![]() |
كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث قصة هذا الكتاب ترجع قصة هذا الكتاب إلى ثلاثين عامًا... كان ذلك سنة 1960، وكنت في مغارتى في البحر الفارغ ببرية شيهيت. وكان لدى وقت لأجيب على أسئلة روحية يرسلها إلى بعض أبنائى الروحيين. وفى إحدى المرات، جاءنى خطاب يحوى العديد من الأسئلة، أجبت على أكثر من عشرة منها وبقى هذا الموضوع. فقلت لصاحب الخطاب (ها أنا قد أجبتك على كل أسئلتك. وبقيت الدموع. حاضر يا (فلان).. من عينى الإثنتين..). وحضرت النقاط الخاصة بالموضوع، وبقيت معى.. ثم كانت رسامتي للأسقفية، وألقيت محاضرة عن هذا الموضوع سنة 1964.. أخيرًا عثرت على أوراقه كلها، ورأيت أن أنشرها، لئلا تتوه وسط أوراقي الكثيرة، أو تضيع. يونيو 1990 البابا شنوده الثالث |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
قمة الدموع أسمى صورة للدموع، هى قول الإنجيل في قصة إقامة لعازر من الموت: (بكى يسوع) (يو 11: 35). إنها اقصر آية في الكتاب المقدس. ولعلها في نفس الوقت من أعمق الآيات في الكتاب المقدس.. ولعلها مثلها في التأثير: بكاء السيد المسيح على أورشليم (لو 19: 41) إنها دموع أعمق من كل تأملاتنا.. فيها الحب، والتأثر، ورقة القلب وحساسيته، والحنو، وربما الحزن أيضًا. وفيها معان أخرى لا أعرفها. من هنا يستطيع أن يصل إلى أعماقها؟! |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
تطويب البكاء * طوب السيد المسيح البكاء. فقال (طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون) (لو 6: 21) (طوبى للحزانى الآن، لأنهم سيتعزون) (متى 5: 4). (متى 5: 4). *وقيل في المزمور (126: 5). الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج. *وقيل في سفر الجامعة لسليمان الحكيم: "الذهاب إلى بيت النوح، خير من الذهاب إلى بيت الفرح". "قلب الحكماء في بيت النوح وقلب الجهال في بيت الفرح" (جا7:2،4). وأيضا: "الحزن خير من الضحك. لأنه بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا 7: 3). مما يدعو إلى الملاحظة أن الكنيسة تدعونا إلى البكاء على خطايانا في كل يوم، في صلاة الهجعة الثانية من صلاة نصف الليل، حيث نقول: "أعطنى يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة"... "واجعلنى مستحقا أن أبل قدميك اللتين أعتقتائى من طريق الضلالة، وأقدم لك طيبًا فائقًا، وأقتنى لي عمرًا نقيًا بالتوبة". وهكذا تضع أمامنا إنجيل المرأة الخاطئة (لو 7).لنصلية كل يوم في نصف الليل، ونأخذ درسًا من دموعها وتوبتها. ويقف كل منا ليصلى أمام الله ويقول: أعطنى يا رب ينابيع دموع كثيرة، لأ بكى على كبريائى وغضبى وقسوتى ونجاستى، وتقصيرى، وأخطائى باللسان والقلب والفكر.. عدم محبتى لك وللناس، وقلة جديتى في روحياتى، وقلة حرصى على حفظ وصاياك.. واعطنى أيضًا ينابيع دموع كثيرة، لأبكى على عدم محبتى. وإن الله يطلب منا أن نبكى باستمرار، ويقول لنا في سفر يوئيل النبى: "ارجعوا إلى بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح" (يؤ 2: 12). ويقول في سفر ملاخى النبى: "مغطين مذبح الرب بالدموع والصراخ" (ملا 2: 13). نحن محتاجون إلى هذه الدموع، طالما نحن على الأرض، يكفى أن ربنا يسوع المسيح قال في تطويباته: "طوباكم الباكون الان.." (لو6: 21).. وعبارة (الآن) تعنى هنا على الأرض. وعبارة "لأنكم تتعزون" تعنى هناك في السماء. لأن الدموع من ثمارها العزاء. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
أنواع من الدموع https://st-takla.org/Gallery/var/albu...entance-01.gif ما أكثر أنواع الدموع في الحياة البشر، تختلف بحسب أسبابها. ونذكر هنا من بين هذه الأنواع:
|
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع الصلاة وهى كثيرة جدًا في الكتاب المقدس، وفي سير القديسين، سنذكرها حينما نتحدث بالتفصيل عن دموع القديسين. وسببها الحب، والتأثر، وعمق الصلاة التي تصدر من القلب، مع مشاعر الاشتياق والحنين إلى الله، أو عمق في الطلب. ومن اشهرها دموع داود النبى الذي قال للرب في مزاميره "أنصت إلى دموعي" (مز 119) ومن أمثلتها دموع حنة زوجة ألقانة وقد ورد عن صلاتها أنها (صلت إلى الرب، وبكت بكاء، ونذرت نذرًا" (1 صم 1: 10، 11) وأمثلة الدموع في الصلاة كثيرة جدًا في الكتاب المقدس، وفي سير القديسين أيضًا (أنظر الباب الثالث) هنا في موقع الأنبا تكلا. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع الندم والتوبة من أمثلتها في الكتاب: 1-دموع المرأة الخاطئة التي بللت قدمى المسيح بدموعها (لو 7: 38) كانت تبل قدميه بالدموع، وتمسحهما بشعر رأسها. وقال السيد المسيح عنها إنها (غسلت رجلى بالدموع) وأنها أحبت كثيرًا، وغفر لها الكثير. وفضلها الرب على الفريسى الذي يشعر ببره... لم يكن لديها كلام تقوله، أو تجرؤ أن تقوله، فتكلمت دموعها. الإنسان الشاعر بخطاياه، النادم عليها، يخجل أن يتكلم. وتضغط مشاعر الندم والحزن في قلبه، على منابع الدمع في عينيه، فيبكى. ويكون بكاؤه أصدق تعبيرًا من أي كلام. ربما يقول إنسان كلامًا بدون مشاعر، أما البكاء فهو مشاعر بدون كلام.. وهى مشاعر صادقة معبرة. ومن أمثلة دموع التوبة أيضًا: 2-دموع داود النبى في توبته: وهذه ما أعمقها في قوله "تعبت في تنهدي. أعوم كل ليلة سريرى، وبدموعى أبل فراشى" (مز 6: 6) وقوله أيضًا "أبكيت بصوم نفسى جعلت لباسى مسحًا" (مز69: 10،11) "من صوت تنهدى، لصق عظمى بلحمى.. أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابى بالدموع" (مز 102: 5، 9). ولعل من الأمثلة البارزة لدموع الندم والتوبة: 3- دموع بطرس الرسول بعد إنكاره: وفى ذلك يقول عنه الكتاب أنه "خرج إلى خارج، وبكى بكاء مرًا" (متى 26: 72). وهنا نجد البكاء مصحوبًا بمرارة في القلب وفي الدموع ومن أمثلة دموع التوبة أيضًا: 4- دموع الشعب كله في توبة عامة: وعنها يقول يوئيل النبى: "ولكى الآن يقول الرب: ارجعوا إلى بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح. مزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم"."ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح، ويقولوا أشفق يا رب على شعبك، ولا تسلم ميراثك للعار" (يوئيل 2: 12، 13، 18). وقد بكى الشعب كله بكاء عظيمًا أيام عزرا الكاهن بسبب خطاياهم. "وصلى عزرا واعترف، وهو باك وساقط أمام بيت الله" (عز 10: 1) وبالمثل يقول القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس موبخًا "لم تنوحوا حتى يرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل" (اكو5: 2). ويقول القديس يعقوب الرسول: "نقول أيديكم أيها الخطاة اكتئبوا، ابكوا، ونوحوا" (يع 4: 8، 9). ويشرح ملاخى النبى هذا الأمر فيقول "مغطين مذبح الرب بالدموع والبكاء والصراخ" (ملا 2: 13). ومن أمثلة البكاء بسبب الخطية: *بكاء الذين طعنوا المسيح، حينما يرونه في مجيئه الثانى. وفى ذلك يوق سفر الرؤيا: هوذا ياتى على السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه وينوح علية جميع قبائل الأرض" (رؤ 1: 7). ولكن النوح في هذا المثال، لا نضعه تحت عنوان التوبة، وقد لا يتصف بالندم أيضا. ربما تكون دموع الحزن والألم والحسرة، بغير أمل... |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع الفراق ليس سهلا على قلوب ارتبطت بالحب، أن تفترق، وبخاصة لو كان فراقًا بلا عودة إلى اللقاء، على الأقل على هذه الأرض... ولذلك نجد في هذا المجال أمثلة لقديسين وقديسات بكوا، بسبب هذا الفراق، ومن بين هذه الأمثلة: *بكاء أبينا إبراهيم على سارة. وفى ذلك يقول الكتاب بعد موت سارة "فأتي إبراهيم ليندب سارة ويبكى عليها" (تك 23: 2) *كذلك قيل عن مريم أخت لعازر، بعد موته: إنها ذهبت إلى القبر لتبكى هناك" (يو 11: 31) *قد بكت مريم المجدلية عند قبر السيد المسيح. وقيل عنها "أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكى" (يو 20: 11). حتى أن الملاكين قالا "يا امرأة، لماذا تبكين؟". ونفس العبارة قالها لها السيد المسيح (يو 20: 13، 15) *وكانت أرملة نايين تبكى على ابنها الميت. "فلما رآها الرب تحنن عليها، وقال لها لا تبكى" (لو 7: 13). *بل أن الشعب كله، بكى، لما قال لهم القديس بولس: لا ترون وجهى بعد.. وهكذا يقول سفر أعمال الرسل "وكان بكاء عظيم من الجميع، ووقعوا على عنق بولس يقبلونه، متوجعين ولاسيما من الكلمة التي قالها إنهم لن يروا وجهه أيضا" (أع 20: 37، 38). لكل هذا أنا أتعجب من بعض الآباء الكهنة أو الشمامسة أو الأراخنة، الذين ينتهرون النساء بعنف، حينما يبكون في جناز!! هذا البكاء شيء طبيعي، ومشاعر إنسانية من الصعب كتمانها.. إنما ينبغي أن يكون في حدود المعقول، ولا يتحول إلى صراخ مستمر يعطل الصلاة في الكنيسة. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع التأثر وتبدو هذه واضحة جدًا، في لقاء يوسف الصديق باخوته وبابيه، بعد سنوات من الفراق. *حينما سمع يوسف اخوته يقولون بعضهم لبعض "حقًا إننا مذنبون إلى أخينا الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع".. يقول الكتاب عن يوسف "فتحول عنهم وبكى" (تك 42: 24). *وأيضا ً حينما أعلن نفسه لهم، يقول الكتاب عنه إنه "صرخ: أخرجوا كل إنسان عنى. فلم يقف أحد عنده حين عرف يوسف اخوته بنفسه. فاطلق صوته بالبكاء.. وقال يوسف لأخوته: أنا يوسف. أحي أبى بعد؟" (تك 45: 1 – 3). *وكذلك حينما التقى بأخيه بنيامين، يقول الكتاب: "ثم وقع على عنق بنيامين أخيه وبكى. وبكى بنيامين على عنقه. وقبل جميع اخوته وبكى عليهم" (تك 45: 14، 15). *وبنفس التأثر، وبنفس البكاء، كان لقاء يوسف الصديق مع أبيه يعقوب.يقول الكتاب في ذلك "فشد يوسف مركبته، وصعد لاستقبال إسرائيل ابيه، إلى جاسان". "ولما ظهر له، وقع على عنقه، وبكى على عنقه زمانًا" (تك 46: 29). إنما مشاعر إنسانية حساسة. *ولعلنا على نفس القياس الإنسانى. نذكر لقاء يعقوب بابنة خاله راحيل. يقول الكتاب في ذلك "وقبل يعقوب راحيل، ورفع صوته وبكى. وأخبر يعقوب راحيل أنه أخو أبيها، وأنه إبن رفقة" (تك 29: 11، 12). لقد تأثر أن الرب قد وفقه إلى بيت خاله، وأنه رأى إبنة خاله أمامه بتدبير إلهي. فرفع صوته وبكى.. إنها مشاعر إنسانية. يمكن بها أن يبكى الإنسان تأثرا في حالة اللقاء، كما أيضا في حالة الفراق.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع المشاركة وهى دموع لأجل الآخرين، أو مع الآخرين، وعنها يقول الرسول:".. بكاء مع الباكين" (رو12: 15). ولهذا النوع أيضًا أمثله عديدة في الكتاب المقدس، منها قول القديس يوحنا الإنجيلى: *"وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى مرثا ومريم ليعزوهما عن أخيهما" (يو 11:19) ولعل ابرع وأعمق ما قيل في هذه المناسبة: "فلما رآها – أى مريم – تبكى، واليهود الذين جاءوا معها يبكون".. * "بكى يسوع" (يو11: 35). * ولعل من الأمثلة الأخرى في هذا المجال بكاء بنات أورشليم، لما رأين السيد المسيح يساق إلى الصلب، إذ "تبعه جمهور كثير من الشعب، والنساء أيضا اللواتى كن يلطمن ايضًا وينحن علية (لو 23: 27) * "بكى يسوع" (يو 11: 35). *ولعل من الأمثلة الأخرى في هذا المجال بكاء بنات أورشليم، لما رأين السيد المسيح يساق إلى الصلب، إذ "تبعه جمهور كثير من الشعب، والنساء أيضًا اللواتى كن يلطمن أيضًا وينحن عليه (لو 23: 27). *من الأمثلة أيضا بكاء الأمهات على أبنائهن في أية ضيقة. فلما فرغ الماء من هاجر وابنها، طرحت الولد تحت احدى الأشجار، ومضت وجلست مقابله بعيدًا.. وقالت لا انظر موت الولد.. ورفعت صوتها وبكت (تك 22: 15، 16). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع الفرح ومن أمثلة ذلك، بكاء الشعب عند إعادة بناء الهيكل بعد السبى، في أيام زربابل. ويقول في ذلك سفر عزرا الكاهن: "وكثيرون من الكهنة واللاويين ورؤوس الأباء الشيوخ، الذين راوا البيت الأول، بكوا بصوت عظيم عند تأسيس هذا البيت أمام أعينهم. وكثيرون كانوا يرفعون أصواتهم بالهتاف بفرح. ولم يكن الشعب يميز هتاف الفرح من صوت بكاء الشعب" (عز 3:12:13). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع مرفوضة | اليأس | العجز | القهر منها دموع اليأس: *ولعل من أمثلتها دموع عيسو التي قال عنها الرسول: "لئلا يكون أحد مُسْتَبِيحًا كعيسو، الذي لأجل أكلة واحدة باع بكوريته. فإنكم تعلمون أنه أيضًا لما أراد أن يرث البركة، رفض، إذ لم يجد للتوبة مكانًا مع أنه طلبها بدموع" (عب 12: 16، 17). دموع عيسو كانت نوعًا آخر. * كانت دموع العجز والقهر. أو كانت دموع الغيظ والحقد على أخيه، ودموع اليأس من نوال البركة.. "قال عيسو لأبيه: لك بركة واحدة فقط يا أبى. باركني أنا أيضًا يا أبى. ورفع صوته وبكى" (تك 27: 38). وقيل إنه لما سمع ببركة يعقوب "صرخة عظيمة ومرة جدًا" (تك 27: 38). صرخ صرخة عظيمة ومرة جدًا" (تك 27: 34) البركة العظمى التي نالها يعقوب، أن السيد المسيح يأتي التي نالها يعقوب، أن السيد المسيح يأتي من نسله، وبنسله تتبارك جميع قبائل الأرض (تك 28: 14). ولم يكن ممكنًا أن يأتي المسيح من عيسو ويعقوب معًا. لذلك عبارة "ألك بركة واحدة يا أبي"؟! تعنى من جهة هذا الموضوع جهلًا تامًا بالبركة ونوعها!! وكانت صرخته صرخة غيظ وقهر، وبكاؤه بكاء عجز ويأس.. ومن أمثلة هذا البكاء اليأس المرفوض أيضًا: * بكاء الهالكين في الأبدية. إذ يقول الكتاب عنهم إنهم "يطرحون في الظلمة الخارجية.هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى 8: 12). ويقول أيضا عن نهاية العالم "يرسل أبن الإنسان ملائكته، فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى 13: 41، 42). ونفس الكلام يتكرر في (متى 24: 51)، وفي (لو 13: 28). فما جدوى مثل هذا البكاء؟ |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع الشهوة إنها دموع تضيف خطأ جديدًا، إلى خطيئة الشهوة، فتصبح خطية مركبة. من أمثلتها خطأ الشعب، حينما بكى في البرية مشتهيًا أن يأكل لحمًا!! وفى ذلك يروى سفر العدد: "واللفيف الذي في وسطهم اشتهى شهوة. فعاد بنو إسرائيل أيضًا وبكوا. وقالوا من يطعمنا لحمًا؟! قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانًا، والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم.." (عد 11: 4،5). وقال موسى للرب "من أين لي لحم، حتى أعطى جميع هذا الشعب ؟ لأنهم يبكون على قائلين: أعطنا لحمنا لنأكل" (عد 11: 13). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الدموع في الخدمة لعل من أشهرها دموع ارمياء النبى. هذه التي سجلت في سفر كامل من الأسفار المقدسة دعى (مراثى أرمياء). والذى يشمل صلوات كثيرة، كلها تنهد وحسرة، كأن يقول: "أنظر يا رب ماذا صار لنا. وانظر إلى عارنا. قد صار ميراثنا للغرباء.. صرنا بلا أب، أمهاتنا كأرامل" (مرا 5: 1-3). ويقول أيضًا "مضى فرح قلبنا. صار رقصنا نوحًا. من أجل هذا حزن قلبنا. من أجل هذه اظلمت عيوننا.. لماذا تنسانا إلى الأبد وتتركنا طول الأيام. ارددنا يا رب فنرتد. جدد أيامنا كالقديم. هل كل الرفض رفضتنا؟!" (مرا 5: 15 –22) ويشرح في هذا السفر بكاء مملكة يهوذا فيقول: "على هذا أنا باكية. عينى عينى تكسب مياهًا. لأنه قد ابتعد عنى المعزى، راد نفسى" (مر1: 6) "كلت من الدموع عيناى. غلت أحشائى" (مر 2: 11). "سكبت عيناى ينابيع ماء على سحق بنت شعبى. عينى تسكب ولا تكف بلا انقطاع، حتى يشرف وينظر الرب من السماء" (مر2: 49، 50). هنا بكاء بلا انقطاع، وبلا عزاء، حتى تعبت العين من البكاء، وشعور بان الله قد ترك النفس أو نسيها أو رفضها!! وصلاة.. مع صلاة إليه أن يرجع. 2-ولعل من الأمثلة أيضًا بكاء المسبيين عند أنهار بابل. وفي ذلك يقول المرتل: "على أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علقنا قيثاراتنا. لأن هناك سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح.. كيف نسبح تسبحة الرب في ارض غريبة؟! (مز 136) 3-ومن الأمثلة أيضًا بكاء نحميا لما سمع أخبار سيئة عن أورشليم. فقال: فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أياما وصمت وصليت أمام إله السماء" (نح 1: 4).