![]() |
كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
مريم العذراء المطران كيرلس سليم بسترس مقدمة الفصل الأوّل: مريم العذراء في الكتاب المقدّس 1- البشارة: مريم العذراء الممتلئة نعمة أمّ يسوع المسيح ابن الله (لو 1: 26- 38) أ- السلام عليك يا ممتلئة نعمة الربّ معك ب- يسوع ابن مريم يدعى ابن الله ج- قدرة العليّ تظلّل العذراء د- مريم العذراء أمة الربّ 2- مريم العذراء أمّ المخلّص وأمّ عمّانوئيل (متّى 1: 18- 25) أ- بتوليّة مريم العذراء ب- مريم العذراء أمّ المخلّص ج- مريم العذراء أمّ عمّانوئيل 3- مريم العذراء أمّ المسيح المولود في بيت لحم (متّى 2: 1- 6) 4- مريم العذراء أمّ الربّ (لو 1: 39- 56) أ- مريم العذراء تابوت العهد ب- مريم العذراء المباركة في النساء ج- مريم العذراء أمّ ربّي د- مريم العذراء المؤمنة ه- مريم العذراء التي بها صنع الله القدير العظائم 5- مريم العذراء في ميلاد السيّد المسيح (لو 2: 1- 20؛ متّى 2: 1- 23) 6- مريم العذراء أمّ المسيح المتألّم الفادي (لو 2: 22- 40) 7- مريم العذراء تجد يسوع في الهيكل (لو 2: 41- 51) 8- مَن أمي ومن إخوتي؟ (متّى 12: 46- 50) 9- طوبى للبطن الذي حملك (لو 11: 27- 28) 10- مريم العذراء في عرس قانا (يو 2: 1- 12) 11- مريم العذراء على أقدام الصليب (يو 19: 25- 27) 12- حوّاء الحديدة (تك 3: 15) 13- المرأة الملتحفة بالشمس (رؤ 12: 1- 17) 14- مريم العذراء مع الرسل في العلّية (أع 1: 12- 14) الفصل الثاني: مريم العذراء في عقيدة الكنيسة 1- مريم العذراء في الفكر اللاهوتيّ في القرنين الأوّل والثاني أ- أغناطيوس الأنطاكي ب- القدّيس يوستينوس ج- القدّيس إيريناوس أسقف ليون 2- مريم العذراء "والدة الإله" أ- لقب "والدة الإله" قبل مجمع أفسس ب- نسطوريوس بطريرك القسطنطينيّة ج- جواب كيرلّس الإسكندريّ د- مجمع أفسس ه- قانون الوحدة و- أبعاد "الأمومة الإلهيّة" ومعانيها 3- مريم العذراء الدائمة البتوليّة أ- بتوليّة مريم العذراء قبل الولادة ب- بتوليّة مريم العذراء أثناء الولادة ج- بتوليّة مريم العذراء بعد الولادة د- بتولية مريم العذراء الباب الشرقى الدائمة ه- أقوال علماء الكنيسة فى بتولية مريم العذراء الدائمة 4- مريم العذراء الفائقة القداسة أ- الممتلئة نعمةً في الكتاب المقدّس ب- قداسة مريم العذراء في كتابات الآباء ج- قداسة مريم العذراء وعقيدة الحبل بلا دنس د- قداسة مريم العذراء في التصميم الإلهيّ وتاريخ الخلاص 5- مريم العذراء الممجّدة في السماء أ- عقيدة انتقال مريم العذراء في الكنيسة الكاثوليكيّة ب- إنتقال مريم العذراء في كتابات الآباء ج- انتقال مريم العذراء في الصلوات الليترجيّة د- أبعاد ومعاني انتقال مريم العذراء الى السماء الفصل الثالث: مريم العذراء في سرّ الكنيسة وصلاتها 1- مريم العذراء رمز الكنيسة أ- مريم العذراء في تدبير الخلاص ب- مريم العذراء قدوة الكنيسة 2- مريم العذراء أمّ وشفيعة في الكنيسة أ- شفاعة مريم العذراء ب- تكريم مريم العذراء في الكنيسة 3- أعياد مريم العذراء أ- عيد حبل القدّيسة حنّة بمريم العذراء ب- عيد ميلاد مريم العذراء ج- عيد البشارة د- عيد ميلاد السيّد المسيح 4- مريم العذراء في صلوات الفرض الكنيسة والأناشيد الطقسيّة 5- النصوص الكتابية التي تقرأ في أعياد مريم العذراء أ- نصوص العهد القديم ب- المزامير ج- نصوص العهد الجديد الفصل الرابع: مريم العذراء فى لاهوت الكنائس الإنجيليّة 1- مريم العذراء والدة الإله 2- مريم العذراء الدائمة البتوليّة 3- قداسة مريم العذراء وعقيدة الحبل بلا دنس 4- انتقال مريم العذراء الى السماء 5- مريم العذراء رمز الكنيسة وأمّ المسيحيين 6- مريم العذراء في الليترجيّا مقدمة في سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم" وضعنا ثلاثة كتب في اللاّهوت المسيحي والإنسان المعاصر، عالجنا فيها مختلف مواضيع إيماننا المسيحي حسب تصميم قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني، ولكنّنا لم نتطرّق إلى العقيدة المسيحيّة في مريم العذراء إلاّ بشكل عرضي لدى معالجتنا إيمان الكنيسة في شخص السيّد المسيح كما ورد في بشارة الملاك جبرائيل لمريم العذراء (الجزء الأوّل، ص 148)، وكما حدّده مجمع أفسس في حكمه على نسطوريوس (ص 170- 172)، وأخيرًا في بيان مشترك للبابا بولس السادس والبابا شنودة الثالث (ص 178). نتابع اليوم أبحاثنا في اللاّهوت العقائدي، فنكرّس لمريم العذراء كتابًا خاصًّا نضمّنه أهمّ ما ورد عنها، أوّلاً في الكتاب المقدّس، وثانيًا في العقيدة المسيحيّة كما عبّرت عنها الكنيسة في تعاليم آبائها ومجامعها بما في ذلك المجمع الفاتيكاني الثاني، وثالثًا في صلواتها الليترجيّة وإكرام المؤمنين لها. ونتطرّق أخيرًا إلى المكانة التي تحتلّها مريم العذراء في الكنائس الإنجيليّة. إلى الله الأوحد القدير الذي اختار فتاة من بني جنسنا واصطفاها على نساء العالمين لتكون أمًّا لابنه وكلمته يسوع المسيح الذي أرسله إلينا مخلّصاً وفاديًا، نرفع آيات الشكر والتسبيح، ونعظّمه مع مريم العذراء هاتفين: "تعظّم نفسي الرب، فقد ابتهج روحي بالله مخلّصي، لأنّه نظر إلى ضعة أمته، فها منذ الآن تغبّطني جميع الأجيال. لأنّ القدير صنع بي عظائم واسمه قدّوس، ورحمته إلى جيل وجيل للّذين يتّقونه" (لو 1: 46- 50). |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
الفصل الأوّل مريم العذراء فى الكتاب المقدّس تمهيد 1- البشارة: مريم العذراء الممتلئة نعمة أمّ يسوع المسيح ابن الله (لو 1: 26- 38) أ- السلام عليك يا ممتلئة نعمة الربّ معك ب- يسوع ابن مريم يدعى ابن الله ج- قدرة العليّ تظلّل العذراء د- مريم العذراء أمة الربّ 2- مريم العذراء أمّ المخلّص وأمّ عمّانوئيل (متّى 1: 18- 25) أ- بتوليّة مريم العذراء ب- مريم العذراء أمّ المخلّص ج- مريم العذراء أمّ عمّانوئيل 3- مريم العذراء أمّ المسيح المولود في بيت لحم (متّى 2: 1- 6) 4- مريم العذراء أمّ الربّ (لو 1: 39- 56) أ- مريم العذراء تابوت العهد ب- مريم العذراء المباركة في النساء ج- مريم العذراء أمّ ربّي د- مريم العذراء المؤمنة ه- مريم العذراء التي بها صنع الله القدير العظائم 5- مريم العذراء في ميلاد السيّد المسيح (لو 2: 1- 20؛ متّى 2: 1- 23) 6- مريم العذراء أمّ المسيح المتألّم الفادي (لو 2: 22- 40) 7- مريم العذراء تجد يسوع في الهيكل (لو 2: 41- 51) 8- مَن أمي ومن إخوتي؟ (متّى 12: 46- 50) 9- طوبى للبطن الذي حملك (لو 11: 27- 28) 10- مريم العذراء في عرس قانا (يو 2: 1- 12) 11- مريم العذراء على أقدام الصليب (يو 19: 25- 27) 12- حوّاء الحديدة (تك 3: 15) 13- المرأة الملتحفة بالشمس (رؤ 12: 1- 17) 14- مريم العذراء مع الرسل في العلّية (أع 1: 12- 14) تمهيد: قليلة النصوص الإنجيلية التي يرد فيها الكلام على مريم العذراء، لأنّ الإنجيل المقدّس هو "إنجيل يسوع المسيح ابن الله"، كما ورد في مستهلّ الإنجيل بحسب مرقس (مر 1: 1)، هو البشارة بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله، هو الإعلان أنّ وعود الله بإرسال المخلّص قد تحقّقت بمجيء يسوع المسيح الذي بدأ كرازته بقوله: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). هذا هو موجز البشارة الإنجيليّة ومحور إيماننا المسيحي: إنّ ملكوت الله قد حضر بيننا في شخص يسوع المسيح. فإليه نتوب، وبإنجيله نؤمن، وتعاليمه نلتزم. وكلّ حديث عن مريم العذراء يجب أن يندرج في إطار هذه البشارة ويرتبط بشخص يسوع المسيح، فمريم هي "أمّ يسوع" (يو 2: 1). هذا هو لقبها الأساسي. وكل الصفات التي تضاف إلى اسم يسوع تضاف بالفعل عينه إلى اسم العذراء. فإذا آمنّا بأنّ يسوع هو ابن الله والمخلّص والمسيح والربّ، يمكننا القول إنّ مريم العذراء هي أمّ ابن الله وأمّ المخلّص وأمّ المسيح وأمّ الربّ. وهكذا تتّخذ مريم العذراء أمّ يسوع من شخص ابنها كلّ ألقابها وأمجادها وأسباب تكريمنا لها. وكذلك قانون الإيمان الذي يحوي عقائد الإيمان المسيحي الأساسية، تلك التي لا يمكن أن يمكن أن يدّعي إنسان أنّه مسيحي إنْ لم يؤمن بها، لا يأتي على ذكر مريم العذراء إلاّ في معرض إعلان الإيمان بتجسّد ابن الله: "و(نؤمن) بربّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد... الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس". لذلك، في بحثنا عن مكانة مريم العذراء في الكتاب المقدّس وفي العقيدة المسيحية وفي الليترجيا، يجب ألاّ يغيب عن بالنا هذا الارتباط بين بمريم العذراء وابنها. سنبحث في هذا الفصل الأوّل في النصوص الإنجيليّة التي يرد فيها ذكر مريم العذراء، ونبيّن أنّ ذكرها يرتبط دومًا بذكر ابنها يسوع المسيح ابن الله ربّنا ومخلّصنا. وبما أنّ مجيء السيّد المسيح قد حقّق نبوءات العهد القديم، سنحاول في كل من هذه النصوص استجلاء العلاقة بين العهدين وإظهار كيفية تحقيق نبوءات العهد القديم ووعوده ورموزه في شخص يسوع المسيح بواسطة أمّه الفائقة القداسة. 1- البشارة: مريم العذراء الممتلئة نعمة أمّ يسوع المسيح ابن الله (لو 1: 26- 38) النصّ الإنجيلي: "وفي الشهر السادس، أرسل الملاك جبرائيل من قبل الله إلى مدينة في الجليل تسمّى الناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف، من بيت داود. واسم العذراء مريم. فلمّا دخل الملاك إليها، قال لها: "السلام عليك يا ممتلئة نعمة، الربّ معك". فاضطربت مريم لهذا الكلام، وجعلت تفكّر ما عسى أن يكون هذا السلام. فقال لها الملاك: "لا تخافي يا مريم، فلقد نلت حظوة عند الله. وها أنت تحبلين في أحشائك وتلدين ابنًا وتسمّينه يسوع. إنّه يكون عظيمًا، وابن العليّ يدعى. وسيعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولن يكون لملكه انقضاء". فقالت مريم للملاك: "كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟"، فأجاب الملاك وقال لها: "الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العلي تظلّلك، ومن أجل ذلك فالمولود منك سيُدعى قدّوسًا وابن الله. وها إنّ أليصابات نسيبتك قد حبلت هي أيضاً بابن في شيخوختها. وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تدعى عاقرًا. إذ ليس من أمر يستحيل على الله". فقالت مريم: "أنا أمة الربّ. فليكن لي بحسب قولك". وانصرف الملاك من عندها" (لو 1: 26- 38). الفكرة الأساسية التي يدور حولها هذا النصّ الإنجيلي هي فكرة حضور الربِّ الإله في أحشاء مريم العذراء. فإنّها ستلد ابنًا وتسمّيه يسوع. وهذا الابن سيدعى "ابن العليّ" و"ابن الله"، لأنّها لن تحبل به بمباشرة رجل بل بقدرة من الله، فإنّ حضور قدرة الله في شعبه في العهد القديم قد بلغ ذروته وكماله في العهد الجديد في حضور ابن الله في أحشاء مريم العذراء. لذلك يعبّر لوقا عن هذا الحضور بتعابير يستقيها من العهد القديم. نقول إنّ لوقا هو الذي يعبّر عن هذا الحضور. فإذا كان موضوع إيماننا هو الحبل البتولي بيسوع المسيح في أحشاء مريم العذراء، يمكننا القول، دون أن يناقض القول التالي موضوع إيماننا، إنّ الحوار بين الملاك جبرائيل ومريم العذراء هو من وضع لوقا، وقد استقى تعابيره من العهد القديم ليظهر أنّ مواعيد العهد القديم قد تمّت في هذا الحبل البتولي. أ) السلام لك (أو إفرحي) يا ممتلئة نعمة الرب معك لنقارن بين هذين النصين: بشارة النبي صفنيا لابنة صهيون، وهذا تعبير رمزي لشعب العهد القديم، وبشارة الملاك جبرائيل لمريم العذراء. https://files.arabchurch.com/upload/i.../695160771.jpg |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
كثيرًا ما يصوّر الأنبياء شعب العهد القديم في شخص امرأة اختارها الله وأحبّها وأراد أن يجعل منها عروسًا له. هذا الرمز نجده أيضاً في تعبير "ابنة صهيون" التي تعني الشعب كلّه، كما في المقاطع التالية المرتبطة بالنص الإنجيلي: "قولوا لابنة صهيون: هوذا خلاصك آت" (أش 62: 11). "إهتفي وافرحي يا ابنة صهيون، فهاءَنذا آتي وأسكن في وسطك، يقول الرب" (زك 2: 14). "إبتهجي جدًّا يا ابنة صهيون، واهتفي يا ابنة أورشليم، هوذا ملكك يأتيك بارًّا مخلّصاً وضيعًا راكبًا على حمار وعلى جحش ابن أتان" (زك 9: 9). وتصوَّر ابنة صهيون تارة كعذراء وتارة كأُمّ تلد في الأوجاع: "داس السيّد المعصرة على العذراء ابنة يهوذا" (مرا 1: 15). "ماذا أساوي بك فأعزّيك، أيّتها العذراء بنت صهيون؟ لأنّ تحطّمك عظيم كالبحر. فمن ذا يشفيك؟" (مرا 2: 13). "لقد صنعت عذراء إسرائيل أمرًا يُقشعَرُّ منه جدًّا" (إر 18: 13). "قد سمعت صوتًا كصوت الماخض، وصوتًا مثل شدّة التي تلد بكرها، صوت بنت صهيون تنتحب وتبسط كفّيها" (إر 4: 31). "تمخَّضي وادفعي يا بنت صهيون كالتي تلد. فإنّك الآن تخرجين من المدينة، وتسكنين في الحقول وتسيرين إلى بابل. هناك تُنقَذين، وهناك يفتديك الربّ من أيدي أعدائك" (مي 4: 10). إبنة صهيون تصوّر كعذراء للدلالة على أنّ الله اختارها عروساً له: "فكما أنّ شابًا يتزوّج بكرًا كذلك بنوك يتزوّجونك. وكسرور العريس بالعروس يسرّ بك إلهك" (أش 62: 5. راجع 61: 10). وتصوّر ابنة صهيون أيضاً كأمّ تلد في الأوجاع، وهذه الأوجاع هي محن اجتياح أورشليم وسبي سكّانها إلىّ بابل حيث سيخلّصها الرب. إنّ آلام المخاض التي تعانيها ابنة صهيون تحمل معها رجاء ماسيويًّا. فالربّ سينقذها يومًا بمجيء المسيح الذي سيمنح شعبه الخلاص النهائي. تنظي صورة ابنة صهيون إذاً على بعدين: بعد صوفي إذا تعبّر عن اتّحاد بنت صهيون العذراء بالربّ عريسها، وبعد اسختولوجي لأنّها تشير إلى أنّ تلك العذراء ستلد بالأوجاع الرجاء الماسيويّ، ومنها سيخرج المسيح الذي سيخلّص شعبه. تحيّة الملاك جبرائيل للعذراء مريم: "إفرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك"، يجب وضعها في إطارها الصحيح حيث تجد ملء معناها. وهذا الإطار هو ترقّب ابنة صهيون مجيء المسيح المخلّص. وهذا هو مدعاة الفرح العظيم الذي يدعو إليه الأنبياء: "هلّلي... إفرحي وتهلّلي بكلّ قلبك" (باليونانية:). وقول الملاك هذا ليس مجرّد تحيّة اعتياديّة، كل لأيّ شخص: "السلام عليك"، بل هو دعوة إلى الفرح الماسيويّ الناتج من مجيء المسيح المخلّص: "الربّ معك... ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا وتسمّينه يسوع... ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد". فالعذراء أمّ المسيح هي صورة شعب العهد القديم المشار إليه بتعبير "ابنة صهيون"، الذي كان ينتظر في أوجاع تاريخه ميلاد رجائه بفرح وتهليل، والخلاص الذي وعده به الربّ الإله. مدعاة الفرح في العهد القديم هي حضور الله في وسط شعبه "ليُلغيَ الحكمَ عليه ويبعد عدوَّه" ويكوّن في وسطه "الربّ الذي يخلّص". وقد تحقّق هذا في العهد الجديد بحضور الله في شخص ابنه يسوع المسيح في أحشاء مريم العذراء التي اختارها الله وجعلها "ممتلئة نعمة". فلا حكم من بعد. بل ملء النعمة أي ملء حضور الله. والله، بحضوره في وسط شعبه، سيجدّده بمحبّته. ولقد "نالت مريم حظوة عند الله" بأنّ هذا الخلاص سيتمّ بواسطتها؛ فهي التي ستحبل بقدرة الروح القدس وتلد المسيح المخلّص. التعبير الذي يستعمله لوقا للدلالة على الحبل يتضمّن حشوًا مستغربًا إذ يقول: "ستحبلين في أحشائك وتلدين...". فتعاقب الفعلين تحبلين وتلدين هو أمر معهود في العهد القديم، ولكن لماذا أضاف لوقا عبارة "في أحشائك" التي تبدو تكرارًا وحشوًا؟ هذا الحشو هو دلالة على أنّ نصّ لوقا مستقى من نبوءة صفنيا التي تحقّقت في الحبل بيسوع في أحشاء مريم العذراء. فصفنيا يؤكّد مرّتين حضور الله في وسط شعبه (3: 15، 17). فاللفظة العبرية التي يستعملها "بقربيخ" تعني في أحشائك. ويعني بها "في وسطك"، والوسط هنا ليس وسط الشعب، بل وسط الهيكل، كما يقول في موضع آخر: "الربّ بارّ في وسطها لا يرتكب ظلمًا، وصباحًا فصباحًا يُصدر حكمَه وعند طلوع النور لا يقصِّر" (صف 3: 5). في هذه الآيات إشارة إلى سكنى الله في وسط الهيكل حيث يتجلّى برُّ الله وتعلَن شريعته. وهذا المعنى نجده عند غير نبيّ: "فتعلمون أنّي أنا في وسط إسرائيل، وأنّي أنا الربّ إلهكم" (يوء 2: 27). "إهتفي وافرحي يا ابنة صهيون، فهاءنذا آتي وأسكن في وسطك، يقول الرب... ليسكتْ كل بشر أمام وجه الرب، فإنّه قد استيقظ من مسكن قدسه" (زك 2: 14، 17). سنة 587 ق م احتلّ البابليون أورشليم ودمّروا الهيكل وسبوا السكّان إلى بابل. ثمّ سنة 538 أذن قورش ليهود بالعودة من بابل إلى أورشليم. وسنة 520 بدأوا بإعادة بناء الهيكل. في هذا الإطار يتنبّأ زكريّا أنّ الله سيَخرج من جديد من مسكن قدسه السماوي ليسكن في وسط شعبه أي في الهيكل، في تابوت العهد الذي يحوي وصايا الله العشر. وسكنى الله في تابوت العهد هو منذ القديم ضمانة لشعب الله، كما في قول الله لموسى: "لا ترتعد أمامهم (أي أمام الشعوب الكثيرة)، لأنّ الربّ إلهك في وسطك إله عظيم رهيب" (تثنية 7: 21). هذه العبارة تشير عند الأنبياء إلى إعادة بناء الهيكل وفي الوقت عينه إلى مجيء الربّ لدى تحقيق الرجاء الماسيويّ، كما نرى ذلك في نصّ صفنيا والنصّ التالي لأشعيا: "إهتفي وابتهجي يا ساكنة صهيون، فإنّ قدّوس إسرائيل في وسطك عظيم" (أش 12: 6). |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
فإذا كان لوقا قد استعمل العبارة "في أحشائك" التي تعني "في وسطك" وتشير في العهد القديم إلى سكنى الله في الهيكل في تابوت العهد، فليس ذلك لمجرّد التكرار والحشو، بل لتأكيد العلاقة بين تحيّة الملاك والنبوءات الماسيويّة التي تنبّأت عن إعادة بناء الهيكل ومجيء الله ليسكن في وسط شعبه. فمريم العذراء ستحمل في أحشائها المسيح المنتظر الذي سيكون المخلّص. فكما كان الله في وسط شعبه "الجبّار الذي يخلّص"، ستكون مريم هيكل الله، تابوت العهد الجديد ومقام سكنى الله. مريم العذراء هي "ابنة صهيون"، "أورشليم الجديدة"، مسكن الله المقدّس. إنّها تمثّل "البقيّة" الأمينة من شعب إسرائيل، أولئك الصدّيقين الذين كانوا ينتظرون في الفقر الروحي والضعة والبرّ والقداسة فرح مجيء الربّ المخلّص في شخص المسيح. مريم العذراء هي تابوت العهد الجديد. بعد خراب أورشليم الأوّل سنة 596 ق م اختفى تابوت العهد. وعندما أُعيد بناء الهيكل سنة 520، تُرك "المكان المقدّس" فارغًا، وكان هذا الفراغ علامة رجاء وانتظار لمجيء الله من جديد في الأزمنة الأخيرة. وإذا بجبرائيل ملاك الأزمنة الأخيرة، يعلن تحقيق وعود الله: لقد كوّن الله مريم العذراء "ممتلئة نعمة" وجعلها تابوت العهد الجديد المقدّس، ليسكن فيها، بدل وصاياه العشر وأحكامه المتعدّدة، كلمتُه وابنُه الوحيد يسوع المسيح المخلّص. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ب) يسوع ابن مريم يدعى ابن الله الحبل بيسوع بقدرة الروح القدس يفسّر لماذا يدعى يسوع "ابن الله"، ويشير إلى تحقيق نبوءة ناتان النبيّ بمجيء ملك من نسل داود يدعى "ابن العلي". لنقارن بين النصّين التاليين: https://files.arabchurch.com/upload/i...8003230760.jpg نبوءة ناتان هذه هي جواب الربّ على رغبة داود الملك في أن يبني هيكلاً للربّ: "قال الملك. لناتان النبيّ: "أنظر إنّي ساكن في بيت من أرز. وتابوت الربّ ساكن في داخل الخيمة" (2 صم 7: 2). فكان جواب الرب أنّ داود لن يصنع بيتًا (أي هيكلاً) للربّ، بل الربّ هو الذي سيصنع بيتًا (أي سلالة) لداود. فالوعد يتناول في جوهره استمرار نسل داود على عرش إسرائيل. ويرى لوقا أنّ هذا الوعد قد تحقّق في شخص يسوع المسيح ولكن على نحو روحي. فالمسيح سيملك، ولكنّ ملكوته سيكون ملكوتًا روحيًّا. لن يعيد مملكة داود، بل سينشئ ملكوت الله على الأرض، ولن يكون لهذا الملكوت انقضاء. أمّا قول ناتان: "أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا"، فيرى لوقا تحقيقه في قول الملاك: "وابن العليّ يُدعى". ثمّ يفسّر لماذا سيدعى يسوع "ابن الله" في الآيات 34- 36: "فقالت مريم للملاك: كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجل؟ فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العليّ تظلّلك. ومن أجل ذلك فالذي يُولَد منك يُدعى قدّوسًا "وابن الله". فيسوع يدعى ابن الله، إلى جانب كونه ابن داود، لأن ليس له أب من بين البشر، بل تكوّن في أحشاء مريم العذراء من الروح القدس، أي بقدرة الله الخالق القدّوس، "إذ ليس من أمر يستحيل على الله" (لو 1: 27). إنّ فعل "عرف" يشير في سياق الكلام هنا إلى العلاقات الزوجيّة (راجع تك 4: 1: "وعرف آدم حوّاء امرأته فحملت وولدت قايين"). فمريم لا تزال عذراء، وهي فقط مخطوبة ليوسف (لو 1: 27). لا شكّ أنّ الخطبة في التقليد اليهودي هي بمثابة زواج شرعي، لكنّ المساكنة لا تتمّ إلاّ بعد أن تُزَفّ العروس إلى بيت عريسها. وهذا ما يشير إليه متّى، كما سنرى ذلك (متّى 1: 18- 20). فمريم لا تزال إذن عذراء. والملاك ينبئها بأنّها ستكون أمًّا. ولقد أدركت أنّها ستكون أمًّا على الفور كما حصل لأمّ شمشون حين بشّرها الملاك بأنّها ستحبل وتلد ابنًا (قض 13: 3- 5). فسألته عن كيفيّة ذلك، إذ ليست لها أيّ علاقة زوجيّة مع يوسف، فكان سؤالها هذا مدخلاً إلى وحي الملاك. إنّ لقب "ابن الله" هو، في نظر لوقا كما في نظر العهد القديم، تسمية للمسيح (لو 4: 34، 41؛ أع 9: 20، 22). لكنّ لوقا يجعل منه أيضاً التعبير الأمثل للصلة السرّية التي تربط يسوع بالله. فإنّه لا يضع هذا اللقب في إنجيله على لسان البشر (كما يفعل متّى 14: 33 ومر 15: 39)، بل على لسان الآب (3: 22؛ 9: 35) وأحد الملائكة (هنا) والأرواح الشيطانيّة (4: 3) ويسوع نفسه (10: 22؛ 22: 70). وفي خاتمة بشارة الملاك جبرائيل، يضيف لقب "ابن الله" إلى لقب "ابن العليّ" الوارد ذكره في الآية 32، مبيّنًا ما في بنوّة يسوع الإلهية من عمق وجدّة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ج) قدرة العلي تظلّل العذراء مريم العذراء هي مسكن الله، ففيها سكن كلمة الله. لذلك يستخدم لوقا للتعبير عن تلك السكنى الألفاظ عينها التي استخدمها العهد القديم لحضور الله في تابوت العهد وخيمة الموعد التي كان يوضع فيها. لنقارن بين النصّين التاليين: https://files.arabchurch.com/upload/i...2700391928.jpg بين النصين صلة واضحة أرادها لوقا لإظهار تتابع العهدين والتأكيد أنّ مريم العذراء هي مسكن الله، وأنّ الله يتجلّى فيها كما كان يتجلّى في خيمة الموعد وتابوت العهد. يتضمّن هذا التجلّي عنصرين: الغمام المنير الذي يظلّل خيمة الموعد ويبقى على نحو ما فوقها وخارجها، ومجد الربّ الذي يملأ المسكن. فالغمام الذي هو في العهد القديم رمز لحضور الله يصير هنا شخصيًّا ويدعى "الروح القدس" أو "قدرة العليّ". فالروح القدس، قدرة العليّ، يحلّ على مريم العذراء ليظلّلها كما كان الغمام يظلّل خيمة الموعد. ونتيجة حضور الله على مريم العذراء هي تجسّد كلمة الله وابن الله في أحشائها: "ومن أجل ذلك فالمولودُ منها سيُدعى قدّوسًا وابنَ الله". فكما كان مجد الله يملأ المسكن الذي كان يظلّله الغمام، هكذا سيسكن القدّوس ابن الله في أحشاء مريم العذراء بعد أن تظلّلها قدرة العليّ. يسوع المسيح هو مجد الله على الأرض. هذا ما سيظهر أيضاً من خلال رواية تجلّي يسوع على جبل ثابور (لو 9: 28- 36). فبطرس ويوحنّا ويعقوب شاهدوا مجد المسيح الذي تجلّى على جبل ثابور كما تجلّى مجد الله على جبل سيناء: "وصعد موسى الجبل فغطّى الغمام الجبل. وحلّ مجد الربّ على جبل سيناء، وغطّاه الغمام ستّة أيّام. وفي اليوم السابع دعا الربّ موسى من وسط الغمام" (خر 24: 15- 16). إنّ مجد الله حاضر على الأرض في شخص يسوع ابن الله. لذلك في التجلّي "انطلق صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني الحبيب، فاسمعوا له" (لو 9: 35). في المعنى عينه يقول إنجيل يوحنّا: "والكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ نعمة وحقًّا" (يو 1: 14). الجسد الذي اتّخذه ابن الله هو خيمة الموعد الجديدة حيث يسكن المجد الذي هو ملء النعمة والحق في ما بيننا. الله حاضر بين البشر في جسد ابنة الذي فيه يشّع مجده. الغمام الذي يظلّل المسيح في التجلّي، وقدرة العليّ التي تظلّل مريم العذراء في البشارة، إشارة إلى سموّ الله الذي يتجلّى وفي الوقت عينه يبقى متساميًا عن مكان تجلّيه. فالغمام هو رمز الآب الذي يُسمعَ صوتُه آتيًا من السماء. الآب متسامٍ وفوق المسكن. والابن هو حضور الآب، هو تجلّي مجده داخل المسكن. كذلك مريم العذراء تظلّلها من الخارج قدرة العليّ، وتحمل في داخلها مجد الله، يسوع المسيح ابن الله المتجسّد. على ضوء هذه المقارنة، تبدو مريم العذراء، في لحظة حبلها بالمسيح، مسكن الله الجديد وقدس الأقداس وخيمة الموعد يظلّلها الغمام المنير، الروح القدس، قدرة العليّ، ويحلّ فيها مجد الله، الابن الحبيب والوحيد، الممتلئ نعمة وحقًّا، الكلمة الذي صار جسدًا وأقام سكناه في ما بيننا، الإله الحاضر في ما بين خلائقه. نشير أخيرًا إلى لقب "القدّوس" الذي نجده إلى جانب لقب ابن الله. وهو يشير إلى الانتماء إلى الله وحده. وهو من أقدم التعابير عن ألوهيّة المسيح (أع 3: 14: "لقد أنكرتم القدّوس الصدّيق". راجع أيضاً: أع 4: 27، 30، لو 4: 34). مريم العذراء هي مسكن الله بين البشر، عليها حلّت قدرة الله ومنها وُلد المسيح القدّوس ابن الله. د) مريم العذراء "أمة الرب "فقالت مريم: ها أنا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك". إنّ لفظة "أمة الربّ"، على غرار لفظة "عبد الربّ (راجع أش 52- 53)، تعني في الكتاب المقدّس اختيارًا من قبل الله لرسالة خاصّة، وفي الوقت عينه استسلامًا من قبل الإنسان وخضوعًا لتحقيق تلك الرسالة. لذلك تضيف مريم: "فليكن لي بحسب قولك"، مشيرة بذلك إلى رغبتها في إسهامها الفعلي في تحقيق القصد الإلهي. حوّاء المرأة الأولى رفضت الانصياع لأمر الله. أمّا مريم فقد قبلت قول الله وخضعت لقصده، وأتاحت لكلمة الله أن يتجسّد فيها ويظهر منها للعالم. بواسطتها صار ابن الله آدم الجديد ورأس الإنسانيّة الجديدة. قول مريم "ها أنا أمة الربّ" ليس إذًا كلام تواضع بقدر ما هو كلام إيمان ومحبّة. فمريم، باسم البشريّة جمعاء، قبلت الخلاص الذي أراد الله أن يحقّقه بواسطة يسوع المسيح الذي وُلد منها. هذا القبول هو مدعاة فخر للإنسانيّة التي، بالرغم من سقطتها وخطيئتها، وُجد فيها كائن بشري انفتح على نعمة الله، وردّ بالإيجاب على خلاص الله. في كل فقرات هذا النصّ الإنجيلي نجد رابطاً شديداً بين بمريم العذراء وعمل الله فيها. فالله قد اصطفاها لتكون أمًّا لابنه وكلمته يسوع المسيح المخلّص، وكمالها يكمن في هذا الاختيار وفي قبولها المؤمن والمحبّ لقصد الله فيها. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
2- مريم العذراء أمّ المخلّص وأمّ عمّانوئيل (متّى 1: 18- 25؛ أش 7: 14) النصّ الثاني الأساسي الذي يبيّن العلاقة بين مريم العذراء وقصد الله الخلاصي نجده في إنجيل متّى: "وأمّا مولد يسوع المسيح فكان هكذا: لمّا خُطبت مريم أمّه ليوسف، وُجدت من قبل أن يسكنا معًا، حبلى من الروح القدس. وإذ كان يوسف رجلها صدّيقًا، ولم يُرد أن يشهرها، عزم على تخليتها سرًّا. وفما هو يفكّر في ذلك، تراءى له ملاك الربّ في الحلم وقال: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فإنّ الذي حبل به فيها إنّما هو من الروح القدس. وستلد ابنًا فتسمّيه يسوع، لأنه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم". وكان هذا كلّه ليتمّ ما قال الربّ بالنبيّ القائل: "ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعى اسمه عمّانوئيل، أي الله معنا". فلمّا نهض يوسف من النوم، فعل كما أمره ملاك الربّ، فأخذ امرأته، وولدت ابنها، وهو لم يعرفها، فسمّاه يسوع" (متّى 18- 25). أ) بتوليّة مريم العذراء "إنّ الذي حُبل به فيها إنّما هو من الروح القدس" (الآية 20). يؤكّد هذا النصّ، على غرار نصّ البشارة، أنّ الحبل بيسوع تمّ في أحشاء مريم العذراء بشكل بتولي وبقدرة من الله. نحن هنا أيضاً إزاء عمل قدرة الله الخالق الذي لا يستحيل عليه أمر (راجع لو 1: 37). وعمل القدرة الإلهيّة تمّ في مريم العذراء التي صارت من ثمّ مرتبطة بالله ارتباطاً خاصًّا ومميّزًا. ب) مريم العذراء أمّ المخلّص إنّ تدخّل الله ليكوّن بقدرته الإلهيّة طبيعة يسوع الإنسانيّة في أحشاء مريم العذراء التي لم تعرف رجلاً هو علامة لتدخّله الخلاصي في شعبه وفي العالم أجمع. فالمولود اسمه يسوع الذي يعني بالعبريّة "الله يخلّص". وستقوم رسالته على أنّه "هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (الآية 21). فخلاص البشر لا يمكن أن يأتي من إنسان، فالإنسان محدود في الزمان والمكان، ولا يمكنه أن يحقّق بنفسه المصالحة مع الله القدير الذي يفوق كل زمان ومكان. خلاص البشر ومغفرة خطاياهم لا يمكن أن يحقّقهما إلاّ الله وحده: "من يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده؟" (مر 2: 7). "والله هو الذي صالح في المسيح العالم مع نفسه ولم يحسب عليهم زلاّتهم" (2 كو 5: 17). وبما أنّ الخلاص لا يمكن أن يأتي إلاّ من الله، فالقول إنّ يسوع هو مخلّص إشارة واضحة إلى ارتباط خاصّ بين يسوع والله. رسالة يسوع هي إذًا فريدة بين البشر: إنّه هو المخلّص، وتكوين طبيعته الإنسانية أيضاً فريد بين البشر. إذ لم يُسمعَ قطّ أنّ امرأة تلد ابنًا من غير رجل. فمن فرادة الرسالة نخلص إلى فرادة الرسول. إنّه ليس مجرّد رسول كسائر الرسل البشر، وليس مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء البشر. إنّه إنسان، ولكنّه أيضاً أكثر من إنسان. وهذا ما يعبّر عنه يوحنّا بقوله: "والكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد" (يو 1: 14). إنّه "ابن الله" الكائن منذ الأزل مع الله. إنّه ابن الله المخلّص. ومريم هي أمّ ابن الله المخلّص. ج) مريم العذراء أمّ عمانوئيل "وكان هذا كلّه ليتمّ ما قال الربّ بالنبيّ القائل: ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعى اسمه عمّانوئيل أي الله معنا". هذا القول النبوي مأخوذ من أشعيا 7: 14 حسب الترجمة اليونانيّة السبعينيّة التي ترجمت "علما" بلفظة. ففيما اللفظة العبريّة تعني إمّا فتاة وإمّا امرأة شابّة لم يمض على زواجها زمان طويل، تعني اللفظة اليونانيّة فقط "عذراء". فنبوءة أشعيا تحتوي على معنيين: معنى تاريخي ينطبق على الزمان الذي قيلت فيه، ومعنى نبوي سيتحقّق في المستقبل. فعندما قيلت تلك النبوءة كان آحاز ملك يهوذا في وضع خطير. فملك السامرة وملك دمشق كانا سائرين إلى أورشليم ليقيلاه وينصّبا مكانه ملكًا آخر هو "ابن طابئيل" (أش 7: 6). فأوحى الربّ إلى أشعيا أن يذهب إلى الملك آحاز ويهدّئ من روعه ويعطيه آية تكون له علامة لأمانة الله له وللمواعيد التي أعطاها لداود على لسان النبيّ ناتان وللحماية التي سيمنحها لمملكته واستمرار عرشه (أش 7: 1- 17). فبحسب المعنى التاريخي، تشير هذه الآية إلى ولادة ابن للملك آحاز، هو حزقيّا. و"العلما" هي إذًا زوجة الملك. ولكن من خلال هذا المعنى التاريخي يبرز معنى آخر نبوي تتضمّنه النبوءة. فمولد وريث للملك آحاز المنحدر من نسل داود قد حدث تتميمًا لقصد الله ووعده. وهذا المولد هو استباق لميلاد المسيح الذي سيرث في النهاية "عرش داود أبيه" (لو 1: 32- 33). "أجل إنّ أشعيا يشير مباشرة إلى ولادة ابن لآحاز، حزقيّا مثلاً. ومع ذلك فإنّنا نشعر، من خلال ما في القول من رهبة، ومن خلال ما في الاسم المطلق على الطفل منِ قوّة، بأنّ أشعيا ينظر في هذه الولادة الملكيّة إلى أبعد من الظروف الراهنة، فيرى تدخّلاً من قبل الله في سبيل إقامة الملك الماسيوي النهائي. إنّ نبوءة عمّانوئيل تتجاوز هكذا تحقيقها المباشر. وبحقّ رأى فيها الإنجيليّون (متّى 1: 23 الذي يستشهد بأش 7: 14، ومتّى 4: 15- 16 الذي يستشهد بأش 8: 23- 9: 1)، ومِن بعدهم التقليد المسيحي، التبشيرَ بميلاد المسيح". إنّ الترجمة السبعينيّة، التي تعود إلى القرن الثالث قبل المسيح، قد ركّزت على المعنى النبوي الماسيوي. فما جرى لآحاز ولابنه حزقيّا وكلّ أحداث سنة 735 صارت من الماضي المنسيّ.، أمّا المعنى الماسيوي فبقي حاضرًا في أذهان المترجمين. ولذلك باختيارهم لفظة "عذراء" في ترجمتهم، أعطوا تفسيرًا ماسيويًّا لهذه النبوءة، ورأوا فيها إشارة إلى المسيح وأمّه، وإلى ولادة المسيح التي لا يمكن، في نظرهم، إلاّ أن تتمّ بمعجزة. هذه الترجمة تنطوي إذًا على تفسير يعود إلى القرن الثالث قبل المسيح وكان شائعًا في بعض الأوساط اليهوديّة، وورد في تلك الترجمة بوحي من الله. وقد كرّس متّى 1: 23 هذا التفسير إذ رأى فيه نبوءة للحبل البتولي بيسوع المسيح. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
3- مريم العذراء أمّ المسيح المولود في بيت لحم (متّى 2: 1- 6؛ ميخا 5: 1- 3) يتكلّم متّى على ميلاد المسيح في بيت لحم، ثمّ يذكر نبوءة لميخا النبيّ تتحدّث عن الموضوع نفسه: "وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغرى في مدن يهوذا الرئيسية، لأنّه منك يخرج زعيم سوف يرعى شعبي إسرائيل، وأصوله منذ القديم، منذ أيّام الأزل. لذلك يتركهم إلى حين تلد الوالدة، فترجع بقيّة إخوته إلى بني إسرائيل، ويقف ويرعى بعزّة الربّ، وبعظمة اسم الربّ إلهه، فيكونون ساكنين، لأنّه حينئذ يتعاظم إلى أقاصي الأرض" (مي 5: 1- 3). يتنبّأ هذا النصّ عن أمجاد بيت لحم تلك القرية الوضيعة التي سيولد فيها من سيملك على إسرائيل، وعن أمجاد عشائر يهوذا التي تعيش الآن في البؤس وكأنّ الله قد تخلّى عنها ("لذلك يتركهم"، أي يتركهم الله). ولكنّ الله سيعيد إلى سلالة داود أمجادها القديمة. وهذا ما تعنيه عبارة "أصوله منذ القديم". فداود يعود إلى بوعز وراعوت (راجع راعوت 4: 11- 21). وذلك سيتحقّق بعد أن "تلد الوالدة"، أي أمّ المسيح. "الوالدة" التي يرد ذكرها في هذا النصّ هي نفسها "علما" أشعيا 7: 14. فإنّ ميخا معاصر لأشعيا. لذلك يجب القول إنّ هذه اللفظة أيضاً تحتوي على معنيين: الأوّل تاريخي، والثاني نبوَيَ يدلّ على أمّ المسيح الذي "يقف ويرعى بعزّة الربّ وبعظمة اسم الربّ إلهه". هذا النصّ هو، على غرار نصّ أشعيا، من النصوص الأساسية التي رأى فيها التيّار الماسيوي في العهد القديم نبوءة عن مجيء المسيح. ويعتبر إنجيل متّى تحقيق هذه النبوءة في ميلاد يسوع في بيت لحم، وتأكيدًا أنّ يسوع هو المسيح المنتظر. في هذه النظرة يبدو دور مريم أمّ المسيح مرتبطاً بتحقيق قصد الله في إرسال المسيح لخلاص البشر. والمسيح لم يأت فقط لخلاص الشعب اليهودي، بل جاء ليخلّص البشر. وهذا ما تشير إليه رواية المجوس الذين يمثّلون الشعوب الوثنية ومجيئهم من المشرق للسجود للمسيح. فمريم العذراء هي أمّ المسيح المولود في بيت لحم، الذي هو ملك جميع الشعوب ومخلّصها. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
4- مريم العذراء أمّ الربّ (لو 1: 39- 56) النصّ الرابع الأساسي الذي يبيّن دور مريم العذراء في قصد الله الخلاصي هو رواية زيارتها إلى نسيبتها اليصابات، وهي تحمل في أحشائها المسيح الربّ. أ) مريم العذراء تابوت العهد "في تلك الأيّام قامت مريم، وانطلقت مسرعة إلى الجبل، إلى مدينة في يهوذا، ودخلت بيت زخريا وسلّمت على أليصابات. فلمّا سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس، فصاحت بصوت جهير، وقالت: مباركة أنت في النساء، ومبارك ثمرة بطنك. من أين لي هذا أن تأتي أمّ ربّي إليّ. فإنّه عندما بلغ سلامك إلى أذنيّ ارتكض الجنين من الابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت بأنّه سيتمّ ما قيل لها من قبل الرب". ذهبت مريم حاملة حضور الله، كتابوت العهد قديمًا، إلى "مدينة في يهوذا"، يحدّدها العلماء اليوم بأنّها بلدة "عين كارم"، وهي قائمة في الجبال قريبًا من أورشليم. قصدتها مريم لتزور نسيبتها أليصابات امرأة زكريا. ذهبت مسرعة لتفرح مع أليصابات بالعلامة التي أعطاها إيّاها الملاك: "ها إنّ أليصابات نسيبتك قد حبلت هي أيضاً بابن في شيخوختها. وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تدعى عاقرًا، إذ ليس من أمر يستحيل على الله" (لو 1: 36- 37). ذهبت مسرعة لتبشّر أقاربها، فقراء الربّ، بالبشرى الصالحة، بشرى الخلاص الماسيوي. أمام هذا المشهد يتبادر إلى ذهننا نصّ أشعيا القائل: "ما أجمل على الجبال قدمي المبشرّ الخبر بالسلام القائل لصهيون: قد ملك إلهكِ. أصوات رقبائكِ قد رفعوا أصواتهم وهم يهتفون جميعًا لأنّهم يرون عيانًا الربّ راجعًا إلى صهيون. اندفعي بالهتاف جميعًا يا أخربة أورشليم فإنّ الرب قد عزّى شعبه وافتدى أورشليم. كشف الربّ عن ذراع قدسه على عيون جميع الأمم فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا" (أش 52: 7- 10). ذهبت مريم إلى قرب أورشليم لتبشّر شعب الله، في شخص أليصابات وزكريا، بأنّ وعود الربّ بمجيء المسيح الملك قد تمّت، هذا المسيح الذي "سيملك على بيت يعقوب إلى الأبد" (لو 1: 32- 33)، وتحمل إليه بشرى السلام والسعادة والخلاص. إنّ إسراع مريم وفرحها سيميّزان من بعدها رسالة الرسل والكنيسة. فالكنيسة، وقد سكن فيها الروح القدس، وحملت كلام المسيح وجسده، تسرع فرحة لتنقلهما إلى جميع الناس وتبشّرهم بالسلام والسعادة والخلاص بمجيء ملكوت الله. إنّ دخول مريم إلى بيت زكريا وسلامها على أليصابات يبدوان تجلّي الله نفسه. وعندما بلغ سلام مريم إلى أذني أليصابات ظهر لها كأنّه صوت آتٍ من عند الله، فارتكض الجنين يوحنّا المعمدان في أحشائها. وبذلك تمّ قول ملاخيا النبي: "وتشرق لكم، أيّها المستقون لاسمي، شمس البرّ، والخلاص في أشعّتها، فتخرجون وتثبون فرحًا كعجول المعلف" (ملا 3: 20). يوحنّا المعمدان، وهو يرتكض في بطن أمّه أمام الحاملة المسيح الربّ، يذكّرنا بداود النبيّ الذي راح يثب ويرقص فرحًا أمام تابوت العهد الحامل الله، لدى دخوله أورشليم. إنّ حضور الربّ في تابوت العهد وفي أحشاء مريم العذراء يتيح لنا أن نقارن بين المشهدين: https://files.arabchurch.com/upload/i...2140276269.jpg إنّ ابن الله المتجسّد في أحشاء مريم هو لأليصابات والجنين الذي في أحشائها مدعاة فرح وابتهاج ماسيويّ، كما أنّ حضور الله في تابوت العهد جعل داود الملك يثب ويرقص. وسلام مريم، بسبب المسيح الذي تحمله، هو كلام الله. وهذا الكلام هو الذي يملأ أليصابات من الروح القدس ويوقظ الفرح الماسيوي في جنينها الذي يمثّل شعب الله الذي ينتظر خلاص الرب. مريم تظهر هنا حقًّا أّع الربّ. الأمّ وابنها متّحدان في الرسالة. كلام الأمّ ينقل كلام ابنها ويمنح الروح القدس لأليصابات. هذه الوحدة بين الأمّ وابنها تؤكّد حقيقة التجسّد. كلمة الله أخذ جسدًا من مريم العذراء، إنّه حقًّا ابن مريم، ومريم هي حقًّا أمّ كلمة الله. أليصابات، وقد امتلأت من الروح القدس، أنشدت لحضور المسيح في أحشاء مريم، على غرار أولئك الذين كانوا يسبّحون الله أمام تابوت حضوره في المَقْدِس. الروح القدس يقود قلب الإنسان إلى التسبيح. فلا يسعه إلاّ أن يعبّر عن شكره بصوت عظيم. هذا الهتاف الإسختولوجي الذي تطلقه أليصابات أمام ظهور الخلاص النهائي في مريم هو هتاف فرح بمجيء المسيح وبكثرة الأبناء الذين سيولدون إلى الإيمان به: "إهتفي أيّتها العاقر التي لم تلد، اندفعي بالهتاف واصرخي أيّتها التي لم تتمخّض فإنّ بني المهجورة أكثر من بني المتزوّجة، قال الرب" (أش 54: 1). "يمكننا الخلوص إلى أنّ صورة تابوت العهد، ذاك الموضع الذي فيه يتحقّق بنوع خاص حضور الله في إسرائيل، تظهر في الواقع من خلال رواية لوقا. إنّ مريم التي حبلت بالمسيح هي تابوت العهد الجديد، ذاك الموضع الذي فيه يتمّ حقيقة حضور الله في وسط شعبه. وهكذا يغطّي لوقا سلطته كل ما ورد في الليترجيّا وعند الآباء من تطبيق للصور الكتابيّة على مريم العذراء وعلاقتها بتابوت العهد وخيمة الموعد والهيكل، ولا سيّما في عيد تقدمة سيّدتنا مريم العذراء إلى الهيكل". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ب) مريم العذراء" المباركة في النّساء" أليصابات العاقر ومريم العذراء تتّحدان في الابتهاج عينه، ابتهاج ابنة صهيون، شعب إسرائيل الذي كان ينتظر، من خلال آلام تاريخه، الخلاص الأخير الذي سوف يمنحه إيّاه المسيح. أليصابات العاقر، وهي تشعر بطفلها يرتكض في أحشائها، وتدرك أنّ مريم العذراء تحمل في أحشائها المسيح الموعود به، تفقه أنّ نبوءات ابنة صهيون تحقّقت، وأنّ ابن العاقر وابن العذراء سيكونان في أصل الشعب الجديد الذي لا يُحصَى، شعب إسرائيل الجديد المولود من الله. وتنطلق من فمها البركة التي أوحى بها إليها الروح القدس الذي امتلأت منه: "مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك". هذا القول يجب فهمه بالمعنى الكتابي للفظة "البركة". إنّ اليصابات، بقولها إنّ مريم ويسوع هما مباركان، تعني أنّهما موضوع بركة الربّ، وتشكر لله ما صنعه لهما وما صنعه لنا بواسطتهما. فالبركة هي نشيد شكر لله. مريم ويسوع هما مباركان، أي إنّهما يشتركان في بركة الربّ ويسهمان في قصده الإلهي. يوم الشعانين ستهلّل الجموع ليسوع معلنة إيّاه المسيح والملك، ومستخدمةً اللفظة عينها: "مبارك الآتي باسم الرب" (متى 21: 9) "مباركة المملكة الآتية، مملكة داود أبينا" (مر 11: 9- 10) "مبارك الملك الآتي باسم الرب" (لو 19: 38). "مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل" (يو 12: 13). ويسوع نفسه في موضع آخر يطبّق هذا الهتاف مجيئه الثاني المجيد في نهاية الأزمنة: "فإنّي أقول لكم: إنّكم لن ترونني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب" (متّى 23: 39). هذا يدلّ على أنّ بركة أليصابات تتسم بسمة ماسيوية وإسختولوجية. إنّها تحيّي مريم العذراء "المباركة" وتحيّي فيها "المبارك" اللذين يأتيان باسم الرب، إنّها تحيّي في مريم العذراء أمّ المسيح الملك، الملكوت الآتي. إنّ لقب "المبارك" كان عند اليهود مرادفًا لله الذي كانوا يخشون التلفّظ بانه. "فالمبارك" يعني يهوه الله. هكذا يبدأ نشيد زكريا، مشيرًا إلى اسم الله وإلى موضوع تسبحته: "مبارك الربّ إله إسرائيل" (لو 1: 68). وفي أثناء محاكمة يسوع، يسأله رئيس الكهنة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" (مر 14: 61). وفي العهد القديم يبارك ملكيصادق إبراهيم بقوله: "مبارك أبرام من الله العليّ، خالق السماوات والأرض، ومبارك الله العليّ الذي أسلم أعداءَك إلى يدك" (تك 14: 19- 20). وتُوجَّه أيضاً البركة عينها إلى يهوديت لكونها بقدرة الله قطعت رأس عدوّ شعب الله. وتجدر المقارنة بين هذه المقاطع الثلاثة: https://files.arabchurch.com/upload/i...5466439891.jpg أليصابات تعبّر عن إيمانها بالمسيح الملك وبمجيء الملكوت في شخصه، وفي الوقت عينه تشكر لله مَن يأتي إليها باسم الربّ هو وأمّه، حاملاً الخلاص للعالم. يهوديت أُعلنت "مباركة فوق جميع النساء اللواتي على الأرض" لأنّها خلّصت الشعب من عدوّه أليفانا رئيس قوّاد جيش أشور. ومريم تُعلَن هنا "مباركة في النساء" لأنّها تحمل في أحشائها المسيح مخلّص جميع الشعوب. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ج) مريم العذراء "أمّ ربّي" بعد أن تُبارَك يهوديت، "يُبارَك الربّ الإله الذي هداها لضرب رأس قائد أعدائنا". هنا، بعد أن تُبارَك مريم العذراء، يُبارَك ثمرة بطنها، الربّ يسوع المسيح. ففي مريم العذراء لم يعد الربّ المخلّص قدرة تأتي إلى الإنسان من الخارج بل صار شخصاً متجسّدًا في أحشاء مريم العذراء. أليصابات تقول عنه إنّه "ربّي". ومريم هي "أمّ ربّي". وفي ذلك تذكير بقول داود في المزمور 110: "قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني، حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك". والسيّد المسيح نفسه يسأل اليهود عن معنى هذا القول: "كيف يقال إنّ المسيح هو ابن داود، وداود نفسه يقول في سفر المزامير: قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني، حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك؟ فداود يدعوه ربًّا، فكيف يكون هو ابنه؟" (لو 20: 41- 43). لا جواب على هذا السؤال إلاّ بالاعتراف بأنّ المسيح هو كإنسان ابن داود وكابن الله ربّ له. هتاف أليصابات إعلان إيمان بألوهية المسيح. ومن ألوهية المسيح تتّخذ مريم العذراء أشرف لقب لها، كما سنرى في مجمع أفسس، لقب "والدة الإله"، لأنّها ولدت المسيح الذي هو الربّ ابن الله. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
