها عديمة الشفاء. لأنها قد أتت إلى يهوذا.." (مى 1: 8، 9) 7- ولعل في قمة البكاء في الخدمة بكاء ربنا يسوع المسيح على أورشليم: وفى ذلك يقول الكتاب "وفيما هو يقترب، نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلًا: فإنه ستأتى أيام، ويحيط بك أعداؤك بمترسة.. ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر.." (لو 19: 41: 44) 8 -ومن أمثلة البكاء أيضًا بكاء بولس الرسول في الخدمة: فإنه يقول لكهنة افسس "أنتم تعلمون من أول يوم دخلت آسيا، كيف كنت معكم كل الزمان، اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة، وبتجارب أصابتني من مكايد اليهود". "لذلك اسهروا، متذكر انى ثلاث سنين ليلًا ونهارًا، لم أفتر أن أنذر بدموع كل أحد" (أع 20: 19، 31). وحتى في رسائلة يقول لأهل كورنثوس "لأنى من حزن كثير وكآبة قلب، كتبت إليكم بدموع كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندى ولاسيما من نحوكم" (2 كو2: 4) 9-وبالمثل كان تلاميذ القديس بولس في بكائهم. فهو يرسل إلى تلميذه تيموثاوس ويقول له "أذكرك بلا انقطاع في طلباتى ليلًا ونهارًا، ومشتاقًا أن أراك، ذاكرًا دموعك" (2تى 1: 4). اسباب البكاء في الخدمة: القلب الحساس يتأثر من حالة الناس المخدومين. يتأثر إذ يتذكر خطاياهم. كيف ضعفوا وكيف جرحوا قلب الله. ويتأثر بنتائج الخطية، وما جلبته من متاعب ومن ويلات.. أو بما سوف تجلبه من غضب الله. بل قد يتأثر فيما هو يوبخ على الخطايا، متذكرا ضعفه هو أيضا، وأنه ما كان يريد أن يوبخ، فينذر بدموع.. وقد يبكي الإنسان في الخدمة، طالبا معونة الله، أو طالبا رحمته ومغفرته. أو يبكي وهو يعرض على الله في صلاته، ما وصل إليه الأمر من ضياع. يبكي الإنسان في الخدمة شاعرا بضعفه، ومتوسلا إلى الله أن يتدخل، لأن الأمور لا تحل بدونه. أو قد يبكي من شدة المشاكل، ومن ضغط العدو عليه، أو من شماتة العداء وتعييرهم، كما قال داود النبي: صارت لى دموعى خبزا نهارا وليلا، إذ قيل لي كل يوم أين إلهك؟ هذة أذكرها فأسكب نفسى على.." (مز 42: 3، 4). http://img413.imageshack.us/img413/489/265350710oe.jpg |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الجدية في الخدمة الخادم الناجح هو الذي يتميز بالجدية في الخدمة.. وهذه الجدية تشتمل على عناصر كثيرة منها: 1- إن الكنيسة قد ائتمنته على هذا الطفل أو هذا الشاب. في مرحلة معينة من العمر لها خصائصها، فهو المسئول عن تعليمه وعن تقديم القدوة له في هذه المرحلة. وإن أهمل في ذلك يكون قد ضيع تلك المرحلة عليه. إن تلميذه أمانة في عنقه سيقدم عنه حسابا: أمام الله، وأمام الكنيسة، وأمام أب اعترافه، وربما أمام أسرة هذا التلميذ أيضا. 2- عليه أن يكون جادا في تحض ير الدرس، وفى تحضير نفسه لهذا اللقاء. إننى ألاحظ كثيرا من الخدام المبتدئين يكونون جادين في تحضير الدرس شاعرين بعجزهم عن التدريس بدون تحضير. أما الذين يهملون تحضير الدروس، فهم الكبار، والخدام