![]() |
كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
في كل عام، في بداية الصوم الكبير، كانت الكنيسة تقرأ فصل الإنجيل عن التجربة. (مت24، مر1، لو4) وكنا نلقى عظات عن التجارب بصفة عامة، وعن تجربة السيد المسيح على الجبل، في تفاصيلها.. ومن مجموعة تلك العظات، اخترنا لك منها المحاضرات التي ننشرها في هذا الكتاب. وقد سبق لنا نشر بعض منها في مجلة الكرازة، وفي جريدة وطني. ثم قمنا بجمع كل تلك المقالات، وأضفنا إليها ما يمكن إضافته، وأعدنا تنظيمها لكي تخرج بهذه الصورة. وهى تشرح عدة أمور منها: 1- لماذا يسمح الله بالتجارب لجميع الناس، حتى لقديسيه؟ 2- ما فائدة هذه التجارب، للمؤمن الذي يمكنه أن يأخذ منها فوائد روحية كثيرة لحياته. 3- ما كنه تجربة السيد المسيح على الجبل؟ وما هو الهدف الشيطاني منها؟ وكيف استطاع السيد المسيح أن ينتصر عليها؟ 4- وما علاقة تلك التجارب بقضية الصليب والفداء، وبمبادئ الخدمة التي وضعها السيد الرب أمامه؟ عن هذا وغيره يحدثك هذا الكتاب. أبريل سنة 1995 البابا شنودة الثالث |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
التجارب والضيقات اعتدنا في الصوم الكبير، أن نتذكر تجارب المسيح له المجد. وفي الحديث، يهمنا أن نذكر بعض ملاحظات هامة، منها: التجارب للكل التجارب لا تعني تخلي الله التجارب تأتى ولا تؤذى أربعة شروط للتجارب فوائد التجارب |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
التجارب للكل لا تخلو حياة إنسان – أيًا كان - من التجارب والضيقات. فهي للكل، حتى للأنبياء والقديسين، حتى للسيد المسيح نفسه الذي كان "مجربًا في كل شيء مثلنا بلا خطية" (عب 4: 15). ولم تكن تجاربه على الجبل سوى مثال للتجارب التي شملت حياته كلها. والسيدة العذراء أيضًا كانت حياتها مملوءة بالتجارب، منذ يتمها المبكر، وحبلها العذراوى الذي شك فيه يوسف أولا، ثم اضطرارها للسفر إلى مصر.. والأنبياء جميعًا تعرضوا للضيقات. كم من الضيقات لاقاها داود النبي من شاول الملك، الذي كان يطارده في كل مكان لكى يقتله.. ويوسف الصديق تعرض لتجارب عديدة، من أخوته، ومن إمرأة فوطيفار. بيع كعبد، وألقى به في السجن، وهو رجل بار. ودانيال النبي القى به في جب الأسود. والثلاثة فتية القديسون ألقوهم في أتون النار . وبطرس وبولس الرسولان ألقى بهما في السجن. واسطفانوس الشماس رجموه. وما أكثر الضيقات التي تعرض لها الشهداء والمعترفون.. فلا يظن أحد إذن أن التجارب والضيقات هي للخطاة بسبب خطاياهم وإنما هي لجميع الناس، وبالأكثر للأبرار والقديسين. وقد قال السيد المسيح لتلاميذه القديسين "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33) وقيل أيضًا في المزمور: "كثيرة هي بلايا الصديق، ومن جمعيها ينجيه الرب" (مز 34: 19).. جميع الأبرار اجتازوا في بوتقة الألم، واختبروا الضيقة والتجربة. ولم يستثهم الله من ذلك، يل كانت آلامهم أكثر. وهنا نضع أمامنا قاعدة هامة وهى وأن التجارب لا تعنى تخلى الله. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
التجارب لا تعني تخلي الله إن الله كأب حنون، لا يتخلى عن أولاده مطلقا. وسماحه بالتجربة لا يعنى مطلقًا أنه قد تخلى عنهم، أو أنه قد رفضهم. ولا يعنى أيضًا غضبه أو عدم رضاه. بل هو يسمح بالتجربة لمنفعتهم، ويكون معهم في التجربة: يعينهم ويقويهم ويحافظ عليهم، ويسندهم بيمينه الحصينة.. لقد سمح مطلقا أن دانيال النبي يلقى في جب الأسود. وفي نفس الوقت لم يسمح مطلقًا للأسود أن تؤذيه. بل خرج دانيال سليمًا من الجب وهو يغنى قائلًا "إلهى أرسل ملاكه، وسد أفواه الأسود" (دا 6: 22). وسمح بإلقاء الثلاثة فتية في أتون النار، ولكن "لم تكن للنار قوة على أجسامهم. وشعرة من رؤوسهم لم تحترق، وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم" (دا 3: 27) وكان الرب يتمشى معهم في أتون النار. أن الله لا يمنع النار عن أولاده، ولكنه يمنعها من أن تحرقهم. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
التجارب تأتى ولا تؤذى إلهنا الحنون لا يمنع الحوت من أن يبلغ يونان النبي. وفي نفس الوقت لا يسمح له بإيذائه. ويخرج يونان من بطن الحوت سليما، لكى يؤدى رسالته. وتحمل قصته لنا درسًا ورمزًا.. لقد سمح الله لشاول الملك أن يطارد داود. وفي نفس القوت لم يتخل الله عن داود، ولم يسمح لشاول بإيذائه.. أنه يسمح بالضيقة، ولكن بشرط أن يقف معنا فيها. وهكذا يغنى المرتل في المزمور "لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء عند سخط غضبهم علينا.. مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم، نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر ونحن نجونا" (مز 124). إنه اختبار روحي جميل، أن نرى الله في التجارب.. نراه معنا وبقوة... وربما لولا التجارب ما كنا نراه هكذا.. وهذه هي إحدى فوائد التجارب العديدة. العمق الروحي للتجارب، هو أنه لا يجوز لنا أن نراها، بدون أن نرى الله فيها... فالله قد يسمح لقوى الشر أن تقوم علينا وتحمينا ونحن نغنى مع أليشع النبي الذي إجتاز نفس التجربة نقول: "إن الذين معنا أكثر من الذين علينا" (2 مل 6: 16)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ويقول الرب لكل واحد منا "لا تخشى من خوف الليل، ولا من سهم يطير في النهار.. يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك" (مز 91: 5، 7) من أجل هذا كله أقول: إن المؤمن لا يمكن أن تتعبه التجربة أو الضيقات... ذلك لأنه يؤمن بعمل الله وحفظه. ويؤمن أن الله يهتم به أثناء التجربة، أكثر من اهتمامه هو بنفسه. إنه يؤمن بقوة الله الذي يتدخل في المشكلة. ويؤمن أن حكمة الله لديها حلول كثيرة، مهما بدت الأمور معقدة. لذلك فالمؤمن لا يفقد سلامه الداخلى مطلقًا أثناء التجربة، ولا يفقد بشاشته بل يتذكر في ثقة كبيرة قول الرسول "أحسبوه كل فرح يا أخوتى، حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2). إن كل تجربة هي بر شك خبرة روحية جديدة يتمتع بها الإنسان، وتعمق مفاهيمه الروحية. وفيها يرى الله كيف يتدخل وكيف يعمل.. ويجمل بنا الآن أن نضع ثلاثة شروط للتجارب التي يسمح بها الله. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
أربعة شروط للتجارب إنها قواعد أربع، وضعها لنا الكتاب المقدس في حديثه عن التجارب، وهى: 1- لا يسمح الله بتجربة هي فوق طاقتكم البشرية. إن الله يعرف احتمال كل واحد منا. ولا يسمح أن تأتيه التجارب إلا في حدود احتمال طاقته البشرية. وفي ذلك يقول الكتاب "ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون" (1 كو 10: 13). ولعلك تقول: ما أصعب التجربة التي وقعت على أيوب الصديق، في موت كل أولاده، وضياع كل ثروته، وفقد صحته، وتخلى كل أصحابه.. من يستطيع أن أيوب كان بإمكانه أحتمال التجربة، ما سمح الله بها له إن القامة الروحية الجبارة التي لأيوب، كانت تناسب التجربة الهائلة التي وقعت عليه فقد كان أيوب رجلًا كاملًا ومستقيمًا، وليس مثله في الأرض (أى 2: 3). لا تخف إذن، لو كنت في قامة أيوب لأمكن أن يسمح الله لك بتجارب مثل تجارب أيوب. أما وانت في ضعفك، فإن الله لا يسمح لك إلا بما تقدر على إحتماله. هل تخاف أن تحدث لك تجارب مثل التي حدثت للقديس الأنبا أنطونيوس؟! هذا الذي ظهرت له الشياطين بهيئة وحوش مفزعة مخيفة، والذى ضربته الشياطين حتى تركته يومًا بين حى وميت أطمئن. لن يحدث لك هذا، إلا إذا وصلت إلى الدرجة التي تحتمل فيها مثل القديس أنطونيوس، وتنتصر مثلما أنتصر.. الشرط الثانى ومعها المنفذ: 2-تأتى التجربة ومعها المنفذ: أى تأتى ومعها الحل. فلا توجد تجربة هي ظلمة حالكة السواد، بدون أية نافذة من نور. بل هوذا الكتاب يقول عن الله "بل سيجعل مع التجربة المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13).. لهذا ليس هناك داع لأن بيأس أحد في وقت التجربة - فلكل تجربة حل، بل حلول. لا تنظر إلى التجربة في شدتها الحاضرة. إنما أنظر إليها في رجاء يرى الحل الإلهي قادمًا، حتى إن كانت العين البشرية لا تراه الآن، ولكنها تراه بعين الإيمان التي تعرف تمامًا محبة الله وقدرته على الحل... إن التجربة تأتى ومعها النعمة، ومعها المعونة الإلهية، ومعها الحفظ والحلول... وحتى إن كنت أنت من النوع الذي لا يحتمل، فالله قادر وقت التجربة أن يهبك احتمالًا وصبرًا وعزاء. وهذا منفذ آخر للتجربة، تمر منه وتعبر، ولا تستمر ضاغطة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. إن التجارب الصعبة القوية، هي فقط للأقوياء، أمثال أيوب وأنطونيوس.. وهى أيضًا للضعفاء الذين يمنحهم الله قوة وقتذاك قوة ما كانوا يتخيلونها في أنفسهم... قاعدة أخرى ينبغي أن نضعها أمامنا في التجربة وهى:. 3-التجارب التي يسمح بها الله هي للخير، أو تنتهى بخير. وفى ذلك قال الرسول "كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو 8: 28). ولهذا "أحسبوه كل فرح يا أخوتى حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2). هذا الإيمان بخيرية التجارب، يعطى الإنسان المجرب سلامًا وهدوءًا واطمئنانًا، فلا تطحنه التجربة، ولا تضغط عليه، بل على العكس تمنحه فرحًا. 4- شروط رابع للتجربة،وهو أن لها زمنًا محددًا تنتهى فيه. فلا توجد ضيقة دائمة، تستمر مدى الحياة. ذلك في كل تجربة تمر بك، قل "مصيرها تنتهى" سيأتى عليها وقت تعبر فيه بسلام. إنما خلال هذا الوقت ينبغى أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك، فلا تضعف ولا تنهار، ولا تفقد الثقة في معونته الله وحفظه. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
فوائد التجارب التجربة شيء نافع بلا شك. ولولا منفعتها، ما كان الله الشفوق يسمح بها... كثيرون يريدونن أن يكون طريق الملكوت سهلًا مفروشًا بالورود! ولكن هذا عكس التعليم الذي شرحه لنا الإنجيل المقدس، إذ قال لنا الرب فيه: "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدى إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه" (7: 14). وقال "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33). وقيل وفي الإنجيل أيضًا "بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 33). هذه الضيقات نحتملها لكى نثبت أننا جادون في سيرنا إلى الملكوت. ولكى ندخل إلى هذا الملكوت باستحقاق، لأننا بذلنا وتعبنا من أجله.. إن كان التلميذ يتعب ويكد يحصل على شهادة دراسية.. وإن كان كل صاحب عمل لابد أ، يتعب، لكى ينجح في عمله.. هكذا الطريق الروحى: ينبغى أن نتعب فيه لنستحق الملكوت... وصدق الرسول في قوله: "كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (اكو3: 8).. والتعب قد نبذله بإرادتنا. وهكذا تكون التجارب التي يحتملها المؤمنون من أجل الله والثبات في محبته.. وقد يكون يعضها في مصارعة النفس من الداخل. وبعضها في تحمل الضيقات من الخارج. وهوذا القديس بولس الرسول يقول: "بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله، في صبر كثير في شدائد، في ضرورات، في ضيقات في ضربات في سجون، في أضطرابات، في أتعاب، في أسهار، في أصوام" (2كو 6: 4،5). ومع ذلك يشرح كيف أنه لم يتضايق - هو وزملاؤه - بشئ من هذا، ولم يفقدوا سلامهم، ولم يفقدوا الرجاء بالله، فيقول: "مكتئبين في كل شئ.. لكن غير متضايقين، مضطهدين.. لكن غير متروكين" (2كو 4: 8، 9).. "كمائتين وها نحن نحيا، كحزانى ونحن دائما فرحون.. كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شئ" (2كو 6: 9، 10). فى الضيقات نشعر بالقوى السمائية الكثيرة المحيطة بنا فنتعزى. منحن لسنا وحدنا مطلقًا في التجربة.. ولا في وقت الضيقة، بل تحيط بنا نعمة الرب ومحبته، وتحيط بنا قوات الملائكة القديسين التي قال عنها الله أنها تحيط بخائفيه وتنجيهم، وتحيط بنا أيضًا أرواح القديسين تشجعنا وتقوينا.. إنها خبرة روحية. ومن فوائد الضيقات في العالم، أننا لا نتمسك بمحبة هذا العالم مشتاقين إلى السماء. ولو كان النعيم في هذه الدنيا، ما كنا نشتاق إلى النعيم الأبدى، في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد، حيث "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله لمحبى إسمه القدوس".. ونحن كما قال الرسول: "غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى، بل إلى التي لا ترى لأن التي ترى وقتيه، أما التي لا ترى فأبدية" (2 كو 4: 18). من أجل ذلك كان الآباء القديسون يشعرون أنهم على الأرض غرباء، يعيشون مشتاقين إلى الوطن السمائى.. ينظرون كل حين بالإيمان إلى "المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10). ولولا الضيقات لتشبث الناس بالبقاء في غربة هذا العالم الزائل لذلك نحن نقول عن الشخص في يوم وفاته، أنه قد تنيح أي استراح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. استراح من هذا العالم الزائل وكل مافيه من شهوة الجسد والروح وتعظم المعيشة.. استراح من التعب الذي يبذله للثياب في روحياته، واستراح من الضيقات والشدائد والتجارب التي تختبر إرادته هنا في هذه الحياة الأرضية، واستراح مما في العالم من أمراض ومن تعب للجسد والنفس. الإنسان الروحي لا يتعب من الضيقات.. وإنما يأخذ ما فيها من فائدة روحية.. ويفرح بالأكاليل التي ينالها بإحتمال التجارب. لا تهزه التجربة.. ويختبر كيف أن الله "يقوده في موكب نصرته" (2 كو 2: 14). إن الإنسان لا يكلل إلا إذا انتصر.. ولا ينتصر إلا إذا حارب.. ولا يحارب إلا إذا تعرض لضيقات تمتحن مدى روحانيته: حياته وثبات إرادته تابعة للمشيئة الإلهية. وفى التجارب يتلامس المؤمن مع محبة الله العاملة في حياته. إن الله إذ يرى محبة الإنسان له في وقت الضيقة، يكافئه بما يظهره له من حب.. وكم من قديسين تمتعوا بهذا الحب في وقت الضيقة. فالقديس يوحنا الإنجيلى رأى تلك الرؤيا العجيبة وهو منفى في جزيرة بطمس من أجل الشهادة بكلمة الله (رؤ1).. والقديس بطرس اختبر عناية الله به وهو في السجن أيضًا. والقديس بطرس اختبر عناية الله به وهو في السجن (أع12) واختبر نفس العناية القديسان بولس وسيلا وهما في السجن أيضًا (أع 16). ما أجمل عبارات القديس يوحنا ذهبى الفم وهو يتأمل قول القديس بولس عن نفسه "أنا الأسير في الرب" (أف 4) حديث جميل عجيب عن الضيقات وبركاتها بودى أن أترجم لكم بعضًا منه وأنشره... تحدث التجارب أحيانًا بحسد من الشياطين. وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الروحية. إن كان الإنسان يستعد في الصوم، لكى يسلك سلوكًا روحيًا، فإن الشيطان يستعد أيضًا لمقاتلته ومحاربته، ولكى يسقطه في الخطية أو في الفتور.. أعنى أن الإستعداد هنا متبادل: استعداد من جانب الإنسان للنمو في محبة الله، واستعداد من الشيطان لإسقاطه. إن الشيطان يحزن حينما يجد إنسانًا يسير في الطريق الله. لذلك أن حلت بك التجارب في فترة الصوم، لا تحزن. فهذا دليل على أن صومك له مفعوله، وقد أزعج الشيطان.. بل إن بعدت عنك التجارب، يمكن أن تتساءل: لماذا يتركك الشيطان بدون تجارب؟! هل احتقر أو استصغر جهادك الروحى؟! أعلموا أن ربنا يسوع يسوع نفسه، حاربه الشيطان بالتجارب في صومه الأربعينى. وهذا ما سوف نشرحه الآن. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
تجربة المسيح من الشيطان قبل أن نعرض لتجربة السيد المسيح على الجبل، يحسن أن نقدم أولًا بعض ملاحظات هامة هى: أولًا: لم تكن تجربة المسيح هي فقط الثلاث تجارب التي حدثت في أواخر الأربعين يومًا. وفى هذا يقول معلمنا لوقا الإنجيلى عن السيد أنه "كان يقتاد بالروح في البرية أربعين يومًا يجرب من إبليس" (لو 4: 1، 2) (مر 1: 13). وهذه التجارب لم تذكر وتسجل، إلالا أنه بعد إإتمامها تقدم إليه المجرب بالتجارب الثلاث. وبعد هذه التجارب الثلاث، لم يتركه الشيطان بلا تجربة، بل يقول القديس لوقا إنه: "ولما أكمل إبليس كل تجربة، فارقه إلى حين" (لو 4: 13). وعبارة "إلى حين "تعنى أنه عاد إليه مرة أخرى أو مرًارة كثيرة ولعل من أمثلتها، لما تحدث عن صلبه بعد أيام، تقدم إليه بطرس وانتهره قائلا: "حاشاك يا رب.. لا يكون هذا "فأجابه السيد "اذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لى" (مت 16: 21 -23). أي أن الشيطان قدم تجربة على لسان تلميذه بطرس.. وكانت التجربة أن يبعد عن الصليب. ثم عاد الشيطان ليقدم نفس التجربة وقت الصلب، ويقول له على لسان اللص الشمال "إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا" (لو 23: 39)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. نفس التجربة على لسان المجتازين "خلص نفسك وانزل عن الصليب، لنرى ونؤمن (مر 15: 20، 22). وأيضا "إن كنت ابن الله: فانزل عن الصليب.. فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به" (مت26: 40، 42). حقا، إن النزول عن الصليب هو شهوة الشيطان، وإن كان هذا المصلوب هو ابن الله. والتجارب أيضًا كانت منذ الميلاد. وذلك فيما أثاره هيرودس الملك من حروب ضد هذا المولود، أدت إلى قتل كل أطفال بيت لحم وأدت أيضًا إلى النزول إلى مصر، وما حدث هناك من ضيقات كلما كانت تسقط الأصنام أمام هذا المولود (أش 19: 1).. ثانيا: التجارب شملت كل حياة المسيح، وكانت لها فوائدها وفى ذلك يقول الكتاب عنه "مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية "يرثى لضعفاتنا" (عب 4: 15). وأيضًا "في ما هو قد تألم مجربًا يقدر أن يعين المجربين" (عب 2: 18). وتجربة المسيح لا تدل على ضعف وإنما تدل على قوته: فهى تدل على قوته، من حيث أنه انتصر على الشيطان في كل تجاربه.. وأيضًا لأنه لولا قوته، ما كان يحاربه الشيطان هكذا. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
الشيطان شغوف بمحاربة الأقوياء وهنا نضع قاعدة هامة وهى: الشيطان شغوف بمحاربة الأقوياء:- فهو يحارب أيوب لأنه قوى. هذا الذي قال له الرب عنه: "هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض. رجل كامل، ومستقيم، يتقى الله ويحيد عن الشر" (أى 1: 8). وكمال أيوب لم يمنع الشيطان من محاربته، بل قلق إلى ذلك لأكثر.. وانتصار أيوب في التجربة الأولى، لم يمنع الشيطان من الاستمرار في الحرب أيضًا. كذلك حارب إيليا، وهو قوى.. بعد أنتصار إيليا النبي العظيم على أنبياء البعل والسوارى، وتطهير الأرض منهم، وبعد إنزاله المطر على الأرض.. لم يمتنع الشيطان عن محاربته. بل حاربه بالخوف من الملكة إيزابل (1مل19: 2، 10). وقاتل الشيطان سليمان احكم الناس. هذا الذي أخذ الحكمة كموهبة من الله نفسه (1مل3: 12). ولم يكن هناك أحد حكيمًا مثله، لا من قبل ولا من بعد. سليمان الذي تراءى له الله مرتين: في جبعون (1مل 3:5) وفي أورشليم (1مل 9: 2). سليمان هذا يجربه الشيطان تجربة مذهلة، بعد زواجه بالأجنبيات لدرجة أنه في زمان شيخوخته حدث "أن نساءه أملن قلبه وراء آلهه أخرى.. ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب" (1 مل 11: 4). وقاتل الشيطان فلاسفة وعلماء، مثل أوريجانوس، أعظم اللاهوتين في عصره. هذا الذي قال عن نفسه "أيها البرج العالي كيف سقطت؟". واستطاع الشيطان أن يسقط في البدعة والهرطقة: القس أريوس، أشهر وعاظ الإسكندرية، بل أسقط مقدونيوس ونسطور، وكلاهما من بطاركة القسطنطينية، وثيودوريت اللاهوتى الكبير معلم نسطور، وأوطاخى أعظم رهبان القسطنطينية، والأب الروحي لدير كبير... الشيطان لا يبالى، ولا يوقر الكبار، بل يحاربهم. وكما قيل في الخطية أنها: "طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء" (ام 7: 26). وهكذا حارب الشيطان بطرس الرسول الذي كان أكثر التلاميذ حماسًا، واستطاع أن يجعله ينكر المسيح ثلاث مرات، وهو يسب ويلعن ويقول "لا أعرف الرجل" (مت 26: 74). حتى استحق أن يقول له الرب "هوذا الشيطان طلبكم لكى يغربلكم كالحنطة. ولكنى طلبت لكى لا يفنى إيمانك" (لو 2: 31: 32). وبنفس الأسلوب كان الشيطان مهتمًا بمحاربة النساك والسواح والمتوحدين. أما الضعفاء، فلا يحتاج الشيطان إلى محاربتهم: إن كانوا ساقطين من تلقاء أنفسهم. هناك ثلاثة أنواع من الثمار: نوع ساقط عند أسفل الشجرة، لا يحتاج إلى جهد لإسقاطه. ونوع آخر يحتاج إلى من يهز الشجرة هزًا ليسقط ما عليها من ثمار، ونوع ثالث يلزمه خبير يصعد إلى أعلى الشجرة لجمع ثمارها، كما في سباطات النخيل مثلًا... والشيطان لا يلزمه أن يبذل جهدًا لإسقاط الثمار الساقطة عند أسفل الشجرة. هؤلاء يقف ناظرًا إليك ولو من بعيد، فرحًا بسقوطهم، موفرًا جهده إلى من يلزمه الصعود إليهم، أو إلى هزهم هزًا... ثالثا: التجربة ليس معناها السقوط. الشيطان يجرب الكل، ولكنه لا يستطيع أن يسقط الكل.. وهو في التجربة مجرد مقترح، يقدم أفكارًا، ولا يملك أن يرغم أحدًا على طاعته. كل شخص له حرية إرادته، يقبل منه أو لا يقبل.. وكثيرون قد رفضوه وهزموه.. إنه قد جرب السيد المسيح ولكن السيد رفضه ولم يقبل منه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. رأى المسيح قويًا، فتقدم لمحاربته كعادته.. ولكن المسيح هزمه.. أرانا كيف يكون الإنتصار في حروب الشياطين. على أننا نلاحظ ملاحظة رابعة في التجربة المسيح على الجبل، وهى: |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