د) مريم العذراء المؤمنة "طوبى للّتي آمنت بأنّه سيتمّ ما قيل لها من قبل الرب". مريم العذراء آمنت ببشارة الملاك جبرائيل لها بأنّها ستلد ابنها يسوع بقدرة الروح القدس. يقول البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته العامّة "أم الفادي": "يمكننا أن نقارن بين إيمان مريم وإيمان إبراهيم الذي يدعوه الرسول "أبًا لنا في الإيمان" (رو 4: 12). ففي التبرير الخلاصي الذي أوحى به الله، نرى أنّ إيمان إبراهيم هو مطلع العهد القديم، فيما يَستهلّ إيمان مريم في البشارة العهد الجديد. وكما أنّ إبراهيم "آمن على خلاف كل رجاء فصار أبًا لأمم كثيرة" (رو 4: 18)، كذلك مريم في البشارة، فقد آمنت، بعد أن أشارت إلى عزمها على البتوليّة ("كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟")، أنّها ستصير أمًّا لابن الله بقدرة العليّ، بالروح القدس، كما أوضح الملاك: "المولود منك سيدعى قدّوسًا وابن الله" (لو 1: 35)... أن نؤمن يعني أن نستسلم إلى حقيقة كلمة الله الحيّ، وعيًا منّا وإقرارًا في تواضع "كم أنّ أحكامه بعيدة عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء" (رو 11: 33). ومريم التي يمكن القول إنّها وُضعت، بإرادة العليّ الأزلية، في وسط "طرق الله هذه البعيدة عن الاستقصاء"، وهذه "الأحكام البعيدة عن التنقيب"، ترضخ لها في ظلمة الإيمان، وتقبل قبولاً كلّيًا، والقلب منفتح، مضامين مخطّط الله كلّها". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ه) مريم العذراء التي بها صنع الله القدير العظائم (لو 1: 46- 55) جوابًا على أقوال أليصابات، أنشدت مريم نشيدًا تعظّم فيه الله الذي صنع بها عظائم لشعبه: "تعظّم نفسي الرب..." (لو 1: 46- 55). هذا النشيد منسوج في معظمه من آيات من العهد القديم تذكّر بالعظائم التي صنعها الله تجاه شعبه منذ وعده لإبراهيم. وقد بلغت وعود الله الماسيوية كمالها في شخص مريم العذراء وفي المسيح الذي وُلد منها. الفكرة الأساسية التي يدور حولها هذا النشيد هي أنّ عظمة الله تظهر في ضعة الإنسان. فالخلاص لا يأتي من الإنسان بل من الله، كما أنّ المسيح لم يأت "من مشيئة رجل" بل "من الله" (يو 1: 13). هذا النشيد نسّقه لوقا على مثال نشيد حنّة أمّ صموئيل النبي. فلقد تحقّق في مريم العذراء ما صنعه الربّ قديمًا في حنّة العاقر. حنّة، وقد أذلّها عقرها، صلّت إلى الربّ وقالت: "يا ربّ القوات، إن أنت نظرت إلى ضعة أمتك، وذكرتني ولم تنس أمتك، وأعطيت أمتك مولودًا ذكرًا، أعطه للربّ لكل أيّام حياته.." (1 صم 2: 1- 11). ولمّا استُجيبت صلاتها، أنشدت نشيدًا يمكننا أن نقارن بينه وبين نشيد مريم العذراء: https://files.arabchurch.com/upload/i...5887745656.jpg https://files.arabchurch.com/upload/i...9005749123.jpg نشيد حنّة نشيد ماسيوي يعبّر عن رجاء الفقراء المستضعَفين المتواضعين، وينتهي بذكر المسيح الملك: "الربّ يدين أقاصي الأرض، يهب عزّة لملكه ويرفع رأس مسيحه" (آية 10). والمسيح هو نسل إبراهيم الذي تجسّدت فيه رحمة الرب من جيل إلى جيل. "جميع الأجيال تغبّط مريم العذراء لأنّ القدير صنع بها عظائم". لا تنسب مريم العذراء لذاتها أيّ مجد. يكفيها فخرًا أنّ الله اختارها ليصنع بها عظائم الخلاص ويأتي منها المسيح. ولكنّ شخصها ليس غريبًا عن تلك العظائم الخلاصية. فهي أمّ المخلّص، وقد أسهمت في الخلاص بقبولها أن تصير أمّ المسيح: "ليكن لي بحسب قولك". لذلك تغبّطها جميع الأجيال، وتكرّمها الكنيسة في صلواتها وفي كرازتها. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
5- مريم العذراء في ميلاد السيّد المسيح (لو 2: 1- 20؛ متّى 2: 1- 23) أحداث ميلاد السيّد المسيح يرويها كلّ من لوقا ومتّى، وفي كلتا الروايتين يبدو دور مريم مرتبطاً ارتباطاً وثيقًا بدور ابنها: فهي، في إنجيل لوقا، "أمّ المخلّص، المسيح الربّ" (لو 2: 11) الذي أنشد لميلاده الملائكة في السماء والرعاة على الأرض، وفي إنجيل متّى "أمّ الملك" (متّى 2: 2) الذي جاء المجوس من المشرق ليسجدوا له (متّى 2: 2، 8، 11). مريم في هذه النصوص الإنجيلية تعطي المسيح للعالم وتشهد لما صنعه الله للعالم من عظائم إذ أرسل إلينا الربّ يسوع المسيح مخلّصاً وملكًا. رواية ميلاد السيّد المسيح في لوقا (2: 1- 20) تركّز على ظهور خلاص الله في طفل وضيع من نسل داود: "وصعد يوسف أيضاً من الجليل، من مدينة الناصرة، إلى اليهودية، إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم -فإنّه كان من بيت داود ومن عشيرته- لكي يَكْتَتِب مع مريم خطيّبته التي كانت حُبلى. وفيما كانا هناك تمَّت أيّام وضعها، فولدت ابنها البكر فقمَّطته وأضجعته في مذود، إذ لم يكن لهما موضع في النّزل" (2: 4- 6). ميلاد وضيع: طفل من نسل داود يُضجعَ في مذود. إنجيل يعقوب المنحول يذكر ميلاد يسوع في مغارة: "وجد يوسف هناك مغارة" (18: 1). إلاّ أنّ هذا الطفل هو "المخلّص المسيح الرب"، بحسب قول "ملاك الربّ" للرعاة. طفل وضيع، مذود حقير، رعاة فقراء، وامرأة عذراء: هذا هو الإطار الذي يظهر فيه "مجد الربّ" (آية 9). في ضعف الإنسان تظهر قدرة الله، لكي يتبيّن جليًّا أنّ الخلاص ليس من إنسان بل من الله. لذلك "انضمّ بغتة إلى الملاك جمهور من الجند السماويّين يسبّحون الله ويقولون: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام للناس الذين بهم المسرّة" (أي مسرّة الله ورضاه) (2: 13- 14). إزاء خلاص الله نرى الرعاة "يخبرون بما قيل لهم عن هذا الصبيّ" (2: 17)، ثمّ في نهاية الرواية "رجع الرعاة وهم يمجّدون الله، ويسبّحونه على جميع ما سمعوا وعاينوا، على حسب ما قيل لهم" (2: 20). و"كلّ الذين سمعوا أعجبوا بما قال لهم الرعاة" (2: 18). نحن هنا إزاء عمل الله الذي يملأ الناس إعجابًا وتسبيحًا. وتنتقل أناشيد التمجيد من الملائكة في السماء إلى الرعاة على الأرض. "وأمّا مريم فكانت تحفظ هذه الأقوال (أو الأمور) كلّها، وتتأمّل فيها في قلبها" (لو 2: 19). "على مرّ السنين، طوال حياة يسوع الخفيّة في بيت الناصرة ظلّت مريم، هي أيضاً المستترة في الله" (كو 3: 3) في الإيمان. وفي الواقع، إنّ الإيمان هو اتّصال بسرّ الله. ومريم على اتّصال دائم ويوميّ بالسرّ اللاموصوف، سرّ الإله المتجسّد، وهو سرّ يتجاوز كلّ ما أوحي به في العهد القديم". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
6- مريم العذراء أمّ المسيح المتألّم الفادي (لو 2: 22- 40) "لمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس وننال التبنّي" (غلا 4: 4- 5). خضعت مريم للناموس الذي كان يطلب من كل امرأة أن تذهب مع مولودها إلى الهيكل في اليوم الأربعين بعد الولادة لتقوم برتبة التطهير وفداء ابنها البكر. الطهارة المشار إليها هنا ليست الطهارة الخلقيّة التي تعني الامتناع عن الخطيئة، بل الطهارة الطقسيّة التي تعني إمكان التقرّب من الأقداس. فولادة طفل تمنع المرأة مدّة أربعين يومًا من التقرّب من كل ما هو مقدّس (راجع أح 12: 1- 8). وفي اليوم الأربعين تأتي إلى الهيكل "بحمل حولي محرقة، وبفرخ حمام أو بيمامة ذبيحة خطيئة... وإن لم يكن في يدها ثمن حمل، فلتأخذ زوجي يمام أو فرخي حمام، أحدهما محرقة والآخر ذبيحة خطيئة، فيكفّر عنها الكاهن فتطهر" (أح 12: 6- 8). كذلك يأمر الناموس بأن يُفدَى كل ذكر بكر، لأنّه ملك الرب، وذلك من بعد أن قتل الربّ كلّ بكر في أرض مصر، لمّا تصلّب فرعون ورفض إطلاق بني إسرائيل من مصر مع موسى (راجع خر 13: 2، 11- 16). يلتزم يوسف ومريم متطلّبات الناموس، غير أنّهما يدركان، حسب رواية لوقا، أنّ طفلهما هو ملك لله بنوع خاص. لذلك "صعدا به إلى أورشليم ليقدّماه للرب" (الآية 22). هذه التقدمة تذكّرنا بتقدمة حنّة لابنها صموئيل: "أعطه للربّ لكلّ أيّام حياته" (1 صم 1: 11). أدركت مريم انّ ابنها ليس لها، إنّما هو ابن الله. لذلك قدّمته لله بكلّ تجرّد وتضحية. ويسوع، الحمل الإلهيّ، الذي سيقدّم ذاته ذبيحة فداء على الصليب، تقدّمه أمّه إلى الهيكل علامة وتذكارًا لفداء العالم الذي سيحقّقه على الصليب. وترتسم بين أسطر النصّ الإنجيلي لوحة المسيح الفادي المصلوب الذي "جعل لسقوط ونهوض كثيرين في إسرائيل وهدفًا للمخالفة"، كما قال معان الذي أضاف متوجّهًا بكلامه إلى مريم العذراء: "وأنتِ أيضاً سيجوز سيف في نفسك، لكي تنكشف الأفكار من قلوب كثيرة" (الآية 25). مريم ستشارك ابنها في رسالته التي تقوده إلى الصليب، ستحمل في قلبها وفي أعماق نفسها آلام الأمّ، أمّ المسيح الفادي المصلوب. وفي هذه المشاركة ستدخل أكثر في ألفة ابنها، وستبقى قريبة منه، لذلك سنراها على أقدام الصليب. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
7- مريم العذراء تجد يسوع في الهيكل (لو 2: 41- 51) تجرّد مريم وتضحيتها بابنها يظهران أيضاً في مشهد يسوع وهو يترك مريم ويوسف يعودان من أورشليم بينما يبقى هو في الهيكل "وسط المعلّمين يصغي إليهم ويسألهم". ولمّا سألته مريم: "يا ابني لِمَ صنعت بنا هكذا؟ ها إنّي أنا وأباك نطلبك متوجّعين"، قال لهما: "ولم تطلبانني؟ ألم تعلما أنّي ملتزم بشؤون أبي؟". ويضيف النصّ الإنجيلي: "أمّا هما فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما". يسوع هو ابن الله، ونراه هنا يبتعد على نحو ما من أمّه ومن أبيه الشرعي اللذين "لم يفهما الكلام الذي قاله لهما". فعليهما أن ينموا هما أيضاً على غرار الرسل الذين "لم يفهموا هم أيضاً كلامه" عن آلامه (راجع مر 9: 30- 32). 8- "مَن أمّي ومَن إخوتي؟" (متّى 12: 46- 50؛ مر 3: 31- 35؛ لو 8: 19- 21) هذا التجرّد عينه يطلبه السيّد المسيح من أمّه في مشهد إنجيلي آخر من حياته العلنية: "فيما هو يكلّم الجموع، إذا أمّه وإخوته قد وقفوا في الخارج، طالبين أن يكلّموه. فقال له واحد: إنّ أمّك وإخوتك واقفون في الخارج يطلبون أن يكلّموك. فأجاب وقال للذي أخبره: من أمّي ومن إخوتي؟ ومدّ يده نحو تلاميذه وقال: ها أمّي وإخوتي. فإنّ كلّ من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمّي" (متّى 12: 46- 50). الأمومة الطبيعيّة بحسب الجسد يجب في نظر يسوع أن تتخطّاها مريم العذراء لتنتقل إلى الأمومة الروحيّة التي تقوم على تتميم مشيئة الله الذي يدعوه يسوع "أبي الذي في السماوات"، مؤكّدًا، كما في النصّ السابق (لو 2: 49)، علاقته الخاصّة بالله التي يجب أن يؤمن بها كلّ تلاميذه، كما آمنت مريم. 9- "طوبى للبطن الذي حملك..." (لو 11: 27- 28) هذه القرابة الروحيّة نجدها أيضاً في نصّ آخر من إنجيل لوقا: "وفما هو يتكلّم بهذا، رفعت امرأة في الجمع صوتها وقالت له: "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما. أمّا هو فقال: بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها" (لو 11: 27- 28). القرابة الطبيعيّة ليست أهمّ ما يربط مريم العذراء بابنها يسوع. إنّها تستحقّ الطوبى ليس لأنّها أمّه وحسب، بل بنوع خاص لأنّها عملت بمشيئة الله: سمعت كلمة الله وعملت بها، منذ جوابها للملاك جبرائيل: "ليكن لي بحسب قولك"، حتّى آخر لحظة من حياتها. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
10- مريم العذراء في عرس قانا (يو 2: 1- 12) "تلك هي أولى عجائب يسوع، صنعها في قانا الجليل، وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه" (الآية 11). يسوع المسيح أتى إلى العالم بواسطة مريم العذراء، وأولى عجائبه التي يظهر فيها مجده يصنعها على طلب من مريم العذراء. ولكنّه لا يصنعها إلاّ بعد أن يضع أمّه في إطار رسالته الماسيوية، ويشير إلى ساعة آلامه، ويدعو أمّه "امرأة"، كما سيفعل وهو على الصليب: "ما لي ولك يا امرأة؟ إنّ ساعتي لم تأت بعد" (الآية 4). نحن هنا إزاء رسالة المسيح الذي يبدأ فيها عهدًا جديدًا مبنيًّا على عطاء ذاته وإهراق دمه على الصليب. الماء المعدّ لغسول اليهود يتحوّل بكلَمة من المسيح إلى خمر أفضل من خمر العرس. العرس رمز العهد بين الله وشعبه. والخمر الجيّدة التي يسقيها يسوع تشير إلى أفضلية العهد الجديد على العهد القديم. بدل الغسول والتطهير وسائر الطقوس المفروضة في العهد القديم، يمنح السيّد المسيح شعبه الجديد خمر المائدة الجديدة، ويعطيه بسخاء ست خوابٍ من حجر تسع كلّ واحدة منها كيلين أو ثلاثة (الكيل يساوي أربعين لترًا). وتحوّل الماء إلى خمر لا يتمّ إلاّ بكلمة من المسيح. أدركت مريم العذراء أنّ قول ابنها لها: "ما لي ولك يا امرأة؟ إنّ ساعتي لم تأتِ بعد"، ليس رفضاً بل هو رغبة منه في أن يضع تلك المعجزة في إطار رسالته الماسيويّة التي ستقوده إلى الصليب، وعلى مريم أن تنتقل من دور أمّ يسوع إلى دور "المرأة" المتجرّدة عن ابنها، المؤمنة برسالته وبقدرة كلمته. لذلك تقول للخدّام: "مهما قال لكم فافعلوه" (الآية 5). قول مريم هذا يذكّرنا بقول مشابه لفرعون عن يوسف ابن يعقوب وزيره الأعظم إبّان المجاعة التي اجتاحت مصر: "فلمّا جاعت كل أرض مصر، صرخ الشعب إلى فرعون لأجل الخبز"، فقال فرعون لجميع المصريين: "إذهبوا إلى يوسف، ومهما قال لكم فافعلوه... ففتح يوسف كلّ ما أودع، وباع للمصريين" (تك 41: 55). الزمن الماسيوي هو زمن العطاء المجّاني: "أيّها العطاش هلمّوا إلى المياه، والذين لا فضّة لهم هلمّوا اشتروا وكلوا، هلمّوا اشتروا بغير فضّة ولا ثمن خمرًا ولبنًا حليبًا. لماذا تزنون فضّة لما ليس بخبز، وتتعبون لما لا شبع فيه؟ اسمعوا لي سماعًا وكلوا الطيّب. ولتتلذّذ بالدّسم نفوسكم" (أش 55: 1- 2). مريم، في هذا النصّ الإنجيلي، توجّه أنظارنا إلى المسيح لنصنع ما يقوله لنا، ونتمّم إرادته كما أنّه هو يتمّم إرادة أبيه السماوي، إذّاك يظهر لنا مجد المسيح. يقول البابا يوحنّا بولس الثاني: "هناك عنصر جوهري في دور أمومة مريم، نراه في ما أمرت به الخدّام: "مهما قال لكم فافعلوه". إنّ أمّ المسيح تظهر أمام البشر وكأنّها الناطقة باسم الابن، تعبر عن إرادته وترشد إلى ما يقتضيه تجلّي قدرة المسيح الخلاصيّة. ففي قانا يستهلّ يسوع "ساعته" بفضل ضراعة مريم وطاعة الخدّام، وفي قانا تظهر مريم امرأة تؤمن بيسوع، وإيمانها هذا يُخرج إلى النور أولى العجائب ويسهم في بعث إيمان التلاميذ". ثمّ يتابع قداسة البابا موضحًا معنى وساطة مريم وعلاقتها بوساطة السيّد المسيح انطلاقًا من المجمع الفاتيكاني الثاني: "فيمكننا إذًا أن نقول إنّ هذه الصفحة من إنجيل يوحنّا تضعنا أمام أوّل ظهور لحقيقة الحنان، حنان الأمّ، في مريم وهذه الحقيقة عبّر عنها، في زمن غير بعيد، تعليم المجمع الأخير. وإنّه لمن الأهميّة أن نشير إلى أنّ دور أمومة مريم هذا تفسّره علاقته بوساطة المسيح، إذ نقرأ إنّ "دور مريم تجاه البشر، وهو دور أمّ، لا ينال ولا ينتقص في شيء من وساطة المسيح الفريدة، بل يُظهر، على خلاف ذلك، فعاليّتها. لأنّ الوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان المسيح يسوع" (1 تي 2: 5). ووساطة مريم، وهي وساطة أمّ، تنبع، وفقًا لما أراده الله، "من فيض استحقاقات المسيح. فهي تستند إلى وساطته هو، وترتبط بها ارتباطاً كلّيًّا وتستمدّ منها كل ما لها من فعاليّة". وبهذا المعنى عينه نرى في ما حدث في قانا الجليل الاعتلان الاول لوساطة مريم. وهي وساطة تتّجه كليًّا صوب المسيح وتهدف إلى إبراز قدرته الخلاصية. ويستخلص النص الوارد في يوحنا أنّنا حيال وساطة أمّ. والمجمع يؤكّد أنّ مريم قد أضحت لنا، على صعيد النعمة أمًّا. وهذه الأمومة، على صعيد النعمة، تنطلق من أمومتها الإلهيّة عينها، "فالعذراء الطوباوية التي اصطفاها الله منذ الأزل، لتكون، في تصميم تجسّد الكلمة، أمًّا لله، قد صارت على الأرض، بتدبير من العناية الإلهيّة، الأمّ المحبوبة للفادي الإلهيّ، الذي أشركها بسخاء، بامتياز فريد على الإطلاق، في عمله، وأمة للرب وضيعة. فإنّها بحملها المسيح وولادته وتغذيته وتقديمه في الهيكل للآب، وتألّمها مع ابنها في موته على الصليب، أسهمت، بطاعتها وإيمانها ورجائها ومحبّتها، في عمل المخلّص إسهامًا لا مثيل له على الإطلاق، من أجل أن تعاد إلى النفوس الحياة الفائقة الطبيعة. لذلك كانت، في نظام النعمة، أمًّا". وأمومة مريم هذه، في تدبير النعمة، تستمرّ بلا انقطاع، إلى أن يكتمل نهائيًّا جميع المختارين". 11- مريم العذراء على أقدام الصليب (يو 19: 25- 27) في عرس قانا قال يسوع لأمّه: "ما لي ولك يا امرأة، إنّ ساعتي لم تأتِ بعد". وقبل آلامه قال: "لقد حانت الساعة التي يُمجَّد فيها ابن البشر. الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ حبّة الحنطة التي تقع في الأرض، إن لم تمت فإنّها تبقى وحدها، وأمّا إن ماتت فإنّها تأتي بثمر كثير... الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول؟ يا أبتاه، أنقذني من هذه الساعة ولكن لأجل هذه الساعة قد جئت. أيّها الآب، مجّد اسمك". فجاء صوت من السماء: "قد مجّدته، وسأمجّده أيضاً". وسمع الجمع الواقف هناك، فقالوا: "هو رعد!". وقال آخرون: "قد كلّمه ملاك!". فأجاب يسوع، وقال: "ليس من أجلي كان هذا الصوت، بل من أجلكم. الآن دينونة هذا العالم. الآن رئيس هذا العالم يلقى خارجًا. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليّ الجميع". قال يسوع هذا ليدلّ على أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموتها" (يو 12: 23- 33). ساعة يسوع هي ساعة عودته إلى السماء أي دخوله مجد الآب: "فإنّه لم يصعد أحد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء. وكما أنّ موسى قد رفع الحيّة في البريّة، كذلك ينبغي أن يُرفَع ابن البشر، لكي تكون به الحياة الأبديّة لكلّ من يؤمن به" (يو 3: 13- 15؛ راجع أيضاً يو 13: 1). ساعة موت يسوع هي إذًا ساعة تمجيده وفي الوقت عينه ساعة بدء الملكوت، العالم الآتي، الذي فيه يحصل المؤمنون به على الحياة الأبديّة. "سينظررن إلى الذي طعنوه" (يو 19: 37؛ زخريا 12: 10). "بيد أنّ واحدًا من الجند طعن جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء" (يو 19: 34). الدم يشهد على حقيقة ذبيحة الحمل، والماء، الذي هو إشارة إلى الروح القدس في إنجيل يوحنّا، يرمز إلى الحياة الأبديّة، إنّه الماء الحيّ الذي يُحيي المؤمنين بالمسيح. لذلك رأى بعض الآباء في الدم رمز الإفخارستيا وفي الماء رمز المعمودية، وهذان السرّان هما علامة الكنيسة لأنّهما السرّان الأساسيّان اللذان بهما تتكوّن وتنمو. في هذه الساعة، ساعة المجد وساعة الفداء وساعة بدء الملكوت ونشأة الكنيسة شعب الله الجديد، نرى مريم واقفة عند صليب يسوع: "وكانت أمّ يسوع وأخت أمّه مريم زوجة كليوبّا، ومريم المجدلية، واقفاتٍ عند صليبه. فلمّا رأى يسوع أمّه وبقربها التلميذ الذي كان يحبّه، قال لأمّه: "يا امرأة، هوذا ابنك". ثم قال للتلميذ: "هي ذي أمّك". ومنذئذ أخذها التلميذ إلى بيته الخاصّ" (يو 19: 25- 27). بهذه الكلمات صارت مريم أمًّا لجميع تلاميذ يسوع وأحبّائه. إنّ ابنها يسوع يغادرها، ولكنّه يعطيها أبناء آخرين: "في الساعة التي ينكشف فيها عمق شخص الكلمة، يتجلّى أيضاً عمق شخص مريم: لقد جُعلت لتصير أمًّا، هذا هو كيانها الصميم، أمًّا وحسب. وهي أمّ، ليس لأنا تأخذ، بل لأنّها تعطي. ويشير يوحنّا إلى مقارنة: عندما يموت يسوع يظهر ابن الله، وعندما تذهب مريم إلى بيت التلميذ الذي كان يسوع يحبّه تظهر أمّ الله. هذا هو تقديسها، كما يقول السيّد المسيح في صلاته الأخيرة: "وأنا أقدّس ذاتي، لكي يكونوا هم أيضاً مقدَّسين بالحقّ" (يو 17: 19). وذلك ليس فقط لأنّها ولدت يسوع، بل لأنّها قبلت أن تصير أمًّا لجميع الذين يحيا فيهم المسيح القائم من بين الأموات. مريم ليست أمرًا عارضاً، آلة وقع عليها الاختيار بطريق الصدفة، بل هي التي تشارك بدعوتها تاريخ ابنها. إنّها الأمّ". في هذا الموضوع يضع جاورجيوس أسقف نيقوميذية (+ حوالى 880) على لسان يسوع القول التالي: "من الآن فصاعدًا، أجعل مريم دليلاً للتلاميذ، وأمًّا ليس فقط لك بل لجميع الآخرين. وأريد أن تكرَّم بحقٍّ إكرام الأمّ. وإذا كنت قد منعتكم من أن تدعوا أحدًا إبًا لكم على الأرض، فإنّي الآن أريد أن تدعوا مريم أُمًّا لكم. وتكرّموها كأمّ". وكذلك يقول البابا يوحنّا بولس الثاني: "إنّ الكلمات التي يتلفّظ بها يسوع وتتساقط من أعلى الصليب، تشير إلى أنّ أمومة والدته تجد لها امتدادًا في الكنيسة وبالكنيسة، ممثَّلة بيوحنّا. وهكذا "فالممتلئة نعمة" التي أدخلت سرّ المسيح لتكون أمًّا له، أعني والدة الإله الفائقة القداسة، تظلّ في هذا السرّ في الكنيسة بوصفها "المرأة" التي يعيها سفر التكوين (3: 15) في البدء وسفر الرؤيا (12: 1) في خاتمة تاريخ الخلاص". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
