منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   كتب البابا شنودة الثالث (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=243242)

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 04:57 PM

كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
كتاب حياة الرجاء
البابا شنوده الثالث
قصة هذا الكتاب

كثيرون جدًا يحتاجون إي كلمة تعيد إليهم الرجاء.. يحتاجون إلي نافذة من نور، تبدد الظلمة التي تكتنف نفوسهم..
نفوسهم تصغر أمام المشاكل التي تبدو معقدة، وبلا حل.. وتزيد حروب الشيطان من المخاوف في عدم حلها..
كذلك يظنون أنه لا فكاك من الخطايا التي استمرت معهم زمانًا، حتى صارت شبة مسيطرة عليهم، يكررونها في كل اعتراف بلا توبة، مهما حاولوا التوبة.. هؤلاء يقولون مع داود النبي ما ورده في المزمور الثالث:
"كثيرون يقولون لنفسي: ليس له خلاص بإلهه" (مز 3).
وللأسف لا يكملون باقي المزمور وما فيه من رجاء..
ولأهمية هذا الموضوع، ولحاجة الكثيرين إليه، تكلمت في عظات عديدة جدًا عن الرجاء ودخل الرجاء ضمن عظات أخرى من الصعب أن أحصيها، ولذلك لما أردت أن أجمع كل ما قلته في موضوع الرجاء، بدأ الأمر صعبًا،مما تسبب في تعطيل صدور هذا الكتاب الذي دخلت أجزاء من مقالات في المطبعة وجمعت.. وانتظرت أخواتها، وطال الانتظار... وتحيرت ماذا أقدمه للطبع، وماذا أتركه أو أرجئه؟؟
وأخيرًا اكتفيت بهذه المقالات الخمس عشرة التي ضمها هذا الكتاب، حتى يمكن أن يصدر الآن. علي أن نستبقى المقالات الأخرى الخاصة بالرجاء، لكي تنشر في جزء ثان، أو تضاف إلي هذا الكتاب عند إعادة طبعة بمشيئة الله.
والرجاء هو أحد الفضائل الثلاث الكبرى التي ذكرها الرسول في (1 كو13: 13).
وأعنى بها: الإيمان والرجاء، والمحبة.
ولقد أصدرنا لك كتابًا عن (حياة الإيمان) في بداية الثمانينات، وقد وضعناه هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت. وها هوذا كتاب الرجاء. وبقى كتاب ثالث نصدره عن المحبة.. محاضراته كلها جاهزة، لا تنقصها سوى مراجعة بسيطة وتقدم إلي المطبعة.. بصلواتك.
وبهذا تكمل المجموعة إن شاء الله.
البابا شنوده الثالث
1991

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 04:58 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الرجاء
https://3.bp.blogspot.com/-8uSZx63HUK...400/pope1.jpeg

الرجاء هو أحدي الفضائل الثلاث الكبرى التي ذكرها معلمنا بولس الرسول في رسالته الأولى إلي كورنثوس حيث قال.. (الإيمان والمحبة هذه الثلاثة) (1كو13:13) وهذه الثلاثة ترتبط بعضها بالبعض الآخر فالإيمان يلد الرجاء، لأن الذي يؤمن بالله، إنما يكون رجاء فيه، والذي يكون له رجاء في الله، يحبه وهكذا يصل إلي قمة العلاقة بالله في المحبة.


الرجاء قديم قدم البشرية بل أقد منها،

فأول رجاء عرفة البشر هو رجاء في الخلاص، حينما وعد الرب قائلًا لآدم وحواء (إن نسل المرأة يسحق رأس الحية) (تك15:3).

وظل هذا الرجاء في قلوبهم آلاف السنين حتى تحقق أخيرًا في تجسد الرب، وفي صلبه عن البشرية.

وحتى الذين لم ينالوا هذا الرجاء، عاشوا فيه، وكما قال معلمنا بولس (لم ينالوا المواعيد، ولكنهم نظروها من بعيد وصدقوها) (عب13:11).

وهكذا رقدوا علي رجاء، إلي أن افتقدهم الرب وأرجعهم إلي الفردوس مرة أخري.


علي أن الرجاء كان موجودًا قبل آدم وحواء، في قصة الخليقة الأولي،
ة

كان هناك رجاء لتلك الأرض الخربة الخاوية المغمورة بالمياه، وعلي وجه الغمر ظلمة (تك1:1).

وحقق الله لها هذا الرجاء حينما قال (ليكن نور فكان نور) ورتب الله هذه الأرض الخربة، فإذا بها في أجمل صورة ممكنة، فيها الأشجار والأثمار والأزهار والأطيار. ورأى الله أن كل شيء فيها حسن جدًا. ولذلك مهما كانت الأرض خربة في يوم من الأيام ومهما كانت خاوية، ومهما كانت مغمورة بالمياه، ومهما كانت مظلمة، فهناك رجاء أن الله يخرج منها هذه الصورة الجميلة من الطبيعة المملوءة بالجمال التي نراها الآن.


الرجاء إذن هو شيء هام في الحياة ولو فقد الإنسان الرجاء فقد كل شيء، لأن الإنسان الذي يفقد الرجاء، يقع في اليأس، ويقع في الكآبة، وتنهار معنوياته، ويقع في القلق، والاضطراب ومرارة الانتظار بلا هدف وقد يقع بذلك ألعوبة في يد الشيطان، لذلك نقول إن الشيطان هو الذي يقطع الرجاء.

أما أولاد الله فباستمرار عندهم رجاء، يعيشون في الرجاء في كل وقت.. في الضيقة يعيشون في رجاء، ومهما تعقدت الأمور، ومهما بدا أن الله قد تأخر عليهم، مهما بدا كل شيء مظلمًا، هناك رجاء.


وأولاد الله عندهم رجاء أيضًا في الحياة الأخرى، في العالم الآخر في تحقق وعد الرب من حيث ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ولم يخطر علي بال إنسان. هذه هي الحياة الأخرى التي نجاهد على الأرض لكي ننالها. وعلى رأى معلمنا القديس بولس الرسول "إن كان لنا رجاء في هذا العالم فقط، فنحن أشقى جميع الناس" (1 كو 15).

وهناك رجاء أيضًا حتى للخطاة في التوبة، بل أشر الخطاة على الأرض لهم رجاء.


وهناك رجاء للص وهو علي الصليب في أخطر سعات حياته. وهناك رجاء لزكا رئيس العشارين الذي كان يمثل قمة الظلم في عهده، وهناك رجاء للمجدلية التي كان فيها سبعة شياطين فإذا بها إحدى المريمات القديسات، وقد استحقت أن تكون مبشرة للحد عشر بالقيامة. وهناك رجاء حتى للشجرة التي لم تثمر ثلاث سنوات فقال الرب "أنقب حولها وأضع زبلًا، لعلها تثمر فيها بعد" (لو 13: 8).



المسحية تعطي رجاء حتى للقصبة المرضوضة وللفتيلة المدخنة.

القصبة المرضوضة قادر الله أن بعصبها، والفتيلة المدخنة قادر الله أن يرسل لها ريحًا فتشعل، ولهذا من جهة الرب "شجعوا صغار النفوس". وأعطى في ذلك رجاء حتى للركب المخلعة، وحتى للأيدي المسترخية.


في المسيحية يوجد رجاء للأفراد ويوجد رجاء للهيئات، ويوجد رجاء للكنائس ويوجد رجاء للبلاد ويوجد رجاء للعالم كله.


لنا رجاء في افتقاد الرب للبشرية في كل وقت. هذا الرجاء لا يضعف أبدًا عند المؤمنين مهما بدا الأمر صعبًا وكيف ذلك؟


لقد كان هناك رجاء ليونان النبي وهو في بطن الحوت.

هل إنسان يكون في جوف الحوت ويكون له رجاء؟ ولكن يونان ركع علي ركبتيه وصلى وهو في جوف الحوت. وقال للرب "أعود فأرى هيكل قدسك". كان له رجاء، وقد تحقق.

وكان هناك رجاء حتى للثلاثة فتية وهم في أتون النار، ولدانيال وهو في جب الأسود.

وكان هناك رجاء حتى للعاقر التي لم تلد،

التي قال لها الرب في سفر إشعياء "ترنمي أيتها العاقر، ووسعي خيامك، لأن نسلك سيرثون أممًا ويعمرون مدنًا خربة" (اش 54).

كان هناك رجاء أعطاه لنا الرب في رمز الذين قاموا من بين الأموات. حتى لعازر الذي قالت عنه أخته مرثا أنه قد أنتن (يو 11) قدم لنا الرب رجاء في ان يقوم من الأموات.


وهناك رجاء قدمه الرب في شفاء الرب في شفاء الأمراض المستعصية..


في إعطاء البصر للعميان، والصحة للجدع والعرج والمشلولين، وكل ذي عاهة، وصاحب اليد اليابسة، حتى الإنسان الذي قضي ثماني وثلاثين سنة إلي جوار البركة لا يجد من يلقيه فيها، كان له رجاء أن يأتي له المسيح ويقول له "احمل سريرك وامش" (يو 5). مهما كان الأمر مستعصيًا، ومهما بدا للناس معقدًا، هناك رجاء يقدمه الله.

ولعل الرب أعطانا مثالًا جميلًا في هذا حينما قال "غير المستطاع عند الله "بل صدقوني هناك آية أعمق من هذه جدًا، وهى قول الكتاب "كل شيء مستطاع للمؤمن".

عبارة "كل شيء مستطاع" (مر 9: 23) تعطينا رجاء لا حدود له.

وهكذا يقول بولس الرسول في الرجاء "استطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (فى 14: 13). عبارة كل شيء هي مدى أوسع جدًا يعطينا فكرة أنه لا حدود للرجاء، مادام لا حدود لقدرة الله ولمحبته.

إذا لا حدود للرجاء في المسيحية.

والإنسان المسيحي يجد اختبارًا لفضيلة الرجاء فيه، حينما يقع في ضيقة أو في تجارب متنوعة، أو في آلام صعبة، أو في مشاكل تبدو لا حلول لها، يعرف بالرجاء أن الرب عنده حلول كثيرة، وان الرب لابد أن يأتي مهما بدا أمام الناس أنه قد تأخر.


صدقوني أنني في بعض الأحيان كنت أعاتب أبي ومعلمي القديس داود النبي، حينما كان يقول للرب "أسرع ولا تبطئ".

لأن الرب يا أخوتي ليس عنده إسراع ولا إبطاء. الله يعمل، ويعمل في كل حين، وهو لا يتأخر مهما ظن التلاميذ أنه قد مر الهزيع الرابع من الليل ولم يأت بعد الرب لابد سيأتي، إذا كان عندنا إيمان، نؤمن أن الله لابد سيعمل وسيعمل بقوة وسيعمل في الوقت المناسب أما عبارة التأخير، فهي تحمل مفهومًا نسبيًا عند البشر، يظنون أنه قد تأخر، ولكن مواعيد الله هي، تحددها حكمته، وتحددها رؤيته الصادقة للأمور علي حقيقتها، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالله يعمل باستمرار، وإن ظننا في وقت من الأوقات أنه قد تأخر، يقول لنا المرنم في المزمور "أنتظر الرب، تقو ليتشدد قلبك، وأنتظر الرب" (مز 27: 14).


وهنا نعرف معني الرجاء على حقيقته..

إن الإنسان يرجوا الرب وينتظر الرب، ليس في قلق، ولا ضجر، ولا في تذمر، ولا في شك.

ولكن ينتظر الرب، وقد تشدد قلبه، هو قوي القلب في الداخل، قوى بالإيمان إن الرب يعمل، لا أقول أن الرب سيعمل، فهذا مستوى ضعيف. وإنما أقول أن الإنسان يكون عنده رجاء أن الرب يعمل فعلًا.

أنت لا تؤمن أن الله سيعمل في المستقبل، وإنما ينبغي أن تؤمن أن الله يعمل حاليًا. ولذلك يكون عندك رجاء، فيما لا تراه من عمل الله، ولكن توقن تمامًا وتثق أن الله يعمل. إن الطائرة قد تبدو لمن يستخدمها لأول مرة أنها واقفة في الجو، بينما تكون في سرعة أكثر من ثمانمائة كيلو مترا في الساعة، ولكنها تبدو واقفة! وبعض المراوح الشديدة الحركة تبدو متوقفة، وهي تكون في اقوي درجة من السرعة، وكذلك الكثير من الأجهزة.

الله يعمل، أنت لا تراه يعمل لكن تؤمن بذلك، ويكون لك رجاء بنتيجة عمله التي ستراها بعد حين.

في الضيقات.. الإنسان الذي يرجو الله ينفعه قول المزمور "إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي، وأن قام علي قتال ففي هذا أنا مطمئن".

ولماذا هو مطمئن؟ لأنه يرجو عمل الله فيه، ويري كما كان أليشع يري، أن هناك جيوش الرب تحارب حول المدينة "وان الذين معنا أكثر من الذين علينا" (2 مل 6: 16) ويقول مع المرنم "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ أنكسر ونحن نجونا" (مز 124).


الإنسان الذي عنده رجاء، لا ينظر إلي الضيقات، إنما ينظر إلي الله الذي ينتصر علي الضيقات.

الذي قال "أنا قد غلبت العالم "ويظل فيه هذا الرجاء إلي أخر نسمة، في كل حين، في كل حال، في كل موقف، الرجاء لا يفارقه.

وهذا الرجاء لا يعطى الإنسان سلامًا في القلب، طمأنينة في الداخل، فرحًا قلبيًا علي أساس، ولهذا يقول الرسول في الأصحاح الثاني عشر من رسالته إلي رومية "فرحين في الرجاء (رو 12).


الرجاء بأن الله لا يعسر أمر عليه وأنه قادر علي كل شيء، الرجاء في محبة الله وفي مواعيد الله، الرجاء في الله الذي قال "لا أهملك ولا أتركك" الله الذي قال "ها أنا معكم كل الأيام وألي انقضاء الدهر" الذي قال "نقشتكم علي كفي" الذي قال "إن أبواب الجحيم لن تقوي عليها.. الرجاء في الله الذي عمل في القديم، والذي يعمل كل حين، الذي نقول له مثلما قالوا في القديم قم أيها الرب الإله وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس". الله الذي غلب العالم، نرجوه أن يغلب العالم أيضًا مرة أخرى، يغلب الإلحاد الذي في العالم يغلب الإباحية والمادية، ويغلب الحقد والكراهية التي في العالم ويغلب الانقسام والتفكك الذي في العالم ويغلب العنف واستخدامه الذي في العالم.


هذا هو الإله الذي نرجوه الذي يعيد الأرض إلي صورتها الأولي. وأيضًا الله الذي يقف إلي جوار أولاده باستمرار، الذي رآه يوحنا في رؤياه وهو "في وسط المنائر السبع، وفي يمينه ملائكة الكنائس السبع" (رؤ 1: 20).

فالله ما يزال وسط أولاده، وفي يمينه رعاه الكنائس وقادتها، وهو يقول لنا أغنيته الجميلة "لا يخطف احد من يد أبي شيئًا" (يو 1: 29).


لنا رجاء في الله الذي قال عنه يوحنا الحبيب في رؤيا:

"أبصرت وإذا باب مفتوح في السماء" (رؤ 4: 1).

فالإنسان الذي يعيش في الرجاء باستمرار ينظر بابًا مفتوحًا في السماء ويري الله واقفًا في هذا البابا يقول إنه يفتح ولا احد يغلق" (رؤ3: 7).


الله الذي يسعي لخلاصنا دون أن نسعى نحن، والذي يحبنا أكثر مما نعرف الخير لأنفسنا الله ضابط الكل الذي يقود الكون كله والذي حياة العالم كله في يديه. هو يدبر الأمور حسب حكمته التي لا تحد، نحن نرجوا هذا الإله، ونحن نغني مع الرسول قائلين:

"كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رؤ 8: 28). ونقصد الخير بالمقاييس الإلهية وليس الخير بمفاهيمنا البشرية. الله هذا صانع الخيرات، هو الذي نرجوه. وهو الذي نعلق كل رجائنا عليه. وهو الذي نقول له في بعض الصلوات القداس الإلهي "يا رجاء من ليس له رجاء. معين من ليس له معين". ونقول في المزمور "الاتكال علي الرب خير من الاتكال علي البشر، الرجاء، بالرب خير من الرجاء بالرؤساء" (مز 118).


الرجاء في مواعيد الله الصادقة والرجاء في الحياة الأبدية الجميلة، في القيامة السعيدة، الرجاء الذي نعلقه لا في أمور العالم، وإنما في ذلك الوطن السماوي، "المدين التي لها الأساسات التي صنعها وبارئها الرب" (عب 11).

الإيمان في حياة أخري جديدة لا تعرف خطية، ولا تعرف أثمًا، الإيمان في التجديد العجيب الذي نناله في السماء، حيث ترجع إلينا الصورة الإلهية الأولى، وفي وضع لا يخطئ فيما بعد، الرجاء في الحرية التي ننالها من الرب، بحيث تكون حرية تفعل الخير فقط، ولا تعود تعرف الخطية بعد، الإيمان بملكوت الله الذي نعيش فيه في ذلك الأبد، ونعد أنفسنا له من الآن. هذا هو الرجاء الحقيقي الذي نرجوا فيه ما لا يرى. لأن الأشياء التي ترى تدخل في العيان، وليس الرجاء. غنما نحن نرجو ما ننظره بالصبر، وليس ما نراه كما يقول الرسول "هذا الرجاء المفروض أن ندعو الجميع إليه".


المفروض أن نقول لكل احد: إن كل باب مغلق له ألف مفتاح، والله يستطيع أن يفتح جميع الأبواب المغلقة ونقول له أن كل ظلمه لابد بعدها نور، وكل مشكلة لها حل أو عشرات الحلول وكل ضيقة لها إله هو إلهنا الصالح الذي يخرج من الجافي حلاوة، ومن الآكل آكلًا. والذي يحول كل الأمور إلي الخير، كل الأمور التي نمر بنا في حياتنا إن كانت خيرًا ستصل إلينا صانع الخيرات يحول الشر إلي الخير.

https://st-takla.org/Gallery/var/resi...ul-in-Jail.jpg
لذلك نحن نعيش في الرجاء فرحين باستمرار يملأ قلوبنا، لأننا لا نعتمد علي ذواتنا ولا علي وسائط عالمية، إنما نعتمد علي الله الذي يعمل كل خير في هذا الرجاء أحب أن نعيش جميعًا، ككنيسة ترجوا ملكوت الله وتنتظره، وترجو عمل الله فيها كل حين، ونؤمن بعمله، وكعالم واسع الأرجاء في كل قاراته، يرجو من الله أن يسود السلام في كل مكان ويسود الخير في كل مكان،، ويرجع الحب إلي قلوب الناس جميعًا، فيرتبطون به، ويعيشون به وكما قال المسيح "بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض".

هذا الرجاء إن لم يكن فينا فلنطلبه كعطية مجانية من الله، الذي يملأ القلوب بسلامه وبرجائه. له المجد الدائم من الآن وإلى الأبد آمين..


Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:00 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
حياة الرجاء يلزمها الثقة

حياة الرجاء يلزمها الثقة في الله، والثقة في مواعيده، وفي عمله وفي محبته لك وللكل، وفي حكمة تدبيره. لكي يمتلئ قلبك بالرجاء، ينبغي أن تثق بأن الله يحبك أكثر مما تحب نفسك وانه تعرف ما هو الخير لك أكثر مما تعرف أنت بما لا يقاس. وأن كل تدابير الله من جهتك هي في عمق الحكمة والخير، مهما غير ذلك من خلال الشك..
ولابد أنك تعلم انك في يد الله وحده، ولست في يد الناس ولا في أيدي التجارب والأحداث، ولا في أيدي الشياطين..
أنت في يد الله وحده. والله قد نقشك علي كفه (إش 49: 16). وقد يظلل عليك بجناحيه (مز 90) ويحرسك الليل والنهار، ويحفظ دخولك وخروجك (مز 120). ومن محبته لك، دعاك أبنًا له (1 يو 3: 1). وهو الراعي الذي يرعاك فلا يعوزك شيء (مز 23: 1). نحن كلنا شعبه وغنم رعيته. ولا يمكن لله كراع صالح أن يغفل عن غنمه. ولا يمكن له كأب أن يغفل عن أولاده.
أما إن كان لديك مشكلة، فيريحك جدًا أن تنتظر الرب. ولابد أنه سينقذك منها. فهذه نصيحة مباركة يقدمها لنا أحد مزامير صلاه باكر، يقول فيها المرتل::

"انتظر الرب. تقو وليتشدد قلبك، وانتظر الرب" (مز 26 [27]).
و النصيحة التي يقدمها لنا هذا المزمور، ليس مجرد أن ننتظر الرب، وإنما أن ننتظره في قوة، ونحن متشددون في الداخل.. لا ننتظر الرب في ضيقة، أو في ضجر وتذمر واحتجاج: لماذا لم يعمل الرب حتى الآن؟ أين محبته؟ أين عمله؟! ولا ننتظر ونحن نشك في عمل الله، أو نشك في قيمه الصلاة وفاعليتها!! ولا ننتظر الرب في ضعف داخلي، وفي انهيار، وقد فقدنا معنوياتنا!! كلا، فكل هذه المشاعر ضد فضيلة الرجاء، فالإنسان المضطرب أو اليائس أو الخائف أو المنهار، يدل علي انه فاقد الرجاء.. لأن الذي ينتظر الرب في رجاء، إنما يمنحه الرجاء قوة. وكما قال إشعياء النبي: "وأما منتظرو الرب، فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون. ويمشون ولا يعيون" (إش 40: 31) فما معني عبارة "يجددون قوة"؟ معناها أنه كلما حاربهم الشيطان بالقلق أو بالضعف والاضطراب، تتجدد القوة فيهم من تذكرهم لمواعيد الله الصادقة، وصفاته الإلهية المحبوبة باعتباره الأب والراعي والحافظ والسائر والمعين.. الله الحنون، المحب، صانع الخيرات، الذي لا يغفل ولا ينام.. فكلما يتذكرون صفه من هذه الصفات تتجدد القوة فيهم، ويرفعون أجنحة كالنسور.
إن منتظر الرب يثق ثقة لا تحد بمحبة الله الفائقة للبشر، وبحكمة الله التي هي فوق إدراكنا البشري..
يثق أن الله يعطينا باستمرار دون أن نطلب، وقبل أن نطلب. فكم بالحرى إن طلبنا.. وهو يثق أيضًا أن الله يعطينا ما ينفعنا، وليس حرفية ما نطلبه. لأنه ربما تكون بعض طلباتنا غير نافعة لنا.. وهنا تظهر حكمة الله في محبته..
لذلك في حياة الرجاء، لابد أن تثق بحكمة الله في تدبيره.
لا تطلب وتصر. أنما أطلب وقل: لتكن مشيئتك.. وحينما تقول: "لتكن مشيئتك" ليكن ذلك بفرح، بغير ألم ولا حزن.
هناك أمور كثيرة لا تدريها. وهي معروفه ومكشوفة أمام الله.
ربما الذي تطلبه، لا يكون مناسبًا لك ولا نافعًا لك. وربما الوقت الذي تحدده، يعرف الله تمامًا أنه غير صالح، ويري أن تأجيل الاستجابة أفضل.. لذلك تواضع، وأترك الحكمة الله أن تتصرف. وانتظر الرب في ثقة..
أليس من المخجل أننا نثق بذكائنا وفطنتنا أكثر مما نثق بالله!
إننا نضع حلولًا للأمور، واثقين أنها أفضل الحلول، أو أنها الوحيدة النافعة. وربما يكون في ذهن الله حل آخر لم يخطر لنا علي بال، هو أفضل بما لا يقاس من كل تفكيرنا. ليتنا إذن نثق بالله.. وننتظر حله في رجاء.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:01 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
أمور تساعد علي الثقة

وكما نثق بمحبة الله وحكمته، نثق بمحبة الله وحكمته، نثق أيضًا بمواعيده المليئة بالرجاء..