وفى صلاته أعترف بخطاياه وخطايا كل الشعب، وطلب من الرب رحمة، مذكرًا إياه بمواعيده للآباء. 4- ونفس الوضع بالنسبة إلى عذرا الكاهن، لما عرف خطايا الشعب. فبكى وأبكى الشعب معه وفى ذلك يقول الكتاب "فلما صلى عزرا، واعترف وهو باك وساقط أمام بيت الله، اجتمع إليه من إسرائيل جماعة كثيرة جدًا من الرجال والنساء والأولاد لأن الشعب بكى بكاء عظيما" (عز 10: 1) وفى غير المراثى، يقول إرميا النبى في سفره: "يا ليت رأسي ماء، وعينى ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلًا قتلى بنت شعبي" (أر9: 1). 5-وقد بكى دانيال النبي ايضًا من جهة سنوات السبى: وقال في ذلك "فوجهت وجهى إلى الله السيد طالبًا بالصلاة والتضرعات، بالصوم والمسح والرماد. وصليت إلى الرب إلهى واعترفت وقلت.. أخطأنا وأثمنا، وعملنا الشر، تمردنا وحدنا عن وصاياك واحكامك.." (دا 9: 3 –5) "في تلك الأيام، أنا دانيال كنت نائحًا ثلاثة أسابيع أيام، لم آكل طعامًا شهيًا، ولم يدخل في فمى لحم ولا خمر، ولم أدهن، حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام" (دا 10: 2،3). وهنا نرى البكاء مصحوبًا بالصلاة والصوم والزهد والاعتراف بالخطايا. 6-من أمثلة البكاء في الخدمة بكاء ميخا النبى "من أجل إثم يعقوب ومن أجل خطية بيت إسرائيل" (مى 1: 5). وفي هذا يقول: "ومن أجل ذلك أنوح وأولول. أمشى حافيًا وعريانًا. وأصنع نحيبًا كبنات آوى، ونوحًا كرعال النعام. لأن جراحاتها عديمة الشفاء. لأنها قد أتت إلى يهوذا.." (مى 1: 8، 9) 7- ولعل في قمة البكاء في الخدمة بكاء ربنا يسوع المسيح على أورشليم: وفى ذلك يقول الكتاب "وفيما هو يقترب، نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلًا: فإنه ستأتى أيام، ويحيط بك أعداؤك بمترسة.. ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر.." (لو 19: 41: 44) 8 -ومن أمثلة البكاء أيضًا بكاء بولس الرسول في الخدمة: فإنه يقول لكهنة افسس "أنتم تعلمون من أول يوم دخلت آسيا، كيف كنت معكم كل الزمان، اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة، وبتجارب أصابتني من مكايد اليهود". "لذلك اسهروا، متذكر انى ثلاث سنين ليلًا ونهارًا، لم أفتر أن أنذر بدموع كل أحد" (أع 20: 19، 31). وحتى في رسائلة يقول لأهل كورنثوس "لأنى من حزن كثير وكآبة قلب، كتبت إليكم بدموع كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندى ولاسيما من نحوكم" (2 كو2: 4) 9-وبالمثل كان تلاميذ القديس بولس في بكائهم. فهو يرسل إلى تلميذه تيموثاوس ويقول له "أذكرك بلا انقطاع في طلباتى ليلًا ونهارًا، ومشتاقًا أن أراك، ذاكرًا دموعك" (2تى 1: 4). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
أسباب البكاء في الخدمة * قلب الحساس من حالة الناس المخدومين. * يتأثر إذ يتذكر خطاياهم. كيف ضعفوا، كيف جرحوا قلب الله. * ويتأثر بنتائج الخطية، وما جلبته من متاعب ومن ويلات أو بما سوف تجلبه من غضب الله. * بل قد يتأثر فيما هو يوبخ على الخطايا، متذكرًا ضعفه هو ايضًا، وأنه ما كان يريد أن يوبخ، فينذر بدموع.. * وقد يبكى في الخدمة، طالبًا معونه الله، أو طالبًا رحمته ومغفرته. أو يبكى وهو يعرض على الله في صلاته، ما وصل إليه الأمر من ضياع. * يبكى الإنسان في الخدمة شاعرًا بضعفه، ومتوسلًا إلى الله أن يتدخل، لأن الأمور لا تحل بدونه. * أو قد يبكى من شده المشاكل، ومن ضغط العدو عليه، أو من شماته الأعداء وتعييرهم. كما قال داود النبى: "صارت لي دموعى خبزًا نهارًا وليلًا، إذ قيل لي كل يوم اين إلهك؟! هذه أذكرها فاسكب نفسى على.." (مز 42: 3، 4). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
القديس أرسانيوس والبكاء 1- القديس أرسانيوس من القديسين الذين اشتهروا كثيرًا بالبكاء.. حتى قيل إن رموش عينيه تساقطت من كثرة البكاء. وتكون أخدودان (حقرتان) على خده من كثرة البكاء. وكان في الصيف يبلل الخوص بدموعه. وكان يضع على ركبتيه قطعة من القماش تسقط عليها دموعه. وفي ساعة موته بكى كثيرًا، فقال له تلاميذه "حتى أنت يا ابانا تخاف من هذه الساعة؟ "فقال لهم: إن فزع هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة.. إن كان القديس العظيم أرسانيوس يبكى هكذا، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ وماذا نقول عن فزع تلك الساعة الذي كان يلازم؟ ويلازم من؟ يلازم أرسانيوس العظيم مثال الوحدة والصمت في بستان الرهبان، الذي كان البابا ثاوفيلس يشتهى أن يقابله وكان القديسون يقولون له "لماذا تهرب منا يا أبتاه؟ "فيجيب "يعلم الله اننى احبكم جميعًا. ولكننى لا استطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت".. أرسانيوس العظيم الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب والشمس وراءه، ويظل واقفًا يصلى حتى تشرق امامه من جديد مقضيًا الليل طوله في الصلاة.. أرسانيوس المتضع، معلم أولاد الملوك، الذي كان يستشير ذلك المصري الأمي، ويقول له إنه لم يعرف بعد الفا فيتاالتي يتقنها ذلك المصرى.بل يقول أيضًا إنه تعلم اللاتينية واليونانية، ولكنه لم يعرف بعد كيف ينقى الفول مع رهبان الأسقيط. أية خطايا فعلها القديس أرسانيوس حتى كان يبكى ويفزع من تلك الساعة؟ هل بعد كل هذا نسرع نحن إلى العزاء والفرح من مبدأ الطريق، ونتباهى بأن خطايانا قد غفرت ونبحث عن المواهب؟ ونطالب بنصيبنا في الميراث؟ وننسى أنفسنا0 إن الدموع تحتاج إلى تواضع قلب، ويناسبها جدًا أن يعرف الإنسان ذاته، ويحاسب نفسه ويلومها. قيل إنه لما حانت وفاة القديس البابا ثاوفيلس، قال: "طوباك يا أنبا ارسانى، لأنك بكيت طول حياتك من أجل هذه الساعة". 2-وعندما سمع أنبا بيمن أن القديس أرسانيوس قد تنيح، قال: طوباك يا أنبا أرسانيوس لأنك بكيت على نفسك في هذا العالم.." "لأن الذي لا يبكى على نفسه في هذا العالم، لابد سيبكى إلى الأبد في العالم الآخر. أما بكاؤه ههنا فباختياره. ولكن هناك فبسبب ما يناله من عقاب". "ولكن من الحال أن يفلت إنسان من البكاء هنا وهناك "صدق داود النبى الذي اختبر الدموع جيدًا في حياته فقال: "الدين يزرعون بالدموع، يحصدون بالابتهاج" (مز 145). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع القديس إيسيذوروس قس القلالي 3- من اشهر الأمثلة أيضًا في الدموع القديس ايسيذيروس قس القلالى وكان تحت إشرافه ثلاثة آلاف راهبًا. وكان يرى رؤى. وكانت الشياطين تخافه وتهرب منه، وبسهولة كان يخرج الشياطين... وفلا إحدى المرات ظهر له الشيطان وقال له "أما يكفيك أننا لا نستطيع أن نمر على قلاتيك، ولا على القلاية التي إلى جوار قلايتك. وأخ واحد كان لنا في البرية، جعلته يعتدى علينا بصلاته في النهار والليل ومع ذلك كان القديس ايسيذيروس يبكى بدموع غزيزة. وكان يجهش بالبكاء بصوت عال، لدرجة أن تلميذه في الغرفة المجاورة سمعه يبكى، فدخل عليه وقال له "لماذا تبكى يا ابى؟ "فاجابه القديس "إننى يا ابنى ابكى على خطاياى".فقال له التلميذ "حتى أنت يا ابانا، لك خطايا تبكى عليها فاجابه: "صدقنى يا ابنى، لو كشف الله لي كل خطاياى ما كان يكفى لو اجتمع ثلاثه أو أربعة معى للبكاء عليها". هؤلاء القديسون كانت لهم حساسية شديدة من جهة أن الخطية خاطئة جدًا، وأنها تجرح قلب الله المحب. ما كانوا يفكرون في عقوبة الخطية، إنما كانوا يفكرون في مشاعر الله، وأنهم لم يرضوه بعد، على الرغم من السمو العظيم الذي وصلوا إليه في الحياة الروحية. ويرون أن هذا (التقصير). إذا ما قيس بالكمال الذي يتطلعون إليه، هو الخطية التي يبكون عليها بدموع.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع القديس باخوميوس والقديس مقاريوس 4- ومن القديسين الذين بكوا بدموعهم القديس باخوميوس أب الشركة. حتى أن تلاميذه -بعد صلاته- وجدوا الأرض التي كان واقفًا عليها مبللة بالدموع. 5- وكان القديس مقاريوس الكبير مشهورًا أيضًا بالدموع. ولما قربت أيام انتقاله، سأله الآباء أن يأتي إليهم ليتباركوا منه قبل رحيله، بدلًا من أن ينتقل كل سكان الجبل إليه. فلما جاءهم، تجمعوا حوله، وطلبوا منه كلمة منفعة فبكى القديس وقال لهم: "فلنبك يا إخوتي، ولتفض عيوننا بالدموع، قبل أن نذهب إلى المكان الذي فيه تحرق دموعنا أجسادنا".. فبكوا كلهم وسقطوا على وجوهم قائلين "صل عنا أيها الأب". |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