حسد الشياطين رابعًا: التجربة هنا مصدرها حسد الشيطان: طبع الشيطان هو هذا: أنه يكره كل من هو بار،وكل من هو ناجح في حياته، وكل من نال عظمة وعلوًا من الله والناس. وكان المجد الذي ناله السيد المسيح في العماد، مجدًا لم يستطيع الشيطان أن يحتمله: هوذا السموات قد انفتحت، وروح الله نزل عليه بهيئة حمامة. وصوت من السماء يقول: هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت (مت 3: 16، 17). فهل يمكن للشيطان أن يسكب على ابن حبيب يسر به الله.. دون أن يتدخل ليرى ما نوع هذه البنوة! ويحاول أن يهز هذا السرور بها.. كذلك أثارت حسد الشيطان، العبارات التي فاه بها القديس يوحنا المعمدان. من هذا الذي يقول له المعمدان "أنا محتاج أن أعتمد منك" (مت 3: 14) أهو حقًا أعظم من يوحنا المعمدان الذي "خرجت إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن، واعتمدوا منه معترفين بخطاياهم" (مت 3: 5، 6) ومن هو هذا الذي قال عنه المعمدان: يأتى بعدى من هو أقوى منى، الذي لست أنا أهلًا أن أحمل حذاءه.. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11). بل يقول عنه "في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه. هو الذي يأتى بعدى، الذي صار قدامى الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" (يو 1: 26، 27). كل هذا أثار حسد الشيطان، من هذا الذي هو أعظم من المعمدان. وإن كان قد قال عنه لليهود "في وسطكم قائم الذي الذى لستم تعرفونه "فلابد أن أتقدم أنا لكى أعرفه: من هو؟ وماذا قد جاء ليفعل؟ وهنا رأى الشيطان في تجربته للمسيح معركة مثيرة. فهو يحارب هنا شخصًا غير عادى، شهدت له السماء، وشهد له المعمدان. وهو شخص لم ير الشيطان فيه أية نقطة ضعف على الإطلاق طوال السنوات الماضية. حياته كلها قداسة مطلقة في كل مراحل السن. وهذه القداسة تزعج الشيطان وتثيره، فيريد أن يحاربها... إن حربه مع هذا القوى، لاشك لها لذتها! حرب تنفذه من الروتين الذي أسقط به كثيرين.. أولئك الذين قال عنهم الكتاب "الكل قد زاغوا معًا وفسدوا "ليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد" (مر 14: 3) وكأن الشيطان يقول: فلنجرب إذن مع هذا الذي لا استطيع أن أبكته على خطية... ضعفات البشر أصبحت كلها معروفة لى.. وكل حروبي أصبحت متكررة ومألوفة ومملة.. فلندخل إذن في حرب مع هذا القوى، نقدم به عرضًا جديدًا. لنصعد إذن معه على الجبل ونختبره.. لقد مرات عليه ثلاثون سنة وهو ساكت، وأنا ساكت. فإن بدأ يعمل، سأعمل أنا أيضًا.. خامسًا: هناك عبارة أزعجت الشيطان جدًا وكانت سببًا رئيسيًا للتجربة: وهى قول القديس يوحنا المعمدان عن السيد المسيح "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29).. أتراه إذن الذي قال عنه أشعياء النبي "كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد ألى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6)؟ أهو إذ إن الفادى المنتظر؟ ثم ما معنى قول المعمدان عنه من قبل "يأتى بعدى رجل صار قدامى، لأنه كان قبلى" (يو 1: 30)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ماذا يقصد بقوله "كان قبلى "؟ أكان له وجود قبل مولده؟ وهل يرتبط هذا بعبارة "ابنى الحبيب الذي به سررت". هل هذا إذن هو ابن الله وقد جاء ليرفع خطية العالم كله. وهنا انزعج الشيطان، لأن معنى هذا هو ضياع تعبه الذي تعب فيه منذ البدء. وكأنى به يقول: هذا أمر لا يمكن السكوت عليه. لابد أن تأكد لكى أتصرف بما يلزم. يبدو أن وقت الجد ابتدأ، ونحن داخلون على معركة لا مفر منها. ويبدو أن هذا عدو من نوع خاص، لم أتعود حربه من قبل!! سادسًا: لم تكن تجربة الشيطان تدور حول نقاط عارضة، إنما كانت تشمل خط الحياة كله.. إنه أراد - كما سنرى - أن يقدم مقترحات تغير الأهداف والوسائل كلها.. تغير المبادئ التي وضعها المسيح أمامه في تنفيذ رسالته.. ولكن السيد المسيح كان راسخًا جدًا في القيم التي وضعها أمامه واستطاع أن يصد الشيطان، وأن يطرده أخيرًا. فما الذي كان يقصده الشيطان؟ وكيف تصرف؟ وكيف تصرف الرب معه؟ |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
الفرق في التجربة بين آدم والمسيح 1- آدم وهو أحد مخلوقات الله، بدأ حياته بأن منحه الله صورته ومثاله منذ خلقه.. بينما السيد المسيح، وهو إبن الله الوحيد، وبهاء مجده ورسم جوهره (عب 1: 3) بدأ خدمته في رسالة تجسده بأن أخلى ذاته وأخذ شكل العبد ووجد في الهيئة كإنسان" (فى 2: 7، 8). 2- بدأ آدم حياته في جنة فيها كل أنواع الخيرات هي جنة عدن (تك 2). أما السيد المسيح فبدأ خدمته في برية قاحلة، في قفر، على الجبل.. كما كان ميلاده بقر. 3- بدأت تجربة الشيطان للإنسان الأول بأن أغراه بالأكل. وهكذا فعل مع السيد المسيح. غير أن الإنسان الأول قبل إغراء الشيطان وأكل، وهو غير جائع. أما السيد المسيح فرفض الأكل وهو في قمة الجوع.. 4- الإنسان الأول أكل من شجرة محرمة، وقد سمع عقوبة من الله بخصوص أكلها. أما السيد المسيح فرفض الأكل من خبز هو محلل للجميع. 5- الإنسان الأول أطاع الشيطان في مشورته، من أول تجربة. أما السيد المسيح فرفض كل مشورات الشيطان، ثلاث مرات على الجبل، ومرات عديدة فيما بعد (لو 4: 13)، بالإضافة إلى تجارب أخرى خلال الأربعين يومًا (مر1: 13). 7- الإنسان الأول وقع في الكبرياء، وحينما اقتنع أنه سيصير مثل الله (تك 3: 5). أما السيد- هو الله الظاهر في الجسد (1تى 3: 16). فقد أخلى ذاته. وسلك باتضاع أمام يوحنا المعمدان، حينما تقدم ليقبل معمودية التوبة، وهو غير محتاج إلى توبة. كما أنه تواضع أيضًا إذ سمح للشيطان أن تجربة، وأن يختار ميدان المعركة معه كما يشاء.. 8- الإنسان الأول اشتهى سلطاننًا ليس له. أما السيد المسيح فقد تنازل عن استخدام سلطانه الخاص، ورفض أن يستخدم لاهوتيه من أجل راحة ناسوته، ومن أجل نشر رسالته بالمعجزات.. 9- الإنسان الأول - في تجربته. سقط في الخطية، واستحق حكم الموت. أما السيد المسيح فاستطاع أن "يكمل كل بر" (مت 3: 15). استطاع أيضًا أن يخلص الإنسان من الموت ومن الهلاك. 10- الإنسان سلك بطريقة جسدية، فيها أكمل شهوة الجسد في الأكل، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. أما السيد المسيح، فإنه سلك بطريقة روحية، تتغذى بكل كلمة تخرج من فم الله (مت 4: 4). 11- الإنسان الأول جعل هدفه ذاته وكيف تزيد. فكانت النتيجة أنه فقد كل شئ. أما السيد المسيح، فلم يهدف إلى علو الذات. بل سلك بإخلاء الذات. وهكذا أعاد للإنسان ما فقده. 12- الإنسان الأول، بسقوط في التجربة، أدخل إلى العالم الموت والفساد، كما قال القديس بولس الرسول: "كأمنا بإنسان واحد، دخلت الخطية إلى العلم، وبالخطية الموت. وهكذا أجتاز الموت إلى جميع الناس.." (رو 5: 12). أما السيد المسيح فبانتصار في كل تجربة وبقدسية حياته البشرية التي بلا خطية، وليست تحت حكم الموت، استطاع أن يفدى البشرية كلها، وينقذها من الموت، ويهبها التبرير، منقذًا إياها من الفساد. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
تجربة الخبز (أ) إن الشيطان لا يمل من "الجولان في الأرض والتمشي فيها" (أى 1: 7) (أى 2: 2). إنه يجول في الأرض كزارع يلقى البذار. فهو أيضًا يلقى الأفكار، ويلقى الأخبار. ويفرح إن أتت بثمار. ولأعاد إليها بعد حين في إلحاح صامد لا يلين..! أمران أزعجا الشيطان: صوت الآب وصوم المسيح سببان لجرأة الشيطان: إخلاح المسيح لذاته، ومبدأ تكافؤ الفرص بنوة المسيح لله |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
أمران أزعجا الشيطان: صوت الآب وصوم المسيح وفيما يجول في الأرض، أزعجه أمران: أزعجه صوت الآب، يقول وقت العماد عن يسوع الناصرى "هذا هو لإبنى الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). فأى ابن تراه هذا..؟! وأزعجه أيضًا أن يسوع هذا، في وحدة مع الآب على الجبل وهو صائم.. والشيطان بطبيعته يكره توجد الأبرار وصومهم، ويضايقه ما ينالونه في خلواتهم من روحانية، وما يهبهم الله من نعمة.. لذلك قرر التدخل. وكأنه يقول للسيد المسيح: لماذا تجلس وحدك على الجبل؟ لقد جئت لكى أجلس معك.. إن أردت أن تنشر الملكوت، فإن في جعبتى نصائح ومقترحات كثيرة لأقدمها لك.. هي من ثمار شجرة المعرفة، التي قدمت ثمرة منها لحواء وآدم من قبل.. دعنا نتفاهم: أنت تريد أن تنتصر. وأنا أيضًا أريدك أن تنتصر، على يدى!! إن الشيطان يحب جدًا عمل المرشد.! فإن لم يقبل البعض إرشاداته، فعلى الأقل يدخل معهم في حوار. وفي هذا الحوار يحاول أن يدخلهم في ميدانه. نعم ما أحلى الحوار بالنسبة إلى الشيطان..! وحواره كله شباك.. فلما رأى السيد المسيح وحيدًا مع الآب على الجبل، قال في نفسه: هلم بنا نشغله. نقطع تأملاته. ونحاول أن ننزله من مستوى الإلهيات والسماويات، إلى الأرضيات، أو إلى أي مستوى آخر، ولو بدا من الظاهر روحيًا!! المهم أنه لا يتفرغ للجلوس مع الآب نشغله بالخبز، بالمناظر الروحية بكل ممالك الأرض ومجدها، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. وكانت للشيطان خبرة سابقة مع آدم وحواء، حينما شغلهما بالشجرة الشهية للنظر وبالثمرة الجيدة للأكل، وبالمعرفة: معرفة الخير والشر، وبالمجد الذي يصيران فيه مثل الله..! |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