نثق بموعده الصادق "ها أنا معكم كل الأيام وإلي انقضاء الدهر" (متي 28: 20). نثق بقوله "لا تخف لأني معك" (تك 26: 24) "لا أهملك ولا أتركك. تشدد وتشجع"، "لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك" (يش 1: 5، 6) "تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يش 1: 9) "لا تخف أيها القطيع الصغير" (لو 12: 32)".. أنا معك، ولا تقطع بك احد ليؤذيك" (أع 18: 10) "يحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أن معك -يقول الرب- لأنقذك" (أر 1: 19).
وما أكثر عبارات الرجاء التي تحفل بها المزامير..
ليتك تجمع هذه الآيات وتقرآها أو تتذكرها كلما كنت في حاجة إلي الرجاء في حياتك. يكفي أن تسترجع مثلًا مزمور 90 (91) أو 120 (121) حيث يقول لك الوحي الإلهي: "يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما أنت فلا يقتربون إليك،بل بعينيك تتأمل، ومجازاة الخطاة تبصر" (لأنه يوصى ملائكته بل ليحفظوك في سائر طرقك.." "تطأ الأفعى وملك الحيات، وتسحق السد والتنين، لأنه علي اتكل أنجيه. أستره لأنه عرف اسمي" (مز 90) "لا يسلم رجلك للزلل.. الرب يحفظك"، "الرب يحفظك من كل سوء. الرب يحفظ نفسك. الرب يحفظ دخولك وخروجك" (مز 120).
كلها آيات تبعث الرجاء في النفس، وتقوي القلب في الداخل.
ويزيد الرجاء فيك أيضًا، تذكرك معاملات الله لقديسيه..
إن تذكرت كل هذا، يمتلئ قلبك بالرجاء، وتنتظر الرب في ثقة.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:02 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
قصة يوسف الصديق

إنسان يقسو عليه إخوته، ويلقونه في بئر، ثم يبيعونه كعبد لتجار من الاسماعيليين. وبعد أن يخلص لسيدة كل الإخلاص، وينجح في عمله جدًا، تلفق ضده تهمة رديئة من امرأة سيدة، ويلقي في السجن. وتطول به الأيام في سجنه..
ولكن كل هذه الأمور، كانت تعمل للخير.
فلولا التهمه التي أوصلته إلي السجن، ما كان خبرة يصل إلي فرعون فيجعله وزيره الأول والثاني في المملكة.
وطبعًا لولا قسوة إخوته، ما كان قد بيع إلي بيت فوطيفار. ولولا أن امرأة فوطيفار كانت خاطئة، ما كانت تشتهيه، ثم تلفق له التهمة التي أوصلته إلي السجن.. ولولا سجنه ما كان قد تعرف علي رئيس سقاه فرعون الذي أخبر فرعون الذي أخبر فرعون الذي اخبر فرعون بقدرته علي تفسير الأحلام، فاستدعاه فرعون. وخرج من السجن إلي المملكة (تك 39- 41).
وبدون كل هذا، ما كان أخوته قد تابوا، وبكوا، واعترفوا بخطيئتهم، وعادت المحبة إلي الأسرة، ونجوا من المجاعة، واجتمعوا كلهم في مصر..
المشكلة أن الناس تحصرهم المشكلة، ولا يكون لهم الرجاء في أنها ستؤول إلي الخير. يقفون عند البداية التي تبدو سيئة أو مؤلمه، ولا يتابعون العمل الإلهي، الذي يحول الشر إلي خير، والذي يخرج من الجافي حلاوة (قض 14: 14). لا شك أن قصة يوسف الصديق، هي درس في الرجاء، وفي أن كل الأشياء تعمل معًا للخير.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:42 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
خطية آدم

إنها خطية، جرت علي العالم ما لا يحصي من الكوارث. وبها دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت (رو 5: 12).
ومع ذلك، فإن الله الذي يخرج من الجافي حلاوة، استطاع أن يجعل كل الأمور تعمل معًا للخير.
وكنتيجة لذلك عرفنا عمليًا محبة الله لنا (يو 3: 16). وبركات الكفارة والفداء.
ولو كان آدم لم يخطئ، لبقي في الفردوس. في جنة يأكل فيها ويشرب، ويعيش مع الحيوانات والطيور والأسماك.. أما الآن، فقد صار لنا الملكوت بكل ما يحمل من بركات غير مرئية، فيها ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لا يخطر علي قلب بشر" (1 كو 2: 9).. ولنا فيه عشرة الملائكة القديسين..

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:43 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الموت

كل الناس يكرهون الموت، ويرونه سببًا للحزن! ويلبسون لأجله السواد، ويقابلونه بالدموع والبكاء.. ولكنه أيضًا من الأمور التي تعمل للخير..
فالموت هو الطريق إلي حياة أفضل، وإلي مستوي أعلي ستؤول إليه البشرية..
حيث في القيامة، سنقوم بأجساد سماوية يمكنها أن ترث الملكوت (1 كو 15).. ولولا الموت لبقينا في هذا الجسد المادي أليس الموت أيضًا يعمل معًا للخير.
فلنتأمل قصة القديس الأنبا أنطونيوس، وموت أبيه.
كان موت أبيه درسًا عميقًا له في فناء الحياة الدنيوية وبطلانها،ولقد نظرا الشاب أنطونيوس إلي أبيه الميت، وقال له "أين هي عظمتك وسلطانك؟! لقد خرجت من الدنيا علي الرغم منك. ولكني سأخرج منها بإرادتي، قبل أن يخرجوني مثلك كارهًا".. وكانت بداية الحياة الرهبانية..

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:43 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الأمراض

المرض آفة يحاربها الناس ويهربون منها إلي الطب والدواء.. ومع ذلك فإن الأمراض "تعمل معًا للخير، للذين يحبون الرب" (رو 8: 28)..
أمراض كثيرة قادت إلي التوبة، وفعلت ما لم تفعله أعمق العظات..

وبخاصة الأمراض الخطيرة والمؤلمة.. كم قد أدخلت كثيرين في عهود مع الله، وفي نذور قدموها إلي الله، وفي حياة جديدة مع الله، أو أدخلتهم في توبة واستعداد للموت.. وهكذا كانت تعمل معًا للخير.
وأمراض قادت الناس إلي الصلاة وإلي الصوم.
وإلي زيارة الأماكن المقدسة،، والتشفع بالملائكة والقديسين، وإلي إقامة القداسات، والقيام بأعمال الرحمة نحو الفقراء والمساكين.
وهكذا كما استفادة المريض نفسه اقترابًا إلي الله، استفاد أيضًا أقاربه ومحبوه فوائد روحية عديدة..
بل الأمراض كانت نافعة للقديسين، لإشعارهم بضعفهم ومنع المجد الباطل عنهم.
وفي ذلك يقول القديس الرسول "ولكي لا ارتفع بفرط الإعلانات، أعطيت شوكة في الجسد. ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع" (2 كو 12: 7).
وقد صلى بولس ثلاث مرات، ليشفيه الله من ذلك المرض،ولكن الله قال له "تكفيك نعمتي". واستبقي مع بولس هذه الشوكة التي في الجسد،، لأنه -تبارك اسمه- كان يعرف كم تعمل مع قديسه للخير، وكم تجلب له من اتضاع قلب..
وقصة القديس بولس مع المرض، تذكرنا بيعقوب أبي الآباء.
لقد صارع مع الله وغلب (تك 32: 28)، ونال البركة. ومع ذلك ضرب الله حق فخذه فانخلع. وظل يخمع علي فخذه (تك 32: 27، 31). وبقي هذا المرض معه، كعطية من الله، يعمل معه للخير، ويهبه الاتضاع إذ يشعر بضعفه، لئلا يرتفع قلبه بسبب أنه نال البركة، وأنه صارع مع الله وغلب..

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:44 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
تجربة أيوب

لعل إنسانًا يسأل: لماذا هذه التجربة تحل علي إنسان قديس، شهد له الله مرتين بأنه "رجل كامل ومستقيم، وليس مثله في الأرض" (أي 1: 8) (أي 2: 3)..
و الحقيقية أن هذه التجربة كانت للخير من عدة نواح:
كانت التجربة لخير أيوب، أوصلته إلي الاتضاع.
كان محاربًا بشيء من المجد الباطل.. كان بارًا، ويعرف عن نفسه أنه بار. ولهذا قال "لبست البر فكساني. كجبة وعمامة كان عدلي" (أي 29: 9). وقيل عنه أنه "كان بارًا في عيني نفسه" (أي 32: 1).. فكانت التجربة لازمة له، لتعمل معه للخير،، توصله إلي انسحاق القلب، وإلي معرفة الله. ولما وصل إلي عبارة "أندم في التراب والرماد" (أي 42: 6).. رفع الله عند التجربة * وكانت التجربة نافعة لأصحاب أيوب الثلاثة:
ذلك لأنهم كانوا "معزين متعبين" (أي 16: 2). وقد استذنبوا أيوب وأساءوا إليه (أي 32: 3). وحتى من جهة الله، لم يتكلموا عنه بالصواب (أي 42: 8). فكانت التجربة لازمه لهم،، لتصحيح مفاهيمهم الروحية.. وقد قادتهم إلي التوبة "واصعدوا محرقات لأجل أنفسهم" (أي 42: 7).
· وكانت التجربة نافعة للعالم كله.
تلقي بها العالم درسًا في الصبر، كما قال القديس يعقوب الرسول "خذوا يا إخوتي مثالًا لاحتمال المشقات والأناة.. ها نحن نطوب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب، ورأيتم عاقبة الرب.." (يع 5: 10، 11).
· وحتى تجربة أيوب، من الناحيتين العائلية والمادية، كانت نافعة له،فقد "زاد الرب علي كل ما كان لأيوب ضعفًا.. وبارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه" (أي 42: 10، 12). أعطاه الرب ضعف ما كان له من الخيرات المادية. ووهبه الرب بنين وبنات "ولم توجد نساء جميلات، كبنات أيوب في كل الأرض" (أي 42: 15). ووهب الرب أيوب عمرًا طويلًا، "فعاش بعد التجربة 140 سنة، ورأي بنيه وبني بنيه إلي أربعة أجيال"..
· وهكذا كانت التجربة لخيره، لما احتملها.
· وكانت تجربة أيوب خجلًا للشيطان.
· أو كانت هزيمة جديدة له، لأن الشيطان قد لا يخجل من أخطائه. لذلك نقول كانت هذه التجربة سبب خزي له. فتعبير "خزي "أكثر موافقة للمعني.. وهكذا كانت تجربة تعمل معًا للخير لكل الأطراف..

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:47 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
التجارب عمومًا

يخاف البعض من التجارب، وقد يضطرب لها. بينما يقول الرسول:
"احسبوه كل فرح يا أخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2).
المسألة تحتاج إلي ثقة في عمل الله معنا أثناء التجربة، وكيف يجعلها تؤول إلي خيرنا. وهنا نري القديس يعقوب الرسول، لا يدعونا فقط إلي الاحتمال والصبر، وإنما بالأكثر يدعونا إلي الفرح بالتجارب.
وهكذا ندخل في حياة الفرح الدائم. في. في النعمة نفرح، وفي التجربة أيضًا نفرح. ونقول:
المر الذي يختاره الرب لي، خير من الشهد الذي اختاره لنفسي..

نقول كل طرقك يا رب، بحكمة قد صنعتها.. كله للخير..
هيرودس أراد ان يقتل المسيح وهو طفل، فصار هذا خير لمصر جاءها المسيح.
بارك الرب أرض مصر، وصارت لنا مقادس فيها. وسقطت كثير من الأصنام (اش 19: 19-22) وكانوا حينما يطردون العائلة المقدسة من بلد بسبب سقوط الأصنام، تذهب إلي بلد مصري آخر. فكثرت البلاد التي تقدست بزيارة العائلة المقدسة لمصرنا، وصار ذلك تمهيدًا لا نتشارك الإيمان المسيحي فيها..
بتذكرنا لكل هذا، نسعد بكل ما يحدث لنا، مؤمنين أنه:
إن لم يكن الأمر خيرًا في ذاته،
فلابد سيكون خيرًا في نتيجته.
خذوا كمثال: متاعب داود من شاول الملك.
لقد طارده من مدينة إلي مدينه، ومن برية إلي أخرى. وعاش بسببه هاربًا في البراري والقفار، يترصده الموت في كل خطوة. ولكن كل ذلك التعب أعده لتحمل مسئوليات الملك فيما بعد. إذ نضج داود سنًا وشخصية. وصار جبار بأس، كثير الاحتمال. يعرف كيف ينتظر الرب بإيمان ويؤمن بتدخله.
و الضيقات التي أحتملها، صارت نبعًا لمزاميره.
يغنيها علي العود والقيثار والمزمار. وصارت ينبوعًا لتأملات روحية وصلوات عميقة، تصليها الأجيال من بعده.. وتري فيها كيف يختلط الطلب بالشكر بالإيمان.. وأعطانا أسلوبًا نصلي به ونحن في وقت ألألم والضيقة،وصار داود رجل صلاة، صقلته التجارب، وصاحب خبرة بالعشرة مع الله.
ولو عاش داود مدللًا، ترى ماذا كانت شخصيته ستكون؟!
الضيقات لو لم تنته إلي خير علي الأرض، فعلى الأقل ستعد لنا أكاليل يهبها لنا في ذلك اليوم الديان العادل.
إن الضيقات هي مدرسة للصلاة.
ربما حياة التنعم تبعدنا عن الله. أما حياة الألم فإنها تقربنا إليه. فتصير صلواتنا أعمق وأكثر، وتصير أصوامنا أكثر روحانية. كما نقترب إلي الله بالتوبة والمصالحة معه، فنرجع إليه. إن الضيقة التي وقع فيها أخوه يوسف، جعلتهم يتذكرون خطيئتهم إليه "وقالوا بعضهم لبعض: حقًا إننا مذنبون إلي أخينا، الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع له. لذلك جاءت علينا هذه الضيقة.. فهوذا دمه يطلب (منا)" (تك 42: 21، 22).
حتى سقوط الناس في الخطية كان يؤول بالتوبة إلي خير.
عاش أوغسطينوس في الخطية زمنًا طويلًا، بكت عليه فيه أمه القديسة مونيكا..
ثم تاب أغسطينوس، وكان من نتائج حياته الأولي كتابة الرائع عن اعترافاته، وهو كنز روحي، وسبب منفعة روحية للملايين، يعرفنا كيف يعترف الإنسان علنًا، ويعترف حتى بخطاياه وهو طفل رضيع..
و بالمثل يمكن أن نتحدث عن خطية داود النبي.
كيف أوصلته الخطية إلي حاله عجيبة من انسحاق النفس، قال فيها "ابلل في كل ليله سريري. بدموعى أبل فراشي" (مز 50). وكيف اعترف إلي الرب قائلًا "لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت.. قلبًا نقيًا أخلق في يا الله وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي".. إلي ما حواه المزمور الخمسون، مزمور التوبة وما حوته باقي مزاميره من مشاعر الانسحاق.. كان ملكًا عظيمًا، محترمًا ومبجلًا من الكل. ولكن الخطية أذلته، فقال:
"خير لي يا رب أنك أذللتني، حتى أتعلم وصاياك" (مز 119).
وحينما إهانة شمعي بن جيرا إهانة مؤلمه، وهو هارب من أبشالوم، لم يمسح لأنصاره أن ينتقموا من هذا الإنسان، بل قال في اتضاع "دعوة يسب. لأن الرب قال له: سب داود.. لعل الرب ينظر إلي مذلته" (2 صم 16: 10).
و بالمثل ما استفاده خاطئ كورنثوس من خطيئته وعقوبته.
كم أوجد فيه ذلك من الحزن والبكاء، حتى أن القديس بولس الرسول في رسالته الثانية إلي أهل كورنثوس، أمرهم أن يمكنوا له المحبة "لئلا يُبْتَلَع مثل هذا من الحزن المفروض" (2 كو 52: 7).. وكان دسًا للمدينة كلها في أن "يعزلوا الخبيث من وسطهم" (1 كو 5: 13).
سقوط إنسان في خطية، تدعوه إلي الشفقة علي الذين يسقطون.
لأنه قد أدرك بالخبرة، قوة حروب الشياطين وسهوله السقوط في الخطية التي "طرحت كثيرين جرحي، وكل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26). ولذلك يقول القديس بولس "اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3).
و السقوط أيضًا يكشف للإنسان ذاته وضعفه.
وهذا يؤول إلي الخير، إذ يجعله يكون أكثر حرصًا وتدقيقًا في المستقبل، ويبعد عن التهاون. كما أن اكتشاف ضعفه يعطيه فرصه للرد علي كل فكر كبرياء أو افتخار يحاربه فيما بعد.

لذلك عيشوا باستمرار في بشاشة وفرح.
"أفرحوا في الرب كل حين" (في 4:4). في كل ما يحدث لكم قولوا: أننا تحت رعاية الله محب البشر، الله الذي يحبنا أكثر مما نحب أنفسنا، والذي يعرف خيرنا أكثر مما نعرفه.. الله الذي يسخر جميع الأمور لكي تعمل من أجل خيرنا.. الذي جعل قوانين الطبيعة تعمل معًا للخير، والذي خلق الحيوانات والطيور والنباتات أيضًا لأجل خيرنا. وخلق الهواء والشمس والقمر والنجوم من اجلنا.. كلها تعمل معًا للخير، من أجل راحتنا وسعادتنا.
فلنشكر الله الذي جعل كل الأشياء تعمل معًا للخير، لأجلنا.
الله صانع الخيرات، الذي قيل عن ملائكته "أليسوا جميعًا أرواحًا خادمه، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 14). ولأجلنا أيضًا عين الرب رتبًا في الكنيسة "أعطي البعض أن يكونوا رسلًا، والبعض أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين. لأجل تكميل القديسين، لعل الخدمة، لبنيان جسد المسيح" (أف 4: 11، 12).
عش سعيدًا مهما حدث لك. قل: كله للخير.
بهذا يكون إنسان الله خاليًا من كل الأمراض النفسية. خاليًا من الكآبة، والاضطراب، والحزن السيئ، والتعقيد واليأس.. بل باستمرار يملك السلام علي قلبه.. السلام القائم علي الإيمان بالله وعمله..
ولكن كل ذلك علي شروط واضح في الآية، وهو "كل الأشياء تعمل معًا للخير، للذين يحبون الرب" (رو 8: 28).
إذن الشرط هو: أن تكون ممن يحبون الرب.
لأن هناك أناسًا لا تعمل الضيقات معهم للخير: بل ربما الضيقة تسبب له ألوانًا من التذمر والتعب والتجديف واليأس.
هناك أناس لا يحبون الرب المحبة التي تجعلهم يثقون به وبمواعيده وبتدخله وبحلوله. ليس لديهم الإيمان الكافي، لذلك تعصرهم الضيقة، وتجعل نفوسهم متأزمة معقده، تعيش في رعب المشكلة، وليس في حلها.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:49 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
كلمات في الرجاء

ليتنا بدلًا من أن ننظر إلي الحاضر المتعب الذي أمامنا، ننظر بعين الرجاء إلي المستقبل المبهج الذي في يد الله.
كل مشكله تبدو معقده أمامنا، لها عند الله حلول كثيرة. وكل باب مغلق، له في يد الله مفتاح بل مفاتيح عديدة.. هو الذي يفتح ولا أحد يغلق (رؤ 3:7).

الرجاء يمنع الخوف، ويمنع القلق والاضطراب، ويبعث الاطمئنان.
بل أننا نكون "فرحين في الرجاء" (رو 12: 12).
لا ننظر إلي المتاعب مجردة، بدون عمل الله، الذي يقدر أن يحول الشر إلي خير..
الله قادر أن يحول كل مجريات الأمور، في اتجاه مشيئته.
الذي لا يستطيعه الضعف البشري، تقدر عليه قوة الله. والذي لا تستطيعه حكمه الناس، تقدرون عليه حكمه الله.
ثق أنك ليست وحدك. أنت محاط بمعونة إلهية.
وقوات سمائية تحيط بك، وقديسون يشفعون فيك.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:51 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
أنا أريحكم

كل إنسان في الدنيا له متاعبه الخاصة، سواء كانت متاعب ظاهرة للآخرين، أو مكتومة في القلب، سواء كانت متاعب روحية، أو متاعب نفسية، أو متاعب جسدية، أو متاعب عائلية اجتماعية.
والسيد المسيح قد جاء من أجلي التعابى.
جاء "يطلب ويخلص ما قد هلك" (متي 18: 11). جاء ليخلص العالم من خطيئته كما قال إشعياء النبي "كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلي طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا" (اش 53: 6) وأيضًا جاء المسيح ليخلص العالم من آلامه ومتاعبه، ولذا قال نفس النبي "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها (اش 53: 4). وهو أيضًا قال "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (متي 11: 28).
لماذا قال "يا ثقيلي الأحمال؟" ربما لأن الذي حمله خفيف يحتمل ويسكت. أما الذي حمله ثقيل، فليس أمامه إلا أن يقول: يا رب..
المفروض أن نلجأ إلي الرب، سواء كان الحمل ثقيلًا أو خفيفًا. ولكن علي الأقل إذا كان الإنسان مضغوطًا جدًا من ثقل أحماله، فلن يجد أمامه سوي وعد الرب بأن يريحه.
تعالوا.. وأنا أريحكم. إنها دعوة ووعد.
دعوة من الله، ووعد إلي عالم تعبان، مثقل بمشاكل من كل نوع: مشاكل الانشقاقات والحروب، ومشاكل الإسكان والتموين، ومشاكل الزواج والطلاق، ومشاكل التطرف والإرهاب، ومشاكل الفساد والإدمان. وفي كل هذه المشاكل، يقول الرب تعالوا إلي يا جميع المتعبين.. وأنا أريحكم.
وهنا نجد صفة جميلة من صفات الرب، وهو أنه مريح.