12- حوّاء الجديدة (تك 3: 15) بعد خطيئة آدم وحوّاء، طردهما الله من الفردوس، أي إنّهما فقدا حياة النعمة. لكنّ الله وعدهما بالخلاص، إذ قال للحيّة، رمز الشيطان والشرّ ورفض الله: "سأجعل عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلكِ ونسلها. فهو يسحق رأسك، وأنت تصيبين عقبه بجروح" (تك 3: 15). ينبئ النصّ الكتابي بقيام عداوة بين نسل الحيّة ونسل حوّاء، أي بين "الشيطان" و"الإنسان"، ويلمّح إلى انتصار الإنسان في النهاية، وفي ذلك أوّل تبشير بالخلاص قبل بشارة الإنجيل. إنّ الترجمة اليونانيّة "السبعينيّة" تبتدئ الجملة الأخيرة بضمير المذكّر، فيُنسَب ذلك الانتصار، لا إلى نسل المرأة بوجه عامّ، بل إلى أحد أبناء تلك المرأة، لا إلى الجماعة البشريّة، بل إلى فرد من تلك الجماعة. ومن هنا انطلق التفسير الماسيوي الذي أوضحه في ما بعد كثير من آباء الكنيسة. فهذا الشخص الذي سيسحق رأس الحيّة هو السيّد المسيح. أمّا القدّيس إيرونيموس (347- 420) ففي ترجمته اللاتينية يبدأ الجملة الأخيرة بضمير المؤنّث "هي تسحق رأسك"، ويعني بهذا الضمير المرأة. واستنادًا إلى هذه الترجمة أصبح التفسير المريمي للمرأة تقليديًّا في الكنيسة الغربيّة. كيف يمكننا تفسير هذه النبوءة؟ إنّ كلمة "المرأة" في هذا النصّ يجب ألاّ تؤخَذ بمعناها الحرفي كأنّها تعني شخصاً فردًا، بل يجب فهمها بمعناها الشامل. إذّاك تدلّ على المرأة إجمالاً. بيد أنّ حوّاء ومريم كلتيهما تدخلان في هذه الدلالة الشاملة. وإذا اعتبرنا أنّ اللّغات الساميّة تنظر من وراء المعاني الشاملة الى أهمّ الأفراد الذين تتحقّق فيهم المفاهيم التي يراد التعبير عنها، صحّ القول إنّ الكاتب قد يكون فكّر عند ذلك ببعض النساء اللواتي اشتركن اشتراكًا أشدّ فعّاليّة في النزاع القائم بين الحيّة والجنس البشري، ومنهنّ حوّاء المذكورة في النصّ المجاور، والعذراء الطاهرة "أمّ المولود الفريد الذي سينتصر على الحيّة" انتصارًا نهائيًّا. فنكون بهذا قد بلغنا إلى معنى حرفي "كامل" قد يكون وراء تفكير الكاتب في وجدانه الواعي، ولكنّه واضح على كل حال أمام الله المؤلّف الأوّل والأساسي للكتاب المقدّس. ولا تكون الترجمة السبعينية وترجمة القدّيس إيرونيموس، مع ابتعادهما عن الأصل العبراني، سوى إيضاحات إضافيّة لا تخرج على المعنى الأصلي. إنّ تفسير هذه الآية ينطلق من النسل بنوع عام ليصل إلى شخص فرد سيسحق الشرّ. يقول أحد المفسّرين المعاصرين: "كلمة نسل تدلّ على شخص فرد، وهذا الشخص سيسحق الشرّ، ولكنّ الشرّ سيؤلمه حين يصيبه بجروح، حين يعضّه. أمّا المرأة فهي تمثّل البشريّة. أجل إنّ الخلاص لا يأتي مباشرة من السماء، بل يحتاج إلى مشاركة البشر. والمخلّص المنتظر يكون ابن البشريّة وابن المرأة. وعندما يأتي ملء الزمان، نفهم أنّ المرأة شخص فرد. إنّها مريم التي تشارك ابنها في صراعه مع الشرّ. إنّها البشريّة المخلّصة تشارك مسيحها في عمل الخلاص. نسل المرأة يخلّصنا، والمرأة تمثّل البشريّة الخاطئة. ولكنّ هذه البشريّة تحمل بذار القداسة، ومن هذه البذار ينبت المخلّص. وهنا تبدو مريم عظيمة لأنّها تمثّل البشريّة العائشة في ضيق والمنتظرة ساعة الخلاص. مريم هي "المرأة" في عرس قانا الجليل وعند الصليب، وهي صلة الوصل بين يسوع وتلاميذه. مريم هي حوّاء الجديدة وأمّ الأحياء، لأنّ ابنها يسوع هو حياة العالم". فقول يسوع لأمّه: "يا امرأة" هو للتأكيد أنّ مريم هي حوّاء الجديدة وأنّها تمثّل البشريّة التي تشارك المسيح في خلاص العالم. 13- المرأة الملتحفة بالشمس (رؤ 12: 1- 6، 13- 17) مريم العذراء تمثّل ابنة صهيون، شعب العهد القديم الذي ينتظر ولادة المسيح المخلّص. وبعد أن ولدت المسيح صارت صورة للكنيسة التي تلد على مدى الزمان أعضاء جسد المسيح السرّي. اختيارها من قبل الله وعلاقتها بالمسيح هما صورة الكنيسة ومسيرتها عبر التاريخ. هذا ما يشير إليه النصّ التالي من سفر الرؤيا: "ثمّ ظهرت في السماء آية عظيمة: امرأة ملتحفة بالشمس، وتحت قدمها القمر، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا، وهي حُبلى، وتصيح وقد اعتراها المخاض ومشاقّ الولادة. وظهرت آية أخرى في السماء. فإذا تنّين عظيم... ووقف التنّين قبالة المرأة المشرفة على الولادة، ليفترس ولدها عندما تلده. فولدت ولدًا ذكرًا، هو المزمع أن يرعى جميع الأمم بعصاً من حديد، فاختُطِف الولد إلى الله وإلى عرشه، وهربت المرأة إلى البريّة، حيث أعدّ لها الله خلوة، تُعال فيها ألفًا ومئتين وستين يومًا. حينئذ نشب قتال في السماء: ميخائيل وملائكته قاتلوا التنّين... وُطرح التنّين العظيم، الحيّة القديمة، المسمّى "إبليس" و"الشيطان" مضلّ المسكونة بأسرها، طُرح إلى الأرض وطُرحت ملائكته معه... ولمّا رأى التنّين أنّه قد طُرح على الأرض، طارد المرأة التي ولدت الولد الذَّكر. فأُعطيت المرأة جناحي العقاب العظيم، لتطير إلى البرّية، إلى خلوتها، بعيدًا عن وجه الحيّة، حيثُ تعال زمانًا، وأزمنة، ونصف زمان. فألقت الحيّة من فيها، في إثر المرأة، ماء كالسيل، لتهلكها به. فأغاثت الأرض المرأة: فتحت الأرض فاها وابتلعت السيل الذي ألقاه التنّين من فيه. فغضب التنّين على المرأة، وذهب ليحارب باقي نسلها، الذين يحفظون وصايا الله، ويقبلون شهادة يسوع. وأقام على رمل البحر" (رؤ 12: 1- 18). توحي هذه الرؤيا بالسقطة الأولى التي تعرّض لها الإنسان في بدء الخليقة. ففي كلا النصّين عدّة عناصر مشتركة: المرأة، نسلها، الحيّة، العراك الذي نشب بينهما، انتصار المرأة وولادتها قايين (راجع تك 3: 15- 16، 20؛ 4: 1). إسرائيل في العهد القديم صوّره الأنبياء بملامح امرأة، "ابنة صهيون" التي تعاني أوجاع الولادة. وبعد تلك الأوجاع تفرح بمجيء المخلّص: "المرأة، إذا ما حان وضعها، تحزن لأنّ ساعتها قد أتت، ولكنّها متى وضعت الطفل لا تعود تتذكّر شدّتها فرحة بأنّ إنسانًا وُلد في العالم. وأنتم أيضاً، فإنّكم الآن في حزن، ولكنّي سأراكم من جديد، فتفرح قلوبكم، وفرحكم هذا لا يقدر أحد أن ينتزعه منكم" (يو 16: 21- 22). إنّ صورة المرأة التي تلد ترمز أيضاً إلى عمل فداء المسيح الذي أتمّه بموته وقيامته. ظهور المرأة الملتحفة بالشمس كما صوّرها سفر الرؤيا هو تحقيق الرجاء الماسيوي الذي بدأت ملامحه في سفر التكوين في وعد الله للمرأة بأنّ نسلها سيسحق رأس الحيّة. هذه المرأة أوّلاً "ابنة صهيون"، شعب العهد القديم الذي بقي ثابتًا في انتظار مجيء المسيح من خلال أوجاع تاريخه، وهو يرتكز على ذكرى فدائه السابق من عبوديّة مصر، ويرجو خلاصه النهائي، وقد كان في عراك دائم ضدّ قوى الشرّ التي استخدمت الأمم لإزالته. وهذه المرأة هي ثانيًا الكنيسة التي ستعافي الاضطهادات، ولكنّها متيقّنة بالنصر. فإنّها "ملتحفة بالشمس"، أي بنور المسيح ونور حضور الله، و"تحت قدميها القمر"، رمز الدنيويّات التي تزدريها والخلائق التي تسودها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا هم الرسل الاثنا عشر. ستعاني الاضطهاد زمانًا يسيرًا تلجأ فيه إلى البرّية، أي إلى الخلوة مع الله لتتأمّل في محبّته وتغتذي بقربان المسيح الذي بقيامته من أن الأموات صار عربون دخولها الممجَّد إلى ملكوت الله. وهذه المرأة هي أخيرًا مريم العذراء "بنت صهيون" الجديدة أمّ المسيح الفادي الذي ارتفع إلى عرش الله. والرؤيا تجمع بين ولادة المسيح على الأرض وولادته بالقيامة إلى السماء بعد آلام الصليب. "فالله، حسب قول بولس الرسول، قد أقام يسوع على ما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (أع 13: 33). ومريم العذراء تشارك ابنها في هذه الولادة بالأوجاع إلى القيامة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
14- مريم العذراء مع الرسل في العلّيّة (أع 1: 12- 14) بعد صعود المسيح إلى السماء، رجع الرسل إلى أورشليم وصعدوا إلى العلّيّة حيث أكلوا فيها الفصح الأخير مع السيّد المسيح، و"كانوا مواظبين على الصلاة بنفس واحدة مع بعض النساء ومريم أمّ يسوع، ومع إخوته" (أع 1: 14). مريم هي عضو في الكنيسة وتصلّي مع الرسل طالبة حلول الروح القدس الذي به يبدأ في الكنيسة زمن الكرازة والرسالة. إنّها صورة الكنيسة الأمّ، إنّها تجسيد الأمومة في الكنيسة، وليس لها دور خدمة ولا رئاسة كالرسل. إنّها في وسط الكنيسة الأولى تؤدّي دور الأمّ التي تقود المؤمنين إلى المسيح. "فهناك إذًا، في تدبير النعمة الذي تحقّق بفعل الروح القدس، تزامن فريد بين تجسّد الكلمة وولادة الكنيسة. والشخص الذي يجمع بين هذين الحدثين هو مريم: مريم في الناصرة، ومريم في علّيّة أورشليم. وفي الحدثين تظهر مريم بحضورها الأساسي، وإن كان هذا الحضور بعيدًا عن الأضواء، السبيل إلى الولادة بالروح. وهكذا، فصاحبة الحضور في سرّ المسيح بوصفها أمًّا له، تضحي حاضرة، بإرادة الابن والروح القدس، في سرّ الكنيسة. ولا تزال تواصل في الكنيسة حضورها، حضور الأمّ وفقًا لمدلول الكلمات التي هبطت من على الصليب: "يا امرأة، هوذا ابنك"، "هي ذي أمّك" |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
الفصل الثاني مريم العذراء فى عقيدة الكنيسة 1- مريم العذراء في الفكر اللاهوتيّ في القرنين الأوّل والثاني أ- أغناطيوس الأنطاكي ب- القدّيس يوستينوس ج- القدّيس إيريناوس أسقف ليون 2- مريم العذراء "والدة الإله" أ- لقب "والدة الإله" قبل مجمع أفسس ب- نسطوريوس بطريرك القسطنطينيّة ج- جواب كيرلّس الإسكندريّ د- مجمع أفسس ه- قانون الوحدة و- أبعاد "الأمومة الإلهيّة" ومعانيها 3- مريم العذراء الدائمة البتوليّة أ- بتوليّة مريم العذراء قبل الولادة ب- بتوليّة مريم العذراء أثناء الولادة ج- بتوليّة مريم العذراء بعد الولادة د- بتولية مريم العذراء الباب الشرقى الدائمة ه- أقوال علماء الكنيسة فى بتولية مريم العذراء الدائمة 4- مريم العذراء الفائقة القداسة أ- الممتلئة نعمةً في الكتاب المقدّس ب- قداسة مريم العذراء في كتابات الآباء ج- قداسة مريم العذراء وعقيدة الحبل بلا دنس د- قداسة مريم العذراء في التصميم الإلهيّ وتاريخ الخلاص 5- مريم العذراء الممجّدة في السماء أ- عقيدة انتقال مريم العذراء في الكنيسة الكاثوليكيّة ب- إنتقال مريم العذراء في كتابات الآباء ج- انتقال مريم العذراء في الصلوات الليترجيّة د- أبعاد ومعاني انتقال مريم العذراء الى السماء |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
1- مريم العذراء في الفكر اللاّهوتي في القرنين الأوّل والثاني ركّز الآباء في القرنين الأوّل والثاني على دور مريم العذراء في قصد الله من خلال الكتاب المقدّس وفي مقارنة أقاموها بين حوّاء ومريم العذراء. أ): إغناطيوس الأنطاكي (+ 107) يذكر إغناطيوس الأنطاكي مريم العذراء عدّة مرّات في رسائله السبع إلى الكنائس، ويؤكّد بتوليّتها وأمومتها الإلهيّة. فيقول في رسالته إلى الأفسسيين: "واحد هو طبيبنا، مخلوق وغير مخلوق، جسد وروح، إله في الإنسان، وحياة حقيقية في الموت، مولود من مريم ومولود من الله" (رقم 7). ثمّ يتكلّم على أسرار ثلاثة لم يعرفها الشيطان، فيقول: "لم يدرك سلطان هذا العالم بتوليّة مريم ولا أمومتها ولا موت الربّ. هذه الأسرار التي تمّت في صمت الله" (رقم 19). ب) القدّيس يوستينوس (+ 165) يعود القدّيس يوستينوس مرارًا إلى نبوءة عمّانوئيل (أش 7: 14)، ويرى فيها تبشيرًا بالخلاص. كما يذكر مرارًا وعد الله لحوّاء بأنّ نسلها سيسحق رأس الحيّة. ويرى تحقيق هذا الوعد في مريم العذراء وفي ابنها يسوع المسيح. يقول: "رضي ابن الله أن يصير إنسانًا وأن يولد من عذراء من نسل داود، لكي يقتل الحيّة وينتصر على الموت". ويقارن بين حوّاء ومريم، فيوضح أنّه كما أخطأت حوّاء المرأة الأولى وعصت الله بملء حرّيتها، كذلك أصغت مريم العذراء إلى قول الله وأطاعته بملء حرّيتها. وكما أنّه بعذراء دخلت المعصية ودخل الموت إلى العالم، كذلك بعذراء حصل العالم على البرّ وعلى الحياة. "لقد صار المسيح إنسانًا بواسطة عذراء، وذلك حتى إنّ المعصية التي نتجت من الحيّة تجد لها حلاًّ بالطريقة عينها. فإنّ حوّاء كانت عذراء ولم تُمسَّ بعد بكارتها، عندما قبلت في حشاها الكلمة التي أتتها من الحيّة، فولدت المعصية والموت. أمّا مريم قد حملت الإيمان والفرح، عندما بشّرها الملاك بأنّ روح الربّ سيحلّ عليها وقدرة العلي ستظلّلها، بحيث إنّ المولود منها هو قدّوس وابن الله (لو 1: 35)، وأجابت: "ليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). وبواسطتها ولد من أشرنا إليه أنّه هو الذي سيسحق به الله الحيّة والملائكة والبشر الذين على مثال الحيّة". فالمقارنة واضحة: المرأة الأولى أخطأت بحرّيتها، والمعركة ضدّ الحيّة يجب أن تكون حرّة. فمن يمكنه أن يأخذ حرّية حوّاء ويردّها إلى الله؟ هذا ما فعلته مريم. الهلاك أتانا عن يد عذراء قبلت بملء حرّيتها قول الحيّة، والخلاص جاءنا عن يد عذراء قبلت بملء حرّيتها قول الله. ومعصية حوّاء أزالتها طاعة مريم. حوّاء ولدت الموت ومريم ولدت الحياة. والله، قبل أن يولد منها كلمته وابنه الأزلي، طلب قبولها. وهكذا دخلت مريم العذراء في سرّ ابنها الخلاصي. ج) القدّيس إيريناوس أسقف ليون (+ 202؟) يرى إيريناوس أنّ الخلاص يقوم علي العودة إلى بدء الكون لتحقيق قصد الله في الإنسان، ذاك القصد الذي لم يتحقّق بسبب خطيئة آدم وحوّاء. وتتمّ تلك العودة إلى الجذور بإعادة تكوين الأدوار التي أفسدت قصد الله. فالمسيح يحلّ محلّ آدم، والصليب ينتصب عوضاً عن شجرة السقطة، ومريم تقوم من جديد بالدور الذي لم تستطع حوّاء القيام به. المسيح آدم الجديد ينطلق إيريناوس من قول بولس الرسول إنّ المسيح هو آدم الجديد وإنّه يجمع في شخصه البشريّة كلّها. ويتوسّع في قوله: "فلئن كان الموت، بزلّة واحد، قد ملك بهذا الواحد، فكم بالأحرى الذين ينالون وفور النعمة وموهبة البرّ سيملكون في الحياة بواحد هو يسوع المسيح" (رو 5: 17). ويقول: "كما أنّه بهزيمة رجل هبط جنسنا إلى الموت، كذلك بانتصار رجل صعدنا إلى الحياة، وكما تغلّب الموت علينا برجل، كذلك انتصرنا نحن على الموت برجل... فالمسيح يجمع في شخصه كلّ شيء، ما في السماء وما على الأرض. إنّه يوحّد بين الإنسان والروح، ويضع الروح في الإنسان. وهكذا يقود الحرب على عدوّنا، فيقهر ذاك الذي منذ البدء جعلنا أسرى بآدم، إذ يسحق رأسه. إنّ الذي ولد من عذراء، كما ولد آدم من أرض عذراء، أشارت إليه منذ البدء نبوءة تقول إنّه سيسحق رأس الحيّة. هذا هو النسل الذي يتكلّم عنه بولس في رسالته إلى الغلاطيين (غلا 4: 4) وعنه يقول المزمور التسعون: "سوف يدوس الأسد والتنّين"، ويقول سفر الرؤيا: "سيقيّد التنّين، الحيّة القديمة" (رؤ 20: 2). مريم العذراء حوّاء الجديدة ثمّ يوضح القدّيس إيريناوس دور مريم العذراء في هذا الخلق الجديد: "كما أنّ يد الله خلقت آدم من أرض عذراء، كذلك لمّا جمع كلمة الله الإنسان في شخصه، ولد من مريم العذراء. وهكذا إلى جانب حوّاء، ولكن على خلافها، قامت مريم بدور في عمل الجمع هذا الذي هو عمل خلاص الإنسان، لمّا حبلت بالمسيح. حوّاء أغواها الشرّ وعصت الله. أمّا مريم فاستسلمت لطاعة الله وصارت المحامية عن حوّاء العذراء. إنّ حوّاء، وهي بعد عذراء، كانت سبب الموت لها وللجنس البشري بأسره. أمّا مريم العذراء فبطاعتها صارت لها وللجنس البشري بأسره سبب خلاص. من مريم إلى حوّاء هناك إعادة للمسيرة عينها، إذ ما من سبيل لحلّ ما تمّ عقده إلاّ بالرجوع باتّجاه معاكس لفكّ الحبال التي تمّ حبكها. لذلك يبدأ لوقا نسب المسيح ابتداء من الربّ ويعود إلى آدم (لو 3: 22- 38)، مظهرًا أنّ الحركة الحقيقية للولادة الجديدة تسير من الأجداد إليه بل منه إلى الأجداد، وفق الولادة الجديدة في إنجيل الحياة. هكذا أبطلت طاعة مريم معصية حوّاء. ما عقدته حوّاء بعدم إيمانها حلّته مريم بإيمانها. لمحو الضلال الذي لحق بالتي كانت مخطوبة -العذراء مريم حوّاء- حمل الملاك البشارة الجديدة الحقّة إلى التي كانت مخطوبة. العذراء مريم حوّاء ضلّت بكلام الملاك واختبأت من وجه الله بعد أن عصت كلمته، أمّا مريم فبعد أن سمعت من الملاك البشري الجديدة، حملت الله في أحشائها لأنّها أطاعت كلمته. إذا كانت الأولى عصت الله، فالثانية رضيت بأن تطيعه. وهكذا صارت العذراء مريم المحامية عن العذراء حوّاء. وكما ربط الموت الجنس البشري بسبب امرأة، كذلك خُلِّص الجنس البشري بواسطة امرأة". هكذا رأى آباء الكنيسة في القرنين الأوّل والثاني أنّ لمريم دورًا أساسيًّا في تاريخ الخلاص. وهذا الدور هو دور مزدوج: فقد حبلت بيسوع المسيح بشكل بتولي. إنها امّ المسيح ابن الله. ثمّ إنّها. بإيمانها وطاعتها لكلام الله قد أبطلت معصية حوّاء الأمّ الأولى، وهكذا شاركت بملء حرّيتها في الخلاص الذي جاءنا به ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
2- مريم العذراء "والدة الإله" () إنّ الإعلان أنّ مريم العذراء هي حقًّا "والدة الإله" قد تمّ في المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس سنة 431 في أيّام الامبراطور ثيودوسيوس الثاني. تلك هي العقيدة المريميّة الأساسية التي تجمع كلّ المسيحيين من كاثوليكيّين وأرثوذكسيّين وإنجيليّين (الملقّبين بالبروتستانت). لماذا تمّ إعلان تلك العقيدة؟ وماذا تعني؟ أ) لقب "والدة الإله" قبل مجمع أفسس إنّ أوّل شهادة لاستعمال هذا اللقب نجدها في رسالة ألكسندروس أسقف الإسكندرية حول مجمع التأم في الإسكندرية سنة 320 للحكم على بدعة آريوس: "بعد هذا تناولنا عقيدة القيامة من بين الأموات التي صار فيها ربنّا يسوع المسيح باكورة الثمار فقد لبس في الحقيقة لا في المظهر جسدًا اتّخذه من مريم والدة الإله". إلاّ أنّ هناك صلاة تتوجّه إلى مريم العذراء بهذا اللقب، ويبدو أنّها تعود إلى نهاية القرن الثالث: "يا والدة الإله، لقد لجأنا إلى حنانك، فلا تعرضي عن ابتهالاتنا في المحن، بل نجّينا من الخاطر، يا من هي وحدها نقيّة ومباركة". وقد ورد هذا اللقب عند كثير من آباء الكنيسة قبل مجمع أفسس، ممّا يبرهن عن شيوعه في الكنيسة الجامعة منذ القرون الأولى. نكتفي هنا بذكر بعض أقوالهم: القدّيس أثناسيوس الكبير (296- 373): "إنّ الكلمة هو نفسه قد ولد بالجسد من مريم والدة الإله" (عظات ضدّ آريوس 3: 14، 29، 33؛ 4: 32). القدّيس كيرلّس الأورشليمي (315- 386): "رئيس الملائكة جبرائيل يشهد لله في حمله البشارة إلى مريم، والعذراء والدة الإله مريم تشهد له أيضاً" (عظات 10: 19). القدّيس غريغوريوس النيصي (330- 395): "إنّ ابن الله قد اتّخذ لنفسه جسدًا من العذراء، لذلك حقّ للعذراء أن تُدعى والدة الإله" (في البتوليّة، 13). - القدّيس غريغوريوس النزينزي (320- 389): "إن كان أحد لا يؤمن أنّ القدّيسة مريم هي والدة الإله، فهو غريب عن الله" (الرسالة 101: 4- 6). من أين أتى هذا اللقب؟ لقد استقاه المسيحيّون من قول أليصالات: "من أين لي هذا أن تأتي أمّ ربي إليّ؟" (لو 1: 43). فيسوع المسيح هو "الربّ"، ولقب الربّ هو من أسماء الله. "فالربّ هو الله". فإذا كان المسيح هو الربّ، فأمّ الربّ هي "والدة الإله" (). ب- نسطوريوس بطريرك القسطنطينية إنتخب نسطوريوس بطريركًا على القسطنطينية سنة 428. ويروي المؤرّخ سقراط أنّ أوّل من انتقد لقب "والدة الإله" كاهن يدعى أنسطاسيوس أتى به نسطوريوس من أنطاكية. ففي أحد الاحتفالات الكبرى ارتقى المنبر وراح يمدح مريم العذراء، ثمّ أضاف أنّه مهما كانت مريم العذراء جديرة بالمديح، فلا يجوز أن ننسب لها ألقابًا خاطئة. لذلك "لا يجوز لأحد أن يدعو مريم "والدة الإله"، مريم ليست سوى امرأة، والإله لا يمكن أن يولد من امرأة". يردف المؤرّخ أنّ المؤمنين، لدى سماعهم هذا التهجمّ الكافر، ملأهم الاضطراب والغضب، وقام أحدهم ونعت الواعظ بالتجديف. وإذّاك راح نسطوريوس في عظاته يوضح رأيه في هذا الموضوع. يقول في عظته الأولى: "منذ بضعة أيّام تُطرَح علينا أسئلة واهية: يسألوننا هل يجوز لنا أن ندعو مريم بلقب والدة الإله، أم يجب أن ندعوها فقط "أمّ الإنسان"؟ كيف يكون لله أمّ؟ إنّنا لدى سماعنا هذا اللقب، لا بدّ لنا من أن نعذر الوثنيين الذين يعطون أمّهات للآلهة. لا، يا صاح، مريم لم تلد الإله... الخليقة لم تلد خالقها، بل ولدت إنسانًا هو آلة في يد الله، إنسانًا حاملاً الله". إنّ رفض نسطوريوس لقب والدة الإله ناتج من نظرته الخاطئة في تجسّد كلمة الله في أحشاء مريم العذراء. ما هو تعّليمه في هذا الموضوع؟ ولماذا حرمه مجمع أفسس؟ في نظر نسطوريوس، في المسيح طبيعتان متميّزتان تحافظ كل منهما على صفاتها الخاصّة بها، وتعمل عملها الموافق جوهرها. ولكن، بحسب فلسفة مدرسة أنطاكية التي تعلّم فيها نسطوريوس، "كل طبيعة كاملة هي شخص". فالمسيح، ليكون إنسانًا كاملاً، يجب أن يكون متميّزًا عن الشخص الإلهي الذي اتّحد به. فلا وجود إذًا لوحدة حقيقية بين الطبيعتين، الإلهيّة والإنسانيّة، في شخص المسيح الواحد، بل مجرّد علاقة نعمة خاصّة بين شخصين: المسيح الإنسان وكلمة الله. وما يقوله الإنجيل عن المسيح يعود إلى شخصه الإنساني وتارة إلى شخصه الإلهي. فكلمة الله لا يتجسّد ولا يولد كما يولد الإنسان، بل يتّحد بإنسان موجود قبل هذا الاتّحاد. يميّز إذًا نسطوريوس بين شخص المسيح وشخص الكلمة. فشخص المسيح غير شخص الكلمة. الكلمة من طبيعته ابن الله منذ الأزل، أمّا المسيح فهو شخص مخلوق، ولا يمكن أن يقال عنه إنّه ابن الله إلاّ بالتبنّي. لا شكّ أنّ نسطوريوس يتكلّم عن وحدة في المسيح. فيقول إنّ المسيح الذي هو إله وإنسان، هو شخص () واحد. ولكنّ وحدة هذا الشخص ناتجة، في نظره، من اتّحاد الطبيعتين أو الشخصين المتميّزين. فالطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة اجتمعتا في ما يدعوه نسطوريوس "شخص الاتّحاد". في ما يختصّ بمريم العذراء، ينتج من نظرة نسطوريوس هذه أنّ مريم هي أمّ المسيح الإنسان، وليست أمّ الكلمة ابن الله. فيجب ألاّ ندعوها "والدة الإله" ()، بل والدة المسيح (). أمّا الكنيسة الجامعة فتعلّم أنّ وحدة الشخص في المسيح قائمة في شخص الكلمة الذي هو نفسه شخص المسيح الإنسان. فالكلمة الموجود منذ الأزل في الله الآب اتّخذ، بالتجسّد، طبيعة بشرية. فالشخص الواحد في المسيح ليس نتيجة اتّحاد شخص الكلمة وشخص الإنسان، كما يظنّ نسطوريوس في كلامه عن "شخص الاتّحاد". الشخص الواحد في المسيح هو نفسه شخص الكلمة الذي اتّخذ طبيعة بشريّة وصار إنسانًا بكل ما لهذه الكلمة من معانٍ وأبعاد. بعد التجسّد لم تعد الطبيعة البشريّة غريبة عن كيان الله. فابن الله عاش إنسانًا على الأرض: فحبل به في أحشاء مريم العذراء وولد، وعاش، وصلب، ومات. لقد اختبر ابن الله الحياة الإنسانية في ذاته. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ج) جواب كيرلّس الإسكندري رُفعت تعاليم نسطوريوس إلى الامبراطور وإلى بطريركي أنطاكية والإسكندرية. وكان على كرسي الإسكندرية آنذاك كيرلّس، وهو صاحب الشخصيّة القويّة والفيلسوف واللاهوتي اللامع وواحد من أعظم آباء الكنيسة. فوضع دراسات حول موضوع النقاش، وبعث بها سنة 429 إلى كل من الامبراطور والبابا سلستينوس بابا رومة، ويوحنّا بطريرك أنطاكية، طالبًا منهم الحكم على نسطوريوس على غرار ما فعل هو. يرى كيرلّس أنّ رفض لقب "والدة الإله" ينتج منه رفض لوحدة الشخص في المسيح. فيسوع المسيح ابن الله هو شخص واحد. ووحدة الشخص فيه تفرض أن تُطلَق عليه خصائص الطبيعتين اللتين فيه: الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة. فيسوع الإنسان هو نفسه كلمة الله. إنّه شخص واحد، شخص كلمة الله الأزلي، الذي اتّخذ بالتجسّد طبيعة بشريّة وصار هو نفسه إنسانًا. فمن ثمّ يمكن القول "إنّ ابن الله ولد من مريم"، ونعني بذلك أنّه ولد منها بحسب طبيعته البشريّة، كما يمكن القول إنّ "ابن مريم قد خلق الكون" ونعني بذلك أنّه خلقه بحسب طبيعته الإلهيّة. هذا ما يدعوه اللاهوت "اتّصال الخصائص"، أي اتصال خصائص الطبيعتين الإلهيّة والإنسانية في شخص واحد هو شخص المسيح الكلمة ابن الله المتجسّد. وانطلاقا من هذا المبدأ يصح القول "إنّ مريم هي والدة الإله"، لا لأنّها خلقت شخص ابن الله، إذ إنّ هذا الشخص كائن منذ الأزل مع الله، وهو الذي خلق مريم، بل لأنّ الشخص الذي اتّخذ منها جسدًا ونفسًا بشريّين، وحملته في أحشائها مدّة تسعة أشهر وولدته، هو نفسه ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله والذي صار إنسانًا. إنّ خطأ النسطورية يقوم على أنّها، للمحافظة على التمييز بين الطبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة في المسيح، تصل إلى الفصل بينهما، بحيث إنّ مَن صُلِب ومات ليس شخص ابن الله الواحد في طبيعته البشريّة، بل الشخص البشري فيه، وقد بقي الشخص الإلهيّ غريبًا عن الصلب والموت. وينتج من ذلك أنّ عمل الفداء لم يعد عمل الشخص الواحد الذي هو إله وإنسان معًا، بل صار عمل الشخص البشري في المسيح. وتلك النتيجة لا يمكن القبول بها في الإيمان المسيحي، لأنّ فداء الإنسان لا يمكن أن يتمّ على يد إنسان. إنّ البشرية قد حصلت على الفداء والخلاص، لأنّ الذي خلّصها هو إله وإنسان معًا. ولأنّه إله وإنسان معًا، هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، والمخلّص والفادي الأوحد. د) مجمع أفسس (431) لم يلتئم مجمع أفسس لتحديد عقيدة بشأن مريم العذراء، بل لتجديد عقيدة بشأن السيّد المسيح. فأعلن، ضدّ نسطوريوس، أنّ المسيح شخص واحد في طبيعتين، وليس شخصين متّحدين أحدهما بالآخر كرامة وسلطة. وينتج من هذا التحديد أنّ مريم العذراء، التي هي أمّ هذا الشخص الواحد، شخص ابن الله، هي حقًّا "والدة الإله". لم يصدر عن المجمع قانون إيمان خاص. بل اكتفى المجمع بالموافقة على رسالة القدّيس كيرلّس إلى نسطوريوس. وقد جاء فيها: "إنّنا نعترف بأنّ الكلمة صار واحدًا مع الجسد، إذ اتّحد به اتّحادًا أقنوميًّا. فنعبد الشخص الواحد، الابن الربّ يسوع المسيح. إنّنا لا نفرّق بين الإله والإنسان، ولا نفصل بينهما كأنّهما اتّحدا الواحد بالآخر اتّحاد كرامة وسلطة. فهذا القول ليس سوى كلام فارغ. ولا ندعو الكلمة المولود من الله مسيحًا آخر غير المسيح المولود من امرأة. إنّما نعترف بمسيح واحد هو الكلمة المولود من الآب، وهو الذي اتّخذ جسدًا. إنّنا لا نقول إنّ طبيعة الكلمة تغيّرت فصارت جسدًا، ولا إنّها تحوّلت إلى إنسان كامل مكوّن من نفس وجسد. ولكننا نؤكّد أنّ الكلمة، باتّحاده اتّحادًا أقنوميًّا بجسد تحييه نفس عاقلة، صار إنسانًا على نحو لا يفي به وصف ولا يمكن إدراكه، ودعي ابن البشر. هذه الوحدة لم تتمّ بأنّ الكلمة اتّخذ شخصاً () وحسب. وإن اختلفت الطبيعتان اللتان اتّحدتا اتحادًا حقيقيًّا، ففي كليهما مسيح واحد وابن واحد... ليس أنّ إنسانًا اعتياديًّا وُلد من مريم العذراء ثمّ حلّ عليه الكلمة... فالكتاب المقدّس لم يقل إنّ الكلمة وحّد بين نفسه وشخص إنسان، بل قال إنّه صار جسدًا. وهذا التعبير "الكلمة صار جسدًا" لا يمكن أن يعني شيئًا آخر غير أنّه اتّخذ لحمًا ودمًا مثلنا أي جعل جسدنا جسدًا له. ووُلد إنسانًا من امرأة دون أن يخلع عنه وجوده كإله أو ولادته الأزليّة من الله الآب. ولكنّه مع اتّخاذه لذاته جسدًا بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي ينادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القدّيسون، ولذلك تجرّأوا على أن يدعوا العذراء القدّيسة "والدة الإله"، ليس لأنّ طبيعة الكلمة أو ألوهيّته كانت بدايتها من العذراء القدّيسة، بل لأنّه منها ولد الجسد المقدّس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتّحد به شخصيًّا الكلمة الذي قيل عنه إنّه وُلد بحسب الجسد". ه) قانون الوحدة (433) عُقد مجمع أفسس بغياب وفد أنطاكية الذي كان يرئسه يوحنّا بطريرك أنطاكية، وغياب مندوبي بابا رومة الذين تأخّروا في السفر. ففي 22 حزيران 431، إذ كان موعد افتتاح المجمع قد انقضى، دعا كيرلّس الأساقفة الحاضرين، وكانوا حوالى المئتين، إلى مباشرة أحمال المجمع. ودعي نسطوريوس إلى الحضور ثلاث مرّات، فرفض. فقرئ قانون إيمان نيقية ثمّ رسالة كيرلّس إلى نسطوريوس فجواب نسطوريوس. فوافق الآباء على رسالة كيرلّس، وحكموا على نسطوريوس وأعلنوا في اليوم نفسه إقالته عن كرسيّه. وبعد بضعة أيّام قدم البطريرك يوحنّا مع وفد انطاكية، وقد كانوا من محبّذي نسطوريوس. وفي 26 حزيران حكموا على كيرلّس لكونه تصرّف خلافًا للشرع الكنسي، ورأوا في أقواله سقوطاً في ضلال أبوليناريوس وآريوس. وفي أوّل تمّوز وصل مندوبو بابا رومة. وبعد سماعهم محضر جلسة 22 حزيران وافقوا على كلّ ما جاء فيها، وثبّتوا الحكم على نسطوريوس. ومن ثمّ حرم المجمع يوحنّا بطريرك أنطاكية. وإزاء هذا البلبال أمر الامبراطور بإقفال المجمع وتوقيف كيرلّس ونسطوريوس فنفي إلى ديره الأوّل قرب أنطاكية ثمّ إلى أحد أديرة صعيد مصر. بعد هذه الأحداث الأليمة التي مزّقت الكنيسة، عمل يوحنّا بطريرك أنطاكية مع بعض الأساقفة على إعادة السلام إلى الكنيسة، ولا سيَّما بين أنطاكية والإسكندرية. وأعيدت الوحدة سنة 433 بعد أن تمّ الاتّفاق علي قانون الإيمان التالي الذي دعي قانون الوحدة، وهو من وضع لاهوتيّي أنطاكية: "إنّنا نعترف بأنّ ربّنا يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، هو إله حقّ، وإنسان حقّ مكوّن من نفس عاقلة وجسد، وأنّه وُلد من الآب قبل كل الدهور بحسب ألوهيّته، وأنّه هو نفسه، في الأزمنة الأخيرة، وُلد لأجلنا ولأجل خلاصنا، من مريم العذراء بحسب بشريّته، وأنّه، في ألوهيّته، من ذات جوهر الآب، وفي إنسانيّته من ذات جوهرنا البشري. فقد صار اتّحاد من طبيعتين. لذلك لا نعترف إلاّ بمسيح واحد وابن واحد وربّ واحد. وبسبب هذا الاتّحاد المنزّه عن أيّ اختلاط، نعترف بأنّ العذراء القدّيسة هي "والدة الإله"، لأنّ الإله الكلمة صار فيها جسدًا، أي صار إنسانًا، ووحّد بذاته، منذ الحبل به، الهيكل (أي الطبيعة البشريّة) الذي أخذه منها". قبل كيرلّس هذا النصّ والعبارة الواردة فيه والتي تتكلّم عن "الاتّحاد من طبيعتين"، وقد رأى فيه مطابقة مع مختلف نقاط إيمانه في المسيح: إطلاق خصائص الطبيعة البشريّة على الشخص الواحد الذي هو الابن الوحيد لله، وحدة الشخص في المسيح، لقب "والدة الإله" لمريم العذراء. إنّ مريم قد أعطت طبيعة بشريّة كاملة لابن الله وكلمته الأزلي. هذا هو أساس إكرامنا إيّاها. إنّها حقًّا أمّ المسيح ابن الله المتجسد. إنّها حقّا "والدة الإله". والليترجيّا البيزنطيّة ترنّم لها في القدّاس الإلهي قائلة: "إنّه واجب حقًّا أن نغبّطك يا والدة الإله الدائمة الغبطة، والمنزَّهة عن كلّ عيب وأمّ إلهنا. يا من هي أكرم من الشيروبيم، وأمجد بلا قياس من السيرافيم، يا من بغير فساد ولدت كلمة الله، إنّك حقًّا والدة الإله، إيّاك نُعظّم". و) أبعاد "الأمومة الإلهيّة ومعانيها" إنّ حبل مريم العذراء بيسوع المسيح لم ينتج عنه إذًا تكوين شخص جديد لم يكن له وجود سابق، كما هي الحال في تكوين سائر البشر، بل تكوين طبيعة بشريّة اتّخذها الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، الموجود أقنومًا منذ الأزل في جوهر إلهي واحد مع الآب والروح. في يسوع المسيح ليس إلاّ شخص واحد، شخص ابن الله. وهذا الشخص هو الذي أخذ طبيعتنا البشريّة من جسد مريم، وصار بذلك ابن مريم وكائنًا بشريًّا حقيقيًّا كما ترنّم الكنيسة: "اليوم بدء خلاصنا، وظهور السرّ الذي منذ الأزل. فإنّ ابن الله يصير ابن البتول. وجبرائيل بالنعمة يبشِّر. فلنهتف معه نحو والدة الإله: السلام لك يا ممتلئة نعمة، الربّ معك". مريم أمّ حقيقيّة "إبن الله صار ابن البتول"، وصارت هي "والدة الإله". مريم هي أمّ المسيح الإله بكل ما في لفظة "أمّ" من معنى حقيقي وواقعي، على غرار أيّ أمّ أخرى من أمّهات البشر. لكنّ أمومتها هي من نوع خاصّ. إذ إنّ الأبوّة البشريّة لم يكن فيها أيّ دور. فقدرة العليّ هي التي ظلّلت مريم العذراء وبذرت الحياة في أحشائها. إنّ كون مريم لم تعرف رجلاً لا ينقض حقيقة أمومتها ولا يحطّ من شأنها. إنّ كون مريم العذراء ولدت كلمة الله وهي بتول لا يجعل منها أقلّ أمومة من سائر الأمّهات. بل على خلاف ذلك، يظهر فيها الأمومة. فبتوليّتها هي علامة ملء استسلامها لله، إله المحبّة والحياة. لقد استسلمت بكلّ كيانها لدعوة الله اليها لتصير أمَّا لابنه الوحيد، فصار كيانها كلّه شعلة حب وينبوع حياة بشريّة. وبقدرة الروح القدس الذي ظلّلها، استطاع كيانها البشري أن يكوّن كيانًا بشريًّا جديدًا. فهي إذًا فيض من الحياة وينبوع حياة. بحيث يصحّ القول إنّ مريم هي أمّ وأكثر أمومة من أيّ أمّ سواها، لأنّها وحدها، دون مباشرة رجل، أعطت ابنها وربّنا يسوع المسيح كلّ ما فيه من طبيعة بشريّة. إنّ ابنها قد استمدّ بشريّته كاملة من جسدها ودمها. بتعبير آخر، لم تكن مريم بحاجة إلى أن تضمّ بعضًا من مزاياها الأنثويّة الى مزايا رجل من البشر لتكوين إنسانيّة ابنها. لقد أظهر علم الوراثة أنّ كلّ خليّة من خلايا جسم الطفل مركبّة بصورة متجانسة ومتساوية ممّا ينتقل اليها بالوراثة من كلا الوالدين. أمّا طبيعة المسيح الإنسانيّة فقد استمدّها كلّها من طبيعة أمّه. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
حضور الله في مريم العذراء إنّ طبيعة المسيح البشريّة قد تكوّنت إذن في أحشاء مريم العذراء بقدرة الله الخلاّقة فالله وحده أعطى مريم أن تكون أمًّا، إذ خلق مباشرةً الحياة في أحشائها. من هذه الحقيقة ينتج أنّ هناك علاقة فريدة وألفة لا توصف بين أبوّة الله الخلاّقة وبتوليّة العذراء في الجسد. لذلك دعا التقليد الكنسي مريم العذراء "عروس الله". لا ريب أنّ هذه العبارة قد تبدو تجديفًا على اسم الله لمن لم يدخل بالإيمان في سر عمل الله على الأرض. لذلك يجب استعمالها بحذر وتحفّظ، مع التنبّه إلى أنّ هذه العبارة يجب ألاّ تؤخذ بمعناها الحرفي، بل جلّ قصدها التأكيد أنّ مريم قد حبلت بالمسيح بشكل بتولي، وأنّ ابنها بالجسد هو نفسه ابن الله الكائن منذ الأزل مع الآب والروح. فالسيّد المسيح بقي في أحشاء مريم إلهًا تامًّا، أحد الثالوث الأقدس، وإن اتّخذ طبيعة بشريّة تامّة. فمن الناحية البشريّة هو ابن العذراء وحدها، إذ استمدّ منها بقدرة الله كل ما جعله إنسانًا. ومن الناحية الإلهيّة هو ابن الآب الأزلي. وهكذا تحقّق في مريم العذراء هذا الالتئام العجيب: فالطفل الذي ولدته هو منها في طبيعته البشرية، ومن الآب وحده في طبيعته الإلهيّة. فالله هو أبوه في السماء، ومريم هي أمّه على الأرض. الله حاضر إذًا في مريم العذارء بقدرته الخلاقة وبأبوّته الأزلية. وابن الله حاضر أيضًا في مريم لأنّها صارت له أمًّا. والأمومة هي حضور، أي علاقة بين شخصين. إنّها ينبوع منه تتفجّر حياة تبقى مماثلة للينبوع الذي صدرت منه، ومتّصلة به اتّصالاً وثيقًا. إنّ العلاقة التي تجمع بين الأمّ وابنها هي أعمق نوع من الحضور. وقد اكتسبت الأمومة في مريم حضورًا أكثر عمقًا وأكثر شموليّة. فالعلاقة فيها هي بين الخالق وخليقته، بحيث إنّ السماء، من خلال أمومة مريم، ارتبطت بالأرض ارتباطًا دائمًا، والأرض صارت سماء. الله اتّحد هو نفسه بخليقته، والخليقة تألّهت. ابن الله، الإله من الإله، صار واحدًا من بني البشر وأخًا لكلّ كائن بشري، وجعل كلّ أبناء البشر واحدًا معه، وإخوة وأخوات حقيقيين بعضهم لبعض. وليس أدلّ على ذلك ممّا قاله الشاعر الألماني "غوتيه" موجزًا تعليم الديانة المسيحيّة في مريم العذراء: "المرأة هي السبيل الى السماء". لا سبيل آخر أمام الله كي يتّحد بالبشريّة، وأمام البشر كي يرتفعوا الى الله. ثمّ إنّ الأمومة لا تقتصر على أمور الحبل والولادة وعلى ما تتضمّنه من نشاطات طبيعيّة. فالطفل هو جزء من كيان أمّه، ليس فقط خلال فترة تكوين شخصيّته، بل حتّى بعد الموت. الطفل هو على الدوام جزء من أمّه. لذلك لا يمكننا التفكير بالمسيح الربّ دون مشاهدة أمّه واقفة الى جانبه. فالمسيح كان وسيبقى على الدوام ابن مريم، ومريم ستظلّ على الدوام أمّ المسيح. من هنا تتراءى لنا مريم دائمة الحضور الى جانب ابنهإ، كلمّا وضعنا ذواتنا في حضور ابنها ربّنا وإلهنا. وكلّما دفعتنا الحاجة الى وجه بشري ليتألّق به وجهنا المضطرب، ويتوطّد به قلبنا الجزع أمام الله، نجدها دومًا واقفة إلى جانبه تنير قصدنا وتثبّت عزائمنا. ولا عجب في ذلك، ما دامت هي تلك المرآة التي تعكس صورة ابنها علينا، والسبيل الذي يقودنا الى حضوره. من خلالها جاء الى العالم، ومن خلالها يرتقي العالم الى الله. إنّه لمن المهمّ جدًّا أن نؤكّد أنّ مريم لا يمكن إدراكها إلاّ على ضوء المسيح. كما أنّه من الضلال النظر الى المسيح على ضوء مريم. فالمسيح هو اللؤلؤة (راجع متّى 13: 45 "يشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلىء حسنة. فلمّا وجد لؤلؤة نفيسة، مضى وباع كلّ ما كان له واشتراها")، ومريم هي الصدفة التي أبرزت اللؤلؤة، كما نرنّم لها في قانون المدايح في الطقس البيزنطي: "السلام لك يا صدفة عجيبة جدًّا أبرزت اللؤلؤة الإلهيّة" (الأوذية الخامسة، 5). والقول "إنّ مريم هي سبيلنا الى الله" لا يعني مطلقًا أنّ المسيح بعيد عنّا، أو إنّ بيننا وبينه هوّة لا نستطيع العبور فوقها إلاّ بواسطة مريم. فالمسيح هو وحده عنصر خلاصنا. ولكن، بما أنّ مريم هي أم المسيح، والكائن البشري الأول الذي قبل عطيّة الله قبولاً أسمى، نعتبر نحن البشر أنّ جوابها للملاك "ليكن لي بحسب قولك" ينطوي على إيمان كلّ منا. لذلك، معها وتحت كنفها، ننفتح على عطيّة الله ونلتقي المسيح الذي هو خلاصنا الأوحد. فإنّ الحقيقة الخلاصيّة، بالنسبة الينا نحن المسيحيّين، ليست صيغة فكريّة نعتنقها، بل هي شخص نتّحد به، شخص يسوع المسيح الإلهي، الذي هو رسالة سعادة عارمة. المسيح هو حقًّا "المحبّ البشر"، أي الذي يحبّ كلّ كائن بشريّ، والذي يفيض على الجميع من دفق الخير والصلاح ما يفوق تصوّرات البشر وتوقّعاتهم. ولقد أفاض على مريم العذراء أمّه ما قصده منذ الأزل لخلاص البشر. إنّ هذا التعليم في مريم يعبّر عنه أجمل تعبير نشيد المدايح: "الأقطار تمدحك مغبّطة، وتصرخ اليك: السلام لك، أيّتها النقيّة، يا كتابًا كُتِب فيه الكلمة بإصبع الآب. فإليه ابتهلي، يا والدة الإله، أن يكتب أبناءك في سفر الحياة" (الأوذية السابعة، 4). ويؤكّد في موضع آخر التناقض بين الإله الذي يمسك الخليقة كلّها في قبضته ويغذّي كلّ كائن حيّ، والطفل الذي تمسكه مريم بين ذراعيها وتغذّيه بلبنها: "لقد قبلت في أحشائك الكلمة، وحملت حامل الكون، وغذوت باللبن، يا نقية، المغذّي المسكونة كلّها بإشارة" (الأوذية الثامنة 10) وفي صلوات عيد الميلاد نذهل للتناقض بين الأزلي الذي خلق الزمن والذي يبدأ اليوم ليحيا في الزمن: "البتول حبلت، والإله الأزلي وُلد. الولادة منظورة. وما يتمّ يفوق الطبيعة. يا للسرّ الرهيب! إنّ ما نمسك به لا يوصف، وما نراه يفوق الإدراك! مباركة أنت، أيّتها العذراء النقيّة، يا ابنة آدم المجبول من التراب، ويا أمّ الإله العليّ". هناك ألفاظ ترد مرارًا في الصلوات الليترجيّة للتعبير عن حضور ابن الله المتجسّد في أحشاء مريم: فهو "الذي لا يحويه مكان" و"اللامتناهي"، و"غير المحدود". فمريم قد وسعت في أحشائها "الذي لا يحويه مكان"، و"غير المحدود". لذلك هي "أرحب من السماوات". تلاشي ابن الله في تجسّده في أحشاء مريم العذراء يقول بولس الرسول عن ابن الله المتجسّد: "هو القائم في صورة الله، لم يعتدّ مساواته لله حالة مختلسة، بل لاشى ذاته، آخذًا صورة عبد، صائرًا شبيهًا بالبشر" (في 2: 6- 7). تلاشى ابن الله يعني إفراغ ذاته من كلّ مظاهر مجد ألوهيّته ليظهر في صورتنا البشرية. فلو ظهر الله في ملء مجده، من كان يستطيع أن يحتمل بهاء ظهوره؟ إنّ ابن الله أخذ من مريم العذراء جسدًا حقيقيًّا، وكانت حياته في أحشائها حقيقيّة بقدر ما هي كذلك حياة أيّ كائن بشري في أحشاء أمّه. نجد في الإنجيل المقدّس إشارات أخرى الى "تلاشي" ابن الله. فيسوع هو من سلالة داود. وهو إذًا عضو حقيقي من أعضاء عائلتنا البشريّة. ولتأكيد هذه الحقيقة بصورة أكثر وثوقًا، تورد لنا الأناجيل نَسَبين مختلفين ليسوع يصلان كلاهما الى يوسف الذي اعتبره معاصروه والد الطفل الإلهي (متّى 1: 1- 17؛ لو 3: 23- 28). والكنيسة تحتفل بهذه الحقيقة بتخصيص الأحدين اللذين يسبقان عيد الميلاد لذكر أجداد المسيح. وتضيف اليهم هابيل وموسى وهارون والنبيّين إيليّا وأيّوب. وهؤلاء، وإن لم يكونوا من أجداد المسيح، إلاّ أنّهم كانوا صورة له، وبعضهم تنبّأ بمجيئه. وما حضورهم يوم العيد في بيت لحم إلاّ للتأكيد أنّ يسوع المسيح هو إنسان حقيقي، وأنّه أخذ كل شيء من الطبيعة البشريّة. كذلك الثلاثة الفتية القدّيسون الذين كانوا في بابل ليسوا من أجداد المسيح. بيد أنّنا نكرّمهم ونأتي على ذكرهم في الأناشيد والتسابيح الليتورجيّة، لأنّ حياتهم في الأتّون الملتهب كانت أشبه بنبوّة وبيان عن حقيقة حضور المسيح في أحشاء مريم العذراء. فكما أنّ لهب الأتّون غمرهم دون أن يهلكهم، كذلك تغلغل لهيب الألوهيّة في مجمل كيان مريم وأقام فيها دون أن يحرقها، ولا أن يمسّ نقاوة جسدها أو نفسها. وإضافة الى كلّ هؤلاء الذين تدعوهم الرسالة الى العبرانيّين "هذا السحاب الكثير الكثيف من الشهود" (عب 12: 1)، تحتفل الكنيسة، في الأحد الأوّل الذي يلي عيد الميلاد، بذكرى يوسف خطّيب مريم وداود الملك جدّ المسيح ويعقوب الذي يدعوه الإنجيل "أخا الرب" أي نسيب السيّد المسيح. والهدف من كل هذه التذكارات والاحتفالات الإعلان أنّ الذي حملته مريم في أحشائها تسعة أشهر هو حقًّا الإله من الإله، وفي الوقت عينه إنسان حقيقي من لحمنا ودمنا، مرتبط بجذور إنسانيّتنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة. الخطيئة حالة تشمل البشريّة كلّها. وكلّ إنسان يولد خاضعًا لقدرتها باستثناء ابن الله الذي اتّخذ جسدًا من جسد مريم أمّه وصار إنسانًا حقيقيًّا، ولكن دون أن يخضع لقدرة الخطيئة. فالخطيئة تتنافى وألوهيّته. هذا هو السرّ العظيم المحجوب عن الملائكة والبشر، والذي لم يخطر على قلب إنسان. لذلك كان على مريم الكلّية القداسة أن تذهب الى الهيكل بعد ولادتها المسيح لكي تتطهّر وفقًا لشريعة موسى، لأنها في ذلك شأن سائر الأمّهات اليهوديّات. كما كان على ابنها أن يخضع للختانة حسب الشريعة عينها، إذ إنّه ظهر إنسانًا "آخذًا صورة عبد". تلك هي أيضا بعض مظاهر "تلاشي" الله. بروح لطيفة من النكتة يشير آباء الكنيسة ومعظم كتبنا الليتورجيّة الى غضب الشيطان لمّا اكتشف أنّ "العبد" كان في الواقع "ربّ الكل". لقد وقع آدم في الخطيئة ووقع فيها جميع الناس. فسرّ الشيطان بذلك. ولمّاُ ولد المسيح ظنّ الشيطان أنّه هو أيضًا خاضع للخطيئة. إلاّ أنّ المسيح ظهر منزّهًا عن الخطيئة فألحق بالشيطان الهزيمة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