سببان لجرأة الشيطان: إخلاء المسيح لذاته، ومبدأ تكافؤ الفرص على أن الجرأة التي بها تقدم الشيطان لمحاربة المسيح، كلن لها سببان: أولهما إخلاء السيد لذاته. ولم يكن إخلاؤه لذاته هو فقط حينما تجسد "وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان" (فى 2: 7). وإنما هذا الإخلاء كان سياسة عامة أنتجها إلى وقت صعوده إلى السماء. بهذا الإخلاء تقدم إلى معمودية التوبة، وهو غير محتاج إلى معمودية، ولا إلى توبة. بل بهذا إخلاء سمح للكتبة والفريسيين أن يجادلوه وأن يتهموه. وسمح لرؤساء الكهنة أن يحاكموه.. وبهذا الإخلاء جربه الشيطان. كذلك منح للشيطان مبدأ تكافؤ الفرص. منحة الفرصة أن يجربه كما يشاء، وأيضًا أن يختار مكان التجربة، سواء على جبل التجربة، أو على جناح الهيكل، أو على جبل عال.. كل ذلك لكى لا يقول الشيطان: لو أننى منحت الفرصة لأجربه وهو يعرف قوته، ولا يعرف فيه أية نقطة ضعف. ولكن الشيطان شغوف بتجربة الأقوياء. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
بنوة المسيح لله المسألة التي كانت تحير الشيطان هي بنوة المسيح لله العبارة التي سمعها وقت العماد (مت 3: 17). والتى سمعها أيضًا وقت البشارة بميلاده. وذلك حينما قال الملاك للعذراء "الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك. لذلك فالقدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو 1: 35). ولكن بشرى الميلاد هذه، غطى عليها أمران: أولهما: ميلاده في مزود بقر من أم فقيرة.. والثانى هربه إلى مصر. وليس من المعقول -في فكر الشيطان- أن ابن الله يكون فقيرًا وأن يهرب! أما الشهادة له بأنه ابن الله -في المعمودية- فيغطى عليه أنه جوعان على الجبل، فهل يعقل أن يكون ابن الله جوعانًا؟! إنه أمر يثير التساؤل.. وهنا ارتبك الشيطان.. وأراد أن يتأكد: لو كان هو ابن الله فيجب بذل كل الجهد حتى لا يتم الفداء على يديه. ولو كان ابن الله، فكيف يجوع: ولماذا لا يبعد الجوع عن نفسه؟ إذن فليتقدم ويسأل لعله يفهم! ولا مانع من أن يقدم أفكاره ويرى ماذا تكون النتيجة.. ويحاول أن يختبر هذا الذي أمامه، ليرى ما هو عنصره، وهكذا كانت التجربة الأولى وهى تجربة الخبز.. يقول الإنجيل عن المسيح أنه جاع أخيرًا (لو 4: 3) "جاع أخيرًا، فتقدم إليه المجرب" (مت 4: 2، 3). لاشك أنه كان جوعًا من نوع قاس غير عادى.. طبيعي أن فترة الأربعين يومًا، كانت كلها جوعًا. ولكن الجوع في نهايتها، كان قد وصل إلى قمته، وصار جوعًا لا يحتمل. وهذا الجوع يدل على أن ناسوته كان مثلنا قابلًا للجوع. كما يدل أيضًا على أن لاهوته لم يمنع الجوع عن ناسوته. ذلك لأن السيد المسيح كان قد أتخذ مبدأ ثبت عليه، وهو أنه: قرر أن لا يستخدم لاهوته لأجل راحة ناسوته. فلاهوته لا يمنع عن ناسوته التعب ولا الألم، ولا الجوع ولا العطش.. وإلا فإن التجسد يكون صوريًا أو شكليًا، حاشا. لذلك فهو على الصليب أيضًا قال "أنا عطشان" (يو 19: 28). وهنا على الجبل قيل إنه جاع.. نلاحظ إنه في صوم القديس بطرس الرسول قيل عنه إنه "جاع كثيرًا واشتهى أن يأكل" (أع 10: 10). أما بالنسبة إلى السيد المسيح، فلم يذكر أنه اشتهى أن يأكل وهنا تقدم له الشيطان وقال له: إن كنت ابن الله، فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا (مت 4: 3). "إن كنت.." عبارة تحمل الشك. إما أنه - أي الشيطان - في شك من هذه البنوة، وهذا هو المعنى الأكثر إحتمالًا، وإما أنه يريد أن يقدم هذا الشك لسامعه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. أو هو يقدم الشك لهذا الصائم، لكى يعالج شكًا له هو - أي الشيطان - في قلبه: أين محبة الآب، حتى يترك الآبن في جوع، على الجبل وحده، وأين سلطان الأبن؟ ألا يستطيع أن يحول الحجارة إلى خبز ويأكل؟ إن الشك والتشكيك هما من طبائع الشيطان. وضع هذا بالمثل قديمًا أمام آدم وحواء.. لو كان الله يحبكما، فلماذا يمنعكما عن المعرفة؟! "هل حقًا قال لكما الله.." (تك 3: 1). ومن جهة الموت، "لن تموتا". كله أسلوب تشكيك. إن الشك عكس الإيمان. والشيطان ضد الإيمان. وهنا يسأل عن بنوة المسيح لله. ويقينا إنه لا يقصد البنوة العامة التي لجميع المؤمنين.. بل البنوة التي تستطيع أن تحول الحجارة إلى خبز.. أى البنوة التي لها القدرة على الخلق، وليست البنوة التي نقول بها جميعًا "أبانا الذي في السموات". ولا هي البنوة التي قال عنها الوحى الإلهى عما قبل الطوفان "رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات" (تك 6: 2). ولا هي البنوة التي قال فيها القديس يوحنا الحبيب فيما بعد عن المسيح "وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يو 1: 12). وأيضًا "انظروا أية محبة أعطانا الآب: أن ندعى أولاد الله" (ايو3: 1). إنما هي البنوة القادرة على كل شئ، التي نستطيع أن تصنع المعجزات بمجرد أن تأمر. وهكذا قال للمسيح "قل أن تصير الحجارة خبزًا". لم يقل له: إن كنت ابن الله، يمكنك أن تصلى إلى أبيك السماوي، فيحول لك الحجارة إلى جبز. وإنما قال له: قل أن تصير الحجارة خبزًا.. إذن فهو يسأل عن طبيعة المسيح ما هى؟ ونفس السؤال قدمه إلى المسيح فيما بعد، على لسان البعض "إن كنت ابن الله، انزل من على الصليب" (مت 26: 40). إن البنوة والصليب معًا، هما اللذان يزعجان الشيطان في اجتماعهما، لأنهما يحطمان دولته وكل تعبه. سأل أحدهما في بداية استعداد المسيح لخدمته على الأرض. يسأل الآخر للمسيح، وهو في طريقه إلى عبارة "قد أكمل" (يو 19: 30). هنا على جبل التجربة، قال للسيد المسيح- وهو صائم وجائع: إن كنت ابن الله، قل أن تصير الحجارة خبزًا".. وكان المسيح قادرًا على ذلك، ولكنه لم يفعل. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
تجربة الخبز (ب) قال الشيطان للسيد المسيح "إن كنت ابن الله، قل أن تصير الحجارة خبزًا" (مت 4: 3). وهنا قدم الشيطان مفهومًا للبنوة التي ترضى ذاتها باستخدام حقوقها وسلطتها.. حقوق البنوة استخدام الخبز لنشر رسالته لاهوته لصالح ناسوته |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
حقوق البنوة إنه لا يفهم البنوة التي تخلى ذاتها، وتأخذ شكل العبد، وتطيع حتى الموت، موت الصليب (فى 2: 7، 8). لا يفهم البنوة التي تبذل، بل التي تأخذ، ولا يقبل أن تجوع. تمامًا مثل تفكير الابن الكبير، في خطيئته إذ قال لأبيه "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها.. وجدي لم تعطني قط، لأفرح مع أصدقائي" (لو 15: 29). ولكن السيد المسيح لم يطلب لنفسه حقوقًا كابن..! وهنا أعجب من الذين يقولون لكل مؤمن مبتدئ يجب أن تطالب بحقوقك كابن ووريث وشريك مع المسيح!! من نحن الذين نطالب لأنفسنا بحقوق، بينما الابن الوحيد للآب السماوى المساوى له في الجوهر، رفض أن يستخدم حقوقه الطبيعية كابن، أو رفض استخدام طبيعته كابن، أو أقنومه كابن حقًا، كان جادًا في إخلائه لذاته. كان بإمكانه أن يحول الحجارة إلى خبز، بل أن يقدم الخبز، حتى بدون حجارة، كما في معجزة اشباع الجموع. استطاع أن يخلق الخبز، الذي أشبع خمسه آلاف والذى امتلأت بما فضل منه إثنتا عشرة قفة (مر6: 35: 44). فعل نفس الوضع في معجزة إشباع الجموع الأخرى من السبع خبزات (مر 8: 2-9). فعل ذلك من أجل غيره، وليس من أجل نفسه. وكان الدافع هو الإشفاق. إذ قال لتلاميذه في ذلك "إنى أشفق على الجمع، لأن لهم الآن ثلاثة أيام يمكثون معى وليس لهم ما يأكلون. وإن صرفتهم إلى بيوتهم صائمين، يخورون في الطريق" (مر 8: 2، 3). إذن بإمكانه أن يوجد الخبز، ولو يخلقه خلقًا. ولكنه لم يفعل. فلماذا؟ أولًا: لأنه كما قلنا، كان قد وضع مبدأ لنفسه أنه لا يستخدم لاهوته لأجل راحة ناسوته. ثانيًا: لأنه لا يليق به أن يسمع لمشورة الشيطان، كما فعلت حواء وآدم من قبل، وهذا يذكرنا بقصة قيلت عن القديس أنطونيوس الكبير: إن الشيطان أيقظه ذات ليلة من النوم لكي يصلي. ولكن القديس رفض مشورة الشيطان، حتى لو اتخذت أسلوبًا روحيًا. وقال له "إني أصلى متى أريد. ولكن منك أنت لا أسمع"... ثالثا: إن الشيطان لا يمكن أن تكون له نية سليمة في أية مشورة يقدمها..! فهو لم يقل ذلك إشفاقًا على السيد من الجوع. وإنما كان يريد أولًا أن يعرف طبيعته هل هو ابن الله حقًا؟ لا ليؤمن به، بل ليحارب الإيمان به، ويحارب رسالته في الفداء.. كما كان يريد أن يتدرج في التجربة. وكيف؟ |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
استخدام الخبز لنشر رسالته يمكن بتحويل الحجارة إلى خبز، أن يتبعه الناس كمصلح اجتماعي يشبعهم، وليس كمخلص يفديهم. وكأنه يقول للسيد: إنك لا تريد أن تستخدم الخبز لأجل نفسك، لتشبع من جوع. حسنًا تفعل. وكن ما أسهل أن تستخدم الخبز لأجل نشر ملكوت الله. وهذا حل سهل. فقل أن تصير الحجارة خبزًا.. هوذا العالم كله يحتاج الخبز. العلم كله يجرى وراء -لقمة العيش- فلو حولت الحجارة إلى الخبز، سوف تصير مصلحًا اجتماعيًا، تكفى احتياجات الناس المادية. وإذ تشبع الناس، يلقون حولك، وبهذا يمكنك أن تؤدى رسالتك.. وتسهل مهمتك. ولكن السيد المسيح رفض هذا الطريق السهل.. إنه جاء يدعو إلى مملكة روحية، طريقها أيضًا طريق روحي، ليس هو الطريق الخبز المادي وإنما كل كلمة تخرج من فم الله.. إن السيد المسيح لم يأت لكي تكون بطون الناس ملآنة، إنما لكي تكون قلوبهم نقية، وأرواحهم ملتصقة بالله.. إنه يعرف حاجة الناس إلى الخبز ويعطيهم إياه، لكنه لا يجعله هدفًا لهم. بل يقول لهم: اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره.. ثم هذه كلها تزدادونها" (مت 6: 33). لهذا قال للناس "لا تهتموا بما تأكلون وبما تشربون.. الحياة أفضل من الطعام" (مت 6: 25). يا قليلي الإيمان.. أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها" (مت 6: 32). وقال لهم أيضًا "اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي الذي للحياة الأبدية" (يو 6: 27). السيد المسيح لا يريد أن يتبعه الناس من أجل الخبز، إنما حبًا للملكوت.. وكانت مشورة الشيطان هي التركيز على الخبز! وإن أحبوا الملكوت، وجاءوا من أجله وعطشوا، حينئذ سيمنحهم كل احتياجهم المادي، دون أن يطلبوا، كذلك فإن الخبز، الذي هو رمز للمادة لا يجوز أن يكون هدفًا لحياتهم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. هنا نتذكر أمثلة خاطئة. إن الشيطان لا يقترح أبدًا للخير. ولا يجوز السماح له، مهما بدا اقتراحه خيرًا. ولكنه هنا، كان يقصد ما هو أخطر. فماذا يقصد؟ |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