مريح التعابى والثقيلي الأحمال، كثيرون في متاعبهم يجلسون مع آخرين فيزيدونهم تعبًا علي تعبهم. وقد يلجأون إلي البعض، فلا يجدون منهم سوي الإهمال واللامبالاة. لكن المسيح المريح، كل من يلجأ إليه تستريح. إنه دائمًا يعطي. يعطي الناس راحة وهدوًا وعزاءًا، وسلامًا وطمأنينة في الداخل. ويرفع عن الناس أثقالهم، ويحملها بدلًا عنهم ويريحهم. وهكذا يفعل من لهم صورة الله..
قال الرب: ادعني في يوم الضيق، أنقذك فتمجدني (مز 50: 15).
البعض إذا أصابته ضيقة، يظل يغلي بالألم والحزن داخل نفسه. أفكاره تتعبه، ونفسيته تتعبه، وربما اليأس يتعبه. وربما لا يجد أمامه سوي الشكوى أو التذمر أو البكاء. وفي كل ذلك لا يفكر أن يلجأ إلي الله، ولا أن يضع أمامه قول المزمور:
"القي علي الرب همك. وهو يعولك" (مز 55: 22).
تعال إذن وكلم الرب عن متاعبك بكل صراحة، سواء كانت تتعبك معاملة الآخرين أو ضغوطهم. أو ظلمهم أو قسوتهم.. أو كانت تتعبك شكوك أو أفكار، أو خطايا، أو عادات مسيطرة عليك، وتأكد أن الرب يعرف متاعبك أكثر مما تعرفها أنت ويريد أن يخلصك منها جميعًا،فاطلبه في رجاء وثقة، واضعًا أمامك قول المزمور:
"يستجيب لك الرب في يوم شدتك. ينصرك اسم إله يعقوب" (مز 20: 1)
وثق أن الكنيسة أيضًا تصلي من أجلك، حينما تقول في آخر صلاة الشكر "كل حسد وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين انزعها عنا وعن سائر شعبك".. كذلك تذكر كل متاعبك في صلوات القداس الإلهي.
تأكد أيضا أن الضيقات ليست لونًا من التخلي.
فالله سمح أن رسله وقديسيه تصيبهم الشدائد، ولكنه كان واقفًا إلي جوارهم يريحهم.. وهكذا قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زملائه في الخدمة "مكتئبين في كل شي، لكن غير متضايقين. متحيرين لكن غير يائسين، مضطهدين لكن غير متروكين.." (2 كو 8، 9).
نعم، ما أكثر متاعب الناس.. والمسيح مستعد أن يريحهم جميعًا.
هناك شخص يتعبه الآخرون. وهناك من تتعبه نفسه. كإنسان مغلوب من شهواته، أو مغلوب من طباعه، أو من عاداته. أو تعبان من أفكاره وضغطها عليه ويريد أن ينتصر علي نفسه ولا تستطيع.. هذا يستند علي قول الرب "تعالوا إلي يا جميع المتعبين.. وأنا أريحكم".
وهناك إنسان تتعبه الخطية ولا يستطيع فكاكًا منها..
كلما يتوب، يرجع فيخطئ مرة أخري. ومهما اعترف بخطية، يعود إليها ويكرر اعترافاته. يضع لنفسه تداريب روحية، ولكنه لا يثبت فيها. يحاول أن يغصب نفسه علي حياة البر، ومع ذلك فلا يزال يحيا في الخطية. خطيته هي هي منذ سنوات، وطبعه الرديء هو هو، ولا تحسن! إنه مغلوب وساقط. تكاد الخطية أن تصبح طبيعة له. وقد لجأ إلي الآباء والمرشدين الروحيين، وإلي القراءات وأقوال الآباء القديسين وسيرهم، ولا فائدة. هذا الإنسان ليس أمامه سوي قول الرب: "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم".

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:52 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
فشل الالتجاء إلي غير الله

https://upload.chjoy.com/uploads/1381360263851.jpg

لماذا تجعل الرب آخر من تلجأ إليه. ابدأ به حتى تصل ولا تضل. هوذا الرب يعاتبنا قائلًا:

"تركوني أن ينبوع المياه الحية. وحفروا لأنفسهم آبارًا، آبارًا مشققة لا تضبط ماء" (ار 2: 13).


نعم، كثيرون يلجأون إلي الآباء المشققة، سواء من جهة الآخرين أو أنفسهم. يقع أحدهم في مشكلة. فيحاول أن يحلها بذكائه الخاص وتفكيره، بحيله وتدبيره. أو يلجأ إلي الآخرين لكي يسندوه في مشكلته. ولا ينتفع من كل ذلك شيئًا، لأنه لم يلق همه علي الله وحده وهو يعوله. لم يطلب المسيح لكي يريحه. إنه يحاول الاعتماد علي الذراع البشري! ويتجاهل قول الرب "تعالوا إلي".. لذلك يفشل ويبقي في مشاكله بلا حل. آخاب الملك اشتهي شهوة. أشتهي حقل نابوت اليزرعيلي. ولم يلجأ إلي الله، بل لجأ إلي إيزابل، فضيعته. أسند رأسه المتعبة علي إيزابل فضاع.

كذلك شمشون أسند رأسه المتعبة علي دليل، فضاع!

ولم يحدث أن أحدًا منهما وجد حلًا.. كذلك اليهود لما لجأوا إلي فرعون، لكي يخفف عنهم تعبهم، لم يخففه، بل أزاد أثقالهم، قائلًا لهم: "متكاسلون أنتم متكاسلون" (خر 5: 17). ولما لجأ الشعب إلي رحبعام ليخفف عنهم نير سليمان أبيه، أجابهم "أبي أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب" (1 مل 12: 14).


إن الذراع البشري ليس هو الذي ينقذ الإنسان. إنما الذي ينقذه هو الله.

لذلك إرفع بصرك إلي الله وقل له "كل حملي سألقيه عليك، ولا أعود أفكر فيه ثانية، أنت الذي تحله، لأنك أنت حلال المشاكل وليس غيرك. وكلما ألجأ إلي غير تزداد مشاكلي وتتعقد..




عجيب أن البعض يحاول مشاكله بخطايا!

هناك من يحاول أن يحل المشكلة بالكذب، وأحيانًا يقول إنه كذب أبيض! أو قد يلجأ إلي المكر وإلي الدهاء. بل قد يحاول في بعض الأوقات أن يحل مشكلته بالعنف أو قد يهرب من مشكلته بتعاطي الخمر أو المخدرات لكي ينساها، أو قد يلجأ إلي المسكنات والمنومات، أو إلي التدخين، . وكل ذلك لا يحل مشكلته، بل يضيف إليها مشكلة أخري وأسوأ من ذلك يلجأ إلي السحرة والعرافين والدجالين. والبعض قد يحاول حل مشكلته بالوهم وأحلام اليقظة.

فيجلس ويتخيل أنه قد صار وصار.. وإذا لا يعجبه الواقع، يحاول علي الأقل أن يتلذذ بالخيال! ويقول لنفسه: إن لم أنل النجاح. فعلي الأقل أحلم به! وإن استيقظت من أحلامي، أنام مرة أخري لأحلم بها..! ولكن أحلام اليقظة لا تحل مشاكله التي تظل باقية. إنما يحلها قول الرب "تعالوا إلي وأنا أريحكم".



Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:54 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الله هو حلال المشاكل

هناك أشخاص لم يكن لهم حل سوي الله. مثال ذلك: الثلاثة فتية، حينما ألقوا في أتون النار. ويونان النبي حينما كان في جوف الحوت. ودانيال النبي حينما ألقوه في جب الأسود. حقًا من كان ينقذ كل هؤلاء سوي الله وحده؟! الذي أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود (دا 6: 22)، وأمر الحوت فقذف يونان إلي البر (يون 2: 10). ولم يسمح للنار أن تؤذي الفتية.
كذلك تدخلت يد الله في المشكلة الأريوسية..
لقد قامت الكنيسة كلها علي أريوس الهرطوقي. حرمه المجمع المسكوني، ورد عليه القديس أثناسيوس. ولكنه استمر يشكك الناس في الإيمان، ويلجأ إلي سلطة الإمبراطور لحمايته فأمر بإرجاعه. والتفت الرب إلي الكنيسة قائلًا: "تعالوا إلي وأنا أريحكم". وأقيمت الصلوات، فانسكبت أحشاء أريوس، ومات..
كذلك فعل الله مع جيش سنحاريب، ومع فرسان فرعون.
حزقيا الملك مزق ثيابه وتغطي بمسح، ودخل بيت الرب، ملقيًا همه عليه فخرج ملاك الرب وضرب من جيش أشور 185 ألفًا (2 مل 19: 1، 35). وأغرق الرب فرعون وفرسانه في البحر الأحمر. ذلك لأن موسي النبي قال للشعب "قفوا وانظروا خلاص الرب.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر 14: 13، 14).
حقًا: حينما تفشل جميع الحلول، يبدو حل الله واضحًا. والرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون.
إنه أمين في قوله "أنا أريحكم". ما أجمل الترتيلة التي تقول "لما أكون تعبان أروح لمين غيرك".. بنفس الوضع أراح الرب الكنيسة من ديوقلديانوس الذي سفك دماء آلاف الشهداء بل دماء مدن بأسرها، كشهداء أخميم وشهداء إسنا. وأرواحنا الله من دقلديانوس، وجاء قسطنطين بمرسوم ميلان للتسامح الديني.. وأرواح الله الكنيسة من اضطهاد شاول الطرسوسي لها. وحوله بنعمته إلي أقوي كارز بالمسيحية فصار بولس. ولا ننسي أيضًا كيف أراح الله داود النبي من شاول الملك الذي كان يطارده من برية إلي أخري..
إن حلول الله هي أقوي الحلول وانجح الحلول. فعلينا أن نلجأ إليها ونتمسك بها.
يعقوب أبو الآباء، كان خائفًا من أخيه عيسو، وعاجزًا عن ملاقاته، ولكنه عندما تمسك بالرب وقال له "لا أتركك حتى تباركني" (تك 32: 26)، "نجني من يد أخي، من يد عيسو، لأني خائف منه أن يأتي ويضربني، الأم مع البنين (تك 32: 11)،حينئذ ركض عيسو للقائه وعانقه وقبله باكيًا (تك 33: 4).
وأنت إن استطعت أن تغلب في صراعك مع الله -كيعقوب- لابد سيريحك من كل متاعبك.
لقد تعب سمعان بطرس الليل كله ولم يصطد شيئًا. ولكنه لما تلاقي مع الرب وعلي كلمته ألقي الشبكة، حينئذ اصطاد سمكًا كثيرًا حتى كادت الشبكة تتخرق (لو 5: 4-6). والمرأة الخاطئة حينما أمسكت بقدمي المسيح وبللتهما بدموعها، أمكنها أن تتخلص من خطاياها، وتنال المغفرة. وما كان ممكنًا، لولا ذهابها إليه.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:55 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
كيف تأتي إلي الله

1- تأتي بقلب منسحق، مثلما أتي الابن الضال:

إنه كان في الكورة البعيدة يعيش في تعب. ثم فكر أن يأتي إلي أبيه ليستريح فأتى إليه بقلب منسحق يقول: "أخطأت إلي السموات وقدامك، ولست مستحقًا أن أدعي لك ابنًا" (لو 15: 21). وبهذا الانسحاق قلبه أبوه، وأقام له وليمه فرح وألبسه الحلة الأولي، وجعل خاتمًا في يده.. بينما أخوه الأكبر خسر الموقف، لأنه رفض أن يأتي، وتكلم مع أبيه بكبرياء قلب.
لا تأت إلي الله متكبرًا، تقول له: لماذا تتركني وتضطهدني.
ولا تنسب إلي الله كل أسباب مشاكلك، غير معتقد أنك أنت السبب، بل تنسب السبب إلي تخلي الله عنك!! إنما تعال إليه منسحقًا، لكي تصطلح معه. وكما قال أحد الآباء:
اصطلح مع الله، تصطلح معك السماء والأرض.

إذن لا تأت إليه فقط لكي يريحك من أتعابك ويحل لك مشاكلك، إنما تعال أولًا لكي تصطلح معه. فربما يكون السبب الأصلي في مشاكلك، أنك في خصومة مع الله وإن طرقك لا ترضيه.. ويقول لك الله: أنا مستعد أن أريحك، إنما المهم أن تترك الطريق الخاطئ الذي تسير فيه. وكما يقول:

ارجعوا إلي، أرجع إليكم، قال رب الجنود (ملا 3: 7).
2- إذن تعال إليه تائبًا، لكي تصطلح معه.

وحينما تصطلح مع الله. تجد الدنيا كلها قد اصطلحت معك، ويعطيك الرب سلامًا وراحة في قلبك. يعطيك هدوءًا داخليًا، وثقة وطمأنينة. وغالبًا ما يكون سبب تعب الإنسان، هو شيء في داخله يتعبه. هنا يعجبني قول القديس يوحنا ذهبي الفم:
لا يستطيع أحد أن يضر إنسانًا ما لم يضر هذا الإنسان نفسه.
فمن الجائز أن يكون سبب متاعبك، هو أنك تضر نفسك، فإذا ما اصطلحت مع الله وأتيت إليه تائبًا، ستتخلص من ضررك لنفسك، وتكون راحتك سهله وممكنه.
3- كذلك ينبغي أن تأتي إلي الله، بالإيمان، وبالصلاة.

كثيرون يأتون إلي الله، ولكن ليس عندهم إيمان أن الله سيحل مشاكلهم! ويصلون وهم لا يحسون إن الصلاة ستكون لها نتيجة،وهكذا يستمرون في تعبهم بسبب عدم إيمانهم، وبسبب فقدانهم للرجاء والثقة بالله.
لقد قال السيد المسيح للمرأة الخاطئة التائبة "إيمانك خلصك، فاذهبي بسلام (لو 7: 50) وقال للأبرص الذي شفي "قم وأمض.. إيمانك خلصك" (لو 17: 19). وقال للأعمى المستعطي في أريحا "أبصر إيمانك قد شفاك" (لو 18: 42) وقال للأعميين "بحسب إيمانكما. لذلك تعال إليه بإيمان، واثقًا أنه سيريحك، وحينئذ ستستريح..
4- تعال إليه أيضًا، وأنت تحمل نيره عليك.

فهو الذي قال "احملوا نير عليكم، وتعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (متي 11: 29). إذن احمل صليبك واتبعه. وحينما تأتي إليه في مشاكلك، لا تأت متذمرًا متضجرًا، بل تعال في حياة التسليم، خاضعًا لمشيئته، متذكرًا قول الرسول:
"واحسبوه كل فرح يا أخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2).
بهذا لا يضغط عليك التعب، لأن قلبك سليم من الداخل. لم تستطيع المتاعب التي في الخارج أن تتعب القلب من الداخل مملوء بالسلام والطمأنينة وبالفرح، حتى في وسط الضيقات.. فإن لم يكن لك هذا الشعور، أطلبه من الله.
وهو الذي يهبك السلام، لأنه هو الذي قال "سلامي أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم" (يو 14: 27). أن من ثمار الروح "محبة وفرح وسلام (غل 5: 22). فإن كانت لك ثمار الروح هذه، ستحيا دائمًا مستريحًا.
5- أدخل إذن في شركة الروح القدس، ولتكن لك ثمار الروح، وتعال إلي الله هكذا، تجد راحة لنفسك.

Mary Naeem 11 - 01 - 2014 05:57 PM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
يريد الجميع يخلصون

قد يفقد الإنسان رجاءه في الخلاص، لأن أعداءه قد اعتزوا أكثر منه، ولا قدرة له علي مقاومتهم، سواء في ذلك أكانوا أعداءه الروحيين، أو مضايقيه في هذا العالم. وهو خلال ذلك يصرخ "إن الغرباء قد قاموا علي، والأقوياء طلبوا نفسي، ولم يسبقوا أن يجعلوا الله أمامهم" (مز 53) "ضاع المهرب مني، وليس من يسأل عن نفسي" (مز 141). أو قد يفقد خاطئ رجاءه في التوبة، لأنه لا يقدر علي الوصول إليها، أو بالأكثر لا يريدها..! ولكننا نقول لكل واحد من هؤلاء وأمثالهم:
لا تفقد رجاءك. فإن الله يهتم بخلاصك أكثر مما تهتم أنت.. بل هو الذي يسعى لخلاصك. وهذا هو أسلوب الله منذ البدء..
بدأ قصة الخلاص منذ أيام أبوينا الأولين آدم وحواء. لقد سقط الاثنان في الخطية، واستحقا حكم الموت. وكان الخلاص لازمًا لهما جدًا. ومع ذلك نري أن الله نفسه هو الذي سعي لكي يخلصهما..
لا آدم طلب الخلاص. ولا حواء، بل هربا كلاهما من وجه الله، واختفيا خلف الأشجار..!
ما كان الهروب وسيلة عمليه تؤدي إلي الخلاص. ولكن الخلاص لم يكن يشغلهما في ذلك الحين. وكل ما كان يشغلهما هو الخوف والخجل.. ما سمعنا قط أن آدم قال لله: يا رب اغفر، يا رب سامح. أخطأت إليك، فامح ذنبي.. ولا حواء قالت شيئًا من هذا.. ولعل هذه الألفاظ لم تكن في قاموسهما الروحي في ذلك الحين.. وفيما هما لا يبحثان عن خلاص نفسيهما، كان الله يبحث عنهما.. كان ينادي في الجنة "يا آدم، أين أنت؟" (تك 3: 9). كان الله هو الذي يفتش عن آدم وحواء، وهو الذي يفتح الموضوع، ويستدرجهما إلي الكلام ويشرح لهما ما وقعًا فيه من خطأ، وما يستحقانه من عقوبة. ثم يقدم لهما أول وعد بالخلاص، وهو أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحية (تك 3: 15).
صدقوني، لو أن الله ترك الإنسان إلي حريته وحده، أو إلي قدرته وحده.. ما خلص أحد علي الإطلاق..!

ولكن الله هو الذي يسعى وراء خلاص الكل.. كما أعطانا مثلًا عن سعيه وراء الخروف الضال، ووراء الدرهم المفقود (لو 15).
كان الخروف سائرً في ضلاله، لا يدري أين هو، وربما لا يدري ما هو فيه وفيما هو كذلك كان الراعي الصالح مهتمًا بخلاصه. الراعي هو الذي اكتشف ضياع هذا الخروف، وهو الذي بحث عنه وفتش، وجرى وراءه في الجبال والوديان إلي أن وجده. لعلها كانت مفاجأة له، حينما وجد راعيه أمامه، يأخذه في حنان، ويحمله علي منكبية فرحًا. حقًا ما أجمل قول الوحي الإلهي عن الرب كراع:
"أنا أرعي غنمي وأربضها -يقول السيد الرب- وأطلب الضال، واسترد المطرود، وأجبر الكسير، واعصب الجريح.." (حز 34: 15، 16).
هو الذي يطلب ويسترد، وهو الذي يجبر ويعصب،العمل، وليس عملنا نحن.. أليس هذا أمرًا يبعث الرجاء في النفس؟
وفي مثال الدرهم المفقود، نري نفس الوضع، وبأسلوب أعمق:
الدرهم لا يملك حياة، ولا عقلًا ولا فكرًا ولا إرادة.. ولا يدري إلي أين هم قد تدحرج، وأين استقر به الأمر. وأيضًا لا يعرف كيف يرجع إلي كيس صاحبه أ جيبه.. وقد كان الدرهم المفقود رمزًا إلي كثيرين من نوعه..
كان رمزًا لكثيرين ممن لا حياة لهم ولا إرادة.. وكان رمزًا أيضًا للضآلة.. فلو أن الأرملة كانت فقدت مائه جنيهًا ذهبًا، لكان من المعقول أن تبحث عنها وتفتش أما مجرد درهم واحد ينال منها كل ذلك الاهتمام، فهو أمر يدعو إلي التأمل، ويضع أمامنا عمقًا في الرجاء وهو:
إن الله يبحث عن خلاصك، مهما بدا قدرك ضئيلًا! لقد ضرب الله لنا مثل الدرهم لنعرف قيمة النفس عنده.
لأنه قد يسأل بعضهم ما قيمة هذا الدرهم الضئيل، حتى يصير هذا البحث الجاد عنه، وهذا الفرح وهذه الوليمة عند العثور عليه؟! إن كل هذا رمز لاهتمام الرب بالنفس الواحدة، مهما كانت تبدو ضئيلة الشأن. ويعبر المثل عن سعي الله لخلاصنا حتى لو لم نسع نحن، وفرحة بخلاصنا وفرح الملائكة أيضًا. ألست أنت عند الله أفضل من درهم واحد مفقود؟!
ثق أن نفسك ثمينة في نظرة الله إليها، مهما كانت تبدو ضئيلة في نظر الناس، أو في نظرك أنت.. مثل المرأة السامرية التي سعي الرب لخلاصها، وهي محتقرة في نظر الناس.. ومثل زكا العشار الذي ذهب الرب إلي بيته، وهو في نظر الكل رجل خاطئ لا يستحق (لو 19: 7).
حقًا أن الرب يسعي لخلاصنا، ويفرح بذلك جدًا..
كما أخذ الخروف الضال، "وحمله علي منكبيه فرحًا" (لو 15: 5)، وكما قال إنه "يكون فرح في السماء بخاطئ وحد يتوب" (لو 15: 7)، وكما فرح برجوع الابن الضال، وذبح له العجل المسمن، وكما فرح بالعثور علي الدرهم المفقود (لو 15: 23، 9). إنه يسعى لخلاصنا أكثر مما نفتش نحن عن أبديتنا. وما أجمل ما قاله الرسول عنه إنه: يريد أن الجميع يخلصون، وإلي معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4).
وقيل عنه أيضًا إنه لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا (حز 18: 23). ونقول عنه في آخر كل صلاة من صلوات الأجبية: "الداعي الكل إلي الخلاص من أجل الموعد بالخيرات المنتظرة"..
إن عمل الله ليس فقط أن يفرح بتسبيح السارافيم، أو بنقاوة الملائكة، أو بكرازة الرعاة، أو بجهاد القديسين، إنما هو يفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلي توبة (لو 15: 7).

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:07 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
يطلب ما قد هلك..!

لا تفقد الرجاء إذن مهما ضللك، لأنه هناك درجة أبشع كثيرًا من الضلال قد جاء الرب لخلاصها، كما قال عن نفسه إنه:
"جاء يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو 19: 1).
يخلص من؟ ليس مجرد الضعيف أو الخاطئ أو المتواني أو المريض.. وإنما "ما قد هلك"..! ليس فقط من هو في طريق الهلاك،إنما ما قد هلك!!.. أي رجاء أعظم من هذا أن الرب "جاء يطلب ويخلص ما قد هلك".. ولم يقل "ويخلص الطالبين.." إنما هو الذي يطلب.. الذي يسعي لخلاص كل أحد..
إذن حتى الذي هلك، مازال له رجاء في الخلاص!
نعم بلا شك. إن المسيح قد جاء ليخلص هذا الهالك وأمثاله. جاء يخلص الموتى بالخطايا (أف 2: 5). نعم بلا شك. أن المسيح قد جاء ليخلص هذا الهالك وأمثاله.. جاء يخلص الموتى بالخطايا (أف 2: 5). لا يقل أحد إذن، مهما حدث منه، ومهما حدث له: أنا انتهيت، أنا ضعت وليست هناك فائدة مني، ولا وسيلة لخلاصي..! اطمأن فحتى إن كنت قد هلكت فعلًا، فاعلم أن باب الخلاص لا يزال مفتوحًا أمامك، والرب قد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك..
وهب الله رجاء للمجدلية التي كان عليها سبعة شياطين.
وعندما قام من الأموات، يقول مرقس الإنجيلي إنه "ظهر أولًا لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين" (مر 16: 9). ولما أراد أن يبشر رسله القديسين بقيامته، اختار هذه بالذات لكي تبشرهم!! ونحن لا ندري هل كان عليها سبعة شياطين فقط أم رقم سبعة هنا له معني رمزي يدل علي عدد كبير من الشياطين!! ولكن ماضي المجدلية قد نسي، وقد أصبحت مبشرة للرسل! يا للعجب! أليس هناك رجاء لك من خلال قصة هذه المرأة العجيبة؟!
حقًا أنظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار (متى 18: 10).
سواء الصغار في سنهم، أو في روحياتهم، أو في نوعيتهم، أو أصحاب الماضي الويل الأثيم. لا تحتقروا لأحدًا. ولا تصغر نفس أحد إن كان واحدًا من هؤلاء ولا يفقد رجاءه.