دموع القديس بفنوتيوس 6-ومن الذين اشتهروا بالدموع: القديس بفنتيوس تلميذ وخليفة القديس مكاريوس الكبير: وكان منذ شبابه المبكر ناميًا في حياة القداسة، وكان كل الآباء معجبين به ويحبونه، حتى أنه أصبح رئيس الأسقيط بعد القديس مقاريوس. حكى هذا القديس لأولاده فقال: "حينما كنت صبيًا، وجدت خيارة وقعت على الأرض من الجمالين، فأخذتها وأكلتها. وكلما تذكرت هذه القصة أبكى".. حدث هذا وهو صغير، وترهب، ونما في النعمة، وصار رئيسًا للأسقيط، وكان يخرج الشياطين، وكان البابا ثاوفيلس يشتهى سماع كلمة منفعة من فمه.. ومع ذلك كلما يذكر تلك القصة يبكى.. ليس البكاء هنا لكي يغفر له الرب خطية. فإن داود النبى قد بكى بعد أن غفر له الرب خطيته. بعد أن قال له ناثان النبي "الرب نقل عنك خطيتك. لا تموت" (2 صم 12: 13). إن الإنسان الحساس لا يبكى فقط من أجل طلب المغفرة. إنما يبكى حزنًا على نفسه كيف وصل إلى مستوى السقوط، وكيف أحزن الروح القدس الساكن فيه، وبكل جرأة كسر وصايا الله المحب، الذي خلقه على صورته ومثاله، ففقد هذه الصورة بخطاياه. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
القديسون والدموع سئل أحد القديسين عن الأمور التي يمكنها أن تبكيه. 1- ساعة خروج روحى من جسدى. 2- ساعة وقوفى أمام الديان العادل. 3- ولحظة صدور الحكم على. هذه الأمور الثلاثة كانت باستمرار تشغل بال القديسين، وتكون مصدرًا للدموع بالنسبة لهم. إنها أمور تتعلق بحرص الإنسان على أبديته.. وتذكار الموت إذن يصاحبه دائمًا تذكار الدينونة. وتذكار الدينونة يجلب الدموع، وبخاصة إن كان يصحبه تذكر الخطايا والبكاء عليها. ما أصعب أيضًا عبارة "يجازى كل واحد بحسب أعماله".. وما اصعب أيضًا عبارة "وأعمالهم تتبعهم". ترى ما هو نوع هذه العمال التي تتبعنا! وهل نستحق الدموع؟! ومع تذكار الدينونة، يتذكر الإنسان أيضًا عدل الله. ولهذا تضع الكنيسة أمامنا هذه الحقيقة كل يوم في صلاة النوم، حيث يقول المصلى "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوب ومرتعد من أجلى كثرة ذنوبى..".وفى تذكار الدينونة والخطية، نتذكر قول الرسول: "مخيف هو الوقوع في يدى الله الحى" (عب 10: 31). إن الخوف أيضًا سبب جوهرى من أسباب الدموع. ونقصد في مقالنا هذا الخوف لأسباب روحية، وليس الخوف بسبب أمور عالمية كما يحدث للبعض.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
يمسح الله كل دمعة إبك يا أخى ههنا، لكي يمسح الرب كل دمعة من عينيك حينما تلقاه. ولكنك إن لم تبك ههنا، فما الذي سيمسحه المسيح من عينيك في العالم الآخر؟! إن الذي لا يبكى ههنا تتفجر من عينيه ينابيع دموع اليأس التي لا يمسحها أحد هى دموع لا تستطيع أن تطفئ النار المحيطة به. ما أكثر ما قاله الآباء القديسون عن البكاء والدموع. *سال أخ القديس الأنبا بيمن قائلًا "ماذا افعل من جهة خطاياى؟" فاجابه: "إن الذي يريد أن تمحى خطاياه، يستطيع هذا بالبكاء لأن البكاء هو الطريق الذي علمنا إياه الكتاب. والآباء أيضًا كانوا يبكون باستمرار. ولا يوجد طريق آخر غير هذا". *سأل الأنبا نوح القديس مقاريوس "قل لي كلمة منفعة". فقال له الشيخ "اهرب من الناس". فسأله الأنبا نوح: "ماذا تعنى يا ابى بأن أهرب من الناس؟". فقال له الشيخ "اجلس في قلايتك وابك على خطاياك". *وقال الشيخ الروحاني: "طوبى الذين احترقت خدودهم بدموع محبتك. فإن هذه الدموع تروى الأرض الناطقة التي احترقت بالنار، فتعطى ثمار الروح". هذه الدموع التي يجب أن يتصف بها كل إنسان في حياته: لها عوامل تقويها، وعوامل تضعفها. فما هى هذه وتلك؟ |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
مسببات الدموع https://st-takla.org/Pix/People-Gener...s-02-Tears.gif هناك دوافع كثيرة تسبب الدموع، بعضها داخلى، في القلب والفكر والشعور، بل وفي طبع الإنسان ذاته، وبعضها عوامل خارجية تختص بالظروف والملابسات التي تحيط بهذا الباكى. وسنحاول أن نتكلم عن هذه وتلك بقدر الإمكان. ونذكر حاليًا منها:
|
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الرقة والحساسية الإنسان الرقيق الإحساس، دموعه سهلة وقريبة.. أما الشخص القاسى، الشديد القلب، فدموعه عزيزة، ومن الصعب أن يبكى. وإن بكى هذا الشخص في يوم ما، فلابد أن يكون السبب الخارجى قويًا جدًا وخطيرًا، بحيث لم يستطع طبع هذا الإنسان أن يقاومه. لذلك نجد أن الدموع عند المرأة قريبة جدًا أكثر مما عند الرجل.. لأن المرأة أكثر من الرجل بطبيعتها. ولكن إذا بكى الرجل، تكون دموعه أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا. كذلك إن بكى الطفل أوالصبى، يكون هذا شيئًا طبيعيًا، شيئًا عاديًا في طبعه. أما إذا بكى رجل كبير السن، فإن دموعه تكون أغلى وأوقع، ولها أسباب أشد وأعمق، بحيث لم يستطع هذا الكبير أن يضبط نفسه.. الإنسان الرقيق يتأثر بأقل شيء، وتسيل دموعه بسرة وتلقائية.. وهى دموع طبيعية لا تصنع فيها، لأن مشاعره الحساسة تتأثر بسرعة، سواء بما يخصه أو يخص غيره.. وهناك أمور عديدة تهز القلب، بالنسبة إلى أصحاب المشاعر الرقيقة، بينما لا تؤثر في غيرهم من أصحاب القلوب الجامدة أو القاسية، أو من الذين لهم قوة السيطرة على مشاعرهم، أو الحرص على إخفائها.. الدموع والقسوة لا يتفقان.. إلا إذا صدمت القاسى بأسباب أقوى من قسوته، فهرته من الداخل وانهار أمامها..! تمامًا كما حدث لعيسو، حينما صدم بضياع البركة منه بحيلة من أخيه.. ولم يحتمل الصدمة فصرخ باكيًا (تك 27: 34، 38). على أن بكاء القاسى شيء مؤقت. وهو أيضًا شيء غير طبيعى.. أما بكاء الإنسان الرقيق فهو أمر طبيعى، ومتكرر ومحتمل الحدوث في أي وقت، لسبب داخلى أو خارجى.. لهذا، فإن الذي يحب الدموع، ويرغب في اقتنائها، عليه أن يقتنى رقة الطبع أولًا إن لم يكن رقيق الأحاسيس بطبيعته، فعليه أن يقتنى هذه الرقة ويبحث عن أسبابها، ويدرب نفسه عليها..وطبيعى كلما اقترب الإنسان إلى الله كلما رقت مشاعره.. وكلما عاشر رقيقى الطبع، كلما تعلم منهم رقتهم.. كذلك علية أن يبتعد عن الأسباب التي تؤدى إلى شدة الطبع وقساوة القلب وهى كثيرة.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الشعور بتفاهة العالم الذى يعيش في ملاذ العالم وملاهيه، من أين تأتيه موهبة البكاء؟! بل العالم يشغله ويلهية حينما كان سليمان الحكيم متمتعًا بابهة الملك وفخامته، ومهما اشتهته عيناه لم يمنعه عنهما (جا 2: 10). في ذلك الحين ما كان يبكى.ولكنه لما شعر بتفاهة العلم، وبأن كل ما فيه هو باطل الأباطيل وقبض الريح، حينئذ استطاع أن يقول: "بكآبة الوجه يصلح القلب". "الذهاب إلى بيت النوح، خير من الذهاب إلى بيت الوليمة، لأن ذاك نهاية كل إنسان، والحى يضعه في قلبه"، "قلب الحكماء في بيت النوح، وقلب الجهال في بيت الفرح" (جا 7: 2-4). عندما يدرك الإنسان الأمور على حقيقتها، ويشعر بتفاهة العالم، ولا تلذ له كل مغرياته، حينئذ يشعر بفراغ من جهة العالم..