لاهوته لصالح ناسوته إن استخدام السيد المسيح لاهوته من أجل التخلص من ألم الجوع، فالتدرج الذي يريده الشيطان هو أن يتخلص المسيح بلاهوته من كل ألم، بما في ذلك آلام الصلب. ويتحول التجسد والفداء إلى شكليات.. أما السيد المسيح فاستطاع أن يبت في الموضوع من أوله. ولم يستخدم لاهوته مطلقًا لأجل راحة ناسوته. لا على جبل التجربة، ولا على الصليب، ولا كل فترة تجسده على الأرض. وهكذا جاع وعطش وتعب ونام. وتصبب عرقه كقطرات دم (لو 22: 44).. إذن لم تكن التجربة هي مجرد استخدام لاهوته لمنع الجوع، إنما لمنع الفداء كلية. لأنه لو لم يتألم لأجلنا، ما كان فداء.. بل لتحول الأمر إلى خدعة كبرى. لكن السيد المسيح كما جاع على جبل التجربة، كذلك فإنه على الصليب قال أنا عطشان (يو 19: 28). كان ناسوته يدفع الثمن كله.. وكانت نار العدل الإلهي تشتغل في المحرقة، حتى تحولها إلى رماد (لا 6: 10). من أجل هذا قال: "إلهى إلهى، لماذا تركتنى" (مت 27: 46). أي أن لاهوته تركه للألم، لم يتدخل لمنع الألم عنه، ليتم الفداء. إن السيد المسيح يمكن أن يستخدم لاهوته من أجل راحة الناس، وليس من أجل راحته هو.. وهكذا كان يشفى المرضى البرص، ويفتح أعين العميان، ويخرج الشياطين من المصروعين.. يجول يصنع خيرًا. ولكن لا يستخدم المعجزة ليشبع حسده.. لقد رفض السيد المسيح استخدام معجزة الخبز لأجل نفسه. ورفض أيضًا استخدام الخبز للكرازة ونشر الإيمان. فهذا هبوط بمستوى وسائل الإيمان. فالإيمان يتعلق بالروح والقلب والفكر. وليست وسيلته الجسد والطعام.أنه يمكن أن يقدم الخبز بدافع الحب والإشفاق عليهم كجياع. ولكن ليس ثمنًا للإيمان. كان الشيطان يهدف في استخدام الخبز لنشر الإيمان، إنما يغرى بسهولة الخدمة. أنه فيما يتحدث عن الخبز، إنما يريد أن يلبس المادة ثوبًا روحيًا من حيث أهميتها في جذب الناس ونشر الملكوت، . فتصبح الخدمة سهلة وأكثر قبولًا وكأنه يقول "لو ملأتم الدنيا خبزًا، لأحبكم الناس وساروا وراءكم، فينتشر الملكوت، ويقبل الناس الإيمان. ولكن هذا الأمر كانت له مساوئه بلاشك. فإن الذين يقبلون إلى الإيمان عن طريق الخبز، لاشك أنهم سيتركون الإيمان إذا انقطع الخبز عنهم كذلك فإن السيد رفض فكرة سهولة الخدمة.. فالذي يتعب في نشر الملكوت، إنما يدل على محبته للملكوت وبذله من أجله، وسوف يكافئه الرب على بذله وجهده "وكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (اكو 3: 8). ولابد أن يحمل كل إنسان صليبه في طريق الملكوت (مت 10: 38) (مت 16: 24). أما من جهة رد المسيح على تجربة الخبز، فهي أنه قال للشيطان: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت 4: 4). إنه لم يرد على الشيطان ردًا مباشرًا. لم يرد على عبارة "لو كنت ابن الله". لم يقل للشيطان: ما هدفك من السؤال؟ لماذا تسأل؟ هل أنت في شك؟ ولماذا تحتاج إلى معجزة بينما أنت قد رأيت المعجزة وقت العماد وسمعت شهادة الآب وشهادة يوحنا؟ وبالمثل، لم يرد أيضًا على اقتراح تحويل الحجارة إلى خبز. إن الشيطان يريد أن ينقله بالحديث عن الخبز، إلى ميدانه المادي. فتجاهل المسيح هذا، ونقله إلى الميدان الروحي. نقله إلى الطعام الروحي الذي تحيا به الأرواح، فقال له "مكتوب ليس بالخبز يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". وإن الطبيعة البشرية ليست مجرد جسد، بل هي جسد، وأيضًا روح. فإن كان الجسد يحتاج إلى الخبز، فالروح تحتاج في فدائها إلى كل كلمة تخرج من فم الله.. وهنا أيضًا وضع الرب أمامنا غذاء للروح هو الكتاب المقدس. أما بالنسبة إلى الشيطان، فكأن الرب يوبخه بطريقة هادئة وهى: لماذا تركز على الجسد والخبز، وتنسى الروح، بينما أنت روح؟ ثم هل يليق بنا أن نتكلم عن الخبز وعن طعام الجسد، بعد أربعين يومًا من الصوم. وإنفراد مع الآب؟ أين هي ثمرة الصوم إذن؟ أتريده صومًا بلا ثمر؟ أم تريد أن تعكر روحياته بالحديث عن الخبز فلنحول الحديث إذن إلى الروحيات، لأن الحديث عن الخبز والجسد لا مجال له معي. موضوع الخبز والمادة والجسد، سد المسيح أبوابه أمام الشيطان. ولم يفتح له مجالًا للحديث فيه. نسد الأبواب أمام الشيطان في كل موضوع غير روحي يقترحه. إننا لسنا ملزمين أن نتناقش معه في أي موضوع يعرضه. بل ينبغى أن نسكته. فلا يستمر أو يتمادى في موضوع مادي، بأن نحول كلامه أو أفكاره إلى موضوع روحي. أما الآية التي قالها السيد المسيح، فقد اقتبسها من سفر التثنية (تث 8: 3). (وتحمل دروسًا روحية لنا): 1- نتذكر الآباء والأمهات الذين يكون كل اهتمامهم لطعام أبنائهم وتربية أجسادهم، دون أن يهتموا مطلقًا بأرواحهم. كما لو كانوا قد أنجبوا أجسادًا فقط بدون أرواح، شاعرين أن واجبهم الأساسي هو إطعام هؤلاء الأولاد.. وفي سبيل ذلك قد يمنعونهم عن الصوم خوفًا على صحتهم الجسدية.. 2- مثال آخر: مكاتب الخدمة الاجتماعية في الكنائس، التي تبذل كل جهدها في طعام الفقراء، دون أي اهتمام بأرواحهم... 3- مثال ثالث: وهو أنه بسبب الاهتمام بالخبز يكسرون وصايا الله. قد لا يدفعون العشور ولا البكور ولا كل حقوق الله في أموالهم، لأنهم محتاجون إلى هذه النقود من أجل لقمة العيش. وقد يشغلون أنفسهم مشغولية تأخذ كل الوقت من أجل الحصول على أجور أضافية لازمة للقمة العيش.. وهكذا يمنعون أنفسهم عن الكنيسة والإجتماعات والقراءات والتأمل والخلوة وكل الوسائل الروحية في سبيل الحصول على المال. كل هؤلاء يقول لهم السيد المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. وهنا يضع أمامنا السيد المسيح أسلوبًا روحيًا في محاربة الشيطان وهو: الرد على المحاربة بآية: جميل أن ترد على الشيطان بآيات من الكتاب، لأن "كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين" (عب 4: 12) لذلك إن كنت مُحَارَبًَا بالغضب، اجمع كل الآيات التي هي ضد الغضب وضعها في ذهنك، واحفظها، ورددها كلما حوربت.. وإن كنت محاربًا بأخطاء اللسان افعل هكذا أيضًا. وكذلك في كل حروبك الروحية. المسيح رد على الشيطان بآية فأسكته. لذلك انتقل الشيطان إلى تجربة أخرى محاولًا أن يستخدم الآيات أيضًا. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
تجربة جناح الهيكل هنا كان ميدان الحرب في المدينة المقدسة وعلي جناح الهيكل. حيث قال له الشيطان "إن كنت ابن الله، فأطرح نفسك إلي أسفل. لأنه مكتوب إنه يوصي ملائكته بك. فعلي أيديهم أيديهم يحملونك، لكي لا تصطدم بحجر رجلك" (مت 4: 6)... مازالت مشكلة الشيطان قائمة "أن كنت ابن الله" ومازال المسيح لا يجيبه عليها!! في المواضع المقدسة هدف التجربة المحاربة بالآيات استخدام خاطئ للآيات مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك أمثلة في تجربتنا لله |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
في المواضع المقدسة عجيب هو الشيطان، فهو يمكن أن يحارب في كل مكان، بكل جرأة، حتى في المدينة المقدسة، وعلي جناح الهيكل! إنه مستعد أن يدخل إلي الكنيسة ويحارب. الناس يذهبون إلي الهيكل للبركة، أما هو فيذهب إليه ليغري ويعثر... لذلك كن حريصًا منه، حتى في المواضع المقدسة، وحتى في الأوقات المقدسة كالصوم. إنه يهوي جدًا أن يدنس كل ما هو مقدس. وله جرأة عجيبة بل له استهانة عجيبة بالقدسات. وهو مستعد أن يجرب في وقت الصلاة،وفي وقت الخدمة، وفي وقت الخلوة المقدسة هي شهوته التي يريد أن يلتهمها ويحطمها. لقد حارب آدم وحواء، وهما في الفردوس وحارب اللص الشمال وهو إلي جوار المسيح. كما حارب امرأة لوط ويدها في يد الملاك. وقدم تجربته ضد أيوب، وهو واقف أمام الله. وكانت الخطايا التي أسقط فيها أولاد عالي الكاهن في مكان الذبائح، وعند باب خيمة الاجتماع (1 صم 2: 13،22). |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
هدف التجربة وبالنسبة إلي السيد المسيح، شاء الشيطان أن تكون تجربته هذه علي جناح الهيكل. فماذا كانت صورة التجربة؟ سرحها كالآتي: إلق نفسك من جناح الهيكل، فتحملك الملائكة علي ايديهم وكل الذين في الهيكل يرون هذا المنظر العجيب، فتبهرهم ويقولون: هذا حقًا هو المسيا النازل من السماء محمولًا علي أيدي المرئكة. وهكذا يؤمنون وتنشر ملكوتك بسهولة!! هذه هي الوسيلة السهلة التي تحتاج إليها. فهل تظن ان الناس يؤمنون بمولود في مزود بقر؟ أو بمصلوب علي خشبة؟!.. إنما انا أقدم لك الوسيلة السريعة الفعالة.. فهل تري نصيحة أخلص من هذه؟! ولكن المسيح ما جاء ليبهر الناس بالمعجزات، إنما جاء لكي يفديهم بدمه ولا يسمح للشيطان ان يبعده عن طريق الفداء... إنه لم يأت لكي يكسب إعجاب الناس، إنما لكي ينقي قلوبهم، ويغرس فيهم الإيمان. ليس انبهار هم به هو هدفه، إنما هدفه هو خلاص نفوسهم. كما أن إظهار قوته لم يكن هو هدف تجسده، بل حمل خطاياهم ومحوله بالدم الكريم.. إن الشيطان يريد بالتجربة أن يبعد المسيح عن طريق الصليب. ويحوله إلي إعجاب الناس بالمناظر والمعجزات. هذه هي شهوة الشيطان وشهرة الشيطان في استخدام المناظر والمجد الباطل والمديح وإعجاب الناس. اما الخلاص، فيبعد الناس عن التفكير فيه. وأراد إبعاد المسيح عنه أيضًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ولو أتيح له علي فرض المستحيل أن يقوم برسالة، لكان يعجبة أن يأتي علي سحابة، وفي هيئة ملاك من نور (2 كو 11: 14). وفي أخر الزمان سوف يساعد إنسان الخطية ضد المسيح Anti Chrit بقوة إيات وعجائب وآيات (2 تس 2: 9). لكي يجذب بها يجذب بها إعجاب الناس، فيؤمنون به ويرتدون عن المسيحية!!. طريق المناظر وإبهار الناس طريق سهل ومبهر، وكلن المسيح قد رفضه. إنه يعمل المعجزات كعمل لمريض يحتاج إلي الشفاء، أو مصروع يخرج منه الشيطان الذي يصرعه، أو إشفاقًا علي أم فقدت وحيدها. ولكنه يرفض المعجزات لأجل الفرجة وحينما طلب منه اليهود هذا الطلب أجابهم "جبل فاسق وشرير يطلب آية ولا تعطي له إلا آية يونان النبي" (مت 12: 39). وهكذا رفض المنظر، وأعطاهم صورة عن موته، ودفنه ثلاثة أيام. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