صدقوني، أن الله في اليوم الأخير سيرتبنا ترتيبًا آخر غير الذي نحن عليه الآن..
ترتيبنا في العالم الحاضر هو حسب السن أو المركز أو الدرجة، أو المواهب والقدرات.. أما في الأبدية فسيكون حسب القلب الذي يعرفه الله. وربما كثير من الصغار هنا، ومن المزدري وغير الموجود، يسبقون أصحاب الدرجات والواهب وأصحاب المناصب والرئاسات. فلا تحتقروا إذن أحد هؤلاء الصغار.
ولما أراد الله خلاص أريحا، اختار راحاب الزانية (يش 2). ودخلت راحاب في شعب الله، كما دخلت في سلسلة الأنساب (متى 1) وصارت قديسة، ونسي لهال ماضيها،وصارت صورة حية للرجاء لكل من يتذكرها. ولعلك تسأل: ما معني اهتمام الله بامرأة زانية، وبأخرى كان عليها سبعه شياطين؟! أقول لك إنه نفس اهتمامه بالأشياء الصغيرة، بالمزدري وغير الموجود (1 كو 1: 28).
إن قصة "المدوسة بدمها" في سفر حزقيال، تعطي رجاء للكل..
قال عنها الكتاب إنها كانت عريانة وعارية، ومطروحة علي الحقل بكراهة نفسها، وأنها كانت مدوسة بدمها.. فهل تركها الله هكذا؟ كلا، إنه يقول لها وهي في هذه الحالة السيئة:
"مررت بك ورأيتك، وإذن زمنك زمن الحب".
أي حب يا رب لهذه المكروهة، العارية من كل فضيلة، المطروحة علي الحقل؟! نعم إن الله أحبنا ونحن خطاة، ولهذا بذل نفسه عنا، ومات لأجلنا، البار من أجل الأثمة. وماذا عن هذه الأثيمة الخاطئة؟ يقول لها "مررت بك"، وليست هي التي ذهبت إليه. وماذا أيضًا؟ يقول:
"فبسطت ذيلي عليك، وسترت عورتك". غطي الخطية ولم يحتقر صاحبتها..
"ودخلت معك في عهد، يقول السيد الرب، صرت لي"..
وفي هذا العهد، منحها الرب الكثير من نعمة الروحية. يقول: "فحممتك بالماء" يعني المعمودية، حيث غسلها من كل خطاياها "ومسحتك بالزيت" يعني الميرون، فنالت المسحة المقدسة، مسحة الروح القدس." وألبستك مطرزة، وكسوتك برًا" (أي البر الجديد الذي نالته). وماذا أيضًا؟ يقول: "وجملت جدًا جدًا، فصلحت لمملكة" أي للملكوت.
"وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملًا ببهائي الذي طرحته عليك، يقول السيد الرب" (حز 16: 14).
عجيب حقًا هو الله الحنون هذا، الذي يطرح بهاءه علي هذه المدوسة بدمها المكروهة، فتصير كاملة الجمال، وتصلح لمملكة وتدخل في عهد مع الله، وتنال من كل نعمة، بل يقول لها: "وتاج جمال علي رأسك" (حز 16: 12) أليس كل هذا يعطينا درسًا عجيبا في الرجاء..؟
ليس المهم ما نحن فيه، إنما ما يصيرنا الرب إليه.. وفي قصة هذه الخاطئة، التي ترمز لأورشليم كلها، كان الرب يعمل كل شيء. ولو تركها لنفسها لضاعت، واستمرت في عبادة الأصنام. ولكن مناخس الرب كانت تحرك الضمير باستمرار وتقوده إلي التوبة. ولعل هذا الأمر يذكرنا أيضًا بقصة شاول الطرسوسي.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:09 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
مثال شاول الطرسوسي

هل شاول الطرسوسي بحث عن المسيح، أم بحث المسيح عنه؟
كان شاول "مجدفًا ومضطهدًا للكنيسة ومفتريًا" كما قال عن نفسه (1 تي 1: 13) وكان يسطو علي الكنيسة، وهو يدخل البيوت ويجر رجالًا ونساء ويسلمهم إلي السجن" (أع 8: 3). ولكن الله كان يفكر في خلاص شاول، وفي استخدام مواهبه للخير، فظهر له في الطريق دمشق، ودعاه.
إن شاول لم يطلب الإيمان. وفي يوم لقائه بالرب، لم يكن شاول يرتب لهذا اللقاء ولم يفكر فيه، ولا طرأ علي ذهنه..
ولكن الله هو الذي سعي إلي شاول، وطلبه وخلصه ودعاه. إن في تحول شاول الطرسوسي مضطهد الكنيسة إلي أعظم رسول في المسيحية، وتعبه لأجل الكلمة، لهو درس عظيم في الرجاء أمام كل من هم بعيدين عن الرب. لعل مثله أريانوس والي أنصنا، أكثر ولاة مصر عنفًا في قتل الشهداء وتعذيبهم، وكيف أمكن أن يتحول هو نفسه إلي شهيد.. بعمل الرب فيه ولأجله..
في سعي الله لخلاصنا، نذكر أيضًا قصة عذراء النشيد.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:10 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
مثال عذراء النشيد

كانت نائمة ومسترخية، وقد تعطرت وتطيبت، خلعت ثيابها، وغسلت رجليهما، ونامت. وصوت حبيبها يسعي إليها من بعيد "ظافرًا علي الجبال، قافزًا علي التلال يقول لها: "قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي" (نش 2: 10). بل هو يقف علي بابها يقرع: "افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي، لأن رأسي قد امتلأ من الطل، وقصصي من ندي الليل" (نش 5: 2).. أي سعي من الرب أكثر من هذا، وأي انتظار في إلحاح علي طلب النفس، أكثر من رأسه تمتلئ من ندي الليل. إنه درس في الرجاء لكل نفس نائمة، لا تطلب الله، بل تهتم بذاتها وراحتها..!
الله هو الواقف علي الباب، وهو الذي يقرع..!
وهو إلى يقول في كل حين "هانذا واقف علي الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه معه وهو معي" (رؤ 3: 10). إن الله الطيب الذي لم يتركنا حتى في تكاسلنا وإهمالنا وبعدنا عنه في حياة التراخي واللامبالاة، وإنما بلغ من فرط محبته أنه:
سعي حتى إلى العشارين والخطاة، وجلس علي موائدهم، ليجذبهم إليه!
إنه يسعي إلي كل هؤلاء، وينزل إليهم لكي يرفعهم إليه، ويقول إن هؤلاء، وينزل إليهم لكي يرفعهم إليه، ويقول إن هؤلاء أيضًا أبناء لإبراهيم (لو 19: 9). بل إن من أجل الآيات في هذا المجال، هي قوله عن نفسه إنه:

"جاء يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو 19: 10)..
وسعي الله لخلاصنا، ترمز إليه قصة الخليقة:
تحكي لنا الآيات الأولي من سفر التكوين أن "الأرض كانت خربة وخاليه "وكانت مغمورة بالمياه "وعلي وجه الغمر ظلمة" (تك 1: 2). صورة كئيبة بلا شك. ولكن الله لم يترك الأرض الخربة هكذا، وإنما "كان روح الله يرف علي وجه المياه"،ثم قال الله ليكن نور فكان نور.. وبدأ الله ينظم هذه الأرض، ويمنحها حياة وجمالًا، ويخلق فيها الأشجار والأزهار والأطيار، ووضع قوانين الفلك بما فيه من شمس وقمر، ونجوم وكواكب.. ثم خلق الإنسان. وصارت الأرض جميلة وعامرة بالحياة..
وفي كل هذا يعطي الرب رجاء لكل أرض خربة تغمرها المياه..
لا تيأس مهما وصلت المياه إلي نفسك، فروح الله يرف علي وجه المياه. ولا تيأس مهما غمرتك الظلمة، فلا بد سيأتي الوقت الذي يقول فيه الله: ليكن نور..
لذلك ليكن لك رجاء مادام الله يسعي بنفسه لخلاصك.
إن البشرية عاجزة عن تخليص نفسها. وما لا تستطيع أن تفعله من أجل خلاصها، يعمله الرب من أجلها..
أليست هذه هي قصة التجسد والفداء في صميم مفهوما اللاهوتي: الله بنفسه يسعي لخلاص البشر، ويقدم لهم الكفارة والفداء. أو ليس هو أيضًا الذي أرسل الأنبياء والرسل لهذا الغرض، لكي ينادوا داعين الجميع: "اصطلحوا مع الله" (2 كو 5: 20). ومن أجل هذا أيضًا أرسل لنا الوحي الإلهي في الكتب المقدسة القادرة أن تحكمنا للخلاص (2 تي 3: 15).

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:11 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
زيارات النعمة للجميع
أن زيارات النعمة) تمر علي البيوت الجميع، ولم تغفل أحدًا، بل كل خاطئ كان له نصيب منها..! قيل عنه إنه كان يجول يصنع خيرًا (أع 10: 38) يفتش عن النفوس الضائعة، مهما كانت حالتها تدعو إلي اليأس. وهنا نقول قاعدة هامة وهي:
إن الله لا ييأس مطلقًا من خلاص الناس، مهما يئسوا هم..
الله دائمًا يعمل، ويعمل مع الكل. ليس فقط مع المريض روحيًا، وإنما حتى مع الميت الذي قد أنتن (يو 11: 39)، حتى مع اللص في آخر ساعات حياته علي الأرض (لو 23: 43)، حتى مع رئيس العشارين، زكا..! ومع السامرية التي عاشت مع خمسة (أزواج)!! (يو 4: 18).
وهو يبحث عن هذه المرأة الضائعة، ويجذبها إلي التوبة..
هو الذي ذهب إلي البئر حيث تستقي. وهو الذي دبر المقابلة بحكمته، ورتب موعد اللقاء. وهو الذي جر الحديث معها، وكلهما عن الماء الحي، وهو الذي فتح الموضوع وشجعها علي الاعتراف وهو الذي نطق باعترافاتها الصعبة حتى لا تحرج، وقبل منها مجرد الموافقة ولم يبال في كل ذلك بأن اليهود لا يعاملون السامريين" ولا بأن تلاميذه "كانوا يتعجبون من أنه يتكلم مع امرأة" (يو 4: 9، 27).
حقًا كما قال القديس يوحنا ذهبي الفم عن محبة الله:
إن الله يجول ملتمسًا لخلاصنا، ولو دمعة تسكبها.. يأخذ هل الله -قبل أن يخطفها شيطان المجد الباطل- ويجعلها سببًا لخلاصك.. حقًا أنه لا يوجد أحن من قلب الله علينا.. أحن منا علي أنفسنا! إنه هو الذي قال: "بسطت يدي طول النهار إلي شعب معاند ومقاوم" (رو 10: 21، أش 65: 2) حتى إلي هذا الشعب المتمرد السائر وراء أفكاره، بسط الله يده، طالبًا خلاصه..! ولعل هذا يذكرنا بمثل الزارع.
لقد قبل الرب دموع المرأة الخاطئة، وقال لها مغفورة لك خطاياك،وقال للمتكئين إن خطاياها الكثيرة قد غفرت لها لأنها أحبت كثيرًا. وشرح كيف أنها كانت أفضل من الفريسي..
هذه الدموع أمام الله محت كل الماضي الأثيم الذي للمرأة.
لم يذكر لها كل خطاياها القديمة، أمام هذا الانسحاق الحاضر. حقًا ما أجمل قول الرب عن خطايانا "لا أعود أذكرها".

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:13 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
مثال الزارع

الله شبه نفسه بزارع يلقي بذراه في كل أرض..
لقد ألقي بِذاره علي الأرض الجيدة في كل مستوياتها، التي تنتج ثلاثين كالتي تنتج ستين كالتي تنتج مائه. الكل سعي الرب لتزويده بعمل نعمته، بتوصيل كلمه الخلاص إليه.. ولكن ماذا عن الأرض المتحجرة، والأرض المحاطة بالأشواك؟ كل منها أيضًا زارته النعمة. ولكن "من له أذنان للسمع فليسمع" (متى 13: 9)..
الله يسعي لخلاص الكل. لا يمنع كلمته المحيية عن أحد..
حتى الطريق، وصلته بذار من الرب، وكذلك الأرض التي لم يكن لها عمق. فإن كان الله قد عمل في كل هؤلاء.. فليكن لك رجاء إن الله سيعمل فيك أنت أيضًا، لكي تثمر. وإن لم تثمر، هو "ينقب حولك ويضع زبلًا" (لو 13: 8).. هنا ونقول: ما أجمل تلك العبارات المعزية التي نصليها في القداس الغريغوري "لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك. ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلي الحياة"..
لولا طيبة الله، ما كان يلقي بذاره حتى وسط الأشواك..
لو أن واحدًا منا في نفس الموقف، لقال لتلك الأرض: "انزعني الشوك منك لكي ألقي بذاري فيك".. ولكن الله لم يفعل هكذا.. حقًا إن بعض الأراضي استطاع الشوك أن يخنق زرعها. ولكن الله قادر أن ينقي الشوك من كل أرض،هو نفسه ينظفها "ينقب حولها". لأن كثيرًا من الأنفس لا تستطيع أن تنزع الشوك من حولها، وإنما هي تصرخ مع كلمة الوحي قائلة للرب:
"توبني فأتوب. لأنك أنت الرب إلهي" (أر 31: 18).
وتقول أيضًا مع المرتل: "اغسلني فأبيض أكثر من الثلج، انضح علي بزوفاك فأطهر" (مز 50). أنت يا رب الذي تغسلني، وأنت الذي تطهرني. وأنا أقول مع ذلك الأبرص "يا سيد، إن أردت، تقدر أن تطهرني" (متي 8: 2). فيجيب الرب -كما قال لذاك- أريد فاطهر..

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:14 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الله يصالحنا معه

الله يريد أن يصالحنا، بكل الوسائل الممكنة..
من أجل ذلك أرسل الله الرسل والأنبياء والوحي الإلهي.. ولماذا أرسل كل هؤلاء؟ يجيب القديس بولس الرسول قائلًا: "الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمه المصالحة.. إذن نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (2 كو 5: 18، 20).

الله الحنون صالحنا لنفسه، ولم يحسب لنا خطايانا.. وفي ذل يقول بولس الرسول أيضًا: "إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم" (2 كو 5: 19). وكما نقول عنه في خاتمة كل صلاة: "الداعي الكل إلي الخلاص من اجل الموعد بالخيرات المنتظرة"..
والله في صلحه معنا وفي غفرانه، يقدر ضعف طبيعتنا..
يقول المرتل في المزمور: "كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا. كما يترأف الأب علي البنين، يترأف الرب علي خائفيه "ولماذا؟ "لأنه يعرف جبلتنا يذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 12-14)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. الله ينزل إلي هذا التراب، ويقيم صلحًا معنا واضعًا في اعتباره ضعف طبيعتنا.
صدقوني، أنه يفعل هذا حتى مع الهاربين منه..!
ذكرنا قبلًا، كيف سعي الله إلي آدم وهو هارب منه ومختبئ خلف الأشجار (تك 3: 8). ونضيف مثالًا آخر في قصة يونان النبي.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:16 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
قصة يونان النبي

كان يونان النبي هاربًا من الله.. وسعي الله لخلاصه..
لم يرفضه في ثاني مرة، حينما تابت نينوى ورحمها الله، فاغتاظ! وإنما عمل الله علي مصالحة يونان وإقناعه بالصواب الذي اغتاظ منه يونان حتى الموت!! (يون 4: 3، 4). انظر حنو الله علي يونان في حزنه الذي لم يكن يتفق مع مشيئة الله. يقول الكتاب: "فأعد الرب الإله يقطينة، فارتفعت فوق يونان، لتكون ظلًا علي رأسه لكي يخلص من غمه" (يون 4: 6).
إن سفر يونان يعينا مثلا جميلًا عن سعي الله لخلاص البشر:
ما كان أهل نينوى يفكرون في خلاص أنفسهم. وما كان بحارة السفينة التي ركبها يونان يسعون إلي خلاصهم. ولا يونان شعر أنه أخطأ وطلب الخلاص لنفسه! ولكن الله بنفسه سعي لخلاص كل هؤلاء، وخلصهم..

الله هو الذي بدأ. والمبادرة أتت منه. ثم أتت استجابتهم هم لعمله الإلهي مباشرة من بحارة السفينة وأهل نينوى، وبعد إقناع وبعد وقت من جانب يونان النبي..
اجتذب الله أهل السفينة إليه بخطة بارعة..
بالأمواج التي لطمت السفينة حتى كادت تنكسر، وبالخوف الذي أصاب البحارة حتى صرخ كل واحد إلي إلهه، وليس إلي الله الواحد، ثم بعمل الله في القرعة التي ألقوها، وأيضًا باعتراف يونان. ثم بهدوء البحر بعد إلقاء يونان ونجحت الخطية الإلهية مع البحارة "فخاف الرجال من الرب خوفًا عظيمًا، وذبحوا ذبيحة للرب نذورًا" (يون 1: 16). وكان البحارة قد استخدموا أولًا طرقهم البشرية، فلم تنجح "إذ طرحوا الأمتعة التي في السفينة ليخففوا عنهم "ولكن "البحر كان يزداد هيجانًا "كذلك فإنهم "جدفوا ليرجعوا السفينة إلي البر ففلم يستطيعوا "ولو استطاعوا ما خلصوا إيمانيًا. ولكن الله تدخل بطريقته التي أمكنها أن تخلصهم من البحر وتخلصهم من جهة الإيمان. ونجحت خطة الله في خلاصهم..
واجتذب الرب أهل نينوى، بالإنذار الإلهي، ومناداة يونان.
وما كان أهل نينوى قادرين علي خلاص أنفسهم إذ كانوا أمميين بعيدين عن الإيمان، كما أنهم كانوا جهلة "لا يعرفون يمينهم من شمالهم" (يون 4: 11). ولكن انذر الله لهم بأن المدينة ستنقلب وتهلك، أتي بثماره، فخافوا وتابوا وصاموا "ورجعوا عن طريقهم الرديئة، وقلب الله توبتهم"..
وبقي يونان. وخلصه الله أيضًا، علي دفعتين..
في المرة الأولي سعي الله لتخليص يونان من عواقب مخالفته وهروبه،واستخدم لذلك الخطر الذي تهدده في البحر. والذي قالبه يونان أولًا بلامبالاة. وكان نائمًا حتى في الوقت الذي صلي فيه كل البحارة الأمميون، لدرجة أن رئيس النوتية وبخه قائلًا: "مالك نائمًا، قم اصرخ إلي إلهك، عسي أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك (يون 1: 6). ثم أكمل الله خطته الإلهية بأنه "أعد حوتًا عظيمًا فابتلع يونان".
وتخلص يونان من عصيانه، وبقي أن يتخلص من محبته لكرامته.
وفعل الله ذلك بالشمس التي ضربت رأس يونان فذبل، واليقطينة التي ظللت عليه، والدودة التي أكلت اليقطينة، ثم تفهم الله معه. وهكذا استطاع الله أن يخلص يونان، كما خلص نينوى وأهل السفينة. وكان عند هؤلاء جميعًا استجابة لعمل الله فيهم وعمل الله فيهم وعمله من أجلهم.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:17 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الشركة مع الله

الله يعمل لأجلك، يسعى لخلاصك، فعليك أن تستجيب.
تشترك في العمل معه. لا تقاوم عمل الروح كما فعل اليهود وآباؤهم (أع 7: 51). ولا تفعل أيضًا مثلمًا فعلت عذراء النشيد، التي رفضت أن تفتح لحبيبها. فكانت النتيجة أنه -بعد طول انتظار- "تحول وعبر". فقال العروس "نفسي خرجت عندما أدبر. طلبته فما وجدته. دعوته فما أجابني" (نش 5: 6)

شعب موسي، كان عاجزًا عن أن يخلص نفسه من عبوديته فرعون. والله هو الذي سعي إلي خلاصه وخلصه. وكما قال موسي: "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر 14: 14). ولكن المهم هو أن هذا الشعب استجاب لعمل الله وسار وراءه، ودخل في البحر الأحمر حينما شقة الله أمامه.
واحترس أن تفعل كما فعل أغريباس وفيلكس والشاب الغني.
أغريباس أتته دعوة الله للخلاص. زارته النعمة وتأثر. وقال لبولس الرسول "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا" (أع 26: 28). ومع ذلك لم يخط خطوة إيجابية من جهته، وانصرف، ولم يصر مسيحيًا. وفيلكس الوالي زارته النعمة حينما تكلم القديس عن البر والتعفف والدينونة، فارتعد فيلكس. ولكنه أجل الموضوع وقال لبولس: "اذهب الآن. ومتى حصل لي وقت أستدعيك" (أع 24: 25). وهكذا لم يشترك مع عمل الروح، وجعل الفرصة تفلت من يده! وكذلك الشاب الغني، كانت له الفرصة أن يسمع كلمة الخلاص من فم المسيح ولكنه سمح لشهوة المال أن تقهره "ومضي حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة" (متى 19: 22).
إذن الله يسعي لخلاصك. يبدأ العمل لأجلك. ولكن عليك أنت أن تستجيب أو تشترك معه أو تخضع لعمله. ولقد صدق القديس أوغسطينوس حينما قال:
[الله الذي خلقك بدونك، لا يشاء أن يخلصك بدونك]..
إذن لابد أن تشترك في العمل معه: الروح القدس يعمل فيك، وأنت تستجيب لعمل الروح،لا تطفئ الروح (1 تس 5: 19) ولا تحزن الروح (أف 4: 30). ولا تقاوم الروح (أع 7: 51). وإنما تدخل في شركة الروح، بأن تعمل معه. لأن الله لا يريد أن يرغمك علي محبته. واعرف أن طول أناة الله، إنما لكي تقتادك إلي التوبة (رو 2: 4). فلا تعتمد علي طول أناته وعلي محبته وصبره وسعيه إليك، لكي لا تصل إلي اللامبالاة والتهاون. وهوذا الكتاب يقول: "إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم" (عب 3: 15).