وتتغير مشاعره.. يشتاق إلى عالم آخر، وإذ يجد العالم الآخر بعيدًا عنه، يبكى اشتياقًا إليه وحنينًا.. يشعر بغربة في هذا العالم الحاضر، وتبكيه مشاعر الغربة.. متيقنًا أن فرحة الحقيقى ليس هو ههنا. لأنه غريب على الأرض، نزيل مثل جميع آبائه، يتطلع إلى وطن سماوى، إلى المدينة التي لها الأساسات.. (عب 11: 16، 10) لذلك صدق حس المرتل، حينما دعا هذه الدنيا "وادى البكاء". وقال عن حياتنا فيها "عابرين في وادى البكاء" (مز 84: 6). كان القديسون يبكون، إذ كانوا يشعرون بغربتهم في العالم، ويشتاقون إلى عالم أفضل، زاهدين في كل ما ههنا. لا تشبعهم أفراح هذه الدنيا، ولا ترضيهم... حقا إن الإنسان يدرك الدموع الروحية، حينما يصل إلى حياة التجرد، أو على الأقل إلى محبة التجرد، حينئذ يبكى على الأيام التي قضاها متعلقًا بتفاهات العالم ومنشغلًا بها، ويقول للرب كما قال القديس أوغسطينوس "لقد تأخرت كثيرًا في حبك، أيها الجمال الفائق الوصف".. وهنا يتذكر خطاياه، ويصير تذكرها ينبوعًا لدموع كثيرة.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
تذكر الخطايا إن بطرس الرسول لم يكن يدرك تمامًا حقيقة ما يفعل، وهو يسب ويجدف وينكر المسيح.. ولكنه لما صاح الديك وأحس بعمق خطيئته، "خرج خارجًا، وبكى بكاء مرًا" (مت 26: 75). وهكذا أيضًا فعلت المرأة الخاطئة، التي بلت قدمى الرب بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها (لو 7: 38) وبالمثل بكى داود النبى، لما اظهر له ناثان النبي عمق خطاياه (2صم 12: 7). إن نسيان الخطايا يجفف القلب ويجفف العينين. لذلك حسنًا قال داود النبى: خطيتى أمامى في كل حين (مز 50). فليتك تفعل هذا، وتجعل خطاياك قدام عينيك، تذل بها نفسك وتوبخها، وتبكى على هذه الخطايا النهار والليل. فإن البكاء على الخطايا يغسل القلب، ويطهر الروح، ويعطى يقظة للضمير، فيمنع الإنسان من العودة إلى الخطيئة مرة أخرى، ويعلمه الحرص والتدقيق. ولهذا فإن نصيحة تتكرر في بستان الرهبان، يقولها الآباء لمن يطلب كلمة منفعة: "اجلس في قلايتك، وابك على خطاياك". وغفران الله للخطية، لا يمنع بكاء الخاطئ عليها. إنه لا يبكى خوفًا من العقوبة.. إنما يبكى لأنه أحزن قلب الله بخطاياه، أحزن روح الله الذي في داخله، وابعد عنه الملائكة المحيطين به، وكشف نفسه رديئة أمام أرواح المنتقلين ويبكى أيضا لأنه بخطيئته قد فقد صورته الإلهية، وسقط وتدنس.. يبكى متألمًا، كيف ضعفت إرادته هكذا، وتدنست روحه؟ ويشعر بالخجل أمام نفسه، وبالخزى أيضًا. كما قال دانيال النبي في المزمور "خزى وجهى قد غطانى" (مز 44: 15). وكما قال دانيال النبي وهو يعترف بخطايا الشعب "ياسيد، لنا خزى الوجوه لملوكنا لرؤسائنا ولآبائنا، لأننا أخطأنا إليك" (دا 9: 8، 7). وهكذا كان القديسون يبكون ايضًا من أجل خطايا الشعب. يبكون حزنًا على الذين يسقطون والذين يهلكون، كما ناح صموئيل على شاول الملك (1صم 15: 35). ويبكون طالبين المغفرة للناس، وطالبين لهم نعمة للتوبة، كما بكى عزرًا الكاهن بسبب خطايا الشعب، ومزق ثيابه ونتف شعر راسه (عز 9: 3).وصلى وأعترف وهو باك وساقط أمام بيت الله" (عز 10: 1). وقال "اللهم أنى أخجل وأخزى أن أرفع يا الهى وجهى نحوك، لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا، وآثامنا تعاظمت إلى السماء" (عز 9: 6) ونفس الوضع حدث مع نحيما، حينما أعترف بخطايا الشعب وقال "إنى أنا وبيت أبى قد أخطأنا وأفسدنا أمامك" (نح 1: 6، 7). ومن أجل الشعب أيضًا بكى ارمياء النبى: وتسجلت دموعه ومراثيه في سفر كامل في الكتاب نقرؤه باستمرار في الساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة العظيمة.. إن كان الناس لا يبكون على خطاياهم، فمن واجب القديسين أن يبكوا من أجلهم، طالبين لهم الرحمة والمغفرة وطالبين لهم التوبة. لقد بكى السيد المسيح على أورشليم (لو 19: 41)، إذ كان يبصر هلاكها أمام عينيه.. ونحن في كل يوم نبصر الذين يسقطون ويهلكون، والذين ينحرفون ويبتعدون. أفلا يستحقون منا البكاء؟ إن نحميا، لما سمع أن سور أورشليم منهدم، وأبوابها محروقة بالنار، يقول "فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أيامًا وصمت وصليت.." (نح 1: 3،4) وبكى نحميا أمام الله معترفًا بخطايا الشعب.. وقال للرب في صلاته "إنى أنا وبيت أبى قد أخطأنا. لقد أفسدنا أمامك، ولم نحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أمرت بها موسى عبدك.." والسيد المسيح لما بكت عليه بنات أورشليم، قال لهن "لا تبكين على، بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن" (لو 23: 28).. حقًا، كانت تلك النفوس تحتاج إلى البكاء، تلك الخاطئة التي بكى المسيح من أجلها.. حينما نبكى على خطايانا، نتذكر أيضًا محبة الله التي صبرت علينا كل هذا الزمان نتذكر احتمال الله لنا، وطول أناته، ونحن مستمرون في الخطأ زمانًا هذه مدته.. وتذكرنا لمحبة الله الصابرة والمحتملة، تعطينا سببًا جديدًا للبكاء تأثرًا بمعاملته المترفقة.. وحينما تبكى النفس التائبة أمامه، يشفق الرب، ويغلب من تحننه، ويقول لتلك النفس "حولى عينيك عن، فإنهما قد غلبتانى" (نش 6: 5). إن داود النبى من أبرز الأمثلة للبكاء على الخطايا. يكفى قوله "في كل ليلة أعوم سريرى. بدموع أبل فراشى" (مز 6) تعبر عن الوقت واستمرار البكاء. وعبارة "أعوم سريرى "تدل على كمية الدموع المنسكبة..! تصوروا هذا الملك العظيم، ويرجع إلى قصره ليلًا، فبخلع عنه تاجه وملابسه الملكية، ويركع أمام الله باكيا، ليبلل فراشه بالدموع. وحتى إذا نام، ينام على سرير غارق في الدموع.. على الرغم من كل مظاهر العظمة والأبهة المحيطة. ويقول أيضًا: "صارت دموع لي خبزًا نهارًا وليلًا" (مز 42: 3). وأيضًا يقول في تذلله وبكائه"، "أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابى بالدموع" (مز 102: 9).. أي أنه حينما يشرب، تتساقط دموعة فتختلط بالماء الذي يشربه، فيشربها معه! وكان داود يحدث الله عن هذه الدموع، فيقول له "أنصت إلى دموعى، ولا تسكت عنى، لأنى غريب عندك" (مز 39: 12)، "اجعل دموعى في زق عندك" (مز 56: 8). إن الذين يسرعون إلى الفرح حال توبتهم، يفقدون بركة الإنسحاق وتعزية الدموع. وقد يرجعون إلى الخطية مرة أخرى، لأن التوبة لم تستوف مطالبا من الانسحاق ومن البكاء وهذا الفرح السريع عطل القلب عنه الشعور بمرارة الخطية وقداحتها، فعبر عليها كما لو كانت أمرًا بسيطا.. حينما يبدأ التائب في البكاء والتذلل أمام الله، يحاربه الشيطان بعبارة: "امنحنى بهجة خلاصك" (مز 50). والملاحظ أن داود النبى قدمها كطلبة، ولم يعرفها كحالة.. ولاشك أنه لا يتمتع ببهجة الخلاص إلا الذي أدراك مرارة الخطية، وبكى بكاء مرًا كما فعل القديس بطرس الرسول.. لقد كان خروف الفصح يمثل الخلاص من عبودية فرعون، ويرمز إلى ذبيحة المسيح (1كو5: 7). ومع ذلك كان أمر الرب أن يأكلوه على أعشاب مرة (خر 12: 8) متذكرين خطاياهم التي جلبت لهم العبودية. البكاء إذن هو الوسيلة إلى التعزية، كما قال الكتاب: (الذين يزرعون بالدموع، يحصدون بالابتهاج" (مز 126: 5). بهذه الدموع التي تسكبها أمام الله تحصل على بهجة خلاصه. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