3- مريم العذراء الدائمة البتوليّة مريم العذراء هي "أمّ وبتول معًا". وهي، بحسب إيماننا المسيحي، "الدائمة البتوليّة". ويؤكّد اللاهوت والليترجيّا أنّ مريم هي بتول قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة. أي إنّها حبلت بيسوع المسيح دون مباشرة رجل: تلك هي بتوليّة مريم قبل ولادتها ابنها يسوع؛ ثمّ إنّها ولدته وبقيت بتولاً: تلك هي البتولية في الولادة؛ وبعد أن ولدته لم يكن لها علاقة مع أيّ رجل: تلك هي البتوليّة بعد الولادة. إنّ ما تكرز به المسيحيّة قد يبّدو مناقضاً للعقل. ولكن ليس من أمر يستحيل على الله. فالذي في البدء وضع نواميس الحبل والولادة لدى البشر يغيّرها الآن في الحبل به وولادته، جامعًا في أمّه أروع مفخرتين تعتزّ بهما كلّ النساء: البتوليّة والأمومة. أ) بتوليّة مريم العذراء قبل الولادة كان حبل مريم بالسيّد المسيح حبلاً بتوليًّا أي دون مباشرة رجل. وفي ذلك تناغم مع إيماننا المسيحي الذي يشهد أنّ الذي حبلت به مريم هو ابن الله، كما رأينا في مختلف النصوص الإنجيليّة في الفصل الأوّل. فهناك انسجام بين بتوليّة مريم وعقيدة التجسّد. ثمّ إنّ بتوليّة ليست بتوليّة في جسدها وحسب، بل هي اتّحاد كلّ كيانها بالله. الانسجام بين بتوليّة مريم والتجسّد إنّ الله إلهنا حقيقة رائعة، وأعماله عظمة وجلال. وهذا ما تجلّى في ما صنعه الله في مريم. من عظائم. ففيها يسمو الله المنطق البشري ومقاييسه ويتخطّى قوانين الطبيعة البشريّة وحدودها. فإنّ من وضع النواميس لتكوين الطبيعة البشريّة وتطويرها قد وضع لذاته نواميس جديدة أروع من الأولى. من العبث محاولة طرح الأسئلة حول هذه النواميس الجديدة في حين لا تزال النواميس الأولى جيّدة وصالحة. إنّ محاولة كهذه لا ينتج منها سوى التخبّط في لجج الضباب، وهي الى ذلك امتهان لقدرة الله الذي خلق من العدم هذا الكون الفائق الجمال. وعلى كل من الأسئلة التالية: لماذا؟ من أين؟ كيف؟ ليس سوى جواب واحد: هذا هو عمل الله الذي تجلّى لنا في شخص يسوع المسيح الذي نؤمن أنّه كلمة الله وابن الله المتجسّد. كلّ ما يصنعه الله هو آية في الروعة والكمال. فلقد حدّد في ناموس الخليقة الأوّل أنْ ليس من امرأة يمكن أن تجمع في ذاتها بين البتوليّة والأمومة. ولكنّه في ناموس الخليقة الجديد صنع مريم أمّه وحباها سمات إلهيّة أمكنتها من أن تجمع بين كلتا المفخرتين. في الناموس الأول حدّد أنّه لا يمكن أيّ كائن بشري أن يولد دون علاقة جنسيّة بين رجل وامرأة، وفي الناموس الثاني جعل الحبل به في أحشاء فتاة من بني جنسنا دون مباشرة رجل. هو مجده الإلهي قد سكبه على أمّه ليملأ به بواسطتها البشريّة كلها. إنّ موضوع الحبل بربّنا يسوع المسيح البتولي في وأحشاء مريم العذراء هو لديانتنا المسيحية هامّ جدًّا لم بحيث وقفت الكنيسة ذاتها وجنّدت كلّ الفلسفات البشريّة والشعر والفنّ لإبراز مدلولاته الرائعة، ولم تكلّ في العمل على تفسير أبعاده العميقة. لقد أنشدت لهذه الحقيقة الرائعة مؤكّدة أنّ هذا الحبل البتولي ليس اختراعًا ولا وسيلة للحطّ من كرامة النشاط الجنسي البشري. فالمسيحيّة تعتبر النشاط الجنسي عملاً مقدّسًا يوحي به الإنسان بذاته، وسبيلاً إلهيًّا به يتمّ التعرّف الى شخص ويتكوّن كائن بشري جديد. ولكن كان لا بد أن يتمّ الحبل بالمسيح بطريقة خاصّة لتظهر بجلاء كلّ معاني التجسّد. فإنّه، مذ قُيّض لطبيعة المسيح البشريّة أن تكون مصدرًا ومنشأ لإحياء البشريّة على صورة جديدة سماويّة، كان لا بدّ لها أن تتكوّن بشكل جديد ويكون لها مصدر سماوي. وهكذا كان لا بدّ للمسيح أن يأتي الى هذا العالم بطبيعة بشريّة لم يستمدّها من أيّ مصدر أرضي بل من مصدر إلهي يفوق طبيعة البشر، لأنّها تحمل في ذاتها معاني وأبعادًا مغايرة لما تتضمّنه أيّ ولادة بشريّة أخرى. فالمعنى الأوّل لعقيدة الحبل البتولي بيسوع هو إذًا أنّ هناك انقطاعًا مع تاريخ الإنسان الخاطىء وإعلانًا أنّ خلاص الإنسان وتجديده يتحقّقان بتدخّل مباشر من قبل الله. كان لا بدّ للمسيح أن يمنح العالم شيئاً جديدًا برمّته، أكثر إبداعًا وأكثر روعة من أيّ شيء آخر في تاريخ البشريّة كلّها، أعني الفداء والتألّه. ففيه قُيّض للبشرية كلّها أن تُخلَق من جديد وتتألّه. وهذا ما يعنيه بولس الرسول في المقارنة التي يقيمها بين الإنسان الأوّل الذي تكوّن من الأرض، من التراب، والإنسان الثاني الذي أتى من السماء. "فالإنسان الأوّل، آدم، حسب قوله، لم يكن إلاّ نفسًا حيّة، أمّا الإنسان الثاني، يسوع المسيح، فهو روح يحيي" (1 كور 15: 45- 48). ينتج من ذلك أنّ كلّ بشريّة المسيح كان لا بدّ لها أن تكون خليقة جديدة، وأن تكون برمّتها عمل الله دون سواه. وعليه ينطبق ما يقوله يوحنّا الإنجيلي عن المدعوّين لميراث الملكوت: "هو الذي لم يولد من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو 1: 13). إنّ المسيحيّة، بتأكيدها حبل مريم البتولي، تهدف أوّلاً إلى إعلان إيمانها بأنّ يسوع المسيح هو أوّلاً وآخرًا "ابن الله". هذا ما يعنيه القول الأوّل من قانون الإيمان: "وتجسّد من الروح القدس". أمّا القول الثاني "ومن مريم العذراء" فيؤكّد الدور الذي تحتلّه البشريّة في سرّ التجسّد. فذكر بتوليّة مريم في قانون الإيمان هو للإشارة الي أنّ الدور الذي أدّته البشريّة في التجسّد هو قبول عطيّة الله وليس أكثر. فباسّم البشريّة قبلته مريم دعوة الله وقالت: "ها أنا ذا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك" (لوقا 1: 38). فقانون الإيمان يؤكّد إذن أمرين: أوّلاً إنّ حياة المسيح على الأرض لم تستمدّ معينها إلاّ من الله وحده، وثانيًا إنّ مريم أسهمت في هذا الحدث بقبولها عطيّة الله. بتوليّة مريم اتّحاد كل كيانها بالله للتعبير عن بتوليّة مريم نستعمل ألفاظاً عدّة. فندعوها "التي لم تختبر زواجًا"، و"التي لم تختبر رجلاً"، والتي "لا عروس لها". ليس القصد من تلك التعابير الانتقاص من قيمة الزواج ولا الإشارة الى أنّ الزواج ليس على هذا القدر من النبل والقداسة لتقبل به مريم، بل تهدف الى فتح الآفاق واسعة أمام عقلنا ومخيّلتنا للتأمّل، في رؤيا بهاء وتحرّر، في تلك التي اختبرت أعمق علاقة شخصيّة مع الله يمكن أن يختبرها إنسان، بحيث لم يكن لها حاجة لعلاقة اكتمال جسدي مع أيّ كائن بشري. لقد امتلك الله مريم وملأها أخلاقيًّا ونفسيًّا وطبيعيًّا بملء ما يمكن امرأة أن تتوق إليه فجعلها امرأة كاملة. إنّ مريم باستسلامها لعمل الله الخلاّق فيها اختبرت ملء الاكتفاء وملء النشوة التي يمكن كائنًا بشريًّا البلوغ اليها على هذه الأرض، بحيث لم يكن لأيّ متعة جسديّة، ولا لأيّ لذّة ناجمة من أي عمل آخر، إضافة شيء على هذا الملء. إنّ النشوة التي تنتج من متعة الجسد في الكائنات البشريّة لا تدوم إلاّ لحظة عابرة فتذوب وتذوي سريعًا. لذلك لا بدّ من تكرارها وإذكاء شعلتها ليتاح لعلاقة الحبّ أن تستمرّ بواسطتها حيّة بين الزوجين. أمّا في مريم فنشوة الحبّ كانت نشوة كاملة وثابتة، لأنّ استسلامها كان استسلامًا مطلقًا لله الذي لا حدّ له، ومعرفتها كانت "معرفة" كاملة لله الذي لا نهاية له. إنّ استسلام الذات ووحي الذات لشخص آخر، وقبول الاثنين المتبادل في عمل الولادة، هو السبيل الأعمق والأكمل لمعرفة الشخص. لذلك يطلق الكتاب المقدّس والتراث المسيحي لفظة "معرفة" على هذا الاستسلام الشخصي وعلى هذا الوحي المتبادل الذي يوحّد الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في سبيل الإنجاب. أن "يعرف الرجل امرأته" وأن "تعرف المرأة رجلها"، هاتان العبارتان يلجأ اليهما الكتاب المقدّس للدلالة على الاتّحاد الكامل بين الرجل والمرأة في الجسد والروح. في الكائنات البشريّة لا يقتصر اتّحاد الرجل والمرأة في سبيل الإنجاب على اتّحاد الأجساد، بل يشمل الجسد والنفس والروح والعقل والأحاسيس والمشاعر كلّها. فالشخص الذي يخرج من ذاته ليتّحد بالآخر يصير حاضرًا في الآخر في كل كيانه: في جسده ونفسه وروحه. هكذا يوحي شخص بذاته لشخص آخر ويستسلم له. ووحي الذات لآخر والاستسلام له يصلان الى أعماق الوعي البشري، فيوقظان كلّ ما في الكيان من قوى طبيعيّة ويحوّلان الذات كلّها. وعلى هذا النحو، إذ يستسلم الزوجان أحدهما للآخر، يمتلىء كلّ منهما من صفاء إشعاع الآخر، فيتحوّلان ويصيران واحدًا. تلك هي "معرفة" الشخص، وتلك المعرفة أعمق وأكمل من أيّ معرفة يمكن أن تأتي عن طريق العلم أو الفلسفة. لمّا استسلمت مريم كليًّا لله، ملأ الله كيانها بوحي ذاته، فعرفت مريم الله معرفة كاملة في نفسها وروحها، وحتى في جسدها وكلّ مشاعرها. ودخلت، في كلّ ما فيها من توق الى الاكتمال، في غمرة الحبّ الإلهي الذي لا ينضب. فصار لها هذا الحبّ ينبوع فرح لا يجفّ ومصدر نشوة ترتقي بها "من مجد الى مجد"، بحيث لم يكن لأيّ لذّة أخرى أن تضيف شيئًا إلى هذا الفرح. إنّ البتولية في مريم تعني أنّ مريم، بفضل وحي الله لها ومعرفتها لله، بلغت غبطة الملكوت التي يشير اليها السيّد المسيح في وصفه القيامة العامة حيث "لا يزوّجون ولا يتزوّجون بل يكونون كملائكة الله في السماء" (متّى 22: 30). البتوليّة حرّية في نظر المسيحيّين تنطوي البتوليّة على أكثر من مجرّد العفّة الجسديّة. فالرهبان والراهبات يرون فيها حرّية شخصيّة واتّحادًا صوفيًّا بالله وموقفَ محبّة مسرة على الدوام لتتميم إرادته الإلهية. ليست البتوليّة اختيار من خاب أمله في الحياة، بل هي فضيلة الذين بملء إرادتهم يحتفظون بتيّار حبّهم كاملاً لمن سيبادلهم كامل الحبّ. ولا بدّ من التذكير دومًا بأنّ الإشادة بالبتوليّة لا تحمل في ذاتها أيّ انتقاص لقيم الجسد ولا لقيم العطف والحنان التي ينطوي عليها قلب الإنسان. بل إنّ تلك القيم تتضاعف في البتوليّة الحقّة التي تشمل الإنسان في كلّ ما فيه من جسد ونفس وروح. فالبتوليّة هي إذن كمال الحرّية، إذ بها تتحرّر كل قوى الكائن البشري اليافعة وتتوحّد وتجعل من يختارها منفتحًا على اكتمالها بلمسة المحبّ الكامل. وفي انتظار اكتمالها، تنمو في تألّق الجمال وتقوى في المجد. وتصل الى قمّة نشوتها في استسلامها لحبيبها والاتّحاد به حتى التماثل. في هذا المعنى تبدو البتوليّة أكثر من مجرّد عطيّة ملوكيّة. إنّها نبل وشهامة. إنّ الله لا يفرض ذاته علينا، ولا يزيل حرّيتنا. فهو الذي يقدّم ذاته لنا، لا ليغتني بنا، بل ليغنينا بذاته ويتمّ فينا عمل تأليهنا. هكذا استسلمت مريم لله، لا ليغتني بها، بل لتغتني به وتفتح له السبيل لينزل الى خليقته، وتتيح له أن يظهر حبّه اللامتناهي للبشريّة والخليقة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ب) بتوليّة مريم العذراء أثناء الولادة كانت بتوليّة أمّ الله ولا تزال موضوع فخر ومجد لدى المسيحيّين، مع العلم أنّ الحديث عن هذا الموضوع لا يمكن أن يكون إلاّ بمنتهى التحفّظ والدقّة. إنّ تجسّد كلمة الله في أحشاء مريم العذراء يضفي على كل الأحداث التي ارتبط فيها مصير مريم العذراء بمصير ابنها بعدًا إلهيًّا. إنّ حبل مريم البتول بالسيّد المسيح هو على هذا القدر من التألّق بحيث يشعر المرء بحاجة الى لغة الملائكة للتحدّث عنه. وكم هي مؤسفة رؤية رجال اللاهوت يعالجون موضوعًا دقيقًا كهذا بأسلوب بيولوجي فجّ لا يليق بفكرٍ تغذّى بروح الإنجيل. يؤكّد التقليد المسيحي ابتداء من القرن الرابع، ولا سيّما مع القدّيس أمبروسيوس، أنّ ابن الله خرج من أحشاء كما دخلها: في مجد الألوهة وبهاء سرّها، وقد حُفظت سالمة بتولية العذراء. هذا ما ترنّم به الليترجيا البيزنطيّة بذهول وابتهاج: "لقد تمّ اليوم عَجَب عظيم مُستغرَب: فإنّ بتولاً تلد وتبقى عذراء كما كانت. الكلمة يصير طفلاً ومن الآب لا ينفصل. الإله الكلّيّ الكمال يصير طفلاً والطفل يولد دون أن يزيل بتوليّة أمّه" وفي هذا يهتف القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: "يا لَلْمعجزة الرائعة: العذراء تصير أمًّا وتبقى عذراء. لا البتوليّة حالت دون الولادة ولا الولادة أزالت البتوليّة. ولقد كان من الملائم أنّ الذي صبار إنسانًا لينقذ البشريّة من الفساد يستهلّ عمله بتلك التي ولدته فيحفظها من الفساد". ثمّ يتابع قائلاً: "هذا ما سبق موسى فرآه في النار التي ألهبت العلّيقى دون أن تحرقها. فكما أنّ العلّيقى كانت ملتهبة لم تحترق كذلك ولدت البتول النور دون أن يعتريها الفساد". وعلى النحو نفسه قال القدّيس إيرونيموس، وهو من أعاظم من كتب في الكتاب المقدّس: "مريم هي أمّ وبتول: بتول قبل الولادة وبتول بعد الولادة. الدهشة تغمرني: كيف من هو بتول يولد من البتول؟ وكيف بعد ولادته تبقى أمّه بتولاً؟ أتريد أن تعرف كيف ولد من عذراء وبقيت أمّه عذراء بعد الولادة؟ عندما دخل يسوع على تلاميذه من بعد قيامته "كانت الأبواب مغلقة" (يو 20: 19). لا تعرف كيف حدث ذلك لكنّك تقول: هذه قدرة الله. وكذلك عندما تعلم أنّ يسوع وُلد من عذراء وبقيت أمّه عذراء بعد الولادة قل: هذا عمل قدرة الله". لمّا خرج الطفل الإلهي من أحشاء أمّه لم ينتزع عنها صفاء مشاعرها البتوليّة، بل بالحريّ أضفى على قواها الحياتية مزيدًا من الفخر والبهجة، وعلى معنى أمومتها مزيدًا من الجلال والعظمة. لقد اجتمعت في مريم مشاعر البتوليّة ومشاعر الأمومة. والكائن البشري هو، بحسب بولس الرسول، جسد ونفسه وروح. فالجسد هو مجموعة الأعضاء الطبيعيّة والخلايا الحيّة التي هي جزء من مادّة هذا الكون. والنفس هي مجموعة القوى من عقل وإرادة ونحيّلة ومشاعر. وفي عمق الجسد والنفس هناك عنصر ثالث يدعوه بولس الرسول "الروح" (روم 8: 16)، ويعني بها نقطة التلاقي مع الكون ونقطة الاختبار الشخصي لعمق كياننا الباطني الذي به ندخل في شركة مع غير المنظور. إنّ الرجل والمرأة، من خلال الاستسلام المتبادل من أحدهما للآخر بكل ما في شخصيهما من قوى رائعة في الجسد والنفس والروح، يزيدان غنى وإنسانيّة وبالتالي اتّحادًا بالله. إنّ "ختم البكارة" هو رمز الملء الطبيعي وكمال كل تلك القوى. ويشير أيضاً إلى صفاء القلب والجسد والنفس الذي يَسِم تلك القوى. إنّه حالة من الكيان تحافظ فيها كل قوى الجسد والنفس والروح على نقاوتها الأولى، وتبدو متألّقة في ما حباها الله من احترام وسخاء، ومترقّبة لمسة الحبيب الكامل. لم يكن لمريم أن تستسلم بأيّ من قواها لحبيب بن بني البشر، فقد احتفظت بكلّ قوى جسدها ونفسها وروحها متألّقة وعذراء للمسة الله. لقد حفظت "ختم بكارتها" سالمًا في المجد. وهذا ما تشير إليه النجوم الذهبيّة الثلاث التي نشاهدها في كل إيقونات العذراء مريم. فعلى جبينها نجمة أولى ترمز إلى بتوليّة جسدها، أي إلى بتوليتها في الولادة: مريم هي أمّ وبتول معًا؛ وعلى كتفها اليمنى تتألّق نجمة أخرى رمزًا إلى بتوليّتها قبل الولادة، أي إلى بتولية نفسها: فمريم كانت بتولاً قبل الأمومة؛ وعلى كتفها اليسرى نجمة ثالثة تؤكّد بتوليّتها بعد الولادة، أي بتوليّة روحها: وهذه البتوليّة ستبقى فيها على مدى أمومتها المجيدة إلى الأبد. وهكذا مريم هي إلى الأبد أمّ وبتول معًا. ج) بتوليّة مريم العذراء بعد الولادة إنّ الكنيسة بتأكيدها بتوليّة مريم العذراء حتّى بعد ولادتها ابنها يسوع، تعلن عن اعتقادها أنّ مريم لم يكن لها علاقة جنسيّة مع أيّ رجل لا قبل ولادتها يسوع ولا بعدها، وأنّه لم يكن لها أولاد غير يسوع. تلك الحقيقة دافع عنها آباء الكنيسة، منذ ما قبل مجمع أفسس، وبنوع خاصّ القدّيس إيرونيموس والقدّيس أمبروسيوس في الغرب وقبلهما أوريجانيس في الشرق. وقد أجاب هؤلاء على بعض اعتراضات وردت من تفسير خاطئ لبعض نصوص العهد الجديد وأوضحوا معنى هذه الحقيقة على صعيد العقائد. "حتى ولدت ابنها" (متّى 1: 25)، فولدت ابنها البكر (لو 2: 7) ورد في إنجيل متّى أنّ يوسف، بعد أن تراءى له ملاك الرب وقال له ألاّ يخاف من أن يأخذ امرأته مريم لأنّ الذي حبل به فيها إنّما هو من الروح القدس، "لمّا نهض من النوم، فعل كما أمره ملاك الربّ، فأخذ امرأته ولم يعرفها حتّى ولدت ابنها فسمّاه يسوع" (متّى 1: 24- 25). قد يعترض البعض: فقول الإنجيل "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" يعني أنّ يوسف عرف مريم بعد ذلك. على هذا الاعتراض نجيب مع التقليد الكنسي: استنادًا إلى مقاطع أخرى من الكتاب المقدّس، هذا التعبير هو توضيح فقط لما حدث قبل ولادة يسوع، أي إنّ يوسف لم يعرف مريم قبل ولادتها يسوع وأنّ يسوع إذن وُلد بشكل بتولي. ولكنّ هذا التعبير لا يعني مطلقًا أنّه عرفها بعد ذلك. ولنا مثل على هذا التعبير قول الكتاب المقدّس إنّ "ميكال ابنة شاول لم تلد ولدًا حتّى ماتت" (2 صم 6: 23). فهل يعني ذلك أنّها ولدت ولدًا بعد موتها؟. أمّا لقب "البكر" الذي يُطلَق على يسوع (لو 2: 7) فلا يعني أنّ له إخوة أصغر منه. فالبكر، في مصطلح الناس ومصطلح الكتاب المقدّس، هو الولد الذي لم يولد قبله آخر، سواء وُلد بعده غيره أم لم يولد. ولذلك يسمّيه الكتاب تارة البكر وأخرى "فاتح رحم" على حدّ سواء. فضلاً عن أنّ الكتاب المقدّس واليهود كانوا يحرصون شديد الحرص على الاحتفاظ بهذه التسمية "لفاتح الرّحم"، حتى وإن لم يعقبه أخ أو إخوة، لأنّ الناموس الموسوي كان يفرض عليه واجبات خاصة تجاه الله: "إنّ كل ذكر فاتح رحم (أي بكر) يكون مقدَّسًا للربّ"، ولا بدّ من تقدمته للربّ (لو 2: 22- 23). ولذلك كان من الواجب أن يخضع يسوع لهذا الناموس فيقدّمه أبواه للربّ ويفتدياه بزوجي يمام أو فرخي حمام بحسب الشريعة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
د) بتولية مريم العذراء الباب الشرقى الدائمة العذراء مريم دائمة البتولية قبل وأثناء وبعد ولادتها للسيد المسيح، حفظ الله لها بكوريتها وغشاء عذراويتها حتى أثناء ولادتها للسيد المسيح. فمثلما دخل السيد المسيح على التلاميذ بعد قيامتة وكانت الأبواب مغلقة ولم يخترق حاجز، تماماً هنا تمت ولادة السيد المسيح العجزية من مريم العذراء بدون أن يخترق حاجز بتوليتها وغشاء بكوريتها، فهو ميلاد معجزى، تكاملت تلك الولادة المعجزية فى كل شئ فهى ولادة لعذراء بدون زرع بشر، وأيضاً ولادة لعذراء ظلت عذراء بتوليتها محفوظة حتى بعد ولادتها لكلمة الله، إنها مريم العذراء والدة الإلة الكلمة المتجسد، والى طالما تظهر فى ظوراتها وتقول عن نفسها أنا مريم دائمة البتولية. دليلنا على ذلك نبؤة حزقيال النبى. فقد تنبأ حزقيال النبى عن دوام بتولية القديسة مريم العذراء ووصفها بأنها الباب الشرقى: + (حزقيال 44 : 1-3) "1 ثُمَّ أَرْجَعَنِي إِلَى طَرِيقِ بَابِ الْمَقْدِسِ الْخَارِجِيِّ الْمُتَّجِهِ لِلْمَشْرِقِ وَهُوَ مُغْلَقٌ. 2فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: «هَذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقاً, لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ, لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقاً. 3اَلرَّئِيسُ الرَّئِيسُ هُوَ يَجْلِسُ فِيهِ لِيَأْكُلَ خُبْزاً أَمَامَ الرَّبِّ. مِنْ طَرِيقِ رِوَاقِ الْبَابِ يَدْخُلُ, وَمِنْ طَرِيقِهِ يَخْرُجُ» قارن مع: + (عبرانيين 1 : 6) "؟6وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ»." فنحن الآن فى حديث عن هيكل المسيح وجسده الذى هو الكنيسة. وبداية تكوين الجسد هو تجسد المسيح نفسه حين "أدخل إلى العالم". وقد إتفق الأباء أن هذا الباب الشرقى الذى دخل منه المسيح هو العذراء مريم فهو وُلِد منها وبقيت بتولاً. وهذا معنى يكون مغلقاً لا يفتح ولا يدخل منه إنسان. ويدلل الأباء على إمكانية هذا بأن المسيح دخل خلال الأبواب المغلقة بعد القيامة. وحتى لا يظن أحد أنه روح بلا جسد سمح لهم أن يلمسوا يديه وجنبه. ومرة ثانية أكل معهم. وهناك إشارة أخرى للتجسد: الرئيس الرئيس هو يجلس فيه ليأكل خبزاً أمام الرب، فهو كان يأكل ويشرب ويجوع ويعطش. لقد تجسد وتأنس أى شابهنا فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها. بل كان ينمو فى القامة والحكمة. ولاحظ أن باقى الأبواب مفتوحة للجميع. أما قوله: "هو يجلس فيه ليأكل خبزًا أمام الرب" ففيه إشارة إلى التجسد الإلهي حيث صار ابن الله إنسانًا. فما هو إذن الباب المغلق الذي دخل منه الرب ومنه يخرج ويبقى مغلقًا إلا أحشـاء القديسة مريم العذراء دائمة البتولية. حيث حلّ السيد المسيح في أحشائها متجسدًا منها بالروح القدس وولد منها وبقيت بتولاً؟! ه- أقوال علماء الكنيسة فى بتولية مريم العذراء الدائمة: - القديس جيروم: إن مريم العذراء هي الباب الشرقي الذي تكلم عنه حزقيال، هو مغلق دائمًا، متلألئ دائمًا، وهو مختوم، وفي نفس الوقت يعلن عن قدس الأقداس، من خلاله يدخل ويخرج "شمس البر" (ملا 4: 2)، الذي هو رئيس كهنة على طقس ملكي صادق" (عب 5: 10). من ينتقدني فليشرح لي كيف دخل يسوع خلال الأبواب المغلقة عندما سمح أن تُلمس يداه وجنبه مظهرًا أن له عظمًا ولحمًا (يو 10: 19، 27)، مبرهنًا أنه كان يحمل جسدًا حقيقيًا لا خياليًا، وعندئذ أوضح أنه كيف يمكن أن تكون القديسة مريم أمًا وعذراء في نفس الوقت! - أقرّ زعماء الإصلاح البروتستانت أنفسهم في القرن السادس عشر أنّ مريم دائمة البتوليّة. - مارتن لوثر: أكد على عقيدة بتوليّة مريم الدائمة طول حياتها، حيث قال عن مريم العذراء في الثاني من شباط سنة 1546، يوم عيد تقدمة المسيح إلى الهيكل: "كانت بتولاً قبل الحبل والولادة، وظلّت بتولاً حتى الولادة وبعدها". - زفينكلي: تكلّم كثيرًا على بتوليّة مريم الدائمة، فأعلن في مدينة برن في كانون الثاني سنة 1528: إنّي أستشهد بكنيسة زوريخ التقيّة وبجميع مؤلّفاتي لأعترف بمريم بتولاً دائمًا وقدّيسة". وكان سنة 1524 في عظة عن مريم العذراء أكّد بتوليّتها الدائمة بقوله: "إنّي أؤمن إيمانًا ثابتًا، استنادًا إلى ما جاء في الإنجيل المقدّس، أنّ هذه العذراء الطاهرة قد ولدت لنا ابن الله، وأنّها ظلّت، في الولادة وبعدها أيضاً، عذراء نقيّة وبكرًا إلى الأبد". - كالفين: تردد في استعمال لقب "والدة الإله بسبب ما يحمله من خطر على سوء فهم علاقة مريم العذراء بالله،، ولكنة كان صريحًا في موضوع بتوليّة العذراء الدائمة، ورفض أن يكون لمريم أولاد غير يسوع. - ماكس توريان: يؤكّد تقليد الكنيسة العريق على بتوليّة مريم الدائمة. ويوجز إيمان المصلحين بقوله: "إنّ موقف مريم من احترامها سرّ إعدادها الأزلي يجعلنا نقرّ أنّ عقيدة مريم الدائمة البتوليّة التقليدية تنسجم، على الأقلّ، مع دعوة مريم الفريدة، المكرّسة تمامًا لخدمة الله، والممتلئة من نعمة الله، والمتّجهة كلّيًا نحو ملكوت الله. مريم، في بتوليّتها، هي علامة الخليقة المصطفاة والمكرّسة والممتلئة من ملء الله، التي لم تعد تنتظر شيئًا غير الاكتمال النهائي في ملكوت الله الظاهر، وتعيشه الآن بشكل خفيّ ومسبّق. هي علامة الكنيسة المقدّسة التي لا تنتظر ولا ترجو سوى عودة المسيح". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