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:18 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
بأنواع وطرق شتى
إن الله له طرق كثيرة في اقتياد الناس إلي الخلاص..
البعض يدعوهم إليه والبعض يتركهم إلي حين، إلي أن يلهب قلوبهم بالحب والاشتياق إليه. والبعض يجتذبهم بالتجارب والضيقات، مثلما قاد يونان إلي الطاعة بحوت ابتلعه، واجتذب أهل السفينة إلي الإيمان بإثارة البحر عليهم ثم تهدئته، والبعض يقودهم بمجرد الإنذار مثلما فعل مع أهل نينوى.
أتشكو من التجارب والضيقات؟ ربما سيخلصك الرب بالضيقات!
ربما أنت من النوع الذي لا يصلح معه سوي هذا الأسلوب، أو يكون هذا الأسلوب أكثر سرعة في اجتذابك إلي الله. فأن أتتك التجارب، لا تتضايق. لعلها لخيرك.
خذ الخير الذي في التجارب، ولا تركز علي ما فيها من ألم.
أن الله لا يحب أن يستخدم العنف معك. ولكن إذا كان هذا العنف -في حدود احتمالك- نافعًا لك روحيًا، فلا مانع منه ونفس الوضع نقوله إلي حين.. ونفس الوضع نقوله من جهة. الله يحددها حسب الصالح.. هناك طعام لا يحتمل سوي ربع ساعة علي النار لكي ينضج، بينما طعام آخر قد يحتاج إنضاجه إلي ساعتين أو أكثر..
فلا تفقد رجاءك لطول المدة. إن ذلك لخيرك..
أما إن كنت ضعيفًا ولا تقدر، فالله قادر أن يعينك.
إن سعي الله لخلاصنا، ليس معناه أن نأخذ موقفًا سلبيًا علي طول الخط، وعمل النعمة لا يساعد علي الكسل. فأمامنا قول الرب: "كم مرة أردت.. ولم تريدوا.." (متي 23: 37). قل له: "توبني فأتوب"، "أرددني فاخلص" ولكن سلم إرادتك له،وثق أنه سيعمل فيك، وسيقويك.. وسيقودك في موكب نصرته، بالطريقة التي تناسب طبيعتك. وعند الله طرق كثيرة..
وإن كان جهدك قليلًا، كن أمينًا في هذا القليل.
إن صاحب الوزنتين سر به الله، وأعطاه نفس الطوبى التي نالها صاحب الخمس وزنات (متى 25: 23، 21). وقال له كما قال لذاك: "ادخل إلي فرح سيدك". طبيعتك. المهم أن تكون أمينًا في القليل الذي عندك.
وأن كنت لا تملك في روحياتك حتى القليل، الله قادر أن يعطيك. وإن كنت غير قادر علي الأمانة في القليل، قل له أعطني يا رب القدرة والأمانة من عندك. إن الله الذي نفخ في التراب، وجعله نفسًا حية، قادر أن ينفخ فيك ويجعلك روحًا حية في ملكوته..

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:20 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار

كثيرًا ما ينظر البعض إلي حياة القديسين، وإلي القمم العالية التي وصلوا إليه في حياة الروح، وإلي عمق الصلة التي عاشوا فيها مع الله
وهنا يشعر الإنسان بصغر نفس ويتساءل: هل يمكن أن أكون مقبولًا أمام الله، وأنا في هذا المستوي الضعيف، وليس لي شيء علي الإطلاق مما وصل إليه القديسون؟!
هل يمكن أن تقبل الله حياتي البسيطة الصغيرة التافهة.. التي إذا قيسَت بسير القديسين تكون لا شيء؟! هنا وأريد أن أحدثكم عن الله، الذي هو إله الصغار.. الله الذي اهتم بالأشياء الصغيرة جدًا، وجعل لها قيمة كبيرة قدامه.. والذي قيل عنه لتعزيتنا:
"المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، لكي يجلس مع رؤساء شعبه" (مز 113: 7، 8).
الله الذي اختار أناسًا صغارًا لم تكن لهم قيمة عند الناس، ولكن الله كان يعرف قيمتهم، أو جعل لهم قيمة وامتدت يد الله فرفعتهم.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:21 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
اختار الصغار في السن..

1- اختار الصغار في السن..
وهكذا قال داود عن نفسه: "صغيرًا كنت في أخوتي، ومحتقرًا كنت عند بني أمي". كان كذلك عند أخوته. ولكن ماذا فعل الله"؟
أخذ داود الصغير من بين الغنم، وجعله مسيحًا للرب عندما دخل صموئيل النبي ليمسح ملكًا من بيت يسى البيلتحمي، عرض عليه يسى أبناءه الكبار السمان.. عرض عليه اليآب الطويل القامة الحسن المنظر، فقال الرب قد رفضته. ثم عرض عليه أبيناداب وشمه وباقي السبعة، فكان النبي يقول عن كل منهم "وهذا أيضًا لم يختره الرب" (1 صم 16: 5 -10).. وأخيرًا قال يسى:
"بقي بعد الصغير. وهوذا يرعي الغنم" (1 صم 16: 11). نعم هذا الصغير الذي احتقره أبوه، وتركه مع الغنم دون أن يسمح له بحضور الحفل الذي يشرفه النبي العظيم صموئيل.. هذا الصغير هو الذي اختاره الرب ليكون له مسيحًا..!
وحل روح الرب علي داود الصغير من ذلك اليوم فصاعدًا، وصار رجل المزامير رجل المزمار والقيثارة والعشرة الأوتار، وواحدًا من أشهر أنبياء العهد القديم. حقًا إن الله لا ينظر إلي الأعمار ولا إلي المنظر الخارجي. وكثيرًا ما اختار الصغار.
وكما اختار الله داود الصغير اختار أيضًا يوسف الصديق صغير إخوته.
وجعله ملكًا عليهم جميعًا، وعلي غيرهم. وأتي أخوته إليه، وسجدوا عند قدميه وهو صغيرهم..! كما جعله أيضًا أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته، ومتسلطًا علي كل أرض مصر" (تك 45: 8).
واختار أيضًا أرمياء النبي الصغير الذي قال: "لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" (أر 1: 6).

وقال له الرب: "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب.. ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر. قد وكلتك اليوم علي الشعوب والممالك.. ها قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد. وأسوار نحاس علي كل الأرض، لملوك يهوذا ولرؤساء ولكهنتها ولشعب الأرض (أر 1: 4، 5، 9، 10، 18).
نجد أن أحب التلاميذ إلي المسيح كان يوحنا أصغرهم سنًا..
وهو الذي جعله الرب أحد الأعمدة الثلاثة في رسله (غل 2: 9). وأطال عمره أكثر من جميعهم، وكشف له رؤى السماء، وجعله كاتب الإنجيل المملوء باللاهوتيات. ولعل من الصغار الذي أكرمهم الرب القديس مرقس الرسول الذي كتب أول الإنجيل. وكان شابًا صغيرًا حدثًا في فترة كرازة السيد المسيح علي الأرض، وبدأ حياته خادمًا مع القديس بولس والقديس بطرس. وبولس الرسول أخًا شابًا صغيرًا ليخدم معه، هو تيموثاوس الذي صار أسقفًا لأفسس، وقال له "لا يستهين احد بحداثتك" (1 تي 4: 12).
ومن الصغار الذين اختارهم الرب القديس العظيم الأنبا بيشوي.
أختاره الملاك من بين إخوته ليكون نذيرًا للرب، وكان أنحفهم جسمًا، وأضعفهم وأصغرهم. وعرضت أمه علي الملاك أن يختار أحد أخوته الكبار الأقوياء ليخدم الرب بقوة. ولكن هذا الصغير النحيف الضعيف كان هو الذي اختاره الرب ليكون "الرجل الكامل حبيب المسيح الذي غسل قدمي مخلصنا الصالح".. لا تقل أنا صغير. فعجيب هو الرب في اختياره للصغار..
القديس أثناسيوس الرسولي كان شابًا صغيرًا في مجمع نيقية.
وكان في هذا المجمع المسكوني العظيم 318 من أشهر الآباء الأساقفة في العالم المسيحي. ومن حيث الرتبة كان أثناسيوس مجرد شماس. ومع ذلك وضعه الله في القمة. وأعطاه القوة في الانتصار علي أريوس وفي دحض بدعته، وفي صياغة قانون الإيمان المسيحي.
وصار هذا الشماس الصغير أعظم اللاهوتيين في تاريخ الكنيسة..
وفي تاريخ الرهبنة، من أشهر الصغار العظام القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس، والقديس يوحنا القصير، والأنبا ميصائيل السائح. لقد سمح أن يكون الشاب الصغير تادرس هو المرشد الروحي في كل أديرة القديس باخوميوس الكبير بل هو الذي أسس كثيرًا من هذه الأديرة، وعين المسئولين فيها،كذلك اختار الرب شابًا صغيرًا آخر ليكون المرشد الروحي في برية شيهيت، ذلك هو القديس يوحنا القصير، الذي قيل عنه أن الأسقيط كله كان معلقًا بإصبعه. وكان الرهبان يجلسون حوله ويستفيدون من تعليمه.. وكان شابًا حدثًا، ولكن له نعمة أكثر من الشيوخ! والقديس ميصائيل صار من الآباء السواح وعمره حوالي 17 عامًا وأول دير في برية شهيت "دير البراموس"، تسمي باسم قديسين شابين، هما مكسيموس ودوماديوس.. ومن أشهر السواح القديس الأنبا ميصائيل الذي وصل إلي درجة السياحة وهو في حوالي السابعة عشرة من عمره..
إن الله حينما شاء هزيمة جليات، هزمه بفتي صغير.
فتي لا يعرف أن يلبس ملابس الحرب، لأنه لم يتعود عليها (1 صم 17: 38،39)، بل استخدم خمس حصوات ملساء من البرية. وهذا الصغير مسحه الرب ملكًا دون أخوته السبعة الكبار، وهكذا غني داود أغنيته المشهورة "صغيرًا كنت في إخوتي، ومحتقرًا عند بني أمي.. إخوتي كبار وسمان.. ولكن الله لم يسر بهم"..
"انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الأصاغر" (متي 18: 10). اهتمام الرب بالأطفال واضح جدًا فيالكتاب المقدس، فهو الذي أقام طفلًا وسط تلاميذه وقال لهم "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت الله" (لو 18: 16، 17). وقال أيضًا "أحمدك أيها الآب.. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (متي 11: 25). وقال "من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر" (متي 18: 6). أعرف باستمرار أن "الحرب للرب" ((1 صم 17: 47)، و"ليس للرب مانع أن يخلص بالكثير أو القليل" (1 صم 14: 6).
ما أعظم المواهب الروحية والذهنية التي وهبها الله للصغار.
ما أكثر مواهبه للأطفال والفتيان. داود النبي مثلًا: وهبة الشعر والموسيقي. فكان رجل القيثار والمزمار والعشرة الأوتار، وهو بعد حدث صغير وكان يحسن الضر علي العود، ويستطيع أن يبعد أن يبعد الروح النجس عن شاول الملك (1 صم 16: 23). وفوق كل ذلك كان رجل حرب وجبار بأس، وهو بعد فتي صغير..
والقديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين وهبه الله نضوجًا روحيًا وهو طفل صغير.
فكان يمار الزهد والصوم والصلاة وهو حدث صغير.. إنها موهبة إلهية تدل علي اهتمام الله بالصغار. وهكذا كان أيضًا القديس مرقس المتوحد يصوم إلي الساعة التاسعة وهو طفل.
والقديس تكلا هيمانوت وهبه الله صنع المعجزات وهو طفل.
إنها ليست أمرًا موروثًا، وإنما هي هبة إلهية، ومواهب الله ليست قاصرة علي الكبار، وإنما الصغار أيضًا يتمتعون بها. وما أكثرها في حياة القديسين الذين بدأوا حياتهم صغارًا، لأن نعمة الله شاءت ان تعمل فيهم في هذه السن المبكرة، كما عملت في أرمياء الذي لم يكن يعرف أن يتكلم لأنه ولد، وكما عملت في صموئيل الطفل، وفي سليمان وهو فتي صغير.
ونفس النضوج الروحي كان في السيدة العذراء وهي طفلة.
العمق في الصلاة وفي التأمل وفي دراسة الكتاب.. كل ذلك وهي طفلة صغيرة يتيمة تتربي في الهيكل.. وتسبحتها المشهورة (لو 1: 46 - 55) تدل علي مدي حفظها للمزامير وآيات الكتاب.. كل ذلك وهي صغيرة السن. ولكنها نعمة الله العاملة في هذه الممتلئة نعمة، التي أختارها الله صغيرة، ولكن مملوءة بمواهبه. لعل يوحنا المعمدان كان أيضًا أحد الأطفال الموهوبين.
والتفسير الوحيد لذلك هو قول الملاك المبشر عنه "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو 1: 15).. وهكذا كان الروح القدس يعمل فيه وهو بعد في بطن أمه لذلك استطاع أن يرتكض وهو جنين في بطن أمه لها سمعت سلام العذراء، بل أنه ارتكض بابتهاج، وهو جنين في بطن أمه لما سمعت سلام العذراء، بل أنه ارتكض بابتهاج وهو جنين (لو 1: 41 - 44).
إن النضوج المبكر للأطفال الموهوبين، ليس له تفسير إلا موهبة الله الغنية التي تنسكب علي الأطفال بغني لا يعبر عنه.
المهم أن المواهب التي يعطيها الله للأطفال، تعطيك رجاء، وتجعلك تكرر العبارة التي قالها رب المجد: "أحمدك أيها الآب.. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (متي 11: 25)، "لأنه هكذا صارت المسرة أمامك".
ماذا نقول عن النضوج المبكر لاثناسيوس وطفولته العجيبة؟
ليس شيئًا سوي موهبة الله التي يمنحها للأطفال بغني مذهل، قد تحار فيه العقول البشرية، وتعللها بأسباب شتى.. ولكنها تستريح من حيرتها أن وضعت أمامها عبارتين، هما: "موهبة الله" و"محبة الله للأطفال".
هو القديس أثناسيوس الذي لقبوه بالرسولي، وهو أصغر من جلس علي كرسي مارمرقس، وهو أعظم من جلس علي هذا الكرسي، وكان بطلًا عظيمًا من أبطال الإيمان، وهو بعد شاب. وصار بطريركًا وهو في حوالي الثلاثين. ووضع كتبًا عظيمة مثل "تجسد الكلمة" و"الرسالة إلي الوثنيين" وهو شاب صغير.
إننا نسعد جدًا، ونمتلئ بالرجاء، حينما نعرف أن نضوج الأطفال المبكر سببه موهبة الله ومحبته.
فالله الذي كان مع هؤلاء الأطفال وأعطاهم بغني من مواهبه، هو أيضًا قادر أن يعطينا. المهم أن نتضع ونصير مثل الأطفال حسب وصيته، ونقف أمامه فارغين.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:23 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الصغار في العدد

لقد اختار الله الصغار في العدد، لكي يبارك أو يصنع بهؤلاء الصغار عجبًا..
اختار الله الخمس خبزات والسمكتين ليصنع معجزة عظيمة.
إنه لم يحتقر هذه الكمية الصغيرة، إنما باركها، وأطعم بها خمسة آلاف من الرجال. وحتى هذا القدر الضئيل كان يحمله غلام صغير (يو 6: 9). وفي معجزة إشباع الأربعة آلاف من سبعة أرغفة كان معهم "قليل من صغار السمك" (مر 8: 7). وبهذا القليل، وبهذا القليل وبهذه الصغار، وأشبع الرب تلك الآلاف من الناس..
وأختار الله هذه القلة الضئيلة، ليعطي رجاء لكل قلة ضئيلة.
أن الله يبارك القليل فيصير كثيرًا. إن العدد ليس هو المهم، إنما الأهمية كلها هي في البركة التي في هذا العدد. وبهذه البركة يصنع الله عجبًا.
ففي خدمتك لا تيأس من قلة مواهبك. وقل له "استخدمني لإطعامهم كأنني من صغار السمك".

انظروا في مثل الزارع: ماذا قال الرب عن الزرع الذي كان في الأرض الجيدة؟ لقد قال:
"فأعطي ثمرًا: بعض مئة، وآخر ستين، وأخر ثلاثين" (متي 13: 8). نحن نعقل يا رب أن الزرع الذي يعطي مئة هو زرع جيد. ولكن هل يقال كذلك عن الذي يعطي ستين؟ وهل يسمي جيدًا من يعطي ستين؟! وهل هذا الإنتاج الضئيل هو مقبول عند الله؟
ولعل الرب يجيب: مادامت الأرض أعطت ثمرًا، إذن فهي أرض جيدة، حتى إن أعطت ثلاثين..
لذلك لا ييأس ولا يفقد الرجاء، أصحاب الثلاثين. إن الله يقبل هذا القليل منهم، مادام هذا هو جهدهم. ويبارك الرب هذا الجهد كأنه شيء كثير. انظروا ماذا نقول في أوشية القرابين:
أصحاب الكثير وأصحاب القليل. والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم مجرد هذه الرغبة، حتى من غير عطاء، هي شيء مقبول عند الله، الذي لا يحتقر الشيء القليل،عجيب هو الرب في إحكامه، وفي قبوله للقليل. يذكرني هذا بقول أحد القديسين:
العنقود وإن كانت فيه حبة واحدة، لا تزال فيه ببركة.
ونفس المعني كرره إشعياء النبي (اش 65: 8). إن الله يعمل في القليل، لكي لا نفتخر نحن بقوتنا، ونظن أننا ننتصر بالكثرة وليس بقوة الله، فيكسرنا هذا الفكر.
وهذا واضح من قصة الحرب التي دخلها جدعون بعدد قليل..
كان جدعون قد جمع من الشعب جيشًا كبيرًا من اثنين وثلاثين ألفًا ليحارب المديانيين. ولكن الرب قال له: "هذا الشعب كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم، لئلا يفتخر إسرائيل علي قائلًا: يدي خلصتني" (قض 7: 2) وظل الرب يغربل هذا العدد الكبير حتى وصل إلي ثلاثمائة جندي فقط. وبارك الله في هذا العدد القليل، فانتصر علي جيش المديانيين الذي كان منتشرًا كالجراد علي الأرض. وماذا أيضًا:
لما أراد الرب الكرازة بالإنجيل اختار لذلك اثني عشر رسولًا فقط..
واستطاع هؤلاء -علي الرغم من قلتهم- أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر 16: 15) - وإلي أقطار المسكونة بلغت أقوالهم. من ثمانية أنفس فقط في الفلك، أعاد الله تكوين البشرية من جديد. ولم يختر لغرضه سوي هذا العدد الضئيل..
ومن ابن واحد هو إسحق، استطاع الله أن يأتي بنسل مثل نجوم السماء ورمل البحر في الكثرة..

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:24 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الاهتمام بالقليل في النوعية

لما شاء أن يهزم جليات الجبار، هزمه بحصاة ملساء في مقلاع صبي صغير هو داود.
فلا تفقد أنت رجاءك، ولا تقل مواهبي قليلة، وأنا صغير، ضئيل الشأن لست علي مستوي قوة من يبغضونني. فلتكن حصاة صغيرة في مقلاع الرب. وليعمل الرب بك عملًا، مهما كان جهدك قليلًا.
لأن "الحرب للرب" (1 صم 17: 47). و"ليس لدي الرب مانع عن أن يلخص بالكثير أو القليل" (1 صم 14: 6).
أنظر كيف نشر الله ملكوته علي الأرض.. إنه لم يختر لذلك جماعة من الفلاسفة أو العلماء أو الجبابرة بل اختار مجموعة من الصيادين البسطاء، وعمل فيهم وبهم.. وكما قال الرسول "
"اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدري وغير الموجود، ليبطل الموجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه" (1 كو 1: 27 - 29).
ونحن نقف أمام هذه العبارة مبهورين..! قد تعبر في فهمنا كلمة الجهال والضعفاء.. لكن ماذا عن المزدري وغير الموجود؟!.. ما هذا العجب؟ كيف يمكن للرب أن يختار؟! لا شك أن هذه العبارة تحيي الرجاء في نفس كل إنسان، مهما كان ضعيفًا ومهما كان بلا مواهب وبلا إمكانيات وبلا قدرات من كل ناحية.. لذلك أن حوربت باليأس قل له: اعتبرني يا رب ضمن المزدري وغير الموجود، ولا تحرمني من العمل معك.. ليكن لي كيان قدامك، مع أنني في نظر نفسي وربما في نظر الناس مزدري وغير موجود..
ربما يظن البعض أن السيد المسيح لو كان قد جاء في أيامنا، لكانا يختار أصحاب الشهادات العالية جدا وأساتذة البحوث!
كلا، صدقوني، لأنه لا يحب أن يفتخر كل ذي جسد أمامه، ولئلا تنسب البشارة إلي عقله البشري وليس إلي عمل الروح القدس. فلو كان المسيح جاء في أيامنا، ما كنت أستغرب أن يختار بعض من البسطاء كما فعل من قبل، أو مجموعة من عمال التراحيل..
فليس مصدر القوة هو الإنسان وإنما روح الله العامل فيه.
والله يحب أن يستخدم الصغار، لكي لا يفتخروا، ولكي لا ييأس أحد من عمل الله فيه فلا يفشل أحد، ولا تصغر نفس إنسان ما.
الله نشر الكرازة باثني عشر رجلًا، وما أصحاب مواهب.
بل كانت غالبيتهم من الصيادين، إنما المهم هو عمل الله فيهم. والثالث عشر الذي هو بولس، لم يعتمد علي الثقافة والمواهب، بل قال لأهل كورنثوس "وأنا لما أتيت أليكم أيها الأخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة" (1 كو 2: 1). لماذا؟ يقول "ليس بحكمة كلام، لئلا يتعطل صليب المسيح" (1 كو 1: 17)، لئلا تحسب المسيحية فلسفة، أن ينسب نجاح الكرازة إلي الحكمة وليس إلي عمل النعمة.
إن باب الملكوت مفتوح للكل، وكذلك باب الخدمة..
ليس فقط للذين يقولون إنهم وصلوا إلي الملء، ويتكلمون بألسنة!! ولهم المواهب، ويرتعشون في الصلاة..! بل أن باب الملكوت مفتوح أيضًا أمام المبتدئ، الحديث في العمل الروحي، الذي لا يعرف أن يتكلم لأنه ولد (أر 1: 6).
فلا تظن أحد أنه إن لم يصعد إلي القمة في الروحيات، فهو لم يصل بعد إلي الله!
ولا تحتقروا أمثال هؤلاء الذين لم يصلوا إلي القمم،ولا تصغر نفوس هؤلاء، فإن الله يعمل في الكل، ويستخدم حتى "القليل من صغار السمك".. وما أجمل العبارة المعزية التي قالها القديس يوحنا المعمدان:
إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم (لو 3: 9).
وإلي من ترمز الحجارة؟ إلي صم بكم لا يتحدثون، بلا حركة وبلا حياة.. هؤلاء، الرب قادر أن يقيم منهم أولادًا لإبراهيم. إذن لا تفقد رجاءك مطلقًا، مهما كنت بلا حياة. فأنت ولا شك أفضل من حجارة كثيرة..
أمامنا مثل آخر في ميلاد المسيح يدل علي اهتمام الله بالصغار:
لقد ولد في مزود بقر، وليس في قصر ضخم. وولد في قرية صغيرة هي بيت لحم، وليس في المدينة العظمي أورشليم.
واستطاع أن يحاول المزود إلي مزار عالمي ومقدس من المقدسات الكبرى. أما بيت لحم فقال لها: من الآن فصاعدًا "لست الصغرى بين رؤساء يهوذا" (متي 2: 6). رفعها فوق بلاد كثيرة، ومنحها قيمة بميلاده فيها. ولعل هذا يذكرنا بدعوة الرب لجدعون، الذي شعر بصغر نفس، لضآلة أصله وبلده فقال:
ها عشيرتي هي الذلى في منسي، وأنا الأصغر في بيت أبي (قض 6: 15).
ولكن الرب كان يبحث عن هذا الأصغر، ليظهر مجد الله فيه.
لذلك لا تفقد رجاءك إن كنت صغيرًا. إن كنت مزودًا، أو قرية صغيرة، أو كنت الأصغر في بيت أبيك، أو إن كانت عشيرتك هي الذلّى بين باقي العشائر..! إن الله قادر أن يعمل فيك، ويرفع شأنك فتصير شيئًا آخر ما كنت تفكر فيه..
إنه موقف يشجع الضعفاء والمساكين، الصغار والأذلاء..
انظروا في اختيار موسي النبي، تروا موقفًا عجيبًا.. كان موسي "ثقيل الفم واللسان.. وليس صاحب كلام لا من اليوم ولا أمسًا، ولا قبلًا من أمس" (خر 4: 10).
ومع ذلك اختار الله هذا الثقيل الفم واللسان ليكون كليم الله..
لم ينزع منه هذا النقص، وإنما أرسل له هارون أخاه، لكي "يكون له فمًا "وقال الله لموسي: "وأنا أكون مع فمك، وأعلمك ما تتكلم به" (خر 4: 16، 12). وبهذا الإنسان الثقيل الفم واللسان، أذل الله فرعون.. إن قلة المواهب لا تعوق عمل الله، ولا تدعو الإنسان إن يفقد الرجاء في القدرة علي القيام بالمسئوليات.. فباستمرار ثق بالله الذي قيل إنه "يعطي المعيي قدرة، ولعديم القوة يكثر شدة" (إش 40: 29).
إن الله يستخدم الصغار والضعفاء. وهنا نسأل سؤالًا: عندما قاد الله يونان النبي إلي التوبة والصلح معه، بماذا هداه؟
استخدم الله في هداية يونان: الدودة، واليقطينة، والرياح والموج، وأشعة الشمس. فكانت كل منها تؤدي رسالة إلهية.. (يون 1، 4). اليقطينة التي بنت ليلة هلكت، استخدمها الله في تحقيق مقاصده، وكذلك الدودة التي لا قيمة لها عند أحد! قل له: احسبني يا رب دودة، احسبني يقطينة، احسبني موجة، احسبني شعاعًا. فلأكن أي شيء مهما كان تافهًا في ملكوتك، ولكن يصنع مشيئتك. وإن كنت دودة لا تفقد رجاءك، سيكون لك دورة عند الله.. وإن كنت يقطينة لا تصغر نفسك. سيأتي وقت تعطي فيه درسًا لنبي كيونان ويكتب اسمك في كتاب الله..!