التجارب والضيقات التجارب الضيقات والآلام والأمراض والكوارث تجلب الدموع أحيانًا. وبخاصة لو شعر الإنسان بالتخلي أو أنها عقوبة بسبب خطاياه. وهنا يدخل في البكاء عامل روحى، سببه شعور الإنسان أن النعمة قد فارقته، أو أن الله يسلمه إلى أيدى أعدائه.. فيحزن لذلك ويبكى. فأحيانًا يبكى توبة وندمًا. وأحيانًا يبكى في عتاب مع الله ولعل هذا ما فعله داود تجاربه وضيقاته، حينما قال في المزمور. "لماذا يا رب تقف بعيدًا؟ لماذا تختفى في أزمنة الضيق؟" (مز 10: 1). والرب يسمح أحيانًا بالتجارب، لا تخليًا منه، وإنما لفائدتها الروحية. لأن الإنسان في وقت المذلة تجلب له انسحاق القلب، وتواضع الروح، وفيضًا من الدموع يشعره بضعفه، ويزيل منه كل أسباب ومظاهر الكبرياء. وقد يرى الله أن دموع أحد أبنائه قد جفت بلذة العالم.. فيسمح له بالتجارب والضيقات، لكي تعصر عينيه بعد أن تعصر قلبه.. والله لا يمنع هذه التجارب حتى عن قديسيه. وفي هذا يقول المزمور: "كثير هى أحزان "بلايا "الصدقين، ومن جميعها ينجيهم الرب" (مز 34: 19). إنه يسمح بهذه البلايا أن تصيب قديسيه. فإن أتت بنتائجها الروحية، حينئذ ينجيهم منها. وهنا أحب أن أفرق بين نوعين من التجارب ونوعين من الدموع.. نوع علمانى والآخر روحى.. هناك تجارب مادية أو عالمية، تصيب الإنسان، في ماله أو جاهه، أو مركزه، فيبكى حزنًا لذة ضائعه من ملاذ هذه الدنيا.. وربما في بكائه يتذمر ويتضجر، حتى على الله نفسه!! كأن الله كان سببًا في بلاياه! مثل هذا الإنسان دموعه خطية. ولسنا عن هذا النوع نتحدث. إن دموعه تدل على محبته العالم والأشياء التي في العالم، التي تبيد وشهوتها معه (ايو 2: 16،17) والإنسان آخر كلما تضغط عليه التجارب، يشعر بتفاهة الدنيا، ويشتاق إلى عالم أفضل، هذا إنسان روحى إن بكى، يبكى خوفًا من تخلى النعمة عنه.أوانه يكون قد أحزن الرب، فتركه إلى هموم العالم هذا الإنسان بكاؤه روحى ممزوج بالتوبة وتواضع القلب، وممزوج بالاعتراف أيضًا. وقد يقول في قلبه: إن ما حدث لى، أقل بكثير مما أستحقه بسبب خطاياى. وخير لي أن أستوفى البلايا على الأرض كلعازر المسكين (لو 16: 25). أو يقول مع المرتل في المزمور: "خير لي يا رب أنك أذللتنى، حتى أتعلم حقوقك" (مز 119: 71). إن مثل هذه الدموع تجلب للقلب عزاء، لأن الله يكون قد فبلها كرائحة سرور قدامه، وقبل دوافعها الروحية أيضًا.. وقد تكون التجارب من الضغط حروب الشياطين، ويبكى الإنسان شاعرًا بضعفه، طالبًا من الرب معونة. فشعور الإنسان بأنه أضعف من أن يقاتل هذه القوى الروحية، قد يجلب دموعًا، خوفًا من أن يسقط.. أو أن أفكار العدو تكون قد نجست إنسان الله، فيبكى حرصًا على نقاوة قلبه وفكره وشعوره، ويجاهد طالبًا نعمة الله معه. وعن هذه الحرب الروحية، أرسل بولس الرسول موبخًا العبرانيين بقوله: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4). هذا الجهاد حتى الدم، تدخل الدموع عنصرًا فيه. حيث يخاطب الرب قائلًا "أنصت إلى دموعى" (مز 119) ولا تتخل عنى، لأنى بدونك لا استطيع أن أفعل شيئًا (يو 15:5). |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
تذكار الموت المنشغل بالحياة الحاضرة لا يبكى. بل قد يقول مثل الغنى الغبى: "أهدم مخازنى وأبنى أعظم منها، وأجمع هناك جميع غلاتى وخيراتى. وأقول لنفسى: يا نفسى لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين عديدة فاستريحى وكلى واشربى وافرحى" (لو 12: 18، 19) إن متع الدنيا تلهبيه عن أبديته، فلا يبكى، بل يفرح ويتمتع!! أما الإنسان الروحى، فإن يضع أبديته أمامه في كل حين، ويدرك أن يوم الرب قد يأتى كلص (رؤ 16: 15)، تراه يستعد لهذه الأبدية، وما تستلزمه من حياة التوبة والجهاد والكمال المطلوب والقداسة.. وإذ يذكر الموت يبكى.. لأنه ليس مستعدًا له.. ولا يزال أمامه جهاد طويل، لم يسرفيه خطوه واحدة.. إن أرسانيوس العظيم، رجل الوحدة والصمت والصلاة، كان يبكى لتذكار الموت.. إن كان الإنسان الروحى يبكى لتذكار الموت بصفة عامة.. فكم يكون بكاؤه إن كان الموت متوقعًا لسبب واضح يوحى به! إن البكاء وحدة ليس هو كل شئ. وليس هو بسبب مفارقة الأهل والأحباب وأو مفارقة ملاذ الدنيا، كما يفعل أهل العالم ومحبوه! إنما هو بكاء مصحوب باستعداد روحى، استعداد لمقابلة الله. وهكذا كان القديسون ينصحون بتذكار الموت، وبزيارة المقابر. إن القديس الأنبا أنطونيوس تأثر روحيًا بوفاة أبيه بالجسد، وزهد الدنيا وخرج منها بإرادته، قبل أن يخرجوه كارها.وموكب موت شاهده الأنبا بولا ترك تأثيره أيضًا، فترك العالم والمال والقضايا، وصار أول السواح وكان القديس أبا مقار الكبير يضع أحيانًا جمجمة تحت رأسه تذكره بالموت. وأبا مقار الأسكندرانى زار إحدى المقابر. والقديس أنطونيوس الكبير في بدء حياته الرهبانية سكن في مقبرة.. تذكار الموت له فوائده العديدة، الدموع واحدة منها.. تذكار الموت يوقف الإنسان أمام حقيقة نفسه، وأنه مجرد بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل (يع 4: 14)، وأنه "كزهر الحقل كذلك يزهر. لأنن ريحًا تعبر علية فلا يكون، ولا يعرفه موضعه بعد" (مز 103: 15، 16). ولذلك حسنًا قال داود النبى: "عرفنى يا رب نهايتى، ومقدار أيامى كم هى، لأعلم كيف أنا زائل" (مز 39: 4). وقال أيضًا "إنما كل إنسان قد جعل. إنما كخيال يتمشى الإنسان" (مز 39: 5، 6). بتذكار الموت، يتضع الإنسان وينسحق. والإتضاع والإنسحاق يجلبان الدموع. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الفرح والتأثر كمال أن الحزن الشديد يجلب الدموع، كذلك يسببها الفرح العميق أيضا. إن يوسف الصديق وأباه يعقوب لم يضبطا أنفسهما من البكاء الشديد عند لقائهما بعد غيبة طويلة. التأثر الشديد داخل القلب، فاض دمعًا. ويقول الكتاب إن يوسف لما رأى أباه "وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانًا" (تك 46: 29). ونفس التأثر والبكاء، حينما عرف يوسف أخوته بنفسه. وإن كانت المشاعر وقتذاك تختلف عن مشاعره حين لقائه بأبيه ويقول الكتاب في ذلك "فلم يستطع يوسف أن يضبط نفسه.. فصرخ: اخرجوا كل إنسان عنى. فلم يقف أحد عنده، حين عرف يوسف اخوته بنفسه. "فأطلق صوته بالبكاء.. وقال يوسف لأخته: أنا يوسف. أحى أبى بعد؟" (تك 45: 1-3)0 ونفس التأثر نراه حينما قابل يعقوب في غربته، راحيل ابنة خاله. كانت مصادقة مفرحة ما كان يتوقعها. فلما رآها، وسقى لها غنمها، يقول الكتاب "وقبل يعقوب راحيل. ورفع صوته وبكى. وأخبر يعقوب راحيل أنه أخو أبيها، وأنه ابن رفقة" (تك 29: 11). إن دموع الفرح باب طويل.. دموع الفرح بالنجاح والتوفيق.... دموع الفرح باللقاء بعد غيبة. دموع الفرح بعمل الله معنا، في أي أنقاذ من ضيقة. وفي حل أي اشكال معقد.. دموع الفرح بالنجاة وبالفرح.. ما أكثر دموع القديسين فرحًا.. وليست كلها بكاء على الخطايا. وهنا نذكر مجالًا آخر للدموع، أو سببًا لها وهو الصلاة. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الصلاة https://st-takla.org/Pix/People-Chris...--Tears-04.gif يبكى الإنسان في صلاته، إذا كانت صلاته من عمق مشاعره وعواطفه قد يبكى خشوعًا، وهو يشعر بعدم استحقاقه للوجود في حضرة الله. وقد بكى أمام المذبح أو الهيكل، وهو شاعر بهيبة المكان.. أو أثناء التناول أيضًا للشعور بنفس الهيبة. وقد بكى حبًا لله، الذي قبله إليه، ولم يضع معه حسب خطاياه وضعفاته. وقد يبكى تأثرًا ببعض كلمات وردت في الصلاة هزت مشاعره. كما يبكى بعض الآباء الكهنة وهم يصلون قسمة ذبح اسحق في يوم خميس العهد. وقد يبكى خجلًا، لأنه لم يف بوعوده التي عاهد الرب بها. وقد يبكى حزنًا على ضعفه وتقصيره، وعلى مرات سقوطه، كما نقول في صلاة نصف الليل. "اعطنى يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة..) وقد تكون دموعه في صلاته هى دموع التوبة، لأنه استطاع أن يعود إلى الله أخيرًا بعد غيبة طويلة، أو بعد غيبة عميقة. إنها مشاعر تختلف من شخص لآخر، يتأثر بها القلب فتدمع العينان. هناك سبب آخر يدعو إلى البكاء وهو الشعور بالعجز. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الشعور بالعجز الذى يشعر بقوته وقدرته وسيطرته على المواقف، ربما من الصعب أن يبكى وهو في هذا الشعور. لكن يبكى الذي يشعر في أعماقه بأنه عاجز، أو غير قادر على التصرف السليم، أو حائر أمام إشكال. حينئذ يبكى، إذ ليس أمامه سوى البكاء. وقد يصلى في بكائه طالبًا حلًا ومعونة من القادر على كل شيء هكذا قد نبكى أمام مريض عجز الأطباء عن علاجه، أو أمام كارثة لا منقذ منها، أو مأساة قادمة ولا مفر من مواجهتها، ولا يمكن تفاديها. ويزداد الألم والبكاء، إن كان هذا الإنسان عاجزًا، وكل من حوله عاجز مثله، في ذلك الموقف أو قد يبكى الإنسان بسبب خطية أو شهوة أو عادة سيطرت عليه، ويريد أن يتخلص منها، ولكنه شاعر بعجزه أمامها أو بسبب عدو بضغط عليه، ويذل في الأرض نفسه، وهو عاجزًا تمامًا عن مقاومته ويبدو أنه لا خلاص.. هذا الشعور بالعجز، إن اختلط بصلاة وعاطفة، فلا مفر من الدموع. نتحدث عن سبب آخر وهو: الشعور بالتخلى. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الشعور بالتخلي سواء وقف الإنسان وحده، وتخلى عنه كل الأصدقاء والأحباء أو بالأكثر الإحساس بتخلى النعمة عنه شعور القلب بأن الله قد تركه، حتى لو كان شعورًا خاطئًا، ولكنه موجود، يضغط على نفسه فيتألم ويبكى.. وبخاصة لو حدث هذا الإحساس بالتخلى وسط ظروف ضاغطة ومشاكل مؤلمة أو لو حدث التخلى في سقطات روحية، ظن الإنسان أنه لا قيام منها. أو أحاطت بالإنسان الكوارث أو ألوان من الفشل المتلاحق. وشعر أن كل هذا بسبب تخلى الله عنه، بسبب خطاياه. وفى وسط كل هذا كل هذا يبرز سبب آخر للدموع هو: الشماتة. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الشماتة وكما قال الشاعر: كل المصائب قد تمر على الفتى فتهون غير شماتة الأعداء إن الشماتة سبب لألم عميق، سواء من أعداء، أو من معزين متعبين كأصدقاء أيوب (أى 16: 2) وقد شكا داود النبى كثيرًا من هذه الشماتة في مزاميره. فقال".. إلهي عليك توكلت، فلا تخزني إلى الأبد، ولا تشمت بى أعدائى" (مز 35: 2). وصرخ في مزمور آخر قائلا "حتى متى الخطاة؟ حتى متى الخطاة يشمتون" (مز 94: 3). نرى ميخا النبى يجتذب نفسيته خارج شماتة الأعداء هذه التي تحزن القلب، فيقول "لا تشمتي بى يا عدوتى، فإنى إن سقطت أقوم" (مى 7: 8) إن استمرت الشماتة تدمى القلب وبالتالى تدمع العينين، إلا للذين ارتفعوا تمامًا عن كلام الناس حتى القديسون كانت الشماتة الروحية تتعهبم، وبخاصة ممن يقولون "أين هو الرب إلهم.."!! |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
معوقات الدموع
|
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
قسوة القلب القلب الرقيق الطيب دموعه قريبة. أما القلب القاسى فتبتعد عنه الدموع. من السهل أن يبكى بطرس بكاء مرًا. ولكن من الصعب أن يبكى فرعون أو أن يبكى هيرودس. كذلك فإن الشدة والحزم، قد تمنعان الدموع أيضًا. لأن الإنسان يستخدم في ذلك الوقت القوة لا الرقة ويستثنى من هذا حالة الحزم النابعة من قلب مملوء من الحب، كما قيل عن السيد في تطهير الهيكل: يا قويًا ممسكًا بالسوط في كفه والحب يدمى مدمعك وفى حديثنا عن القوة والرأفة نقول: إن الدموع عند المرأة أسهل وأكثر مما عند الرجل. ولكن إن بكى الرجل، تكون دموعه أعمق. ذلك لأن شدته أو قوته لم تستطع أن تقاوم المشاعر الجيّاشة. فلابد أن سبب الدموع كان أقوى والانفعال بها كان أشد.. إن الدموع والقسوة لا يتفقان معًا. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
إدانة الآخرين وبالذات القسوة والشدة في الحكم على الناس.. هناك أشخاص عنفاء جدًا في أ حكامهم. إذا أنتقدوا إنسانًا، ينتقدونه بشدة وبقسوة، وبقلب خال من الحب ومن العطف، وخال من تقدير ظروف الآخرين.. الإنسان الذي الحالة، لا يمكن أن تسيل دموعه، إلا إذا تخلص من هذه المشاعر! الحديث عن أخطاء الناس، أو التشهير بهم، سبب من الأسباب الرئيسية التي تمنع الدموع. وفي نفس الوقت فإن هذا التشهير سبب من الأسباب التي تقسى القلب، وتبعده عن الرقة التي يتصف بها أولاد الله.. إدانة الآخرين ليست فقط قسوة وعنفًا. وإنما فيها أيضًا ينسى الإنسان خطاياه الخاصة. والذى ينسى خطاياه، يبعد عن أهم مصدر للدموع.. أما الإنسان الروحى، فإنه يشفق على الخطاه متذكرًا قوة العدو وحروبه، وضعف الطبيعة البشرية، ومتذكرًا أيضًا خطاياه وسقطاته. فيبكى على الساقطين كما يبكى على نفسه وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: "اذكر المقيدين، كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3). رجل الدموع يمكن أن تكون عنده هذه المشاعر. ومن عنده هذه المشاعر يمكن أن يقتنى الدموع. وهكذا كان القديس يوحنا القصير.. حينما كان يرى إنسانًا يخطئ، كان يبكى ويقول: هذا الإنسان سقط اليوم. وقد أسقط أنا مثله غدًا وربما يخطئ هو يتوب ويخلص بينما أخطئ أنا أتوب... وهكذا كانت خطايا الناس تدفعه إلى البكاء، ولا تدفعه إلى والإدانة. والقديس موسى أيضًا كان باستمرار يتذكر خطاياه، لا خطايا الناس وهناك قاعدة روحية تقول: إن الإنسان يسقط عادة في الخطايا التي يدين الناس عليها.. والله يسمح بهذا، لكي يخزى كبرياء الذين يدينون غيرهم. لكي نعرف أننا إذا سرنا حسنًا فليس هذا لقوة فينا، إنما بسبب معونة تأتينا من فوق. فإن أدنا غيرنا بقساوة قلب، تتخلى عنا النعمة الحافظة، فنسقط مثلهم..وحينما نسقط، ونبكى على خطايانا، شاعرين بضعفنا، وبأن الخطية "طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقويا" (أم 7: 26) وحينئذ ترق قلوبنا، ونشفق على غيرنا، ولا ندين الساقطين، بل نبكى من أجلهم.. شاعرين بأن الشيطان نشيط، ونشاطه يدعونا إلى الخوف والحرص والبكاء وطلب معونة. مثلما نسمع أن أسدًا في الطريق قد افترس إنسانًا... لا ندين هذا الإنسان، بل نبكى عليه، ونبكى على أنفسنا من خطر هذا الأسد المفترس، الذي شبه به الرسول عدونا الشيطان الذي يجول ملتمسًا من يبتلعه (1بط 5: 8) أو مثلما نسمع عن وبأ أصاب آخرين فماتوا.. هل نبكى عليهم أم ندينهم..!؟ هكذا الخطية، وهكذا الشيطان، وهكذا حال الذين يسقطون، والذين يدينوهم.. الإدانة إذن هى قسوة، ونسيان لقوة العدو، ونسيان للضعف البشرى. وكلها أمور تبعد الدموع.. وبنفس الوضع نتحدث عن الإدانة المستترة. ونقصد بالإدانة المستترة التي تختفى وراء النصح أو التوبيخ أو الإنذار. ولعلك تسأل: هل معنى هذا إننى لا أنصح أحدًا ولا أحذره؟ أقول لك: يمكن أن تفعل هذا، ولكن في محبة، وليس بروح التعالي. وتذكر قول بولس الرسول لرعاة أفسس: "متذكرين إننى ثلاث سنوات ليلًا ونهارًا، لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل أحد" (أع 20: 31) لأنه ينذر، ولكن بدموع.. بدموع فيها حب ورقة، وخوف عليهم من السقوط، وتقدير للضعف البشرى. تذكر أن الطبيب حينما ينزع جزءًا فاسدًا من مريض، إنما يفعل ذلك يحنو دون أن يشمئز من فساد هذا الجزء الذي بقطعه، ودون أن يدين المريض بسبب ذلك |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