المحاربة بالآيات كان الشيطان في تجربة الخبز قد قال السيد المسيح: "إن كنت ابن الله، فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا" (مت 4: 3). إنها عبارة لم يقلها لأي بشر من قبل. وكان لها عمقها وأهدافها كما شرحنا وإذا بالسيد المسيح يوقف الشيطان أمام آية من الكتاب. أمام كلمة خرجت من فم اله" (تث 8: 3). وهنا عدل الشيطان أسلوبه: مادامت تجيب بكلام الله فسأحاربك أيضًا بكلام الله!! لعلنا إذن نلتفت جيدًا إلي هذا الخطر في بعض الحروب الروحية، التي لا يستخدم فيها الشيطان أسلوب أهل العالم، وإنما قال له "إن كنت ابن الله، فاطرح نفسك إلي أسفل،. لأنه مكتوب إنه يوصي ملائكته بك. فعلي أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك" (مت 4: 6).. وهنا تبدو مشكلة بنوة المسيح لله لا تزال تشغل بال الشيطان بالدرجة الأولي... تمامًا كمال قال من قبل "إن كنت ابن الله، قل أن تصير الحجارة خبزًا"، ظل بهذا السؤال يتابع المسيح حتى إلي الصليب "أن كنت ابن الله، انزل من علي الصليب".... وهنا يقول "إن كنت ابن الله، الق نفسك من علي الجبل، فتحملك الملائكة"، فماذا كان يقصد بهذه التجربة؟ لعله يقصد الآتي: أن ألقي نفسه من الجبل ومات، أكون قد تخلص منه! أما إن حملته الملائكة، فتكون بنوته لله قد انكشفت. وحينئذ أحارب موضوع الفداء الذي جاء من أجلة ليخلص به البشر!! وتتعدل الخطة في محاربته. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
استخدام خاطئ للآيات نلاحظ في استخدام الشيطان لآيات الكتاب أنه يخادع، ولا يذكر الآية سليمة. فهذه الآية لم تذكر مطلقًا في مناسبة (من خيمتك) لأنه يوصي ملائكته بك، لكي يحفظونك في كل طرقك وعلي أيديهم يحملونك، لئلا تصطدم بحجر رجلك (مز 91:10 – 12). وهنا لم يذكر الشيطان الآية في مناسبتها، كما حذف أجزاء منها لكي تتمشي مع التجربة التي يريدها. فالحديث هنا ليس عن جبل، يلقي شخص نفسه منه. إنما عن خيمتك وطرقك، فيما أنت سائر. ويمكن أن تؤخذ بمعني روحي بعيد تمامًا عن الإلقاء من الجبل بل يبدو أن الآية عكس ما يقصده الشيطان.. الكتاب لا يقول هنا: إلقي نفسك من الجبل فتحملك الملائكة، أي أن تسعي بنفسك إلي التجربة، وتري ماذا يفعل الله... بل يقول الكتاب: إن الله يمنع التجربة من أن تصل إليك. وإن وصلت إلي مسكنك يرسل ملائكته لتحفظك في سائر طرقك. إذن الشيطان هنا يستخدم الآيات بطريقة شيطانية. يطبقها علي غير المقصود منها. ويقولها في غير مناسبتها ويحذف ما يريد لتتفق مع أغراضه، ويحاول أن يفسرها تفسيرًا ملتويًا. خاطئًا.. كمن يقص ألفاظ الآية قصًا ويفصلها تفصيلًا لكي تنطبق علي وضع معين... بهذا الوضع استخدم الشيطان آيات الكتاب، بتفسير خاطئي، لنشر البدع والهرطقات. ما هي الشكوك التي قدمتها الأريوسية؟ هي مفهوم خاطئ لبضع آيات. بل حتى البدع الحديثة في جيلنا، تقدم أيضًا آيات من الكتاب. فلا يخدعك الشيطان بشئ من هذا كله. واسأل عن المفهوم السليم للأية: الشيطان يحفظ آيات من الكتاب ولكنه ليس عالمًا من علماء الكتاب! فالعالم ليس هو الذي يحفظ الآية، وإنما هو الذي يفهم الآية فهمًا سليمًا يتمشي مع روح الكتاب كله. وما اجمل قول الرسول في ذلك وما يشبهه: " الحرف يقتل ولكن الروح يحي" (2 كو 3: 6). إن اليهود حينما حاربوا المسيح في موضوع تقدس السبت واعتبروه نقاضًا للسبت لأنه يجري فيه معجزات شفاء وإقامة موتي وفتح أعين عميان.. غنما كانوا يعتمدون علي آية من الكتاب تقول "اذكر يوم السبت لتقدسه.. لا تعمل فيه عملًا ما" (خر 20: 8، 10) (تث 5: 12، 14). إن المشكلة ليست في الآية، وغنما في المفهوم الخاطئ للآية... والشيطان مستعد ان يقدم مفاهيم خاطئة كثيرة، ويستخدم آيات الكتاب لكي يضل الناس. أو لكي يثير شكوكًا، أو لكي يعقد الناس ويضعهم امام مستويات أعلي من مقدرتهم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. كأولئك الفريسيين الحرفيين الذين كانوا يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل، ويضعونها علي أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بأصبعهم" (مت 23: 4) وهكذا غلقوا ملكوت السموات قدام الناس. فلاهم دخلوا ولا جعلوا الداخلين يدخلون (مت 23: 13) أن حرفية استخدام آيات الكتاب هي حرب مشهورة من حروب الشياطين. علي ان هناك حربًا اخري خاصة باستخدام الآيات، وهي طريقة أنصاف الحقائق، حيث يستخدم المحارب آية واحدة ويترك باقي الآيات المتعلقة بالموضوع، التي لا يتكامل المعني بدونها. ولقد حدثتكم من قبل عن خطورة استخدام الآية الواحدة في مقدمة كتاب الخلاص في المفهوم الأرثوذكس. وذلك لأن الكتاب ليس هو مجرد آية إنما هو كتاب... فكلما تقدم آية لإثبات عيدة أو مفهوم روحي... فاستخدم نفس جواب المسيح: مكتوب أيضًا: |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
مكتوب أيضًا استخدم هذا الأسلوب، سواء في الأمور الروحية، أو في الأمور اللاهوتية والعقيدية أيضًا. كما قال لنا الرسول "بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات" (1كو 2: 13). 1- فإن أراد العدو إخراجك عن وداعتك، وقال لك مكتوب: عظ وبخ، انتهر (2 تي 4: 2). قل له: إن القديس بولس الرسول قد قال هذه العبارة للقديس تيموثاوس الأسقف، لرجل من رجال الكهنوت والرعاية مسئول عن هداية الناس. ومن أنا حتى أضع نفسي موضع القديس تيموثاوس؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخري: مكتوب أيضًا: من هو حكيم وعالم بينكم، فلير أعمال بالتصرف الحسن في وداعة والحكمة (يع 3: 13) ووداعة الحكمة نستخدمها في هداية الناس بدلًا من التوبيخ والأنتهار الخاصين بأصحاب السلطان. ولذلك مكتوب أيضًا "أيها الأخوة إن انسبق فأخذ في زلة، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بوح الوداعة، ناظرًا إلي نفسك لئلا تجرب أنت أيضًا" (غل6: 1). إذن ليس التوبيخ أو الإنتهار هو الطريق الوحيد لإصلاح الآخرين، إنما هناك روح الوداعة، ووداعة الحكمة كما هو مكتوب. ولننظر إلي بولس الرسول الذي قال: عظ وبخ انتهر، لنري كيف كان هو نفسه ينتهر. مكتوب أيضًا عن القديس بولس أنه قال "لذلك اسهروا، متذكرين أنني ثلاث سنين ليلًا ونهارًا، لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل أحد" (أع 20: 31). هذه هي الطريقة التي كان ينذر بها والتي كان بها يعظ ويوبخ.. "بدموع" وهذه الدموع كانت تشعر من يسمعه بقدار محبته وحرصه علي خلاص نفس من يوبخه. إذن لم يكن يوبخ بقسوة أو بعنف أو بأسلوب جارح أو شديد. بهذا المكتوب أيضًا، يمكننا أن نفهم المعني الروحي "قارنين الروحيات بالروحيات". 2- وإن قال لك العدو: مكتوب ان موسي النبي لما أبصر العجل والرقص، حمي غضبه وطرح لوح الشريعة من يديه وكسرهما في أسفل الجبل (خر 22: 19). فلماذا لا تغضب مثله للحق؟ عليك أن تجيب بأن موسي كان نبي لله، وكان له سلطان أن يغضب علي الشعب ليصلحه. كما أن الأمر كان خطيرًا جدًا، وهو أن الشعب كله صنع له عجلًا ذهبيًا ليعبده قائلًا: "هذه هي آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (خر 23: 8). حتى أن الرب نفسه غضب علي الشعب وأراد إفناءه. هذا من جهة.. ومن جهة أخري نذكر حقيقة هامة وهي: مكتوبًا عن موسي النبي "كان الرجل موسي حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين علي وجه الأرض" (عد 12: 3). وبلغ من حمله في هذا الحادث بالذات أنه وقف شفيعًا في هذا الشعب أمام الله، حتى لا يغضب الله عليهم ويفنيهم كما حدث أيضًا وتشفع في مريم أخته التي تقولت عليه ووبخها الله وعاقبها (عد 13: 9، 13) وهذا من جهة موسي النبي، والأمثلة كثيرة ولكن من جهة الغضب عمومًا. مكتوبًا: "لا تسرع بروحك إلي الغضب. لأن الغضب يستقر في حضن الجهال" (جا 7: 9). ومكتوب أيضًا "ليكن كل إنسان.. مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا صنع بر الله" (يع 1: 19، 20). ومكتوب أيضًا "لينزع منكم كل مرارة وسخط وغضب" (أف 4: 31). ومكتوب "لا تستصحب غضوبًا، ومع صاحب سخط لا تجئ" (أم 22: 24). وما أكثر المكتوب عن الغضب. أن أتاك فكر أن تقيم نفسك معلمًا لآخرين لأنه مكتوب "ويل لي إن كنت لا أبشر" (1كو 9: 16). قل: أنا تلميذ أحتاج أن أتعلم، وليس أن أقوم بتعليم غيري. اما هذه الآية فقد قالها بولس الرسول، الذي اختاره الرب نفسه لكي يبشر، لذلك قال: "قد استؤمنت علي وكالة" (1كو 9: 17). اما انا فيمكنني أن أقول ذلك لو أنني أيضًا استؤمنت علي وكالة! لأنه مكتوب أيضًا: "لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي، عالمين أننا أننا نأخذ دينونة اعظم" (يع 3: 1). وعلل الرسول ذلك بقوله "لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع 3: 2). ومكتوب أيضًا "المعلم ففي التعليم" (رو 12: 7). فإن أقامتني الكنيسة للتعليم، فهذا واجب لابد أن أؤديه. وحينئذ "ويل لي أن كنت لا أبشر".. 4- وهكذا إن جاء العدو في مجال الشهادة للرب. وقال لي أصمت ولا تفعل لأنه مكتوب: "ليصمت الحكيم في ذلك الزمان، لأن الأيام شريرة".(عا 5: 13). قل لنفسك: ليس هذا هو الوقت الذي يكون فيه الصمت فضيلة، لأنه مكتوب أيضًا "لكل أمر تحت السموات وقت... للسكوت وقت وللكلام وقت" (جا 3: 1، 7). ومكتوب أيضًا "لا تخف. بل تكلم ولا تسكت" (أع 18: 9).. إذن الأمر يحتاج إلي حكمة وإلي أفراز، لنفهم ماذا يعلمنا الكتاب، وما هو مفهوم الآيات، وجميل جدًا ما يل عن عمل الرب في الرسل "حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب" (لو 24: 45). 5- استخدم نفس الأسلوب في العقيدة أيضًا. إن قرأت آية، قل مكتوب أيضًا... فإن قيل لك: مكتوب "آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك" (أع 16: 31)... قل: مكتوب أيضًا "من آمن واعتمد خلص" (مر 16: 16). ومكتوب أيضًا "أيمان بدون أعمال ميت" (يع 2: 26، 17).. |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