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:26 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
اهتمام الله بالأشياء الصغيرة

اهتم بالأطفال، وتحدث عنهم بكل حب وتقدير..
كان يحتضنهم ويعطف عليهم ويقول "دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (متى 19: 14). وأخذ ولدًا وأقامه في الوسط، وقال لتلاميذه "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو العظم في ملكوت السموات. ومن قبل ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني" (متى 18: 2- 5).
واهتم بنفسيته هؤلاء الصغار، والبعد عن إعثارهم، فقال:
من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحي ويغرق في لجة البحر" (متي 18: 6). إن الله يهتم بالصغار من كل نوع، سواء في سنهم، أو في حياتهم، أو نوعيتهم، عمومًا، أو في ضآلتهم وضعفهم. رعايته تشمل الكل.
لقد اهتم حتى بالقصبة المرضوضة وبالفتيلة المدخنة..
فقيل عنه في الإنجيل "قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (متي 12: 20). إنه يعطي رجاء لكليهما. فالقصبة المرضوضة قد تربط وقد تعصب. والفتيلة المدخنة قد يرسل لها ريحًا فتشعلها.
والشجرة التي لم تعط ثمرًا، أعطاها رجاء وفرصة أخري.
فلما امتدت الفأس لتوضع علي رأس هذه الشجرة، قال في حنوه "أتركها هذه السنة أيضًا، حتى أنقب حولها وأضع زبلًا. فإن صنعت ثمرًا، وإلا ففيما بعد تقطعها" (لو 13: 7-9). إنه لم يقطع الرجاء حتى بهذه التي استمرت ثلاث سنوات بلا ثمر.
وهو يعطي قيمة حتى للنملة الصغيرة، ويقدمها درسًا للبشر..
فيقول: "اذهب إلي النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا.." ونحن نقول: ما هي هذه النملة يا رب حتى تخلصها، وتمنحها هذه الطبيعة النشطة، وتضرب بها المثل فيما وهبتها إياه من نشاط ومهارة وقدرة..؟! وكأن الله يجيبنا ويقول: لا تظنوا أني فقط خالق التنانين، وإنما أيضًا خلقت الحشرات والهوام
وأرعى هذه وتلك.. وأهتم حتى بالعصافير التي يباع اثنان منها بفلس واحد. وأعطي طعامًا لفراخ الغربان التي تدعوني (مز 147: 9). عجيب هو الرب الذي يخلق هذه الأشياء الصغيرة ويهتم بها. بل يهتم حتى بالدودة التي تسعي تحت حجر، وبالزنبقة الأشياء التي يلبسها أفضل من سليمان في كل مجده (متي 6: 29).
إنه يضرب لنا مثلًا للإيمان ولملكوت السموات بحبة الخردل التي هي أصغر جميع البذور.
فيقول يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور. ولكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها" (متى 13: 31-32).
ويقول أيضًا "الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلي هناك فينتقل. ولا يكون شيء غير ممكن لكم" (متي 17: 20). إذن لا تفقد رجاءك ولو كان إيمانك صغيرًا كحبة الخردل.
إنه يمكن أن ينمو ويصير شجرة تتآوى إليها الطيور. والله يقبل هذا الإيمان ويباركه. وأيضًا..
في الإيمان والملكوت يضرب مثلًا بخميرة صغيرة تخمر العجين كله.
فيقول: "يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة ووضعتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع" (متي 13: 33). وقد تذكر بولس الرسول هذا المثل فقال لأهل غلاطية: "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (غل 5: 9). إذن لا تفقد رجاءك مهما كان إيمانك قليلًا، ومهما كان عملك ضئيلًا، فالله يقبل القليل ويباركه ليصير كثيرًا.
إن الرب قد أعطي في ملكوته رجاء حتى للعرج والجدع..
فقال لعبده بعد أعد الوليمة "أخرج عاجلًا إلي شوارع المدينة وأزقتها. وأدخل إلي هنا المساكين والجدع والعرج والعمي" (لو 14: 21).
بل قال أيضًا كوصية: "إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجدع العرج العمي. فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئوك" (لو 13: 13). فإن حوربت بفقد الرجاء، تذكر هؤلاء الذين ليس لهم، والذين قبلهم الرب بدون مقابل..
هنا ونذكر ملاحظة هامة في معجزة الخمس خبزات والسمكتين:
إن الله اهتم بالكسر، فأمر بجمعها، وحملها الرسل..
لعلك تقول ليتني كنت خبزة في يد الرب، يباركها ويطعم بها الألوف، وهكذا يمكنني أن أصلح لشيء في الخدمة! أقول لك: حتى لو لم تكن خبزة، وكنت مجرد كسرة ملقاة علي الأرض لم تجد من يأكلها، ستسمع قول الرب "اجمعوا الكسر وسيأتي وقت تستطيع فيه أن تشبع الآخرين.
إذن إن كانت أعمالك الروحية ضعيفة، قل له في اتضاع: أدخلني يا رب مع المساكين والجدع والعرج والعمي إلي ملكوتك. وكما اهتممت بجمع الكسر في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، اعتبرني أنا أيضًا من هذه الكسر، ليأخذني رسلك معهم في سلالهم وقففهم. أنا يا رب من هذه الكسر. اجمعني في سلتك المباركة.
لا تظن أنه يجب أن تصعد إلي أعلي، لكي تقابل الله.
بل انك كلما شعرت أنك لا شيء، ولا استحقاق لك علي الإطلاق. وهبط قلبك أسفل، فهناك تلتقي بالله. وهكذا كلما نزلت إلي أسفل صعدت إلي أعلي.
حقًا الإنسان يصعد في هبوطه، ويهبط في صعوده.
وقد قال الرب في ذلك "كل من يرفع نفسه يتضع. ومن نفسه يرتفع" (لو 13: 11).
لقد ضرب لنا ثلاثة أمثلة في اهتمامه بالصغار في الأصحاح الخاص بقبوله للتائبين وبحثه عنهم (لو 15).
رجوع الابن الضال بانسحاق قلب، قابله الرب بفرح كبير ومكافآت عديدة.. ثم ماذا عن الخروف الضال؟ من ذا الذي يستطيع أن ينظر إلي حظيرة فيها مائة خروف فيلمح أنها مجرد 99، ويبحث عن الواحد الناقص إلي أن يحمله علي منكبيه فرحًا، بل من ذا الذي يهتم بدرهم واحد مفقود، ويظل يبحث عنه حتى يجده، ويفرح بوجوده ألا يعطيك هذا رجاء في عمل الله من أجلك! هو يبحث عنك، إن لم تبحث أنت عنه..
ومن اهتمام الله بالصغار، اهتمامه بقرية بيت لحم الصغيرة.
هذه التي قال لها الوحي الإلهي "وأنت يا بيت لحم.. لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لتكوني قدسًا ومكانًا للميلاد المجيد.."
ومن اهتمامه بالصغار، اختاره ليئة المكروهة العينين (تك 29: 17، 33).
ليئة هذه التي كانت صغيرة القدر والمكانة بالنسبة إلي أختها راحيل، هي التي اختارها الرب لتكون أمًا ليهوذا سبط الملوك، وأمًا للاوي سبط الكهنوت، وجدة للمسيح، فأتي من نسلها ولم يأت من نسل راحيل..
بل اختار الرب راحاب الزانية وكذلك ثامار ضمن سلسة الأنساب، واختار راعوث الموآبية ضمن سلسة الأنساب أيضًا (متي 1: 3، 5).. بل اختار مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين لتكون مبشرة للرسل (مر 16: 9، 10). بل أنه اختار التراب ليجعل منه صورته ومثالة. فلا تيأس إذن من عمل الله معك واختياره لك..
إنه "المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع رؤساء شعبه" (مز 112).
إذن الله قادر أن يقيمك مهما كانت حالتك، بل يرفعك أيضًا لتجلس مع رؤساء شعبه أليس هو الذي لا يحتقر قصبة مرضوضة، ولا فتيلة مدخنة، يأمر بتشجيع صغار النفوس، وأن نسند الضعفاء وتتأني علي الجميع" (1 تس 5: 15). بل ما أجمل قول الكتاب "قوموا الأيادي المسترخية والركب المخلعة" (عب 12: 12)، حتى إن كنت من هذا النوع، سوف لا يهملك الله، بل سيرسل لك من يقومك..
بل خذ مثال اهتمامه بالعصفور، كرمز لاهتمامه بك.
إنه يقول "أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ" (إنجيل متى 10: 29). فالذي يهتم بالعصفور لا شك يهتم بك أيضًا. ولذلك يقول بعدها مباشرة "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة" (متي 10: 30). ويعجب الرب بالعصافير في إيمانهم بأن الله يقوتها ويقول في ذلك "انظروا إلي طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلي مخازن. وأبوكم السماوي يقوتها (متي 6: 26). وهكذا يذكرها ويضرب بها مثلًا لنا، هي "وفراخ الغربان التي تدعوه" (مز 147: 9). إنه يهتم بالدودة التي تسعي تحت حجر، ويعطيها طعامها..
كم بالأولي أنت، يعطيك طعام الروح، وطعام الروح، وطعام الجسد أيضًا. أليس الإنسان أفضل من ديدان كثيرة؟! الدودة الصغيرة استخدمها الله ليعطي درسًا ليونان النبي حينما أعدها الله لتضرب اليقطينة (يون 4: 7). حسن أن هذه الدودة ذكرت في الكتاب المقدس، وهي تؤدي رسالة تؤول إلي توبة نبي.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:27 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الله يهتم بالعمل الصغير

إنه لا ينسي كأس الماء البارد الذي تقدمه لعطشان.
وقد قال في ذلك: "من سقي أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره" (متي 10: 42، مر 9: 41).
مجرد كأس ماء بارد، لم تتعب فيه، ولم يكلفك شيئًا، هذا لا يضيع أجرة إذن لا تيأس إن كانت أعمالك.
هناك أعمال أنت تعملها وتنساها لضآلتها. والله لا ينساها.
حي إن كانت في نظرك بلا قيمة، هي عند الله لها قيمتها، ويكافئك عليها في اليوم الأخير. وحسن إنك نسيتها لتأخذ أجرها كاملًا هناك.
لقد مدح الرب ملكة التيمن لمجرد أنها زارت سليمان.
وقال: "ملكة التيمن ستقوم في (يوم) الدين مع هذا الجليل وتدينه، لأنها أنت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان , وهوذا أعظم من سليمان ههنا" (متي12: 42). وبنفس الوضع مدح أرملة صرفة صيدا لأنها استضافات إيليا النبي في وقت المجاعة (لو 4: 25، 26). ولم ينس الرب زيارة نيقوديموس، مع أنها لا كانت ليلًا وبخوف..
وسمح أن تسجل هذه الزيارة في الإنجيل (يو3). وهذا الإيمان الخائف المتخفي الذي كان لنيقوديموس، باركه الرب ونماه حتى سمح له أن يكفنه وصار نيقوديموس من مشاهير المسيحيين فيما بعد، وصار جنديًا صالحًا في ميدان الخدمة..

ولم ينس الرب لزكا مجرد صعوده علي الجميزة ليراه.
ربما لم يحس زكا أن هذا عمل كبير يكافأ عليه من الرب. ولكن الله الذي يهتم بكل عمل مهما كان صغيرًا، وقف ونادي زكا، ودخل بيته. وقال له: "اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت إذ هو أيضًا ابن لإبراهيم" (لو 19:9). هل كان يخطر علي بال زكا أن الرب سيقدر صعوده إلي الجميزة كل هذا التقدير؟! أم هو الرب الذي يهتم بالعمل مهما كان صغيرًا.
إنه لم ينس مطلقًا عبارة اتضاع تلفظت بها المرأة الكنعانية. وطوبها قائلًا لها "عظيم هو إيمانك. ليكن لك كما تريدين وشفي ابنتها في تلك الساعة" (متي 15: 28)، مع أنهم كانوا في البرية متذمرين وقساة القلوب. قال لشعبه:
"قد ذكرت لك.. ذهابك ورائي في البرية" (أر 2: 2).
قال هذا علي الرغم من أخطاء هذا الشعب في البرية، وعلي الرغم من تذمره وجحوده.. ولكن مجرد خروجه وراء الرب ليعبده في البرية لم ينسه الرب.
وقال لتلاميذه: "أنتم الذين لم تستطيعوا أن يسهروا معه ساعة واحدة (متي 26: 40) والبعض منهم خاف وهرب،ساعة القبض عليه، وبطرس أنكره ثلاث مرات، ولم يقف معه عند الصليب سوي واحد فقط هو يوحنا، إلا أن مجرد سيرهم وراءه وتمسكهم به كمعلم لهم، كل هذا الذي كان في نظرهم شيئًا بسيطًا لم ينسه الرب مطلقًا. وبنفس الأسلوب
وامتد الرب الذين جاءوا في الساعة الحادية عشرة.
مع أنهم جاءوا في آخر النهار، ولم يعملوا سوي ساعة واحدة. ولكنه مع ذلك قبل منهم هذه الساعة، وأعطاهم أجره كالباقين. ولم يرفض هذه الساعة، بل امتدحها. علي الأقل تدل علي أنهم مثمرون وقادرون علي العمل.
وكما قبل القليل من هؤلاء، قبل أيضًا فلسي الأرملة.
ومدحها، وقال إنها أعطت أكثر من الجميع، لأنها أعطت من أعوازها (مر 12: 44). وقد يكون الفلسان شيئًا تافهًا. ولكن الإعطاء من العوز هو شيء كبير جدًا عند الله أيًا كانت الكمية المعطاة.
لذلك إن صليت مجرد دقائق من أعوازك، يقلبها الله..
إن ضاق بك الوقت جدًا، ولم تجد -مرغمًا- سوي لحظات ترفع فيها قبلك إلي الله، فلا تصغر نفسك، ولا تفقد رجاءك إذ لم تستطيع أن تصلي كما ينبغي! إن الله يفحص القلب ويعرف ظروفك، وهل الأمر عن إهمال أو لا مبالاة أم أنك تعطي من أعوازك في الوقت.
كانت صلاة العشار قصيرة، جملة واحدة، وقبلها الله..
وخرج هذا العشار مبررًا دون الفريسي (لو 18: 9-14) لأنه كان يصلي من قلبه، وبانسحاق، ولا يجرؤ أن يرفع نظره إلي فوق. فكانت الجملة الواحدة التي قالها، هي عند الله كثيرة الثمن جدًا وغالية عليه. ولم يطالبه الله ببرنامج روحي طويل فوق مستواه، كما يفعل القديسون. بل اكتفي الرب بانسحاق العشار..
كذلك فإن الله قبل من اللص اليمين توبة قدمها في آخر ساعات حياته (لو 23: 43) ورضي من السامرية بما اعتبره اعترافًا، مع أنها لم تشرح كل شيء.. (يو 4). وطوب وكيل الظلم - علي الر غم من أخطائه - لمجرد اهتمامه بمستقبله (لو 16: 8).
لا تيأس إن كان عملك الروحي ضعيفًا وثمرك قليلًا.
لا تقل "لا فائدة. أنا لم أعمل شيئًا "وتيأس بسبب ذلك. واعلم أن الله لا ينبس أي عمل بسيط، ربما تكون أنت قد عملته ونسيته. إنه لم ينس لملكة التيمن أنها سافرت لتسمع حكمة سليمان. وبسبب هذا العمل الذي يبدو بسيطًا، قال إنها ستقوم في يوم الدين وتدين ذلك الجيل (متي 12: 42).
انظر في اهتمام الرب بالعمل الصغير، قول القديس ذهبي الفم:
إن الله يجول طاليًا سببًا لخلاصك، ولو دمعة واحدة..
حقًا إن الرب يرضي بالقليل مادام بروح طيبة، ومادام الإنسان اعجز من أن يفعل أكثر. ويأخذ الرب هذا القليل وينمه ويجعله كثيرًا. فلا تيأس، ولا تجعل الشيطان يحاربك قائلًا: ماذا فعلت؟! هوذا الله يطلب منك الكمال (متي 5: 48)!
نعم إن الله يطلب الكمال، ولكنه لا يطلب منك أكثر مما تقدر عليه.
إنه يضع في حسابه لك: إمكانياتك وظروفك. وهو يقبل منك التدرج... المهم أن تكون سائرًا في الطريق، وليس أن تكون وصلت إلي نهايته. وهو يعطيك فرصة ويطيل أناته عليك، لكي يقودك إلي التوبة.
ولكن طول أناة الله لا يجعلنا نتهاون ونتكاسل!
وثمرنا القليل لا يعني أن نرضي به ونكتفي! كلا وإنما نجاهد وننمو، ولكن في رجاء، غير يائسين، بل طالبين من الله أن يقوي ضعفنا، ويمنحنا النعمة والمعونة لكي نعمل في كل حين ما يرضيه..

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:27 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
أعطانا وصايا في مستوي احتمالنا

تدرج معنا تدرجًا كبيرًا من وصايا العهد القديم إلي الكما ل العهد الجديد. وقد لام الكتبة والفريسيين لأنهم يحملون الناس أثقالًا عسرة الحمل، وهم لا يريدون أن يحركوها بأصابعهم وقال لهم أنهم في ذلك قد أغلقوا أبواب الملكوت، فما دخلوا ولا جعلوا الداخلين يدخلون (متي 23: 4: 13). وهكذا نري تلاميذ الرب في أول مجمع لهم في أورشليم الخاص بقبول الأمم يقولون "لا يثقل علي الراجعين إلي الله من الأمم، بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنى والمخنوق والدم" (أع 15: 19، 20) والقديس بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس:
"سقيتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون" (1 كو 3: 2).
ومن رأفة الله وعطفه، إنه حينما يعطي معها قوة لتنفيذها، فترافقنا نعمته لكيما نستطيع ويعطينا روحه القدوس ليعمل فينا، لكي نستطيع أن نعمل. والله في رأفته يتراءف علي خليقته كلها، ليس الإنسان فحسب، بل حتى الحيوان والطبيعة.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:29 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
حنو الله ورأفته علي الحيوان

أن الله الذي منح الإنسان راحة في السبت، أعطي ذلك للحيوان أيضًا، فقال "وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك.. لا تعمل فيه عملًا ما، أنت وأبنك وأبنتك وعبدك وأمتك، وثورك، وحمارك وكل بهائمك" (تث 5: 14).
ولم يهتم فقط براحه الحيوان بل براحة الأرض أيضًا.
فقال: ست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها.. وأما في السابعة فتريحها وتتركها" (خر 23: 10، 11، لا 25: 3-5). وعلي الرغم من التشديد في حفظ السبت، وعدم العمل فيه، قال الرب "من منكم يسقط حماره أو ثورة في بئر، ولا ينشله حالًا في يوم السبت؟!" (لو 14: 5) وقال أيضًا "من منكم له خروف واحد. فإن سقط هذا في السبت في حفرة، أفما يمسكه ويقيمه؟!" (متى 12: 1) وقال كذلك لمن لامه علي إبراء المرأة المنحنية في يوم السبت، "يا مرائي، ألا يحل كل واحد منكم في السبت ثورة أو حماره من المذود ويمضي به ويسقيه" (لو 13: 5).
هكذا جعل إنقاذ أو إطعام ثور أو حمار أو خروف استثناء واجبًا من وصية عدم العمل في السبت.
ومن شفقته علي الحيوان أيضًا قال "لا تطبخ جديًا بلبن أمه" (خر 23: 19، ثت 14: 21) وقال أيضًا "لا تكم ثورًا دارِسًا" (1 كو 9: 9). وحتى الآن الثور أثناء الدراسة لا يكمم، بل يمد فمه ويأكل كيفما يشاء، ومن اهتمام الله بالعطف علي الحيوان، قال أيضًا:
"لا تحرث علي ثورك وحمار معًا" (تث22: 10).
ذلك لأنهما ليسا بقوة واحدة فإن أسرع الثور سيرهق الحمار والله يشفق علي هذا الحمار من الإرهاق. وهكذا عندما دخل السيد المسيح إلي أورشليم ركب علي أتان وجحش ابن أتان (متى 21: 5) حتى يريحهما في الطريق، إذ يستبدلهما، فيركب علي الواحد ويريح الآخر وظهرت شفقة الرب علي الحيوان بإشفاقه علي حمار بلعام وتوبيخه بلعام علي ضرب حماره ظلمًا" (عد 22: 32).
وظهرت شفقة الرب حتى علي العصافير: يحميها ويقيتها.
وهكذا يقول "أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منهما لا يسقط علي الأرض بدون أبيكم؟" (متى 10: 29) أي بدون سماح منه لا يسقط عصفور.. ويقول أيضًا "انظروا إلي طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلي مخازن وأبوكم السماوي يقوتها" (متى 6: 26) وليست هي فقط بل يقول المزمور:
"يعطي البهائم طعامها، وفراخ الغربان التي تدعوه" (مز 147: 9).