العنف الإنسان العنيف لا يبكى. إنما يمنع عنه الدموع.. أيًا كان هذا العنف ونوعه.. فالقاتل لا يبكى. وقد يكون القتيل في حالة تذيب القلوب، وقد يتوسل إليه. ولكن قساوة قلبه في العنف، تجفف عينيه.. قد يبكى فيما بعد، حينما يرجع إلى نفسه ويتذكر قسوته.. وكذلك المخرب والتاثر.. وحتى العنيف في المنافسة، أو الخصومات، أو النزاع مع الناس أيًا كان نوعه. الذى يصيح ويعلو صوته في نقاشة مع الآخرين، هذا تهرب منه الدموع. الذى يحل المشاكل بعنف، أو يقرض عقوبات على مرؤوسيه بعنف، أو يستخدم العنف في المعاملات.. هذا أيضًا بعيد عن موهبة الدموع. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الغضب والحقد من المحال أن إنسانًا غضوبًا، تكون له موهبة الدموع. الدموع كما قلت تتمشى مع رقة القلب. والإنسان الغضوب يتصف بالحدة والعنف والقسوة. وهذه كلها ضد الدموع. من الجائز أن إنسانًا غضوبًا، يبكى من الغيظ والقهر. مثلما بكى عيسو لما اكتشف أن أخاه يعقوب أخذ منه البركة (تك 27: 38). ولكن هذه ليست من الدموع الروحية التي نتحدث عنها. ومن الجائز أن دموع الغيظ والقهر توجد في العلاقات العائلية، أو مجالات العمل.. إنها دموع، ولكن ليست من النوع الروحى.. ربما يدفع إليها اليًاس أو العجز أو الفشل أما الدموع الروحية فتصدر من قلب نقى، رقيق، حساس. الذى يقتنى موهبة الدموع، ثم يسلك في الطبع الغضب، بفقد تلك الموهبة.. ويجد أن دموعه قد جفت، أو فارقته، على الأقل في وقت غضبه.. فإن كان الله قد وهبك دموعًا، ثم فقدتها أدخل إلى داخل نفسك، وابحث عن السبب وعالجه. واسأل نفسك: هل كان الغضب من أسباب فقدك للدموع. الغضوب يركز أثناء ثورته على أخطاء غيره. أما صاحب موهبة الدموع، فيركز على أخطائه الخاصة. تركيزه على أخطائه الخاصة يبكيه، متذكرًا ضعفه وسقوطه وانفصاله عن الله.. أما التفكير أثناء الغضب في أخطاء الغير، فإنه قد يثير المشاعر والأعصاب، كما أنه ينسى الإنسان خطاياه.وقت البكاء وهو وقت مشاعر وأحاسيس. أما وقت الغضب، فهو وقت أعصاب وثورة وقسوة. وقت البكاء يسوده الحب، وأما وقت الغضب فتسوده الكراهية.. لذلك لا تلم غيرك، إنما لم نفسك. فلآباء يقولون: ملامة النفس تمنع الغضب.. وإن غضب الذي يلوم نفسه، فإنما يغضب على نفسه، لا على غيره.. لذلك نقوا أنفسكم من الغضب، إن أردتم أن يهبكم الله موهبة الدموع.. كذلك فإن الحقد أصعب وأقسى من الغضب. إن كانت إدانة الآخرين تمنع الدموع، والغضب يلاشيها. فمن باب أولى الحقد والكراهية والعداوة، لأنها درجات أكبر من الغضب واعنف. وتدل على قسوة في القلب، ورفض لغفران إساءة المسئ.. وكلها تعكر القلب وتفقده رقته. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الحياة في الخطية الألم بسبب الخطية، يجلبب الدموع ويكون في التوبة. أما الحياة في الخطية والتلذذ بها، فيمنعان الدموع. لأنه على أي شيء يبكى الإنسان، إن كان مسرورًا بحياة الخطية التي يعيشها؟! إن البكاء قد يأتي من وخز الضمير الثائر علية. أما في التمتع بالخطية، فإن الضمير يكون نائمًا أو مخدرًا!! والإنسان تقوده المتعة لا الضمير. بل الإنسان في الخطية، قد يبكى إن فقد الخطية!! وتكون دموعه في هذه الحالة خطية.. مثلما بكى بنو إسرائيل في البرية، ما لم يجدوا لحمًا يأكلونه (خر 16: 3) ومثلما يبكى إنسان مدمن، لا يجد ما اعتاده من المخدرات.. أو كما يبكى محب المال، إن فقد أمواله! أو كما يبكى محب اللذة الجسدية، إن أغلقت أبوابها أمامه.. أو محب العظمة والسلطة إن فقدها، وأصبح شخصًا عاديًا..!! وكلها دموع عالمية أو مادية، تعتبر خطية تضاف إلى الخطايا السابقة.. فهذه الدموع الخاطئة تدل على محبة عميقة للخطية. وبالتالى تدل على انفصال القلب عن الله..كما تدل على تعلق القلب بالعالم والماديات. وليست هى نوع الدموع الروحية التي نتحدث عنها. على أنه قد يحيا الإنسان أحيانًا في الخطية، وتوجد له دموع روحية. فكيف ذلك؟ نذكر لهذا مثلًا. قد يحيا إنسان في الخطية، مقهورًا من عادة مسيطرة عليه. فيبكى إذ يريد من كل قلبه أن يتخلص من الخطية، وإرادته أضعف من أن تساعده! هذا الإنسان تنتشله النعمة، ويعتبر الله بكاءه بداية للتوبة. وينظر إلى قلبه لا إلى عمله، إن كان صادقًا في نيته وفي دموعه.. وإن كان يفعل الخطية وهو غير متلذذ بها، إنما وهو مقهور منها.. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
اللذة والرفاهية اللذة بطبيعتها تتناقض مع الدموع. والذى يعيش في لهو ومتعة ورفاهية، يتمتع بالمال والمادة والسلطة وكل متعة عالمية.. هذا الإنسان من أين تأتيه الدموع..؟! بل إنه يحتاج إلى دموع الناس عليه، لكيما يصل إلى حياة الدموع. الذى يحيا حياة اللذة والمتعة، يكره الدموع، لأنها تعكنن عليه!! وتقطع حبل متعته، وتكون كنشاز في اللحن ملاذه كل هذه الأشياء، حتى لا يفكر في أبديته! لذلك أبعد عن حياة اللذة، حينئذ تدرك تفاهتها، فتبكى على الأيام الذي ضيعتها فيها.. وحينئذ تنشد مع سليمان الحكيم "لكل باطل وقبض الريح"، "باطل الأباطيل، الكل باطل ولا منفعة تحت الشمس" (جا1)... لقد قال هذه العبارات إنسان مجرب، ذاق كل متع الدنيا، على تعدد أنواع، وقال في ذلك "ومهما اشتهته عيناى، لم أمنعه عنهما" (جا2: 10). ومع ذلك وجد الكل الباطل، ووجد أنه "بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا7: 3) ينبعى أن تعرف أن حياة اللذة، هى ضدك وليست لك. وهى تنسيك حقيقتك! الإبن الضال حينما كان يعيش في حياة اللذة العالمية، ما كان يدرى ما هو فيه. ولكنه وصل إلى التوبة وإلى انسحاق النفس، حينما عاد إلى نفسه، وشعر بسوء خالته وعندئذ فقط بدًا حياته الحقيقية كابن، وعاد إلى بيت أبيه.. كذلك نقول: إن الاستغراق في الضحك والمزاح، يمنع الدموع. حقًا كما قال الحكيم "البكاء وقت، وللضحك وقت" (جا 3: 4). ولكن مع ذلك فإن الذين يعيشون في حياة كلها مزاح وضحك، من الصعب أن يصلوا إلى حياة الدموع.. على الأقل في وقت ضحكهم، يكونون بعيدين عن الدموع. إذن، إن كانت حياة اللهو والضحك واللذة والمتعة، تمنع الدموع.. فإننا نقول من الناحية العكسية: إن التجارب والضيقات والأمراض والآلام هى من مسببات الدموع.. ففيها يشعر الإنسان بضعفه، وبثقل النير عليه، فيتجه إلى الله، ويسكب دموعه أمامه.. ولكن على شرط أن يقبل التجارب والضيقات بغير تذمر. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
التذمر أن التذمر سبب من الأسباب التي تمنع الدموع. فإن الإنسان في تذمره يكون ساخطًا، وشاعرًا بأنه لا يستحق كل هذا الذي يحدث له. وفي سخطه وتذمره يفقد التواضع ويفقد الانسحاق اللذان يجلبان الدموع.. وفى التذمر، يشعر الإنسان أنه مظلوم، وبالتالى يدين من ظلمة. وهكذا ينتقل من التفكير في خطاياه، إلى التفكير في خطايا غيره.. وهذا ضد منهج الدموع.. والذى يتذمر قد يتذمر على الله نفسه، فيجدف، وفي كل ذلك يكون بعيدًا عن الجو الروحي الذي تسيل فيه الدموع.. بل إنه تذمره قد يدخل في قساوة. القلب، وفي الاعتداد بالذات، وفي الغضب والحقد.. ولا يمكن أن يجد دموعًا وسط هذه المشاعر الخاطئة كلها إن كانت الدموع تتفق مع التواضع والانسحاق، فلاشك أن كبرياء القلب وكبرياء التصرف، كلها تمنع الدموع.. وإن كانت الدموع تتفق مع لوم النفس وتبكيت الذات، فبالتالي يكون الفخر والحديث عن فضائل النفس، من الأسباب المانعة للدموع. فلا يمكن أن يبكى الإنسان وهو سعيد بذاته، يرفع شأنها، ويمتدح صفاتها. نفس الكلام نقوله عن العظمة، ومحبة المناصب والمتكآت الأولى، ومحبة الكرامة ومديح الناس.. فكل هذه تمنع الدموع تمامًا.. لأن الدموع تتفق مع الشعور بالضعف، وليس مع الشعور بالقوة والعظمة والسلطان.. كذلك فإن الافتخار بالدموع، يمنع الدموع. |
رد: كتاب الدموع في الحياة الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث
الفخر والكبرياء فقد تسلك في الطريق الروحى السليم، وفي الحياة التوبة وحياة الاتضاع والانسحاق، وفي كل مسببات الدموع.. فإن أتتك الدموع، يحاربك الشيطان بها لكي يوقعك في المجد الباطل. فإن فرحت بالدموع، أو افتخرت بها، أو أظهرتها قصدًا، حينئذ يمكن أن تمتنع عنك وتنقطع.. ولذلك قال القديسون: إذ ما أتتك الدموع، فلا تنشغل بها. إنما فكر في الأسباب التي جلبت الدموع. إن بكيت مثلًا بسبب خطاياك، فكر في بشاعة تلك الخطايا، فيزداد انسحاقك وتزداد دموعك.. وحاذر أن تفتخر بدموعك أو تفرح بها، لأنك في هذا الوقت تكون قد نسيت خطاياك، وانتقلت من الانسحاق إلى الكبرياء، أي انتقلت من مسببات الدموع إلى موانع الدموع. ولتكن دموعك بينك وبين الله، لا تكشفها للناس، ولا تتكبر بسببها. فكل ذلك يمنعها بعد مجيئها. |
| الساعة الآن 09:02 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026