لا تجرب الرب إلهك نعود إلي تكملة تأملاتنا في التجربة علي الجبل، فنقول إن الرب أجاب الشيطان: مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك (مت 4: 7). وهذه الآية مأخوذة من (تث 6: 16). الشيطان يريد ان السيد المسيح يجرب محبة الآب، فيري هل إذا ألقي نفسه من علي الجبل، يرسل ملائكته ليحملوه. فإجابه: مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك... نلاحظ هنا أن السيد المسيح لم يصحح للشيطان منطوقة الخاطئ للآية.. فالشيطان يعرف تمامًا أن استخدامه غير سليم لكلام الرب. إنما انتقل به إلي الإيجابيات، كما حدث في التجربة السابقة، إذ لم يناقشه في موضوع الخبز، ولا في عبارة "إن كنت ابن الله كما هنا أيضًا. وإنما رد بالتعليم الإيجابي السليم: لا تجرب الرب إلهك... إن محبة الله ليست موضع شك ولا إثبات، لكي نجربه في أن يبينها لنا بالعطايا والمنح... إننا واثقون من محبة الله، حتى إن كنا في عمق التجربة والضيقة. لا نجربه بأن يرسل ملاكًا وينقذنا، أو يصنع معجزة وينقذنا. حتى لو استمرت التجربة أو التعب، فلا نشك أيضًا في محبة الله، ولا نجربه بصنع العجائب من أجلنا لإثبات عنايته بنا! |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
أمثلة في تجربتنا لله 1- في حالة مرض: قد يرفض إنسان أخذ الدواء أو استشارة طبيب، ويقول: أنا تارك الأمر لله ليشفيني بدون واسطة. كلا. لا تجرب الرب إلهك. فهو نفسه قال: "لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب، بل المرضي" (مت 9: 12). ومع أن هذه الآية قيلت في معني روحي، إلا انها تعني ضمنًا موافقة الرب علي احتياج المريض إلي طبيب. ونلاحظ أن بولس الرسول وصف لتلميذه تيموثاوس علاجًا (1 تي 5: 23). ولم يكتف بمجرد الصلاة التي ذكرها الرسول (يع 5: 14). 2- مثال أخر: تلميذ لا يذاكر! ويطلب من الله منحه النجاح بمعجزة. وإذا حدث أن الامتحان لم يأت من الصفحات القليلة التي ذاكرها، يشك في محبة الله وفي معونته! بينما الله دعانا أن نكون أمناء في عملنا. ومن ذلك الأمانة في المذاكرة. 3- مثال ثالث: إنسان يذهب إلي مكان معثر، ويقول: الله قادر أن ينجيني من السقوط!! ويضرب أمثلة بالقديس إبراهيم الذي نجا مريم، والقديس يوحنا القصير الذي أنقذ بائيسة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. وينسي أنه ليس في مستوي أولئك القديسين. كما ينسي قول الكتاب "طوبي للرجل الذي لا يقف في طريق الخطاة، وفي مجلس المستهزئين لا يجلس" (مز 1) لا تدخل نفسك في تجربة، وتطلب من الرب أن ينقذك منها ولكن إن دهمتك التجارب بدون خطأ، فالله ينقذك.. 4- مثال رابع: قد يجرب الرب الذين يحددون له علامات معينه!! إن كان هذا الأمر قد حدث مع جدعون في ظروف معينة قاسية (قض 6) فلا نطلب أن يحدث ذلك معك أيضًا، ولا تجعلها قاعدة. 5- مثال خامس حينما تصر أن ينقذ لك طلباتك بحرفيتها وبسرعة، وإلا تشك في محبته!! |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
تجربة الملك لم تكن التجارب التي تعرض لها السيد المسيح علي الجبال هي مجال للاختيار، بل هي بالحق مجال للانتصار. كان – وهو في البرية – "ممتلئًا من الروح القدس" (لو 4: 1). لقد بارك طبيعتنا البشرية، وأعطنا نعمة الانتصار والقدرة علي الانتصار. وقد استخدم أيضًا في انتصاره قوة الكلمة الإلهية، وعبارة (مكتوب) التي قابل بها كل تجربة... في تجربة الخبز قال للشيطان "مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (مت 4: 4) (تث 8: 3). وفي تجربة جناح الهيكل، قال له "مكتوب أيضًا: لا تجرب الرب إلهك" (مت 4: 7) (تث 6: 16). في تجربة الملك هذه، قال له أذهب يا شيطان، لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه تعبد" (مت 4: 10) (تث 6: 13). إنه يعطينا مثالًا عن الانتصار باستخدام كلمة الله، وبالامتلاء بالروح القدس. ولكن ماذا كانت تجربة الملك؟ يقول الكتاب إن الشيطان أخذ السيد إلي جبل عال، وأراه جميع ممالك الأرض ومجدها، وقال له "لك أعطي هذه كلها إن خررت وسجدت لي "فانتهره الرب... ولعله يقول له: إنك من سبط الملك. فماذا يمنع من استخدام الملك في أن تقوم برسالتك علي خير وجه؟ وهي وسيلة سهلة.. تستطيع أن تصدر القوانين والأنظمة التي تغير بها الكون، وتلغي بها الوثنية، وتمنع الرذائل، وتنشر الخير، وتبني الملكوت... يسلطه الملك.. ولكن الرب رفض هذا رفض أن يسير الناس في طريق الخير عن طريق السلطة والمر والقانون. إنه يريد أن يحبوا الله من أعماق قلوبهم وأن يحبوا الخير ويفعلوه عن رضي، وليسوا مرغمين علي ذلك بالقانون. إنه لا يريد أن يكون الإنسان مسيرًا ولو في طريق الخير، إنما يريد له نقاوة القلب التي بها يفعل الخير بتلقائية الحب. فالسلطة قد تؤدي إلي مظهرية نقية خارجية. وقد يكون القلب غير ذلك تمامًا مملوءًا بالشهوات والخطية. طريق النقاوة الداخلية طري طويل وصعب ولكنه أكثر ثباتًا من الطاعة الخارجية. إن الرب يريد أن ينبع الخير من داخل قلب الإنسان، وليس عن طاعة وقهر. بحيث يكون الخير بالنسبة إليه عملًا من أعمال الحب، بكامل إرادته، وليس ضرورة وجبرًا، واضطرارًا وإرغامًا. وهكذا رفض السيد تجربة الملك، ليس فقط علي الجبل، بل في مرات كثيرة أخري. فبعد معجزة إشباع الجموع، يقول الكتاب "ولما رأي يسوع أنهم مهتمون بأن يأتوا ليختطفوه ويجعلوه ملكًا، انصرف إلي الجبل وحده" (يو 6: 15). وتكرر الأمر في يوم الشعانين، إذ استقبلوه كملك في أورشليم ولكنه رفض هذا الملك، لأنه لم يأت ليملك ملكًا عالميًا، بل ملكًا روحيًا علي القلوب. لذلك قال: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). وهكذا عاش المسيح علي الأرض بلا لقب، بلا سلطة عالمية مجرد معلم ينشر الروحانية والحب وسط الناس. لا يستخدم السلطة وإنما يستخدم الإقناع. وتدخل كلماته إلي القلوب في عمق. يدعو الناس إلي الإيمان والتوبة وإلي الملكوت، بخدمه الكلمة وليس بالمر. بالعمل الداخلي وليس بالضغط الخارجي... إن الله لا يحب مطلقًا، أن يتبع الإنسان طريق الخير عنوة، بل اختيارًا. وكان هذا هو أسلوبه في العهد القديم أيضًا: انظروا ماذا قال الرب في آخر سفر التثنية، نفس السفر الذي استخدمه سيدنا يسوع المسيح في الرد علي الشيطان في التجربة علي الجبل، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى... يقول الرب للشعب في سفر التثنية: "أنظر قد جلعت اليوم امامك الحياة والخير، والموت والشر... أشهد عليكم اليوم السماء والأرض. قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فأختر الحياة لكي تحيا انت ونسلك، إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته.." (تث 30: 15- 20). إذن الإختيار موضوع امام الإنسان وليس السلطة. وحسب اختياره تكون المكافأة أو العقوبة. هذا من جهة الإنسان. أما عن الملك بالنسبة إلي السيد المسيح، فله معني آخر: من جهة لاهوته، هو يملك كل شيء كما قيل في المزمور "للرب الأرض وملؤها، والمسكونة وكل الساكنين فيها" [مز 23 (24)1]. أما عن ناسوته، فقد قيل عن ملكه في المزمور: " الرب ملك علي خشبة" (مز 95). علي الصليب صار ملكًا، حينما اشتري الكل بدمه، فصاروا له. وفي ذلك قال الرسول "لأنكم قد اشتريتم بثمن" (1 كو 6: 20). وهذا ما فعله الرب في الفداء: دفع الثمن، واستخلص الفريسة كلها من يد الشيطان الذي كان يدعي "رئيس العالم" (يو 16: 11). وفي سفر الرؤيا دعي الرب "ملك الملوك ورب الأرباب" (رو 19: 16). ولكن بالمعني الروحي وليس بالمعني الذي أراده الشيطان. ومازالت تجربة الملك تطارد المسيح حتى بعد صعوده إلي السماء وذلك في ما يسميه البعض بالملك الألفي. إذ يتصورون أن المسيح سيأتي ليحكم علي الأرض ألف سنة!! بينما ملك المسيح لا يمكن أن يكون ملكًا أرضيًا مثل القياصرة والأباطرة! إنه رفض أن يجلس علي عرش في الهيكل، فهدفه لم يكن العرش، إنما تطهير الهيكل... أنه يريد أن يملك علي القلوب. وليس ان يملك بالتيجان مسكين هيرودس الملك الذي ظن أن المسيح كان اعلي وأسمي من الملك الرضي. وكل ممالك الأرض ومجدها التي اهتم الشيطان بإظهارها،لم تكن لها قيمة في نظره. ولم يكن لها الإغراء الذي يراه محبو العالم وما فيه من تعظم المعيشة (1يو 4: 16). الذي أخلي ذاته من عظمة السماء، هل من المعقول أن تعزيه عظمة أرضية؟! هذا الذي جاء وديعًا ومتواضع القلب (مت 11: 29). وعاش خلال فتره تجسده علي الأرض "وليس له اين يسند رأسه" (لو 9: 58). مسكين هذا الشيطان الذي يظن أن عبارة "ممالك الأرض ومجدها "يمكن ان تغري هذا الذي يقول "دفع إلي كل شيء من أبي (مت 11: 28) "دفع إلي كل سلطان في في السماء وعلي الأرض" (مت 28: 18). علي أننا نجد في كلمات الشيطان عبارة يحسن ان نقف عندها لنري ما فيها من زيف... وهي: |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