حتى فراخ الغربان يا رب؟! نعم. فالغربان أيضًا ذكرها الكتاب وكانت لها رسالة! إيليا النبي في وقت المجاعة، كانت الغربان تأتيه بطعام (1 مل 17: 4-6) وهكذا كان يحدث مع الأنبا بولا السائح، وكما اهتم الرب بالطيور، والعصافير والبهائم "اهتم أيضًا بالخروف الضال وبحث عنه حتى وجده" (لو 15).
واهتم الله بالحيوانات وبالطيور في فلك أبينا نوح!
ادخلها جميعها في الفلك، ولم يهمل أحدًا منها حتى الحشرات والهوام، استبقي لها حياة لتعيش، وكان أبونا نوح يقدم لها الطعام كل يوم.. إن في ذلك لعجبًا.. أقصد هذا العطف العجيب.
وكما يشفق الله علي الحيوان فيمنحه حماية من الطبيعة ومن الافتراس.
الدب القطبي، أو الثعلب القطبي، يعيش الواحد منهما في جو بارد جدًا، لذلك يمنحه الله فراء ثمينًا لتدفئته، تشتهيه النساء الثريات، وتدفع في شرائه ثمنًا وفيرًا، أما حيوانات البلاد الحارة فلا تحتاج إلي فراء فيعفيها الرب منه.. ولأن الجمل يعيش في الصحراء، لذلك يعطيه الله قوة عجيبة يتحمل بها العطش والجوع، ويعطي نفس القوة علي الاحتمال للنخلة في الصحراء.
وكما يعطي الحيوانات المفترسة مخالب وأنياب لتعيش كذلك يعطي الحيوانات الضعيفة وسيلة للهرب.
الأسد اقوي من الغزال، يستطيع أن يفترسه. ولكن الرب يعطي الغزال قوة عجيبة في الجري، يمكنه أن يهرب من الأسد، كذلك الكلب يستطيع أن يفترس القط. ولكن الرب يعطي القط القدرة التي يمكنه بها القفز علي الأشجار والجدران فينجو من الكلب.. وبنفس الطريقة يعطي العصافير خاصية الطيران فتنجو، كما يعطي الفأر القدرة علي الحفر والاختباء، فينجو.. ما أعجب شفقة الله.
أنظروا جمال الصوت الذي يعطيه الرب للبلابل وللطيور المغردة.. انظروا جمال الشكل الذي يعطيه الرب للطاووس، بل للفراشة، أنظروا جمال الرائحة التي يعطيها الرب للورود والفل والياسمين، والأزهار العطرة. تأملوا القدرات العجيبة التي يعطيها الله للنحلة في صنع بيوتها بهندسة دقيقة، وفي صنع الشهد من الرحيق، بل في صنع غذاء الملكات، كل ذلك الذي يأخذه البشر منها طعامًا ودواء، بل تأملوا النملة في نشاطها وحركتها الدائبة.. إن الله يعطي خليقته من هذه الصفات ما يكون أمثولة أمام الإنسان يشتهي أن يحاكيها.
وإن كان هذا عطف الله علي مخلوقاته، فكم بالأولي علي الإنسان.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:30 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
حنو الله الفائق علي الإنسان

يكفي أن الله أوجده بطبيعته ممتازة: له عقل وروح واردة. له العقل الذي استطاع أن يصل إلي الاختراع، ويصنع الأقمار الصناعية وسفن الفضاء ويصل إلي القمر، ويمشي في الجو في مناطق انعدام الوزن.. وأعطاه الإرادة الحرة التي يمكنه بها أن يفعل ما يشاء.. وأعطاه الذكاء لكي يفهم.. ولم يشأ الله أن ينزع الذكاء حتى من الأشرار الذين يعصونه.. وفوق المواهب الطبيعية، أعطي الله لبعض البشر مواهب فائقة للطبيعة وقدرة علي صنع المعجزات، بقوة منه.. ما أعجب ما قيل إن الإنسان خلق علي صورة الله ومثالة (تك 1).
ومنح الله للإنسان الخلود والحياة الأبدية.
منحه ان تكون له حياة دائمة في ملكوته بعد قيامة الجسد من الموت، ووعده بالنعيم الأبدي.
في عشرة الله وملائكته، في أورشليم السمائية "مسكن الله مع الناس" (رؤ 21: 3). وقال للأبرار "حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا (يو 13: 4) بل وعد الذين يحبونه بأن يتمتعوا بحياة عجيبة في الأبدية، يكفي أنها قيل عنها "ما لم تره عين، ولم تسمع به إذن، ولم يخطر علي بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9).
ومن محبة الله للبشر أنه دعاهم أبناءه:
وفي هذا يقول القديس يوحنا الرسول "انظروا أيه محبة أعطانا الآب، أن ندعي أولاد الله" (1 يو 3: 1). وأعطانا أن نصلي له قائلين "أبانا الذي في السموات (متي 6) بل أنه يقول "لا أعود أسميكم عبيدًا.. بل سميتكم عبيدًا.. بل سميتكم أحباء" (يو 15: 15).
وهكذا جعل الله الرابطة التي تربطنا به هي رابطة الحب.

وقيل إنه "أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهي" (يو 13: 1). وشبه هذا الحب بمحبة الآب لبنيه، وهكذا قال داود النبي في المزمور: "كما يتراءف الآب علي البنين، يتراءف الرب علي خائفيه" (مز 103: 13) بل وصل الحب إلي أن لقبنا الله بعروس له، ووصف حبه لنا بطريقة رمزية في سفر نشيد الأناشيد.
ووصلت محبة الله للإنسان إلي حد البذل والفداء..
"هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16) وقال السيد المسيح "أنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيتكم به"، "وليس لأحد أعظم من هذا، أن يضع احد نفسه لأجل أحبائه" (يو 15: 14، 13) وبسبب هذا الحب والبذل والفداء، كان التجسد وإخلاء الذات (في 2: 7) وقيل عنه في فدائه لنا "كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلي طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعًا" (أش 53: 6).
ومن محبة الله لنا.. أعطانا طريق التوبة لمغفرة الخطايا.
فلم يمسكنا في خطايانا ليعاقبنا عليها، غنما فتح لنا طريقًا للخلاص بالتوبة. وقيل في الكتاب: "إن الله أعطي الأمم أيضًا التوبة للحياة" (أع 11: 18) بل قال أيضًا: "هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلي توبة.. إن الله يتوبنا فنتوب" (ار 31: 18) بل "يقودنا في موكب نصرته" (2 كو 2: 14).
ومن عطف الله علي الإنسان انه منحه الوحي الإلهي.
وهكذا "كلم الله الآباء بالأنبياء بأنواع وطرق شتي" (عب 1: 1) ومنح البشرية وصاياه وتكلم مع موسى النبي فمًا لأذن كما تكلم أيضًا مع إبراهيم.. وأعطانا الله الشريعة المكتوبة "تكلم بها أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21). وهكذا علمنا الرب طرقه، وفهمنها سبله وأنار بصائرنا حتى لا نضل الطريق.
بل جعل الله روحه فينا.. وجعلنا مسكنًا لروحه القدوس.
وفي هذا يقول القديس بولس الرسول "أما تعملون أنكم هيكل الله، وروح علي الناس وفي الناس صار روح الله يعمل فيهم، وصارت لهم ثمار الروح (غل 15: 22، 23) وصارت لهم ثمار الروح (غل 15: 22، 23) وصارت لهم أيضًا مواهب الروح المتعددة (1 كو 12) والدخول في شركة الروح القدس (2كو 13: 14) بل صاروا "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4) أي يشتركون معها في عمل الخلاص، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. شركاء في العمل، وليس في الجوهر أو الطبيعة طبعًا.
ومن عطف الله علي الإنسان أن منحه البركة والنعمة.
وبركات الله لا تحصي، أما نعمته فهي موضوع طويل، قد أحدثكم عنه باستفاضة فيما بعد. وبدأت بركة الله للإنسان منذ أن خلقه، وتتابعت البركة علي الآباء والأبرار، بل قيل لأبينا إبراهيم "أباركك.. وتكون بركة" (تك 12: 2) وهكذا سمعنا عن البركة التي منحها الآباء لأبنائها...
ومن عطف الله علي الإنسان الحفظ والتدبير وخدمة الملائكة.
جميع ومعز ما قيل. عن الملائكة "أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 14) وعمل الملائكة في إنقاذ البشرية الله في السماء" (متى 22: 30) وتسمي بعض البشر ملائكة (رؤ 2، 3) مثل يوحنا المعمدان (مر 1: 2) وما أجمل ما يقال عن الملاك الحارس.
ومن عطف الله معنا في التجارب.
لا يجربنا فوق ما نطيق، ويعطي مع التجربة الاحتمال، ويعطي معها المنفذ، وأكاليل وبركات المهم أن نقابل محبة الله وعطفه، بمحبة، ولا يقودنا عطفه إلي اللامبالاة.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:33 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
من ردهم الرب إلي أرضهم؟

يعقوب أبو الآباء، كان خارجًا من بيت أبيه، خائفًا من أخيه عيسو. وكان سائرًا في الطريق، ولا يعرف ماذا ينتظره. كل ما كان يعرفه، أنه وضع أمامه نصيحة أمه رفقة التي له: "هوذا عيسو أخوك متسل أخوك متسل من جهتك بأنه يقتلك.. قم أهرب إلي أخي لابان إلي حاران، وأقم عنده أيامًا قليلة، حتى يرتد سخط أخيك، حتى يرتد غضب أخيك، حتى يرتد غضب أخيك عنك.." (تك 27: 43، 45). وفيما هو هارب من أخيه المزمع أن يقتله، طمأنه الرب بقوله: "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض".
إنه حنو من الحفظ الإلهي.
إلهنا الحنون الطيب، يرافق إنسانًا في هربه، ليحفظه، حيثما يذهب، ويكون معه، ويرده إلي أرضه. ويظهر حنو الله وحفظة في هذه القصة، مما يأتي:
كان عمل الله رجاء مقدمًا لإنسان ضعيف عاجز:
· فأبونا يعقوب ما كان قادرًا أن يحمي نفسه.
· وكان أضعف من عيسو بكثير، وعدوه كان قادرًا علي قتله.
· وما كان يعقوب قادرًا أن يحفظ نفسه في الطريق، ولا أن يرجع بقوته إلي تلك الأرض.. وهنا تدخل الله، إله الضعفاء، ليحفظ ويحمي ويرد.
هناك عمل إلهي في حياة كل إنسان..
· عمل إلهي مصحوب بمواعيد، تعطي رجاء للنفس المتعبة.. وسنحاول أن نتتبع أمثلة لهذا العمل الإلهي، وهذا الحفظ الإلهي، كما يبدو قصص الكتاب المقدس.
· حينما أخذ شعب الله مسبيًا إلي بابل وإلي آشور، وكانوا هناك مستعبدين، أسري الحرب، عاجزين عن حماية أنفسهم.. وقد ملكتهم الكآبة، وعلقوا قيثاراتهم علي أشجار الصفصاف، ورددوا قول المزمور: "علي أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا حينما تذكرنا صهيون" (مز 136: 1). هنا تدخل الله، وهمس في إذن الشعب بكلمة رجاء، قال له فيها: "ها أنا معك. وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض".. وقد كان:
عادوا من المسبي، وبنوا أسوار أورشليم المهدمة، وأصلحوا أبوابها المحروقة بالنار، وردهم الرب إلي تلك الأرض..
· وقد شرح نحيما في فرح عظيم قصة هذا الرجوع، وعمل الله معه فيه. وكما نفذ الله وعده لفرد واحد هو يعقوب، نفذ أيضًا نفس الوعد لشعب بأكمله..
* هناك شخص آخر، كانت حالته أسوأ.. هو أبونا آدم:
· أخطأ أبونا آدم وكسر الوصية. وطرده الرب من الجنة. وقال له بالتعب تأكل من الأرض كل أيامك. ووضع الرب الكاروبيم بلهيب سيف متقلب لحماية شجرة الحياة، حتى لا يأكل منها آدم ولا حواء. وأغلقت أبواب الفردوس أمامها (تك 3).. وماذا بعد؟ وسط كل هذا المتعب، ومع هذه العقوبة وهذا الطرد، كان نفس الوعد الإلهي مقدمًا لأبينا آدم "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض".. ومتى رده الرب إلي الفردوس؟.. كان ذلك بعد أكثر من خمسة آلاف سنة؟.. ليكن..
· إن وعد الله قائم، مهما طالت الأيام عليه.. لقد مرت آلاف السنوات، انقضت واختفت. ولكن لم تمر أبدًا ولم تختف عن نظر أحد من الآباء، تلك العبارة المعزية "ها أنا معك.. وأردك إلي هذه الأرض".
ورقدوا جميعهم علي رجاء..
· يرتل كل منهم عبارة المزمور "وأنا أؤمن أني أعاين خيرات الرب في أرض الأحياء. انتظر الرب.." (مز 27: 13). إن عقوبة الله لم تستمر.. الله لا يغضب إلي الأبد، ولا يحقد إلي الدهر (مز 103: 9). لقد طرد آدم لأنه أخطأ. ولكنه مع الطرد، أعطاه الوعد بالخلاص.. وعندما سمر ربنا يسوع المسيح علي الصليب، وحمل جميع خطايانا، ودفع الثمن كاملًا للعدل الإلهي، ماذا حدث؟
· فتح الرب أبواب الفردوس، ورد آدم إلي تلك الأرض ورد معه جميع بنيه، الذين رقدوا علي رجاء، وكذلك اللص اليمين الذي مات علي رجاء الوعد الإلهي "اليوم تكون معي في الفردوس". ونحن نسبح الرب ونقول له:
صادقة يا رب هي مواعيدك. وحقيقي كل رجاء تقدمه.
حينما تقول لأحد "أردك إلي هذه الأرض، لابد أن ترده فعلًا.
يعقوب أبو الآباء، مرت عشرون سنة، ورددته إلي أرضه. والشعب المسبي، مرت سبعون سنة ورددته. إلي الفردوس. مواعيد الله لابد أن تنفذ. لا يهم بعد عشرين سنة، أو سبعين، أو خمسة آلاف.. المهم أن يحقق الله وعده، في الموعد الذي يحدده وفي محبة وقوة، يرد تلك النفس التي وعدها وهنا تظهر قوة العمل الإلهي في حياة الفرد، أو الجماعة،ونلاحظ ملاحظتين في هذه الأمثلة الثلاثة التي ذكرناها.
هذه الأمثلة الثلاثة تدور حول نفوس كانت عاجزة، وأيضًا خاطئة..
لا شك أن أبانا يعقوب كان عاجزًا عن رد نفسه إلي أرضه. وكذلك الشعب في السبي. وأيضًا آدم كان في عجز مطلق عن رد نفسه إلي الفردوس..
وهذه الأمثلة الثلاثة، تدور حول نفوس قد أخطأت إلي الرب، وبالتالي ما كانت مستحقة لوعوده..
آدم معروفة خطيته أو خطاياه العديدة (1).
ويعقوب خدع أباه الضرير، وأخذ البركة بالغش والاحتيال، كما سبق أن أخذ البكورية من أخيه باستغلال إعياء أخيه في جوعه. وشعب إسرائيل كان قد وقع في عبادة الأصنام، مع خطايا أخري كثيرة جدًا أغضب بها الرب، حتى دفعه إلي أيدي أعدائه.
ولكن الله لا يعطي مواعيده وحفظه للأبرار فقط..
حتى الخطاة أيضًا، لا يسقطهم الرب من رعايته وحفظه.. ولو كان الخطاة محرومين من عناية الله، ما خلص أحد.. ولكن الرب جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك.. وقد أعلن أن المرضي هم الذين يحتاجون إلي طيب، وليس الأصحاء. وأنه جاء ليدعو الخطاة -وليس الأبرار- إلي التوبة.
ما أكثر وعود الرب للخطاة، بردهم إلي تلك الأرض..
حتى في سقوط الإنسان وفي خطيئته، يقول له الرب: أنا معك، وأردك إلي هذه الأرض، أرض الأحياء.
الخروف الضال الذي خرج من الحظيرة وتاه، ولم يعرف يعيد نفسه إلي حظيرته، قال له الرب أيضًا: لا تخف، أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض". وفعلًا حمله علي منكبية فرحًا، وأعاده إلي حيث كان. والدرهم المفقود أيضًا، ما كان بقدرته أن يرجع إلي جيب صاحبه أو صندوقه ولكن الرب كان معه، وحفظه ورده إلي تلك الأرض.
ولنا مثل آخر، في قصة يونان النبي:
يونان بخطيئته القي في البحر، وبخطيئته ابتلعه الحوت.. وظل في بطن الحوت.
من الذي يقدر أن يخرجه؟! ولكنه في بطن الحوت، صلي إلي الدرب، لكي يعود فيري هيكل قدسه. ونظر الله إليه وهو في جوف الحوت وقال له: لا تخف. ها أنا معك، وأردك إلي تلك الأرض.. وقد كان..
عجيب هو الله. كل شيء مستطاع عنده..
حتى ما يبدو مستحيلًا أو غير مستطاع، عند الناس..
· هل كان يجول في ذهن الثلاثة فتية، وهو يلقون في أتون النار، أنهم سيعودون مرة أخري إلي بيوتهم؟! ولكن في وسط النار، كان الرب يهمس في أذن كل واحد منهم "أنا معك.. وأردك إلي هذه الأرض".
· ودانيال أيضًا، وهو في جب الأسود، ملقي في وسط الأسود الجائعة، يقول له الرب نفس العبارة.. وفعلًا، أخرج الله دانيال سالمًا من الجب وأخرج الثلاثة فتية من أتون النار كما سبق وأخرج يونان من جوف الحوت وردهم جميعًا.. حقًا عجيب هو الرب! عجيب في محبته، وفي حفظه، وعجيب في عمله الإلهي! عجيب في كل مرة قال فيها لأحد أحبائه: أنا معك، وأردك إلي هذه الأرض.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:34 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
من ردهم إلي أرض الأحياء بالتوبة

علي أن هذه العبارة، يمكن أن تؤخذ بطريقة روحية أخري. ولنبدأ ببطرس الرسول كمثال.
· إنه بعد أن أنكر السيد المسيح، بكي بكاء مرًا، إذ شعر أنه قد أنفصل عن الرب وعن محبته. وانفصل عن باقي الرسل، وعن الخدمة وكل العمل الرعوي.. ولا شك أنه قد زنت في أذنيه عبارة الرب "من أنكرني قدام الناس، ينكر قدام ملائكة الله" (لو 12: 9). ولكن الرب عزاه بنفس العبارة، التي سبق فعزي بها أبانا يعقوب "أنا معك وأردك..". ولكن كيف رده الرب، ومتى؟ حينما ظهر له، وقال له في حنو "ارع غنمي. وارع خرافي" (يو 21: 15).. وحينئذ شعر بطرس أن الرب قد رده إلي جماعة الرسل..