القدامى، وأحيانا بعض رتب الكهنوت.. إذ يظنون أنهم كبروا عن مستوى التحضير. وقد يدخلون إلى الدرس أو إلى العظة بدون حتى ترتيب أفكارهم. والسامعون يدركون تماما إن كان الموضوع قد سبق تحضيره أم لا.. ربما المعلومات غير منظمة، غير مرتبة، الأفكار ناقصة، الآيات غير جاهزة.. إلخ. على الأقل إذا كانت لديك معلومات سابقة، تحتاج أن تجمعها وترتبها وتقدمها في أسلوب سهل، وتجمع ما يناسبها من قصص وآيات وتداريب. 3- الإنسان الجاد في خدمته، جاد أيضا في الافتقاد. لأن الخدمة ليست مجرد درس يلقى، إنما يلزم افتقاد كل طالب، وبخاصة الذين يغيبون أو يكثر غيابهم. 4- ويحتاج الأمر أيضا إلى الجدية في حل مشاكل المخدومين. يسبق ذلك بلا شك التعرف عليها. وقد يحتاج الأمر إلى العمل الفردى مع البعض على الأقل، وتحويل الكبار إلى أب اعتراف. ومشاكل المخدومين تنقسم إلى قسمين: مشاكل عامة تعلق بهذه المرحلة من السن، ومشاكل خاصة لكل مخدوم على حدة، فد تحتاج إلى مساهمة في حلها، إن لم يكن بطريق مباشر، فعلى الأقل بطريق غير مباشر. 5- أيضا الجدية في إستخدام وسائل الإيضاح المتاحة. سواء من الصور، أو الأفلام، أو الشرائح، أو الكتب المصورة، أو الخرائط.. إلخ.وهنا ننتقل من جدية الخادم في الخدمة إلى جدية الفرع كله، بما في ذلك الكنيسة، والأمين العام للخدمة والأمين العام المساعد للمرحلة.. 6- الجدية في الخدمة، تحتاج إلى صلاة. صلاة من أجل الأولاد، من أجل مشاكلهم، ومن أجل الدرس وتأثيره، من أجل الحالات الخاصة، من أجل الخادم نفسه أن يعطى كلمة عند افتتاح فمه. 7- الجدية في الخدمة، تشمل الجدية أيضا في قدوة الخادم. أولا يكون بلا عثرة أمامهم، بلا خطأ واضح.. وثانيا يكون قدوة طيبة، ويحرص على ذلك، ويكون مدققا في كل شيء.. وحريصا في روحياته. 8- الخادم الجاد يحرص على نمو الخدمة. نمو عدد الحاضرين، ونمو في روحياتهم، وفي معرفتهم، وفي ممارستهم للوسائط الروحية. وبالنسبة لخدمة الشباب، حينما ألاحظ نقص المكرسين، ونقص الذين يقدمون للكهنوت، أشعر أن الخدمة لم يصل نموها إلى هذا المستوى، ووقفت عند حد معين لم تتعداه. 9- تظهر جدية الخادم في مدى إخلاصه للخدمة. مدى مواظبته عليها، ومدى حبه للمخدومين، ومدى حرصه على تعليمهم وتربيتهم، ونموهم روحيا. وإشرافه على سلوكهم، وملاحظة الأخطاء والعمل على تلافيها، ومعالجة التلاميذ المشاكسين واحتضانهم، وملاحظة أن دروسه لها تأثير في حياتهم. 10- والخادم الجاد لا تقتصر خدمته على الدرس. إنما يهتم بالعلاقة الخاصة بأولاده، والأنشطة اللازمة لهم، وما يلزمهم في حياتهم الخاصة، ومراعاة مدى نجاحهم في دراستهم، ومدى توفيقهم في حياتهم العائلية. |
رد: كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي -3 لقداسة البابا شنودة الثالث