لك أعطي هذه كلها الشيطان يدعي دائمًا أن في يده شيئًا يمكن ان يعطيه، وان يغري به! وهل حقًا كانت في يده كل ممالك الأرض ومجدها، وكان بإمكانه أن يهبها لشخص ما، أيًا كان؟! والسيد لم يناقش معه في النقطة، كما لم يناقش سابقاتها. من المعروف أن الشيطان يكذب. والكذب هي أحد وسائلة. وقد قال عنه الرب انه كذاب وأبو الكذاب (يو 8: 44). وهو قد كذب حينما أغري أبوينا الأولين. وهو يكذب أيضًا في أدعائه انه سيعطي.. الشيطان لا يعطي أبدًا وإنما يأخذ، أو يأخذ أكثر مما يعطي! يعد ان يعطي ممالك الأرض ومجدها، لكي يأخذ التجرد والقناعة. يعطي متعه الجسد. وفي الواقع انه يسلب متعة الروح. يعدك ان يعطيك العالم، لكي يسلبك قلبك وأبديتك. وأحيانًا لا يعطي شيئًا علي الإطلاق، وغنما كل ما يقدمه هو ا"لأماني الكاذبة وأحلام اليقظة. وحتي أن كان يعطي، نحن لا نقبل أن نأخذ شيئًا من يد الشيطان. الإنسان الروحي لا يأخذ إلا من يد الله.. ذلك لأن "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة، هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار" (يع 1: 17). أما عطايا الشيطان فهي مرفوضة، لأنها تضيع من يأخذها كما حدث مع لوط. فقد أخذ الأرض المعشبة، التي كانت تبدو في عينية كجنة الله. كأرض مصر (تك 13: 10). وكانت نهايتها الضياع!! وأيضًا: الشيطان لا يعطي مجانًا. إنه يشترط شروطًا معينة يسلب بها الملكوت، لأنه قد حرم من هذا الملكوت، لذلك يحسد كل المتمتعين به. وهدفه الأول هو سبي الروح وإخراجها من محبتها لله... وفي تجربته للمسيح جاوز اللامعقول فقال في جرأة لا يصدقها أحد "إن خررت وسجدت لي"! ولعله كان يعرف تمامً أن هذا العرض مستحيل. ولكن بما إذ استشعر الهزيمة في كل تجاربه، لم يشأ أن يخرج منها مهزومًا بدون إنتقام فليقل ولو كلمه إهانة! والإهانة لا تصيب من يسمعها، بل هي في حقيقتها إهانة لمن يلفظها. ولذلك انتهره الرب قائلًا "اذهب يا شيطان" فذهب مدحورًا في خزي... وهكذا كان الرب منتصرًا علي طول الخط في كل تجارب الشيطان. وكانت كل تجربة لها الرد الحاسم من آيات الكتاب وأعطانا الرب قدوه صالحه في حياة الانتصار، كما قدم للآب أمثله من البشرية الطاهرة، إذ الكل قد أخطأوا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وفي نفس الوقت أظهر للشيطان كم هو فاشل في تجاربه. ونحن نصلي قائلين للرب: كما هزمت الشيطان في كل تجاربه، اهزمه أيضًا في حروبه لنا. لأننا بدونك لا نقدر ان نفعل شيئًا. وكما مجدت طبيعتنا البشرية بتجسدك واعطيتها روح النصرة في كل تجاربك كذلك قدنا معك في موكب نصرتك (2 كو 2: 14). وكما انتهرت الشيطان فذهب، كذلك قل له أيضًا في تجاربنا: اذهب يا شيطان... |
رد: كتاب التجربة على الجبل ( البابا شنوده الثالث )
اذهب يا شيطان تجاوز الشيطان أقصي الحدود، حينما قال للسيد له المجد "لك أعطي هذه كلها إن خررت وسجدت لي" (مت 4: 9)!! وفي هذه العبارة إدعي لنفسه السلطان ان يعطي لمن يشاء كل ممالك الأرض ومجدها. كما أنه كشف عن الكبرياء الدفينة التي في نفسه، منذ سقطته الأولي التي قال فيها "أصعد إلي السموات. أرفع كرسي فوق كواكب الله. أصعد فوق مرتفعات السحاب أصير مثلي العلي" (أش 14: 13، 14). وإذ وصل بكبريائه إلي ان يقول للسيد نفسه "إن خررت وسجدت لي". كان لابد ان يطرده الرب من قدام وجهه بعبارة "اذهب يا شيطان". إن الرب لم يناقشه فيما يدعيه من قدرة، وإنما طرده ليعلمنا كيف نطرد الشيطان أيضًا. لم تكن هذه العبارة التي قالها الرب علي الجبل هي الوحيدة، بل كررها أيضًا حينما تحدث عن صلبه فقال له بطرس "حاشاك يارب" فأجابه "اذهب عني يا شيطان. انت معثرة لي.." (متى 16: 22). كانت فكرة الشيطان نطق بها بطرس، فانتهر الرب صاحبها الشيطان.... بل عبارة (اذهب يا شيطان) هي مبدأ روحي يقدمه لنا الرب في كل الحروب الروحية. و الرب في استخدامه هذه العبارة، لم يفعل ذلك في تجاربه فقط بل يفعل ذلك من أجلنا نحن أيضًا في حروبنا وتجاربنا... إنه ينتهر الشيطان الذي يحاربنا فيذهب عنا ويتركنا في هدوء. لأنه لو أن الرب ترك الشيطان يحارب البشرية بكل حريته وبكل قوته ما كان يخلص أحد، ولا ستطاع الشيطان أن يحطم كل عمل روحي. مثلما يفك من سجنه ليضل الأمم كما قال الكتاب (رؤ 20: 7). إن الشيطان مقيد، بالعبارة التي قالها الرب (اذهب يا شيطان) والرب يقول له اذهب، حتى لا ينتصر الشر علي الخير، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ويقول له اذهب، حينما يراه قد تجاوز حدوده، وارهق الإنسان. فالله يريد ان تكون حروبنا في حدود المعقول، وفي طاقة احتمالنا. وكما يقول الكتاب "ولكن الله أمين، لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون. بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا ان تحتملوا" (1 كو 10: 13). فإن وجد ان الشيطان قد ضغط علي الإنسان بقسوة فوق احتماله، ينتهره بسرعة ويقول له اذهب يا شيطان. وكثير من تجارب الشيطان، يمنعها الرب قبل وصولها إليك إنك تشكر فقط علي التجارب التي تعرفها وقد نجاك الرب منها.. ولكن هناك تجارب اخري انت لا تعرفها وقد منعها الرب من أن تصل إليك. كان الشيطان يحمل لزعزعتك. وفيما هو في الطريق قال له الرب "اذهب يا شيطان"...اذهب بعيدًا عن هذا الإنسان ولا تضره.... ومثال ذلك ما قيل في المزمور "لا تدينوا ضربة من مسكنك (مز 90). ومثال أيضًا ما ورد في قصة أيوب. إذ قال الرب للشيطان في التجربة الأولي عن أيوب "هوذا كل ما له في يدك. إنما إليه لا تمد يدك" (أي 1: 12). وفي التجربة الثانية قال له الرب "ها هو في يدك. ولكن احفظ نفسه" (أي 2: 6) ولم يستطيع الشيطان أن يمد يده حيث منعه الرب...إذن ليتنا نشكر الله علي هذا الأنقاذ الذي لا نعرفه. فإن وجد نفسك يومًا في راحة لا تجارب، ولا أفكار، ولا شهوات، ولا سقوط، ولا فتور، أعرف ان الرب قد انتهر الشيطان المحارب لك قائلًا: اذهب يا شيطان. وحاذر من أن تنسب راحتك الروحية إلي نقاوتك وتقواك، أو إلي قوتك، فلو أن الحرب ثقلت عليك، ربما كنت تتعب جدًا. ولكن الله من فرط محبته وحفظه، لا يشاء أن نكون علي الدوام محاربين أو مهزومين، لئلا من شده القتال يقع الإنسان في اليأس أو في الاستسلام، أو ان كثيرين يقولون له ليس له بإلهه (مز 3: 2). إن الله يسمح للشيطان أن يجربنا، لكي نشعر بضعفتنا فنتضع ونصلي ونشفق علي المجربين، ولكن لا يسمح ان نيأس ونسقط. وأحيانًا يكون الإنسان في حرب قاسية، وعلي وشك السقوط. ثم يجد نفسه قد نجا من هذه الحرب. دون أن يشعر كيف! وكما قال القديس باسيليوس عن هذه الحالة إن هذا الإنسان قد أعين من النعمة. فلنطمئن إذن في حروبنا، ولا نظن ان الشيطان له قوة غير محودة! حاشا. فقد اعطانا الرب سلطانًا علي جميع الشياطين (لو 9: 1) نستطيع ان نقول للشيطان اذهب، فيذهب... وواجبنا أن نستخدم هذا السلطان وننتهر الشيطان كلما حاربنا لا نخاف منه، ولا نستسلم له، ولا نفتح له أبوابنا، ولا نقبل التفاهم والتفاوض معه، بل نقول له كما قال الرب "اذهب يا شيطان". أول علاقة لنا بهذه العبارة هي جحد الشيطان في المعمودية. حيث تحمل الأم طفلها، وتتجه نحو الغرب، وتقول للشيطان: أجحدك أيها الشيطان وكل حيلك الشريرة، وكل أفكارك الرديئة والمضلة، وكل جيشك وكل سلطانك، وكل بقية نفاقك. أجحدك، أجحدك، أجحدك. يا ليت كل أم تقول جحد الشيطان بكل قلبها، وتحضن ابنها علي الدوام بجحد الشيطان. وكلما يحارب تقول له: اذهب يا شيطان. وليت الأب يفعل كذلك، وأيضًا جميع الأقارب والأصدقاء، كما يجدون تجربة شديدة تحيط بعزيز لديهم، فيصرخون قائلين: اذهب يا شيطان... هذه هي ما نسميها شفاعة الأحياء في الأحياء. علي أن جحد الشيطان ينبغي أن يبقي ثابتًا في الإنسان المعمد كل أيام حياته... و المهم ان يقول الإنسان اذهب يا شيطان، ليس بلسانه فقط، إنما من كل القلب، وبكل الإرادة، وفي حزم، وبجدية. يستطيع أني قول للشيطان، اذهب، ذلك القلب النقي الطاهر، الذي يرفض الشيطان وكل مغرياته، ولا يشتهي شيئًا يستطيع الشيطان ان يقدمه، فعبارة اذهب يا شيطان، إذا كانت تسندها نقاوة القلب، تصير لها قوة لا يحتملها عدو الخير. وهذا الإنسان النقي، تكون له هيبة امام الشيطان، لأنه ينتهر الشيطان بجدية وقوة. ويعرف عدو الخير أنه لا مجال له إطلاقًا للتفاهم مع هذا الإنسان، وأن كل أبواب قلبه وفكره وحواسه ومشاعره مغلقه امامه تمامًا كما قيل في سفر النشيد "اختي العروس جنه مغلقه، عين مقفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 11). إن قلب هذا الإنسان الطاهر هو الذي غني له المرتل في المزمور قائلًا "سبحي الرب يا أورشليم سبحي إلهك يا صهيون.. لأنه قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك (7: 14). علي ان البعض لا يشاءون أن يقولوا للشيطان: اذهب. إما لأن بينهم وبينه صداقه وتعاون، أو لأن في قلبهم شهوات لا يحققها لهم إلا الشيطان، أو لأن الشيطان قد قيدهم بعادات وطباع خلال عشرته الطويلة معهم... وأن قالوا له اذهب، يقولونها في ضعف يفهمه الشيطان تمامًا ويدركه. بل ان البعض إن ذهب عنهم الشيطان، يطلبونه قائلين اعبر إلينا وأعنا... هؤلاء قد دخلوا في عبودية العدو، وصاروا من جنده. هم مهزمون داخل قلوبهم. لذلك لا يمكنهم أن ينتصروا في الخارج. بينهم وبين الشيطان عمل مشترك يحبونه ويعينهم عليه. فكيف يقولون له: اذهب؟! يحتاج هؤلاء إلي صلوات ليتدخل الرب ويقول للشيطان اذهب. سواء كانت هذه الصلوات منهم، أو من الملائكة والقديسين. مثلما شفع ملاك الرب في يهوشع الكاهن وقال: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب.. أفليس هذا شعلة منتشلة من النار (زك 3: 2). والذي يقول للشيطان اذهب، عليه أيضًا أن يتخلص من كل ما يخص الشيطان عنده. فلا يستبقي عنده شيئًا يمكن أن يحاربه به الشيطان، ولا يستبقي علاقة يمكن أن تسقطه فيما بعد، ويبعد عن كل عشرة أيًا كان نوعها، وكما قيل للوط عند خروجه من سادوم: "اهرب لحياتك لا تنظر إلي ورائك ولا تقف في كل الدائرة" (تك 19: 17). وهكذا يمكن ان يقول للشيطان اذهب، ليس باللسان، إنما بالتصرف الروحي السليم. ليبعد عنه كل من يستخدمه الشيطان لمحاربته، حتى إن أعثرته عينه أو يده (مت 5: 29، 30). ويقول له أذهب عن طريق العمل الروحي والانشغال بالصلاة والقراءة والإجتماعات والخدمة. فإن أتي الشيطان لمحاربته، يجده مشغولًا عنه جدًا، ولا وقت لدية يقضيه معه فيذهب... ويقول له اذهب بطرد كل أفكاره. بسرعة، بغير ابطاء، وبحزم. وكما قال الرسول "مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح" (2 كو 10: 5). كان المسيح قويًا حينما طرد الشيطان فذهب. فاطرده إذن بقوة المسيح العاملة فيك. |
| الساعة الآن 11:42 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026