· وداود النبي، حينما زني وقتل، وسقط من ذلك العلو العظيم الذي كان فيه. ولعله كانت في فكره عبارة أوريجانوس [أيها البرج العالي، كيف سقطت؟!] وبكي داود بكاء شديد مستمرًا، وفي كل ليلة كان يبلل فراشة بدموعه، ولكن إلهنا الحنون الطيب، لم يتركه وحيدًا في أحزانه، بل قال له: "أنا معك، وأردك إلي تلك الأرض"..
أردك إلي أرض التوبة والنقاوة، والمصالحة مع الله. واستطاع الرب أن يرد داود، وأن يغسله فيبيض أكثر من الثلج، وأن يرد له بهجة خلاصه (مز 51: 12).
وبنفس الوضع رد الرب شمشون بعد سقوطه..
ولعله بنفس الوضع أيضًا رد سليمان بن داود، الذي قال له عنه: "إن تعوج أؤدبه.. ولكن رحمتي لا تنزع منه، كما نزعتها من شاول" (2 صم 7: 14، 15).
لقد مر وقت علي داود، ظن أنه لا خلاص..
وهكذا صرخ إلي الرب قائلًا: "يا رب لماذا كثر الذين يحزنونني؟ كثيرون قاموا علي كثيرون يقولون لنفسي: ليس له خلاص بإلهه" (مز 3). ووسط هذه الأفكار التي يزرعها الشياطين، تبدو وعود الرب مملوءة رجاء "أنا معك، وأردك إلي هذه الأرض"..
هذه العبارات هي أقوي سلاح في التوبة والرجوع.. كثيرين أنهم يظنون بأنهم سيعودون إلي الله، بقوة إرادتهم، وبعزيمتهم، وبصدق عزمهم علي الرجوع، دون أن يضعوا العامل الإلهي في قصة عودتهم إلي الله!!
كلا، صدقوني.. فلو كان الإنسان الخاطئ هو الذي يعيد نفسه إلي الله، ما عاد أحد..
إنما الإنسان يصرخ إلي الله: توبني فأتوب، خلصني فأخلص (أر 17: 14). والسيد المسيح يقول في وضوح "بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا" (يو 15: 5). إن النفس الميالة إلي الخطية، وكذلك الإرادة الضعيفة، وحروب الشياطين والمعطلات الروحية.. كل هذه تصد الإنسان، وتحاول منعه عن الرجوع إلي الله. ولكن نعمة الله تقف أمام هذه المعطلات. وصوت الرب يقول في حنو للخاطئ: "لا تخف. أنا معك. أحفظك.. وأردك إلي تلك الأرض".
أنا أردك إلي تلك الأرض، مهما بعدت أنت وضللت..
ومهما كان يبدو لك أو لغيرك، أن الخلاص بعيد عنك أو مستحيل، أو أن التوبة غير ممكنة..
أنا معك، عندما يحاربك الشيطان باليأس..
حينما يحاربك عدو الخير، ويقول لك: أن الخطية لم تعد مجرد عادة عندك، بل صارت طبيعة فيك. ولن تقدر علي تركها. لقد صارت ملتصقة بك. أكثر من التصاق جلدك بلحمك. وصارت تسري فيك أكثر من سريان دمك في عروقك..!! لا تخف منه ومن أفكاره، بل قل له في ثقة:
أنا لن أرجع إلي الله وحدي، أو بقوتي..
هو الله الذي سيردني إليه، الله الذي قال: "أنا معك. وأحفظك. وأردك إلي تلك الأرض". مادام الله هو الذي يردني، إذن فغير المستطاع عند الناس، هو مستطاع عند الله (مر 10: 27).
إن الله يقول لنا في وعوده:
"أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم. وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم. وأجعلكم تسلكون في طرقي وتحفظون أحكامي" (حز 36: 26، 27). ويقول أيضًا "هلم نتحاجج -يقول الرب- إن كانت خطاياكم كالقرمز، تبيض كالثلج" (إش 1: 18).
إنه الرب الذي يعمل العمل كله، ويردنا إليه..
بأنواع وطرق شتي، يردنا الرب إلي أرضه:
بالحب والحنان، يردنا الرب إلي تلك الأرض.. وإلا.. فبالشدة والعقوبة يردنا، أو بالتجارب والضيقات. أو بالتعليم والإرشاد.. أو بصبره علينا وطول أناته. بأيه الطرق.. بالوسيلة المناسبة لكل نفس علي حدة.. المهم، أنه يخلص علي كل حال قومًا. لأنه يريد أن الجميع يخلصون، وإلي معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4). وهو لا يسر بموت الخاطئ، بل بالحري أن يرجع ويحيا (حز 33: 11).
إنه الرب الراعي الشفوق، الذي يحافظ علي غنمه.. هو الذي يحنن عليك قلوب الناس.. وهو الذي يحنن عليك قلوب الناس.. وهو الذي من أجلك يربط الشيطان، فلا يستطيع أن يؤذيك،هو الذي يحوط حولك من كل ناحية، فتغني وتقول سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون لأنه قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك الذي جعل تخومك في سلام، ويملآك من شحم الحنطة. الله هو الذي يقوي مغاليق أبوابك، ويجعل تخومك في سلام. ضع أمامك باستمرار، عمل الله في حياتك، وليس عملك أنت.
ما هو عمل الله في حياتك؟ ماذا عن يد الله معك، يمين الله التي صنعت قوة التي تمسك بك وتسندك.. ماذا يفعل الروح القدس من أجلك؟ وماذا تعمل قوة الله ونعمة ربنا يسوع المسيح من أجلك؟.. ماذا تفعل تشفعات الملائكة وصلوات القديسين من أجلك؟
أما عملك أنت، فله المكان الثاني، أو المكان الأخرى..
أما المكان الأول، والمكانة الأولي، فلعمل الله، ولوعد الله القائل: أنا معك. أحفظك، وأردك إلي تلك الأرض.
يا ليت هذا الوعد الإلهي، يكون ثابتًا في ذاكرتنا:
نضعه أمامنا باستمرار، فنتعزى ونتقوى.. كلما تيأس أنه لا خلاص، أو أنه لا فائدة من كل جهادك، تذكر هذه العبارة الإلهية.
كلما يضغط عليك الشيطان، ويقول أنت في قبضتي!
ويقول لك: لن أتركك، لقد وقعت في يدي! قل له: ما هي قضيتك؟ وما هي قوتك؟! أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟! (1 كو 15: 55). هناك الوعد الإلهي: "أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب".
حسن يا رب قولك. ولكن ماذا عن عيسو أخي؟
عيسو الشديد القاسي الذي يتهددني، الذي قال في غضبه "أقوم وأقتل يعقوب أخي "؟ يرد الرب ويقول: "لا تخف. أنا معك. أحفظك حيثما تذهب". مبارك أنت يا رب، ومبارك هو حنوك. ليكن لي كقولك.
ولتكن قويًا من الداخل، مهما أطبقت حولك الضيقات.. مهما تآمر عليك الأشرار، وماجت حولك المياه الكثيرة.. مهما تفكرت الشعوب بالباطل، تآمر الرؤساء معًا علي الرب وعلي مسيحه، قائلين: لنقطع أغلالهما، ولنطرح عنا نيرهما. لا تلتفت إلي كل هذا، بل ضع أمامك الوعد الإلهي: أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب..
حقًا، مادامت أنت يا رب معي، فالدنيا بأسرها كلا شيء قدامي.. هذه الدنيا كلها، كقبض الريح، كالهباء، بكل ما فيها من مؤامرات الناس الأشرار، وكل الهياج، وصوت المياه الكثيرة..
بما فيها من مكر لابان خالي، الذي غير أجرتي عشر مرات (تك 31: 7). وأعطاني ليئة بدلًا من راحيل (تك 29).. مادام وعدك يا رب قائمًا أمامي، فلن أخاف البحر الأحمر أن اعترض سبيلي. أنت قادر أن تشقه، وتمهد لي طريقًا في داخله، وتقول لي: امش فيه، وأنا معك، أحفظك حيثما تذهب.. حتى إن وقف أمامي جليات الجبار، وعيرني طول النهار، وهددني برمحه الذي مثل نول النساجين، وبسيفه وقوته وشماتته.. أقول له: أنت تأتيني بسيف ورمح ولكن الحرب للرب، فإنا لذلك أتيك ومعي الوعد الإلهي القائل: أنا معك، أحفظك حيثما تذهب..
لهذا كله، كان أولاد الله دائمًا فرحين ومطمئنين.
عاشوا بقلب مطمئن في جهادهم الروحي، وفي كل الحروب الروحية. ولم يتعبوا من حروب الشياطين، ومن صراعهم مع أجناد الشر، قوات هذا العالم المظلم. بل تركوا العالم يضطرب حولهم كما يشاء، وتمسكوا بالوعد الإلهي المملوء رجاء وعزاء. وأنت كذلك في كل حروبك الروحية، وفي كل ضيقاتك ومشاكلك، لا تنظر إلي القوي الخارجية التي تحاربك، ولا تفكر من سيقابلك في الطريق ويعترضك. بل ركز فكرك ومشاعرك في وعود الله، التي تشجعك وتسندك وتعزيك.
كم أنت حنون يا إلهي وطيب..
وكم هي معزية، وعودك التي ترافق أولادك طول مسيرتهم في غربة هذه الحياة... كم أنت تعمل، وقوتك الحافظة تعمل.. مفرحة هي أقوالك، التي تشجع بها أولادك.. لقد كثر الأعداء حول داود النبي، حتى قال ذات مرة "أكثر من شعر رأسي، الذين يبغضونني بلا سبب" (مز 69: 4). ومع ذلك نراه في كل ضيقاته، ومع كثرة أعدائي، ينسي كل هذا ويقول للرب: "ناموسك هو درسي" (شهاداتك هي تلاوتي) (مز 119).
أيه شهادات يا داود، تعزيك في كل ضيقاتك؟
يجيب: أنها كثيرة جدًا، ولكن تكفيني منها واحدة، وهي قول الرب: "أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض". لست أريد سوي هذه العبارة. ومادمت معي أيها الرب الإله، ومادامت وعودك في فكري، فلن أخاف شرًا، حتى إن سرت في وادي الموت، لأنك أنت معي (مز 23). ستجدني كلي شجاعة وإيمان، ورجاء، بموعدك الإلهي.. حقًا يا رب أنك عجيب. وحسن قولك لمنوح والد شمشون.
"لماذا تسأل عن أسمي، وهو عجيب" (قض 13: 18).
إنه منظر عجيب حقًا، أن نري أولاد الله سائرين في طريق الحياة، ونري الله ممسكًا بيد كل منهم، يقول له وهو يشجعه: ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب..
إن قوة المسيحية، في أنها لا تعتمد علي بشرية أو إنسانية أو ذاتية، إنما تعتمد علي الموعد الإلهي: أنا معك، وأحفظك..
أحفظك من الشياطين، ومن الناس الأشرار وأحفظك من نفسك..
أحفظك من كل سوء. احفظ نفسك. أحفظ دخولك وخروجك (مز 121). ويسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك (مز 91) "لا تخشي من خوف الليل، ولا من سهم يطير في النهار، ولا من أمر يسلك في الظلمة" (مز 91). وإن سرت في وادي ظل الموت، لا تخاف شرًا. لماذا؟

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:35 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
أردكم إلي الأرض الجديدة

إننا من عند الله خرجنا. نفخة قديسة خرجنا من فمه الإلهي، ودخلنا في هذا التراب، وعشنا فيه زمنًا.
وجودنا في التراب، هو فترة غربة، يصرخ فيها المرتل قائلًا في المزمور: "ويل لي، فإن غربتي قد طالت علي" (مز 120) وفيما نحن نعيش في هذا التراب، ونتعب من هذا الجسد الترابي، نصرخ مع القديس بولس الرسول: "من ينقذني من جسد هذا الموت" (رو 7: 24)، حينئذ يقول الله لكل منا "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض".
وما هي هذه الأرض؟
يقول القديس يوحنا الرائي: "أبصرت وإذا سماء جديدة وأرضًا جديدة. لأن السماء الأولي والأرض الأولي قد مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد" (رؤ 21:1). وينظر الإنسان مبهورًا إلي هذه الأرض الجديدة، التي بارئها وصانعها الرب (عب 11: 10)،الأرض المقدسة، التي لا توجد فيها خطية ولا موت. ولا تحتاج إلي شمس ولا إلي قمر ليضيئا فيها، لأن مجد الرب ينيرها (رؤ 21: 23)
ويشير الله إلي هذه الأرض ويقول:
"ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلي هذه الأرض "ليكن اسم الرب مباركًا، من الآن وإلي الأبد، آمين.

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:36 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
دون أن نطلب

لعل أحدكم يقول: كيف يكون لي رجاء، وأنا لا أصلي، ولا أطلب من الله نعمة ولا قوة ولا ملكوت الله وبره؟ هلي مثلي يكون له خلاص؟!
نعم، إن الخلاص للكل. وإن كنت أنت لا تطلب خلاصك، فإن السيد الرب قد قيل عنه إنه: "جاء لكي يخلص ما قد هلك" (لو 19: 10). إنه يسعي لخلاصك أكثر مما تسعي أنت إليه. وهو في كل مجال يعطينا دون أن نطلب.
إنه شيء مفرح أن يعطينا الله ما نطلب. ولكن عمق الفرح يظهر في أنه يعطينا دون أن نطلب..
هنا عمق المحبة الإلهية نحو البشر. بل هنا أبوة الله الحانية، التي تدرك تمامًا ما نحتاجه وما يلزمنا، فيعطينا من فيض محبته، وليس لمجرد استجابته لصلواتنا. وسأحاول يا أخوتي أن أثبت لكم هذه الحقيقة بأمثلة عديدة، حتى يكون لكم عمق الرجاء في عمل الله لأجلكم.
طبيعة الله الذي يعطي دون أن نطلب، ظهرت واضحة منذ البدء، من أول قصة الخليقة بل في عملية الخلق ذاتها.
إنه منحنا الوجود دون أن نطلب. ومنح الوجود لكل الكائنات التي خلقها العاقلة والجامدة، التي لها حياة والتي ليس لها، طبعًا دون أن تطلب. لقد خلقها كلها من العدم. والعدم ليس له كيان لكي يطلب.
وخلقنا الله علي صورته ومثاله دون أن نطلب..
حتى علي فرض المستحيل، لو كانت لنا الإمكانية أن نطلب الصورة التي نخلق عليها، ما كنا نطلب أن نخلق علي صورة الله ومثاله، كما شاء الله وتحنن (تك 1: 26، 27).
ودون أن نطلب خلق الله لنا هذه الطبيعة وسلطانا عليها.

أعد لنا كل شيء قبل أن نكون. بسط لنا السماء سقفًا، ومهد لنا الأرض كي نمشي عليها. وكما قال القديس غريغوريوس في قداسه: "لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك.. من أجلي أخضعت طبيعة الحيوان".. ومن أجلنا خلق الله الأشجار والأثمار، والعشب والبقول، والأزهار والأطيار. ومن أجلنا خلق النور، ووضع قوانين الفلك.. كل ذلك دون أن نطلب.. ولم يكتف بهذا وإنما قال لنا في حنوه "أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض واخضعوها. وتسلطوا علي سمك البحر، وعلي طير السماء، وعلي كلي حيوان يدرب علي الأرض" (تك 1: 28).
وخلق الله حواء لآدم دون أن يطلب..
كان يعلم أن آدم لا يجد له معينًا نظيره، مثلما تجد باقي الكائنات (تك 2: 20). فخلق له حواء. وهكذا أمكن أن تنمو البشرية وتملأ الأرض وتعمرها، وكل ذلك دون أن نطلب.
إن هذه هي طريقة الله كأب محب وكراع صالح..
أنه لا ينتظر من أولاده ومن رعيته ومن خليقته أن يطلبوا فيعطيهم. بل هو من تلقاء ذاته يعرف ما يحتاجون إليه، فيعطيهم دون أن يطلبوا..
حقًا ماذا يدركه الطفل الصغير من احتياجاته حتى يطلبها؟!
ولكن أباه يعلم ويفهم ماذا يحتاج إليه ابنه، فيعطيه دون أن يطلب. هكذا نحن مع أبينا السماوي، أنه أدري بما نحتاج إليه. وهو كأب حنون يدبر احتياج كل إنسان، ويدبر احتياجات الأمم والشعوب والجماعات. ولا ينتظر من كل هؤلاء حتى يطلبوا.. وربما لا يطلبون ما يفيدهم وما يفيد غيرهم معهم.
إن كان الكاهن العادي يفتقد رعيته، ويوفي احتياجاتها دون أن تطلب فكم بالأولي الله رئيس الكهنة الأعظم وراعي الرعاة؟
نعم كم بالأولي الله: "راعي نفوسنا وأسقفها" (1 بط 2: 25) الذي قال في حنوه ط أنا أرعي غنمي وأربضها -يقول السيد الرب- وأطلب الضال، واسترد المطرود، وأجبر الكسير وأعصِب الجريح" (حز 34: 15، 16).
إنه يرعي شعبه، لأن هذا هو عمله، وهذا هو حبه.
ولا ينظر أن ينبهه احد إلي هذا. إنما نحن نطلب، لأن هذا الطلب يشعرنا ببنوتنا لله، ويعمق الدالة بيننا وبينه، ويعطينا فرحًا داخليًا حينما تُسْتَجَاب طلبتنا،.ولهذا قال الرب لتلاميذه:
"إلي الآن لم يطلبوا شيئًا باسمي. اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملًا" (يو 16: 24).
فرح الاستجابة أو فرح الدالة، هو الذي يجعلنا نطلب.
ولكن الله يمنحنا كل شيء، حتى دون أن نطلب. وفي الكتاب المقدس توجد أمثلة عديدة، تثبت لنا هذه الحقيقة، فلنحاول أن نتأمل بعضها حتى يكون لنا من ذلك عزاء، وحتى يكون لنا رجاء باستمرار في يد الله الذي يعمل من أجل سعادتنا كأب وراع وخالق..
لوط: أنقذه الله مرتين دون أن يطلب..
مرة حينما سبي مع أهل سادوم في حرب أربعة ملوك مع خمسة ملوك التي وردت في (تك 14) ودون أن يطلب لوط، حرك الله قلب إبرآم عمه فجمع رجاله المدربين، وأنقذه من السبي، كما أنقذ أهله والمدينة كلها. والمرة الثانية حينما قرر الله حرق سادوم. ودون أن يطلب لوط أرسل الله له ملاكين، فأخذاه هو وأسرته بقوة، وكانا يدفعانه إلي الخارج دفعًا وهو متوان (تك 19: 16). وذلك لشفقة الرب عليه ورغبته الإلهية في إنقاذه.
أن الله لا ينتظر حتى يصرخ الإنسان إليه، وإنما.. من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم -يقول الرب- أصنع الخلاص علانية" (مز 11).
لم يقل "من أجل صلواتهم وطلباتهم"، وإنما من أجل حالتهم التي رآها، من أجل شقائهم وتنهدهم، يقوم الرب ويصنع الخلاص، سواء طلبوا أو لم يطلبوا لم يطلبوا.. وهكذا في كل مرة يري فيها الله مذلة شعبه (خر 3:7)، يرسل لهم مخلصًا يخلصهم، كما فعل أيام موسي وأيام جدعون (ضق 6). وأنقذ إسحق من الذبح، في اللحظة الأخيرة، والسكين فوق رقبته، دون أن يطلب (تك 22)..
والله يشبع كل حي من رضاه، دون أن يطلب.. يرسل المطر والشمس، ويعطي الطعام لكل ذي جسد، حتى للملحدين الذين لا يطلبون منه شيئًا. ويعطي جمالًا لزنابق الحقل. إنه يمنح الكل من أجل جوده وهو وخيريته، وليس بسبب استحقاق الناس ولا بسبب طلبهم

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:38 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
نعم الله العظيمة

خذوا مثالًا لذلك حبل السيدة العذراء بالله الكلمة.
هل تظنون أن العذراء كانت تطلب هذا الأمر ؟! محال طبعًا! وما كان حتى يخطر بذهنها، بل قد تعجبت له وقالت للملاك: "كيف يكون لي هذا؟!.." (لو 1:34).. ولكن الرب منحها هذه النعمة العظيمة، والقدير صنع بها عظائم (لو 1: 49) دون أن تطلب..

وعملية الفداء والخلاص علي الصليب هل طلبها الإنسان؟!
إن أول وعد بالخلاص إنما منحه الله للإنسان دون أن يطلب، حينما قال إن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك 3: 15).. والخلاص بهذا الشكل، ما كان يفكر أو يحلم به أحد هل كان أحد يفكر أن الله يتجسد من أجلنا، ويخلي ذاته، ويتألم ويموت علي الصليب؟! أن بطرس الرسول لما سمع هذا الكلام من المسيح "ابتدأ ينتهره قائلًا حاشاك يا رب" (متى 16: 22). إذن هذا الأمر ما كان يطلبه أحد. ولكن الله منحنا هذا الخلاص دون أن نطلب..
وتظهر نعمة الله العظيمة في رفع إيليا وأخنوخ إلي السماء.
هل كان أخنوخ يحلم أو يفكر في أن يكون أول إنسان يرفعه الله إلي السماء ويأخذه إليه؟! (تك 5: 24). أو هل طلب إيليا أن يرفعه الله في مركبة نارية إلي السماء؟! (2 مل 2: 11). إنها نعم لا تخطر علي بال، ولذلك من المحال أن يطلبها إنسان. بل يعطيها الله لمن يشاء من أولاده دون أن يطلب..
ونفس الكلام نقوله أيضًا عن النعيم الأبدي.
هذا الذي يقول عنه الكتاب: "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر علي بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9)،وطبعًا من المستحيل أن يطلب أحد ما لم يخطر علي بال إنسان. إننا قد نطلب نعيمًا. ولكن هذه الصورة بالذات، هي شيء فوق ما نطلب، كل ما فيه من تفاصيل لم ترها عين ولم تسمع بها إذن ننالها دون أن نطلب..
أكان بولس الرسول يطلب أن يصعد إلي السماء الثالثة..!
هذه التي رأي نفسه فيها، أفي الجسد ليس يعلم، أم خارج الجسد ليس يعلم.. أو كان يطلب أن يسمع هناك كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها..؟! من يطلب هذا؟! لا أحد طبعًا.
ولكن الله في كل إعلاناته للبشر، يعطي دون أن نطلب..

Mary Naeem 12 - 01 - 2014 07:40 AM

رد: كتاب حياة الرجاء - البابا شنوده الثالث
 
الرؤى والظهورات

كلها، قد منحها الله للناس دون أن يطلبوا..
أكان أبونا يعقوب يطلب أن يري سلمًا واصلة بين السماء والأرض؟!
وكان يطلب أن يري ملائكة الله صاعده ونازلة علي هذا السلم، وصوت الله يناديه ويمنحه الطمأنينة والهدوء (تك 28: 12-15).. كل ذلك بعد أن خدع أباه وأخذ منه البركة بمكر..
أليس أن هذه الرؤيا جاءت ليعقوب دون أن يطلب؟!
وبنفس الوضع الرؤيا التي رآها القديس يوحنا في بطمس.
إنه لم يطلب مطلقًا في منفاه أن يري المسيح،" ووجهه كالشمس وهي تضئ في قوتها، وعيناه كلهيب نار "بل أن يوحنا لم يحتمل هذا المنظر وسقط علي الأرض كميت (رؤ 1: 12 - 17). حيوانات غير المتجسدين، والملائكة السبعة أصحاب الأبواق، وأصحاب الجامات، وكل ما هو عتيد أن يكون.. وهو لم يطلب أن يري السماء مفتوحة، ويرى عرش الله، والأربعة والعشرين كاهنًا، والأربعة

وكيف يطلب شيئًا من هذا، وهو لا يعلمه. ونفس الكلام ينطبق علي رؤى دانيال، ورؤى حزقيال، وباقي الرؤى وكل الأحلام المقدسة، وكل النبوءات أيضًا. كل ذلك كشف إلهي، لا يعقل أن يطلبه أحد لأنه طبعًا لا يعرفه ولا يدور بذهنه..
أحلام يوسف الصديق عن مستقبل حياته، ما كانت تدور بذهنه.
ما كان يجول بذهنه -وهو صغير إخوته- أن يأتي إليه إخوته ويسجدوا له، وكذلك أبواه. لذلك فالحلم الخاص بسجود الشمس والقمر والأحد عشر كوكبًا له، ما كان يطلبه. ولا الحلم الخاص بسجود حزم إخوته لحزمته (تك 37). إنها رئاسة يمنحه الله إياها، ويعلنه بها، دون أن يطلب.
ونفس الكلام نقوله عن موهبة يوسف في تفسير الأحلام.
ونقول هذا عن كل موهبة أخري يمنحها الله لإنسان. مثل موهبة الموسيقي والمزامير التي وهبها الله لداود دون أن يطلب، ومثل موهبة القوة التي وهبها لشمشون دون أن يطلب. ومثل موهبة الجمال التي وهبها ليوسف (تك 39: 6) ولموسي (أع 7: 20) ولداود (1 صم 16: 15).
والأحلام المقدسة هي موهبة أخري من الله لأسباب روحية.
بعضها للمعرفة والبعض للإنقاذ، أو للتعزية أو للبشارة.. حلم ليوسف النجار لينقذه والعائلة من سيف هيرودس (متي 2: 13). وحلم آخر للمجوس (متي 2: 12). وأحلام لأبيمالك لإنقاذ سارة زوجة إبراهيم (تك 20: 3) وحلم لسليمان ليمنحه الرب بركة (1 مل 3: 5)،وحلم لنبوخذ نصر فسره له دانيال لكي يتضع ويتوب (دا 4: 4-27). وأحلام البشارة كثيرة مثل الحلم الذي ظهر ليوسف النجار يبشره بميلاد المسيح.
كل هذه الأحلام منحها الله لأصحابها دون أن يطلبوا..
وقد قدم الله الرؤى والأحلام كموهبة من روحه القدوس، مثلها مثل النبوءة وحينما قال في سفر يؤئيل النبي: "اسكب روحي علي كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلامًا ويري شبابكم رؤى" (يوء2: 28) وتكررت هذه العبارة في سفر أعمال الرسل (أع 2: 17).
النبوءات أيضًا منحها الله للأنبياء دون أن يطلبوا..
ومنحنا أيضًا هذه النبوءات لفائدتنا دون أن نطلب. وكل الذين أرسلهم الرب كأنبياء، ما كانوا سيرون هكذا. وإنما في لحفظة لا يعرفها أحد نسمع مثلًا أنه "كانت كلمة الرب إلي أرمياء النبي" (دا 9: 2) أو صارت كلمة الرب لحزقيال (حز 3: 16) أو "صارت كلمة الرب إلي صفنيا" (صف 1: 1).. كل ذلك دون أن يطلب واحد منهم..
واضح أن الرب يكلم البشر متى يشاء، دون أن يطلبوا..
أنه يقدم الحلم أو الرؤيا أو النبوءة، أو الموهبة، دون أن نطلب، وربما في وقت لا نتوقعه علي الإطلاق.
وإن كان هذا بصفة عامة، فبالأكثر مواهب العهد الجديد..


الساعة الآن 07:34 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026