الخدمة والفتور سؤال إذا فترت حياتي الروحية، هل أترك الخدمة أم أستمر؟ الجواب نحن لا نستطيع أن نجعل خدمة أحد الفصول في التربية الكنسية تتذبذب بسبب حالة الفتور التي قد تصيب الخادم أحيانًا. ولكن مادام الفتور لا يعطي روحانية للخدمة، فالقاعدة هي: إن كنت في حالة الفتور، فلا تترك الخدمة, بل أترك الفتور. هذا ومن المعروف أنه قد لا يوجد أحد في حرارة مستمرة، ومن الممكن أن يتعرض كل أحد للفتور، فمن النافع جدًا النظام الموجود في كثير من الفروع: وهو دخول خادمين معًا في فصل واحد يعين كل منهما الآخر. ونقدم بعض النصائح للخادم في فترة فتوره: * إذا فتر الخادم، فلتنسحق نفسه أمام الله، ولتكثر صلاته، ولتكن في عمق.. تنسحق نفسه في شعور بعدم الإستحقاق، وفي توبيخ علي فتورها.. وليرفع قلبة إلي الله قائلًا: ليس عندي يا رب ما أعطيه لهم، فأعطني أنت ما تريد أن تقدمه لهم.. ليس يا رب من أجلي، بل من أجلهم, أنقذني من هذا الفتور، ولو في ساعة تدريسي لهم فقط.. حتى لا يكون تدريسي لهم مضيعة لوقتهم، وعثرة لهم.. * وليحاول الخادم أن يتخذ من الدرس علاجًا لفتوره. فالدرس في التربية الكنسية، ليس هو من أجل التلاميذ فقط، وأنما من أجل الخادم أيضا. فليجاهد الخادم من أجل أولاده. وليضع أمامه تلك الآية الجميلة "من أجلهم أقدس أنا ذاتي، لكي يكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو17: 16). وليوبخ نفسه قائلًا: ما ذنب هؤلاء الصغار، أن يكون مدرسهم في حالة من الفتور كما أنا الآن. * وهكذا يقود نفسه إلي التوبة. ولا يسمح أن حالة الفتور يطول وقتها معه. بل يبحث عن أسبابها، ويعمل علي معالجة نفسه منها. وإن كان السبب هو التقصير في وسائط النعمة، عليه أن يعود إليها بنشاط.. وإن كان السبب هو خطية رابضة قد أفسدت عليه روحياته، فليتب عنها. * وليعرف أن الفتور خطر عليه، سواء كان يخدم أم لا يخدم. فتركه للخدمة ليس علاجًا له ولا للخدمة إذن لابد أن يعالج الفتور في حياته، أولًا من أجل نفسه.وليعلم أن السيد المسيح علمنا أن نشهد له في أورشليم، قبل السامرة وإلي أقصي الأرض. وأورشليم هنا ترمز إلي حالة القلب من الداخل. * وليعرف أن كثيرين من الذين تركوا الخدمة بسبب فتورهم، ضاعوا. لأن الخدمة في حد ذاتها هي واسطة من وسائط النعمة, تعطيهم الفرصة لقراءة الكتاب والتأمل فيه, وللوجود في وسط روحى له تأثيره. كما أن البقاء في الخدمة يساعد على تبكيت النفس وعودتها إلى الله وربما تكون الخدمة هي الخيط الذي يربطه بالله في حالة فتوره. وإن فقده, قد يفقد الدافع الروحى إلى التوبة. *ولقد جرب بعض الخدام, في حالة فتورهم ـ فائدة صلاة الأطفال لأجلهم. يمكن في اتضاع أن يقول لأولاده "أنا يا أولاد محتاج لصلواتكم. فأرجوكم أن تصلوا طول الأسبوع من أجلي".. وصلاة الأطفال لها مفعول عجيب, وبخاصة لو كانت تربطهم بمدرسهم مشاعر حقيقية من المحبة. وعليه ـ في نفس الوقت ـ أن يشارك الأولاد في الصلاة من أجل نفسه. ولا يترك عائقًا عمليًا في حياته يعوق الاستجابة. حتى إن لم يصل الأولاد لأجله, فمن أجل تواضعه وطلبه لصلواتهم, قد يرفع الله هذا الفتور عنه. |
| الساعة الآن 05:02 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026