إخوة يسوع وأخواته يتكلّم العهد الجديد في مقاطع عدّة على إخوة يسوع وأخواته: (متّى 12: 46)، (متّى 13: 55)، (مرقس 6: 3)، (لوقا 8: 19) (يوحنا 2: 12)، (يوحنا 7: 3- 5)، (أعمال الرسل 1: 14)، (غلاطية 1: 19). إنّ لفظتي "أخ" و"أخت" مستعملتان هنا من باب التوسّع على حسب العادة عند اليهود. فالكتاب المقدّس يذكر لنا مواقف كثيرة منها: · يدعو إبراهيم وابن أخيه لوط إخوة (تك 13: 8؛ 14: 14) · لابان وابن أخيه يعقوب (تك 29: 15) · ابني هرون وابني عمه عزّيئيل (لاويين 10: 4) · بنات ألعازر وأبناء أخيه قيس (1أخ 23: 22). · يذكر لنا الإنجيل أسماء إخوة يسوع: يعقوب وموسى وسمعان ويهوذا (متّى 13: 55). · الدليل على أنّ هؤلاء ليسوا إخوة بالطبيعة ليسوع ولا أولادًا من ثمّ لمريم أمّ يسوع، هو أنّ الإنجيل يذكر لنا أمّهم، وهي مريمٍ زوجة كليوبا (متّى 27: 56 "مريم أمّ يعقوب وموسى") التي يدعوها الإنجيل أيضا "مريم أخت مريم أمّ يسوع" (يو 19: 25). وفي هذه الجملة الأخيرة أيضاً يجب أن تؤخذ لفظة "أخت" بالمعنى الواسع، فإنّه لا يُعقَل أن تدعى فتاتان بالاسم عينه في العائلة، وإن كان قد قيل فى التقليد أن حنة أم مريم العذراء بعد أن نذرت مريم للهيكل، أنعم الله عليها ببنت أخرى فسمتها مريم بنفس إسم أختها الكبيرة مريم العذراء. · يسوع وحده يدعى "ابن مريم" (مر 6: 3). · أخيرًا نراه وهو على الصليب يوصي الرسول يوحنّا بمريم أمّه، الأمر الذي لا يُفهَم لو كان لها أولاد غير يسوع. وقول يسوع: "هوذا ابنك" ينفي أن يكون لها غيره. · إخوة يسوع حسب رأي ايرونيموس ومعظم التقليد الكنسي من بعده، هم إذن أقارب أدنون ليسوع، أولاد مريم نسيبة مريم أمّه. البرهان اللاّهوتي هناك برهان لاهوتي يستند إليه إيرونيموس وأمبروسيوس وأوريجانيس، لتأكيد بتوليّة مريم العذراء بعد ولادة يسوع. فيقولون: هل يُعقَل أنّ التي حملت في أحشائها ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، دون مباشرة رجل بل بقدرة الروح القدس، أن تراودها، بعد ذلك الاختبار الديني الفريد، إرادة العيش كسائر النساء ورغبة إنجاب أولاد آخرين؟ إنّ الله قد امتلك كل كيان مريم العذراء، فلا بدّ أن تكون قد كرّست لله ذاتها بكلّ قوى جسدها ونفسها وروحها. إنّ الذين يختبرون الله في اختبارات روحيّة خاصّة فيظهر لهم المسيح كما ظهر لبولس الرسول أو تظهر لهم مريم العذراء كما ظهرت لبرناديت في لورد وغيرها، أو النسّاك الذين يختبرون الاتّحاد بالله بعمقٍ، لا يعودون يشعرون بأيّ رغبة في الزواج، بل يسلكون طريق البتوليّة. فكم بالحريّ يمكننا تأكيد بتوليّة مريم العذراء بعد ولادتها يسوع وعلى أثر هذا الاتّحاد العميق بالله وهذا الاختبار الفريد في تاريخ البشر لقدرة الله تملأها وتبذر في أحشائها الحياة البشريّة؟ وهذا يقودنا إلى قداسة مريم العذراء. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
4- مريم العذراء الفائقة القداسة الكنيسة بأجمعها في الشرق والغرب تعلن قداسة مريم العذراء انطلاقًا من كونها "ممتلئة نعمة" ووالدة المسيح ابن الله. وتعلن أنّها "منزّهة عن كل عيب" وأنّها لم تقترف خطيئة. ويؤكّد التراث الكنسي في الشرق كما في الغرب أنّ الله قد أنعم عليها منذ الحبل بها في أحشاء أمّها القدّيسة حنّة بنعمة خاصّة قدّست طبيعتها منذ تكوينها. وللتعبير عن تلك القداسة أعلنت الكنيسة الكاثوليكيّة إيمانها "بالحبل بلا دنس"، أي بحبل القدّيسة حنّة بمريم العذراء دون وصمة الخطيئة الأصليّة، في حين ولا تزال الكنائس الأرثوذكسية ترفض تلك العقيدة في التعبير اللاهوتي الذي وردت فيه، على الرغم من اعترافها بما ورد في الكتاب المقدّس وفي تعاليم الآباء عن قداسة مريم العذراء التي تفوق بطهرها جميع الملائكة والبشر، والتي هي، في نظرها، "أكرم من الشيروبيم وأمجد بلا قياس من السيرافيم". سنتوسّع أوّلاً في التراث المشترك حول قداسة مريم العذراء، ثمّ نعالج الخلاف حول موضوع عقيدة "الحبل بلا دنس". أ) "الممتلئة نعمة" في الكتاب المقدّس تستند الكنيسة في إعلانها قداسة مريم العذراء إلى تحيّة الملاك جبرائيل: "السلام لك يا ممتلئة نعمة الرب معك" (لو 1: 28). ذلك ما لفت إليه أوريجانيس فصرّح أنّ هذه التحيّة الجديدة فريدة لا مثيل لها البتة في تضاعيف الأسفار المقدّسة، إذ لم توجَّه قطّ إلى امرئ، إنّما خُصَّت بها مريم وحدها دون سواها. وتعني لفظة "ممتلئة نعمة" () أنّ مريم كاملة البرارة وكاملة القداسة. والصيغة اليونانية تدلّ على الديمومة والثبات في ملء النعمة بمعزل عن الزمان وحدوده. ولو شاء الإنجيل المقدّس الدلالة على أنّ العذراء مريم صارت قدّيسة عندما حيّاها الملاك، ولم تكن قدّيسة من قبل، لا ستعمل صيغة أي المنعم عليها الآن. ولو أراد الدلالة على أنّها تبرّرت في وقت ما من أيّامها الماضية لاستعمل صيغة أي التي أنعم عليها سابقًا. أمّا اللفظة المستعملة فتدلّ على أنّ العذراء الطاهرة كانت، قبل تحيّة الملاك والبشارة، كاملة البرارة والقداسة: إنّها لم تصر قدّيسة آنذاّك بل كانت قدّيسة وكاملة القداسة. هذه الصيغة هي صيغة "الصفة المشبّهة" التي تدلّ على ثبوت الصفة لصاحبها بمعزل عن الزمان والمكان. ب) قداسة مريم العذراء في كتابات الآباء في القرون الخمسة الأولى وهذا ما رآه آباء الكنيسة منذ القرون الأولى. وإليك بعض أقوالهم: "إنّ الربّ بغير فساد، من حيث هو إنسان. لأنّه من شجرة كير فاسدة، أي من العذراء والروح القدس". "إنّ المسيح الطاهر قد اقتنصته عذراء طاهرة". "الطاهر يخرج بوجه طاهر من الأحشاء الطاهرة التي أوجدها هو نفسه طاهرة". ويرى إيريناوس أنّ مريم وابنها هما حوّاء وآدم الجديدان اللذان يحملان نبل الجنس البشري. إنّهما الأوّلان، وإن ظهرا متأخّرين. فيسوع أتمّ آدم، ومريم أتمّت حوّاء. وكلاهما رأس البشرية الذي آتاها العودة إلى عدم فسادها الأوّل، وعمل الخلاص واحد اشترك فيه الابن والأُمّ معاً. و"المسيح أخذ من التي هي من آدم (أي من مريم) صورة الخليقة الأولى"، أي صورة آدم قبل الخطيئة. ومعلوم أنّ العذراء مريم لا تستطيع أن تعطيه تلك الصورة ما لم تكن هي نفسها حاصلة عليها. ويشيد القدّيس أفرام السرياني بقداسة مريم العذراء، فهي التابوت المقدّس، والمرأة التي سحقت رأس إبليس، والطاهرة وحدها نفسًا وجسدًا، والكاملة القداسة، وإذ يقابل بينها وبين حوّاء يقول: "كلتاهما بريئتان، وكلتاهما قد صنعتا متشابهتين من كل وجه، ولكنّ إحداهما صارت من بعد سبب موتنا والأخرى سبب حياتنا". ويقول في موضع آخر: "في الحقيقة، أنت، يا ربّ، وأمّك جميلان وحدكما من كل وجه وعلى كل صعيد، إذ ليس فيك، يا ربّ، ولا وصمة وليس في أمّك دنس ما البتة". وبعد "مجمع أفسس الذي أعلن مريم "والدة الإله"، راح الآباء يتبسّطون في هذه الكرامة وما تقتضيه من إنعامات خاصّة، ويفيضون في وصف مريم وينعتونها بكل ما من شأنه أن يؤيّد قداستها الفائقة. يقول بروكلوس بطريرك القسطنطينية (+ 446): "مريم هي مقدس الوصمة من الخطيئة، وهيكل الله الأقدس، والقدّيسة جسدًا ونفسًا، والكرة السماويّة للخليقة الجديدة التي تحمل شمس العدل المشّع على الدوام"، "وقد صنعت من تربة طاهرة وكانت معدّة لأن تصير هيكلاً لله". ونجد عند ثيودوتس أسقف أنكره (303) طائفة من التشابيه والأوصاف تدّل في جلاء على عصمة مريم من الخطيئة، منها قوله: "بدلاً من العذراء حوّاء وسيطة الموت، أقيمت عذراء ممتلئة نعمة لتعطينا الحياة، عذراء صنعت بطبيعة المرأة ولكن بدون خبث المرأة، عذراء بريئة، بدون وصمة، كليّة الطهر كاملة، منزّهة عن كلّ لوثة، قدّيسة نفسًا وجسدًا، نبتت كالزنبقة وسط الشوك، عذراء ملتحفة بالنعمة الإلهيّة كرداء: مفعمة النفس حكمةً إلهيّة، عروس الله بالقلب". وهي "المغمورة بالنور". بها تلاشت كآبة حوّاء، وبها حوّاء افتديت إذ "من القدّيسة ولد ابن قدّوس، والكاملة ولدت الكامل، والتي تفوق الوصف ولد منها الذي يفوق الوصف. والعليّة ولد منها العليّ". وللكاهن الأورشليمي هيزيكيوس تصريحات لا تقلّ بيانًا وقوّة، منها قوله: "إنّ في مريم أكمل جميع النساء، ولؤلؤة العذارى، والزينة السنيّة لطبيعتنا، ومجد التربة التي منها جبلنا. أنقذت حوّاء من خزيها وآدم من الوعيد الرازح تحته، سحقت شوكة الثعبان الجهنمي. إنّ دخان الشهوة لم يبلغ إليها ودودة الأهواء لم تنفذ قطّ إليها". وفي موضع آخر يقول: "هي الفرع المنزّه طبعًا من كل شائبة، وجذع يسّى المخضوضر على الدوام، وبستان الآب، وخميلة أطياب الروح بأجمعها، والسفينة التي كان الله مهندسها وربّانها وقائدها، وعدوّة الشيطان التي انتزعت منه ملكوته ودحرته في وهاد الدمار، وهي أجمل النساء طهرًا كما أنّ ابنها أجمل بني البشر". وقد جاء في الرسالة المسندة إلى كهنة وشمامسة أخائية، في استشهاد القدّيس أندراوس، الشهادة القيّمة التالية: "بما أنّ الإنسان الأوّل الذي أدخل الموت إلى العالم بالمعصية كان قد جبل من تربة منزّهة عن كلّ لطخة، كان لا بدّ لابن الله المتأنّس أن يولد من عذراء بريئة من كلّ دنس ولطخة، لكي يجدّد الحياة الخالدةّ للبشر الذين خسروها بآدم". من القرن السادس إلى القرن التاسع في هذه الفترة أُنشئت أهمّ الأعياد المريميّة التي أتاحت للشعراء والمعلّمين ميدانًا فسيحًا للإفاضة في مدح العذراء وإشادة بقداستها. فرومانوس المنشد، شاعر العذراء الملهم، يقول عن مريم إنّها "بريئة بن كل دنس"، "زهرة عدم الفساد"، "بهجة النساء لأنّها وحدها ممتلئة بالنعمة، كاملة الجمال والطهر والقداسة" وصفرونيوس بطريرك أورشليم (+ 638) يتغنّى بالفادي الذي "ولج أحشاء مريم المتألقة طهرًا، المعصومة من كل لوثة في النفس والجسد والعقل، البريئة من كل دنس". ولئن كان "القدّيسون الّذين ظهروا قبلها كثيرين، فما من أحد فيهم كان ممتلئًا نعمة ولا أحد كامل القداسة مثلها، ولا أحد تطهّر من قبل مثلها. ويقوم هذا الامتياز بأنّ مريم تطهّرت مقدَّمًا، وأبناء آدم الآخرين تطهّروا عاديًّا، والفرق بين تطهير هؤلاء وتلك هو أنّهم هم تطهّروا بعد الوصمة، وأمّا هي فقبل الوصمة". ويوالي القدّيس أندراوس الكريتي (+ 740) العزف على الوتر عينه، فيؤكّد قداسة مريم العذراء منذ تكوينها في أحشاء أمّها: "إنّ مريم هي ابنة الله، لا لأنّها ابنة الموعد وثمرة قدرة الله تُخصب عقم الشيخوخة وحسب، بل أيضاً وخصوصاً لأنّها الخزف يجبله الفنّان الإلهي جبلة إلهيّة، والخميرة المقدّسة سرت فيها الحياة الإلهيّة"، "وهي باكورة طبيعتنا، بها تستعيد البشريّة جبلتها الأولى وامتيازاتها القديمة. وبها يبدأ تجديد طبيعتنا، والعالم العتيق يتقبّل باكورة الخليقة الجّدَيدة"، لأنّ "جسدها تربة اعتجنها الله بنفسه، ولأنّها الصورة المماثلة الجمال الأوّل". والقدّيس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (+ 733) يهتف بلسان يواكيم وحنّة في عيد التقدمة: "تقبّل أيّها السيّد تلك التي أعطيتناها... تقبّل تلك التي اصطفيتها واخترتها من قبل وقدّستها، تلك التي انتزعتها كالزنبقة بين الشوك من حضيض حقارتنا". ويوم قُدّمت إلى الهيكل "قُدّمت إلى الرب كهبة مقدّسة متألّقة بالجمال الإلهي"، لا لكي يقدّسها الهيكل بل لكي تقدّس هي قدس الأقداس. والقدّيس يوحنا الدمشقي (+ 749) يعلن أنّ مريم قدّيسة طاهرة البشارة "إذ إنّها حرصت على نقاوة النفس والجسد كما يليق بمن كانت معدّة لتتقبّل الله في أحشائها." واعتصامها بالقداسة مكنّها أن تصير هيكلاً مقدّسًا رائعًا جديرًا بالله العليّ". ومريم طاهرة منذ الحبل بها: "يا لغبطة يواكيم الذي ألقى زرعًا طاهرًا! ويا لعظمة حنّة التي نمت في أحشائها شيئًا فشيئًا ابنة كاملة القداسة". ويؤكّد أنّ "سهام العدوّ الناريّة لم تقو على النفاذ إليها"، "ولا الشهوة وجدت إليها سبيلاً". ويوحنّا أسقف أوبي (+ 750) يعلن: "إنّ الخالق بنفسه اصطنع من التراب القديم سماء جديدة، وعرشًا يتحدّى ألسنة اللّهب... فتهلّلي أيّتها الأرض لأنّ عدوّ طبيعتنا قد قُهر... وقصر الملك السماوي قد شُيّد بدون مساعدة البشر". ويقول القدّيس ثاوذورس الأستودي (+ 826): "إنّ مريم أرض لم تنبت فيها البتّة أشواك الخطيئة... أرض لم تطلق عليها اللعنة البتّة على مثال الأرض الأولى الخصيبة بالشوك... والعود الغير الفاسد الذي لم يجد إليه دود الفساد منفذًا". وكذلك يقول القدّيس أوغسطينوس: "إكرامًا للربّ، أرفض أيّ تساؤل حول إمكان وقوع القدّيسة مريم العذراء في الخطيئة". ويقول أيضاً يعقوب السروجي (+ 521): "لم تتدنّس مريم قطّ بشهوات رديئة، بل سلكت منذ طفولتها طريق الحقّ باستقامة، بغير خطأ أو تعثّر". من هذه الأقوال كلّها نستنتج أنّ الآباء في معظمهم اعتقدوا بأنّ مريم لم تقترف أيّ إثم ولم تقع في الخطيئة، لأنّ نعمة الله ملأتها منذ تكوينها. واستنادا إلى هذا التراث الواسع حدّدت الكنيسة الكاثوليكية عقيدة "الحبل بلا دنس". ماذا تعني هذه العقيدة؟ وما هو موقف الكنائس الأرثوذكسية منها؟ |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ج) قداسة مريم العذراء وعقيدة "الحبل بلا دنس" تلك العقيدة حدّدها في 8 كانون الأوّل سنة 1854 البابا بيوس التاسع. قال: "إنّنا نعلن ونحدّد أنّ التعليم القائل بأنّ الطوباويّة مريم العذراء قد عُصمت منذ اللحظة الأولى للحبل بها من كل دنس الخطيئة الأصليّة، وذلك بنعمة وإنعام فريدين من الله القدير، ونظرًا إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلّص الجنس البشري، هو تعليم موحى به من الله، وواجب من ثمّ على جميع المؤمنين الإيمان به إيمانًا ثابتًا لا يتزعزع". هذا التحديد لا يعني أنّ مريم العذراء قد حبلت بها أمّها حنّة بقدرة الروح القدس دون مباشرة رجل، كما حبلت هي بابنها يسوع. فالقدّيسة حنّة قد حبلت بمريم كما تحبل سائر النساء. بيد أنّ العذراء -وهذا هو مضمون العقيدة- "وإن حبلت بها أمّها على طريقة البشر، فإنّ نفسها الشريفة كانت حاصلة على نعمة القداسة، ومن ثمّ خالية من كل خطيئة، منذ أن خلقها الله وأتحدها بالجسد في أحشاء حنّة. ولم تحتمل العذراء الفائقة الطهر على هذا الإنعام الفريد إلاّ باستحقاقات ابنها فادي البشر. ومن ثمّ فهي مثلنا مفتداة بدم كريم. بيد أنّ نعمة الفداء لم تكن لها نعمة تبرير من خطيئة تغشى نفسها الطاهرة، بل نعمة مناعة وعصمة تقي تلك النفس الكريمة من التلوّث بجريرة الأبوين الأوّلين. ولئن تكن العذراء مريم لم تُعتَق ولم تُعصَم في الوقت نفسه بن ملحقات الخطيئة الجدّية كالعذاب والموت، فما ذلك إلاّ لأنّ مصيرها كان مرتبطاً ارتباطاً صميمًا، في تصميم الله الأزلي، بمصير ابنها الإلهي: إنّها حوّاء الجديدة تسهم مع آدم الجديد في ولادة البشرية إلى حياة جديدة على أساس العذاب وإراقة الدم الزكي". الخطيئة الأصليّة في الفكر اللاّهوتي الغربي لفهم العقيدة القائلة "إنّ مريم عُصمت منذ اللحظة الأولى للحبل بها من كلّ دنس الخطيئة الأصلية"، لا بدّ لنا من العودة إلى مفهوم الخطيئة الأصليّة في اللاّهوت الغربي. فهذه العقيدة قد أعلنتها الكنيسة الكاثوييكيّة في إطار لاهوت خاص يعود إلى القدّيس أوغسطينوس حول الخطيئة الأصليّة ونتائجها في البشر وضرورة الخلاص بالمسيح. توسّع القدّيس أوغسطينوس في موضوع الخطيئة الأصليّة في معرض دفاعه عن ضرورة الخلاص بالمسيح ضدّ بيلاجيوس. ففي حين كان بيلاجيوس يدّعي أنّ الإنسان يستطيع بقواه الخاصّة الحصول على الخلاص، أكّد أوغسطينوس ضرورة الخلاص بالمسيح، مرتكزًا على فساد الطبيعة البشريّة بعد خطيئة آدم وحوّاء في الفردوس. فهذه الخطيئة تنتقل بالوراثة إلى كل إنسان يولد من نسل آدم. وينتج أنّ الإنسان يولد خاطئًا، بحيث إنّه إن لم يعتمد لا يمكنه الحصول على الخلاص. كما ينتج أيضاً من وراثة الخطيئة الأصليّة انحراف إرادة الإنسان واستعبادها للشهوة. فكلّ إنسان يولد إذن خاطئًا ومستعبَدًا للشهوة. ويضيف اغسطينوس نتيجة ثالثة هي أنّ الإنسان، بخطيئة آدم وحوّاء، صار مائتًا وفقد، مع حياة النعمة واستقامة الإرادة، الخلود (أي عدم الموت) الذي كان الله قد زيّنه به عندما خلقه. أمّا بشأن مريم العذراء، فيرى أوغسطينوس أنّ مريم العذراء قد تحرّرت كلّيًّا، بنعمة خاصّة، من الخطيئة الأصليّة، ولا سيّما من الاستعباد للشهوة والخطيئة. وقد منحها الله هذه النعمة عندما ولدت. ولا يوضح أوغسطينوس أيّ شيء بالنسبة إلى عدم الموت في تلك النعمة الخاصّة. وتساءل اللاهوت في الغرب: إذا كان المسيح وحده المخلّص والفادي، فكيف يكون مخلّص أمّه إن هي حُرّرت من الخطيئة الأصليّة قبل الفداء؟ وكان جواب دونس سكوت (Duns Scott) اللاّهوتي الفرنسيسكاني (1260- 1308): هناك طريقتان تحقّق بهما فداء البشر: الطريقة العامّة التي تشمل كلّ البشر، والطريقة الاستثنائية التي تميّزت بها مريم العذراء فافتُديت استباقًا لاستحقاقات ابنها يسوع المسيح. وهذا التحليل اللاّهوتي هو الذي استخدّمه البابا بيوس التاسع في تحديده عقيدة الحبل بلا دنس التي تعلن أمرين متكاملين: 1- حُفظت مريم تمامًا من كلّ دنس الخطيئة الأصليّة، 2- وذلك بنعمة من الله وبفضل استحقاقات سيّدنا يسوع المسيح الذي هو وحده مخلّص الجنس البشري، ولا خلاص بغيره. موقف الكنيسة الأرثوذكسيّة من عقيدة الحبل بلا دنس لقد رفضت الكنيسة الأرثوذكسية عقيدة الحبل بلا دنس كما حدّدها البابا بيوس التاسع، وليس ذلك إنكارًا منها لقداسة مريم العذراء، بل لأنّ نظرتها إلى الخطيئة الأصليّة وعواقبها في الإنسان تختلف عن نظرة الكنيسة الغربيّة. فلا وجود أوّلاً لعبارة "الخطيئة الأصليّة" في الكنيسة الشرقيّة التي تتكلّم فقط عن خطيئة الأبوين الأوّلين، عن خطيئة آدم وحوّاء. أمّا بشأن نتائج تلك الخطيئة، فيرفض الشرق أن يكون كلّ الناس قد خطئوا خطيئة فعليّة "في آدم"، وأن يولدوا خطأة بالفعل. فآدم وحوّاء وحدهما خطئا "خطيئة فعليّة"، أمّا نسلهما فيرث فقط حالة من الانحطاط تستلزم خلاص المسيح والولادة الجديدة. وتلك الحالة، في نظر كنيسة الشرق، شوّهت صورة الله في الإنسان، ولكنّها لم تُزِلها. لذلك يستطيع الإنسان، وهو في حالة الانحطاط التي ورثها من آدم وحوّاء، أن يسهم مع النعمة في خلاصه. وقد بقي له القدر الكافي من الحريّة ليقبل قبولا شخصيًّا وواعيًا نعمة الله وخلاص المسيح. وإلى جانب تلك الحالة، صار الإنسان مائتًا. تلك هي النتيجة الثانية التي يعتبر الشرق أنّها نجمت عن خطيئة آدم وحوّاء. فعقيدة "الحبل بلا دنس" لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ضرورتها. فإذا عدنا إلى العواقب الثلاث التي نتجت عن خطيئة آدم وحوّاء حسب اللاّهوت الكاثوليكي، ترى الكنيسة الأرثوذكسية جوابًا عليها دون اللجوء إلى عقيدة "الحبل بلا دنس": - فالعاقبة الأولى: "أن يولد كل إنسان خاطئًا بالفعل"، لا وجود لها، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، عند أيّ من البشر. - والعاقبة الثالثة: "أنّ الإنسان صار مائتًا"، لم تُعطِ عقيدةُ الحبل بلا دنس جوابًا عنها. فمريم العذراء خضعت للموت كما يخضع له سائر البشر، وتحمّلت مع سائر البشر عاقبة خطيئة آدم وحوّاء. - تبقى العاقبة الثانية: "أن يرث الإنسان طبيعة مجروحة تضعف بهاء صورة الله فيه، دون إزالة حرّيته". فالله قد أنعم على مريم العذراء بملء النعمة والقداسة، وقد تجاوبت مريم مع هذه النعمة، فلم تقترف أيّة خطيئة وبقيت "منزّهة عن كل عيب"، و"كاملة القداسة". ولكنّ هذه النعمة لا تعني، في نظر الكنيسة الأرثوذكسية، عصمة من الخطيئة الأصليّة. لأنّ مثل هذه العصمة، حسب قول أحد الأرثوذكسيّين، "تحرم مريم العذراء من صلتها الصميمة العميقة بالإنسانية"، وتسلب الحرّية الإنسانية كلّ قيمتها، وتقطع "الاستمرارية مع قداسة العهد القديم، تلك القداسة التي تجمّعت من جيل إلى جيل لتكتمل أخيرًا بشخص مريم العذراء الكلّية الطهارة التي بطاعتها المتواضعة خطت الخطوة الأخيرة التي كان على الإنسان أن يخطوها لكي يصبح عمل خلاصنا ممكنًا. فعقيدة الحبل بلا دنس، كما عبّرت عنها كنيسة رومية، تقطع هذه الاستمراريّة المقدّسة "لأجداد الإله الأبرار" التي تجد نهايتها في "هوذا أنا أمة الربّ". ثم "إنّ التحديد: "امتياز معطى للعذراء توقّعًا للاستحقاقات التي سيكتسبها ابنها"، يأباه فكر الارثوذكسية التي لا تستطيع قبول هذا الميل الحقوقي في التفكير، المبالغ به، والذي يطمس الطابع الحقيقي لعملية فدائنا ولا يرى فيها سوى عملية "استحقاق" مبهم للمسيح، منسوب إلى كائن بشري، قبل آلام وقيامة المسيح وقبل تجسّده أيضاً، وذلك بقرار خاص من الله". في هذا الموضوع يوجز أحد أساتذة اللاّهوت الأرثوذكسيّين موقفه فيقول: * المنطلق اللاّهوتي: لقد خلق الإنسان على صورة الله. والخطيئة لم تدمّر تلك الصورة فيه. أمّا المثال فهو الدرجة التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى تحقيق الصورة الإلهيّة فيه. المسيح وحده فيه ملء الروح القدس (يو 3: 34). أمّا الإنسان، فهناك حالات يستطيع فيها، باختيار من الله، وبمؤازرة النعمة وتجاوبه معها، الوصول إلى أعلى درجات القداسة وتحقيق صورة الله فيه على وجه شبه كامل. * المنطلق المنهجي: في اللاّهوت كما في سائر الميادين، يجب الانطلاق ممّا نعرف وليس ممّا نجهل. فالمعطيات المعروفة هي موضوع الوحي الإلهي، وتستند إلى كلمة الله، ويثبّتها التقليد، أي خبرة الكنيسة. والحال أنّ هناك أسرارًا، ليس فقط إلهيّة، بل أيضاً إنسانيّة وطبيعيّة، نجهل طريقة تحقيقها، ومنها الحبل وما يجري في نفس الكائن البشري الذي يُحبَل به. * من هذين المنطلقين، يستنتج الكاتب: - يذكر الكتاب المقدّس حالات اختيار بعض الرسل والأنبياء "من أحشاء أمّهم"، على مثال شمشون (قض 13: 7)، إرميا (إر 1: 5)، عبد الربّ (أش 49: 1)، يوحنّا المعمدان (لو 1: 15)، بولس الرسول (غلا 1: 15). في هذه الحالات تجتمع تقوى الوالدين ونعمة الربّ التي تزيل في بعض الأحيان عقم الأمّ. والدور الكبير في معظم الحالات هو لإرادة الله - هناك حالات خاصّة ظهرت فيها قداسة بعض المختارين منذ طفولتهم. وهذه الحالات أيضاً هي من تصميم الله. * ويخلص المؤلّف إلى موضوع الحبل بمريم العذراء والدة الإله، فيقول: "إذا كانت عذراء الناصرة قد تمّ اختيارها لتكون الممتلئة نعمة، أمةَ الربّ، أمّ ربي، المرأة، حوّاء الجديدة، أمّ الأحياء، فلا بدّ من أن يكون الحبل بها وولادتها من عمل العناية الإلهيّة وتصميم الخلاص. ولقد كانا دون شكّ موضوع نعمة غزيرة انسكبت فيهما. هل جعلت النعمة من مريم كائنًا منفردًا؟ لقد جعلت منها تلك التي كانت ولا تزال ممتلئة نعمة، تلك التي نالت حظوة عند الله، المباركة في النساء (لوقا 1)، لا تتميّز عن سائر النساء إلاّ من خلال أعياد 9 كانون الأوّل و8 أيلول. والتقوى الشعبيّة نسجت كتبًا منحولة. وما سوى ذلك صمت". من هذه المقارنة بين النظرتين الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة نخلص إلى أنّ الخلاف بين الكنيستين ليس خلافًا على مضمون الإيمان بل على طريقة التعبير عن هذا الإيمان. فكلتا الكنيستين تؤمن بأنّ مريم العذراء فائقة القداسة، وبأنّ نعمة الله التي امتلأت منها لم تُزِل حرّيتها وتجاوبها مع النعمة، ولم تعزلها عن فداء المسيح. ولكن في حين عبّرت الكنيسة الكاثوليكيّة عن إيمانها بقداسة مريم بعقيدة الحبل بلا دنس وبعصمة مريم من الخطيئة الأصليّة، رفضت الكنيسة الأرثوذكسية هذا التحديد لأنّ الكتاب المقدّس لا يتضمّنه بوجه بيّن صريح ولأنّه يخالف طريقة تعبيرها عن خطيئة آدم وحوّاء وعن عواقبها في نسلهما. إلاّ أنّها لا تقلّ عن الكنيسة الكاثوليكيّة بإعلان قداسة مريم العذراء، كما فعل الآباء الشرقيّون الذين أفاضوا بتعداد الألقاب التي تدلّ على قداسة مريم، كما رأينا. ففي شخصها عادت "الجبلة الأولى الإلهيّة المقدّسة"، و"التربة المنزّهة عن كل لطخة"، و"التربة الطاهرة التي لم يمسّها الشيطان"، و"الشجرة غير الفاسدة"، و"المرأة البريئة كحوّاء قبل الخطيئة". إنّنا لا نرى أيّ تناقض، بل هناك انسجام تامّ بين الإيمان الذي أوحى تلك التعابير والإيمان الذي عبّرت عنه الكنيسة الكاثوليكيّة، وإن من خلال لاهوت مختلف، في إعلانها عقيدة عصمة العذراء مريم من الخطيئة الأصليّة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
د) قداسة مريم العذراء في التصميم الإلهي وتاريخ الخلاص نودّ، في ختام كلامنا على قداسة مريم العذراء، أن نتجاوز النقاش المحدود بين الكاثوليك والأرثوذكس حول عقيدة "الحبل بلا دنس"، لننظر إلى الموضوع في مجمل التصميم الإلهي وتاريخ الخلاص. في هذه النظرة نخرج من حدود لاهوت محورُ تفكيره "الخطيئة الأصليّة"، بحيث لا يرى في الفداء إلاّ عمل خلاص من تلك الخطيئة، ويعتبر هذا الفداء قد تمّ في لحظة من الزمن يوم الجمعة العظيمة، فيروح يتساءل: كيف يمكن للعذراء أن يتحقّق فيها الفداء قبل صليب المسيح؟ التصميم الإلهي للإنسان يقول القدّيس بولس: "في المسيح اختارنا الله عن محبّة من قبل إنشاء العالم، لنكون قدّيسين، وبغير عيب أمامه. وسبق فحدّد، على حسب مرضاته، أن نكون له أبناء بيسوع المسيح" (أف 1: 4- 5). تصميم الله هذا الذي يدعو بولس "سرّ مشيئته" (أف 1: 9)، أي الذي يعبّر عن إرادة الله الأزليّة، قد تحقّق في الزمن في المسيح الإنسان، في عمق كيانه، موجّه نحو الله. ولن يحقّق ذاته إلاّ بالقداسة أي بالاتّحاد بالله. وهذا ما تعنيه صورة التبّني، كما جاء في قول بولس: "أن نكون له أبناء"، مضيفًا: "بيسوع المسيح" الذي هو ابن الله منذ الأزل، "المولود قبل كل خلق، الذي فيه خُلق جميع ما في السماوات وما على الأرض... الذي به وإليه خُلق كل شيء" (كو 1: 15- 16). إنّ صورة الإنسان الكامل المخلّص نجدها في شخص ابن الله الأزلي. وهدف التجسّد هو ظهور مجد ابن الله، حسب قول السيّد المسيح في صلاته الأخيرة قبل موته: "فالآن، أيّها الآب، مجّدني أنت عندك بالمجد الذي كان لي لديك من قبل كون العالم" (يو 17: 5)، وذلك في سبيل اشتراك الناس في هذا المجد. هدف التجسّد هو تأليه الإنسان. وهذا معنى الخلاص الذي يذكره قانون الإيمان هدفًا للتجسّد: "الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد...". هدف الخلق والخلاص "أن يكون الله كلاًّ في الكل" (1 كور 15: 28). اختيار مريم العذراء مريم العذراء هي جزء من هذا التصميم الإلهي. إنّها الباب الذي به دخل المسيح العالم. وقد رأت الكنيسة في تحيّة الملاك لها "ممتلئة نعمة" إشارة إلى أنّ تصميم الله قد تحقّق أوّلاً فيها. وتأكيد التراث الشرقي أنّها "المرأة المنزّهة كحوّاء قبل الخطيئة"، وإعلان الكنيسة الكاثوليكيّة "عصمتها من الخطيئة الأصليّة"، اعتراف بأنّ الله غير مقيّد بخطيئة الإنسان. فالتجسّد ليس محاولة يائسة قرّرها الله بعد خطيئة الإنسان، إنّما هو تصميم الله الأزلي وتعبير عن فيض جوده. وقداسة مريم العذراء تندرج في إطار جود الله وتنسجم مع تصميمه الذي أرادنا به "أن نكون قدّيسين وبغير عيب أمامه" (أف 1: 4). إنّ الفداء لم يتحقّق لمريم قبل الصليب، بل باختيار الله لها لتكون أمًّا لابنه. فالاختيار والتقديس هما عند الله عمل واحد ويتحقّقان معًا. إنّ الله اختار مريم، كما يقول قانون المدايح، "صدفة صبغت من دمائها أرجوانًا إلهيًّا لملك الأكوان" (الأوذية الرابعة، 3)، وأعدّها طاهرة ليسكن في أحشائها" (نشيد المدايح، البيت 19). لقد اتّخذ السيّد المسيح من أمّه الطاهرة إنسانيّة طاهرة مقدّسة، الإنسانية الحقيقيّة الموافقة لإرادة الله منذ الأزل. أمّا بشأن الخطيئة الأصليّة، فإذا كان اللاهوت المعاصر لا يرى فيها خطيئة رجل واحد اسمه آدم وامرأة اسمها حوّاء، بل خطيئة كلّ إنسان منذ الإنسان الأوّل، فالقول إنّ مريم حُبل بها معصومة عن الخطيئة الأصليّة لا يعني سوى أنّ مريم العذراء قد ملأها الله بنعمته وقدّسها بحيث يمكن القول إنّها تمثّل صورة الإنسان كما يريده الله منذ الأزل. وهذا ما أعلنته الكنيسة منذ القرون الأولى في الشرق كما في الغرب. وملء النعمة الذي نالته مريم العذراء لا ينفي تجاوب حرّيتها مع دعوة الله. فالنعمة لا تزيل الحرية. وهذا ما يقوله نقولاوس كاباسيلاس، وهو للاهوتي بيزنطي من القرن الرابع عشر، في عظة له حول البشارة: "لم يكن التجسّد عمل الآب وكلمته وروحه فقط، ولكنّه أيضاً فعل إرادة العذراء وإيمانها. لولا موافقة الكلّية الطهارة ولولا مؤازرة إيمانها، لكان هذا التدبير مستحيلاً بقدر استحالته لو لم يتدخّل الله نفسه في أقانيمه الثلاثة. فابن الله لم يتّخذها أمًّا له ولم يتّخذ منها الجسد الذي قدّمته له إلاّ بعد أن أعدّها لذلك وحصل على قبولها. وكما تجسّد هو بملء إرادته هكذا أراد أن تلده أمّه بحرّية وبملء إرادتها". ما يقوله كاباسيلاس عن موقف مريم العذراء في حدث البشارة يصحّ أيضاً بالنسبة إلى كلّ أحداث حياتها: إنّها مختارة، ولكنّها أيضاً مؤمنة. والإيمان لا وجود له دون وعي الإرادة والتزام الحرّية: وهذا ما يجعلها قريبة منّا في مسيرة إيماننا. وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم تفسير بعض الآباء، من أمثال باسيليوس الكبير ويوحنّا الذهبيّ الفم وغريغوريوس النزينزي وكيرلّس الإسكندري، "للسيف الذي جاز في نفس العذراء"، حسب نبوءة سمعان الشيخ (لو 1: 35)، بأنّه الشكّ الذي تملّكها، عند قدمي الصليب، بألوهيّة ابنها. إنّ مريم قد جاهدت بإرادتها ونمت في الإيمان. ونعمة الله التي ملأتها وجدت فيها نفسًا مستعدّة وقلبًا منفتحًا، بحيث لم تقترف خطيئة وبقيت المنزّهة عن كل عيب والفائقة القداسة. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
5- مريم العذراء الممجّدة في السماء أ) عقيدة انتقال مريم العذراء في الكنيسة الكاثوليكيّة في الأوّل من أيّار عام 1946 سأل البابا بيوس الثاني عشر أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم كلّه: هل يؤمن المسيحيّون في الأبرشيات التي يرعونها بانتقال مريم العذراء إلى السماء بجسدها ونفسها؟ فكان شبه إجماع حول وجود مثل هذا الإيمان لدى الأساقفة واللاهوتيّين وسائر المؤمنين من الشعب المسيحي. وفي الأوّل من تشرين الأوّل عام 1950، أعلن البابا هذا الانتقال عقيدة إيمانيّة. فيرسم أوّلاً لوحة لتاريخ هذا الاعتقاد منذ القرن السادس، ثمّ يبيّن كيف وعت الكنيسة إيمانها بهذا الموضوع، وكيف استخلصت هذا الإيمان من معطيات الكتاب المقدّس، ويقول: "إنّ هذه البراهين كلّها والاعتبارات التي نقرأها لدى الآباء القدّيسين واللاهوتيّين تستند إلى الكتاب المقدّس كأساس أخير لها. فالكتاب المقدّس يرينا والدة الإله متّحدة اتحادًا وثيقًا بابنها الإلهي ومشاركة إيّاه على الدوام مصيره. فيبدو من ثمّ من المحال أنّ التي حبلت بالسيّد المسيح وولدته وغذّته بلبنها وحملته على ذراعيها وضمّته إلى صدرها قد انفصلت عنه بعد حياتها على هذه الأرض، إن لم نقل بنفسها، فبجسدها. فبما أنّ فادينا هو ابن مريم، لما يكن باستطاعته، هو الخاضع خضوعًا تامًّا للشريعة الإلهيّة، ألاّ يؤدّي الإكرام ليس فقط إلي الآب الأزلي بل أيضاً إلى أمّه المجبوّبة. وبما أنّه كان يقدر أن يصنع لها هذا الإكرام فيحفظها من فساد الموت، فيجب الإيمان بأنّه صّنعه لها. "ويجب بنوع خاص أن نتذكّر أنّ آباء الكنيسة، منذ القرن الثاني، رأوا في مريم العذراء حوّاء الجديدة، خاضعة دون شكّ لآدم الجديد، لكن متّحدة به اتّحادًا وثيقًا، في العراك ضد العدوّ الجهنّمي، هذا العراك الذي سبق سفر التكوين (تك 3: 15) فبشّر بأنّه سوف ينتهي بالنصر الكامل على الخطيئة والموت اللّذين يذكرهما دومًا رسول الأمم متّحدين (رو 5: 6؛ 1 كو 15: 21- 26، 54- 57). لذلك، فكما أنّ قيامة المسيح المجيدة كانت جزءًا أساسيًّا من هذا الانتصار وآخر مغانمه، كذلك كان يجب أن ينتهي العراك الذي قامت به مريم العذراء بالاتّحاد مع ابنها بتمجيد جسدها العذري، حسب قول الرسول نفسه: "ومتى لبس هذا الجسد الفاسد عدم الفساد، ولبس هذا الجسد المائت عدم الموت، فحينئذ يتمّ القول الذي كتب: لقد ابتُلع الموت في الغلبة" (1 كو 15: 54). "إن والدة الإله السامية المقام، المتّحدة اتّحادًا سريًّا بيسوع المسيح "في قرار الاختيار الواحد عينه الذي مسبق الله فاتّخذه"، المنزّهة عن العيب في حبلها، العذراء الكلّية الطهارة في أمومتها الإلهيّة، الرفيقة السخيّة للفادي الإلهي الذي أحرز انتصارًا شاملاً على الخطيئة ونتائجها، قد حصلت أخيرًا على هذا التتويج الفائق لامتيازاتها، فحُفظت من فساد القبر، وعلى غرار ابنها، بعد أن غلبت الموت، رُفعت بالجسد والنفس إلى المجد في أعلى السماوات، لتتألّق فيها كملكة على يمين ابنها، ملك الدهور الأزلي (2 تي 1: 17). "إنّ الكنيسة الجامعة التي فيها يحيا روح الحقّ الذي يقودها لتصل إلى معرفة الحقائق الموحاة، قد أعلنت إيمانها بطرق متنوّعة على مدى الأجيال. وأساقفة العالم يطلبون باتّفاق شبه تامّ أن تُعلَن كعقيدة إيمان إلهي وكاثوليكي حقيقةُ انتقال الطوباويّة مريم العذراء إلى السماء بجسدها، تلك الحقيقة التي تستند إلى الكتاب المقدس، المغروسة في قلوب المؤمنين، والمعلَنة منذ القرون الأولى في عبادة الكنيسة، والمفسَّرة والمعروضة بشكل رائع في أعمال اللاهوتيّين وعلمهم وحكمتهم. لهذه الأسباب نعتقد أنّه قد أتى الزمن الذي حدّدته مقاصد العناية الإلهيّة لأن نعلن رسميًّا هذا الامتياز الفائق الذي تتمتّع به الطوباويّة مريم العذراء. "فبعد أن وجّهنا إلى الله صلوات ملحّة، والتمسنا نور روح الحقّ، لمجد الله ألقدير الذي أغدق بسخاء عطفه الخاص على مريم العذراء، وإكرامًا لابنه، ملك الدهور الحيّ قاهر الخطيئة والموت، وزيادة في مجد والدته السامية المقام، وفي سبيل الفرح والابتهاج في الكنيسة جمعاء، بسلطان ربّنا يسوع المسيح، والرسولين بطرس وبولس، وبسلطاننا الخاصّ نصرّح ونعلن ونحدّد كعقيدة أوحاها الله أنّ مريم والدة الإله المنزّهة عن العيب والدائمة البتوليّة، بعد أن أنهت مسيرة حياتها على الأرض، رُفعت بالنفس والجسد الى المجد السماوي". بهذه التعابير أعلن البابا عقيدة انتقال مريم العذراء إلى السماء بنفسها وجسدها، مؤكّدًا أنّه لا يضيف شيئًا، في إعلانه هذه العقيدة، إلى إيمان الكنيسة، بل يعبّر بشكل واضح عن هذا الإيمان الذي يعود إلى القرون الأولى للمسيحيّة. كيف يظهر هذا الإيمان في كتابات الآباء وفي عبادة الكنيسة؟ ب) انتقال مريم العذراء في كتابات الآباء لقد أورد القدّيس يوحنّا الدمشقي، في عظته الثانية عن رقاد السيّدة، تقليدًا مستمَدًّا من كتاب "التاريخ الأوثيمي" المنحول، مفاده أنّ الرسل الأطهار جُذبوا بلحظة، ساعة رقاد السيّدة، وأتوا من كل الجهات التي كانوا يبشّرون فيها لأجل خلاص العالم، وارتقوا السحب بإشارة إلهيّة، ووفدوا على مقام البتول. ولمّا بلغوا إليها ظهر المسيح ابنها، فأودعت نفسها الطاهرة بين يديه. أمّا جسدها الذي حلّ فيه ابن الله، فشيّعه الرسل ومن معهم بكل إجلال ودفنوه في الجسمانية. ولمّا انقضى اليوم الثالث فتح الرسل الحاضرون نعش البتول نزولاً عند رغبة الرسول توما الذي لم يكن معهم، فلم يجدوا الجسد الكريم. فأخذتهم الدهشة والعجب... فاستنتجوا من الحادث أنّ الكلمة الأزلي الذي تنازل وأخذ جسدًا من أحشائها النقيّة، وحفظ بتوليّتها سالمة بعد ولادته منها، أراد أيضاً أن يكرّم جسدها البتولي والبريء من الدنس ويقيه من الفساد والانحلال وينقله إلى دار الخلود قبل القيامة العامّة. ويضيف الإنجيل المنحول أنّ تيموثاوس أوّل أسقف على أفسس، وديونيسيوس الأريوباجي وإياروثاوس أسقف أثينا حضروا مع الرسل أمام نعش والدة الإله. وقد استمرّ هذا التقليد في الفن الإيقونوغرافي البيزنطي الذي يمثّل رقاد السيّدة على الشكل المذكور أعلاه: العذراء مسجّاة على فراش الموت يحيط بها الرسل، والسيّد المسيح يتقبّل نفسها الطاهرة ترمز إليها طفلة صغيرة يحملها على ذراعيه. إنّ هذا التقليد لا يرتكز على حدث تاريخي، بل يعبّر بشكل روائي عن إيمان الكنيسة الأولى بأنّ ابن الله الذي اتّخذ جسدًا من أحشاء مريم العذراء، وصار لها ابنًا حقًّا، وخصّها بشرف البتوليّة الدائمة، أكمل نعمته عليها، فصان جسده ها من فساد القبر ونقله إلى المجد السماوي. وهذا الايمان لا يستند إلى نصوص كتابيّة مباشرة بل إلى تحليل لاهوتي، يعتبر انتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها إلى المجد السماوي نتيجة ضرورية لأمومتها الإلهيّة. فابن الله صار ابن مريم، وجسد كليهما واحد. وحيث يكون جسد الابن هناك جسد أمّه أيضاً. وكما أقام الله جسد ابنه ولم يتركه "يرى الفساد" (راجع خطبة بطرس الأولى في أع 2: 22- 32)، كذلك أقام الابن جسد أمّه، ذلك الهيكل الطاهر الذي قدّسه الروح القدس وسكن فيه ابن الله تسعة أشهر وقد اتّخذ منه دمه ولحمه، ولم يتركه يرى الفساد والانحلال كسائر أجساد البشر. وهذا التحليل اللاهوتي نجده لدى كثير من الآباء. يقول القدّيس أندراوس الكريتي (+ 767): "من اللائق أن يدبّر ابن الله مصير والدته بحسب مصيره الخاصّ". ويقول جرمانوس بطريرك القسطنطينية (+ 733): "كيف يحوّلكِ الموت الى رماد وتراب، أنتِ التي، بتجسّد ابنك، أنقذت الإنسان من فساد الموت؟" والقدّيس يوحنّا الدمشقي (+749)، في عظته الأولى والثانية على الانتقال، يوضح لماذا ماتت مريم العذراء، ولماذا انتقلت بعد موتها الى السماء بجسدها ونفسها. يقول: "لماذا الانتقال؟ لقد كان من الواجب أن يكابد أسر المهاوي الأرضيّة هذا المقرّ اللائق بالله، الينبوع الذي لم تحفره يد البشر، حيث تتفجّر المياه التي تطهّر من الخطايا، الأرض غير المحروقة التي تنتج الخبز السماوي، الكرمة التي أعطت بدون أن تروى خمر الخلود، زيتونة رحمة الآب الدائمة الاخضرار ذات الثمار العذبة. ولكن، كما أنّ الجسد المقدّس النقيّ الذي اتّخذه الكلمة الإلهيّة منها، قام من القبر في اليوم الثالث، هكذا كان يجب أن تؤخذ هي من القبر وأن تجتمع الأمّ بابنها. وكما نزل نحوها، هكذا يجب أن تُرفَع هي عينها، وهي موضوع محبّته، حتى "القبّة الأسمى والأكمل" الى "السماء عينها" (عب 9: 11- 24). "لقد كان يجب أن تصون جسدها من الفساد حتى بعد وفاتها تلك التي لم تثلم بكارتها في الولادة. "كان يجب أن تعيش في القباب الإلهيّة تلك التي حملت خالقها في حشاها طفلاً صغيرًا. كما يجب أن تأتي العروس التي اختارها الآب، فتقطن في السماء المقرّ الزوجي... "اليوم العذراء البريئة من الَدنس، التي لم تخامرها عاطفة أرضيّة، بل تغذّت بالأفكار السماويّة، لم تعد الى التراب، وبما أنّها بالحقيقة سماء حيّة، أقامت في الأخبية السماويّة، فهل يخطىء إذن من يدعوها "سماء"؟ إلاّ إذا قلنا، ولعلّه بعدل وصواب، إنّها تفوق السماوات عينها بامتيازات لا مثيل لها، لأنّ من بنى السماوات واحتواها، والذي صنع الكون وما وراء الكون، المنظور وغير المنظور (كو 1: 16)، الذي لا مقرّ له، لأنّه هو عينه مقرّ كلّ الكائنات -لأنّ المقرّ في تحديده يحوي ما فيه- قد جعل نفسه فيها طفلاً صغيرًا، وجعل منها مقرّ ألوهيّته الفسيح الذي يملأ كلّ شيء، وحيدًا ولا حدّ له، قد تجمّع فيها كلُّه بدون أن يتصاغر، وهو مستقرّ بكامله خارجًا، لأنّه هو مقرّ ذاته غير المحدود. "اليوم كنز الحياة، لجّة النعمة، تدخل في ظلال موت يحمل الحياة، تتقدّم منه بدون خوف، تلك التي ولدت مبيده، هذا إذا جاز أن نسمّي موتًا رحيلها المفعم قداسة وحياة. "كيف تقع في سلطان الموت من كانت للجميع ينبوعًا للحياة الحقيقية؟ غير أنّها تخضع للشريعة التي وضعها ابنها عينه، وكابنة لآدم القديم تفي الدين الوالديّ، لأنّ ولدها عينه، الذي هو الحياة في ذاته، لم يرفض ذلك. ولكن بصفتها والدة الإله الحيّ، فمن العدل أن تُنقَل اليه، لأنّه إذ قال الله: لئلاّ يمدّ الإنسان (المخلوق الأوّل) يده فيقطف من شجرة الحياة ويأكل فيحيا الى الأبد... (تك 3: 22)، كيف لا تعيش مدى الأبد تلك التي قبلت الحياة عينها بدون بداية ولا نهاية؟". والكنيسة الأرثوذكسيّة، انسجامًا مع تعاليم الآباء، تؤمن أيضًا بانتقال مريم العذراء الى السماء بجسدها ونفسها، ولكن دون أن تفرض هذا الأمر على ضمير المؤمنين كعقيدة إيمانية، "لأنّها تفتقر الى إثبات، ولم يرد في الإعلان الإلهي أو الكتاب المقدّس أيّ إشارة تؤكّدها"، حسب قول أحد المؤلّفين الأرثوذكسيّين، الذي يضيف موضحًا أسباب انتشار هذا الاعتقاد في عبادة الكنيسة: "وفي هذه العبادة رجاء للكنيسة بالاستعادة الآتية (Apokatastase)، أي عودة الخليقة كلّها، في اليوم الأخير، الى وضعها الفردوسي، بالتألّه، لأنّ العذراء، "بانتقالها الى الحياة"، هي "أوّل كائن بشري يتألّه، كما يقول بول إفدوكيموف، وهي الأولى والسبّاقة، لأنّها ولدت الطريق ووضعت نفسها في الاتّجاه الصحيح، كأنّها "عمود من نار يقود المؤمنين الى أورشليم الجديدة" (فلاديمير لوسكي). لذلك "يلخِّص اسم والدة الإله كلّ تاريخ التدبير الإلهي في العالم"، كما يقول القدّيس يوحنّا الدمشقي (في الإيمان الأرثوذكسي 3: 12)... وفي المجال نفسه يقول اللاّهوتي الأرثوذكسي اليوناني المعاصر بنايوتيس نيللاس: "شركة سريّة تربط جسد مريم بجسد المسيح. وكما أنّ جسد المسيح هو في الحقيقة جسد أمّه، هكذا جسد مريم هو أيضًا جسد ابنها المتألّه. مريم هي أوّل كائن بشري يتّحد بطريقة صحيحة وحقيقية بالمسيح. لقد لبست حقًّا المسيح. لهذا السبب لم يبق جسدها في فساد الموت، بل رفعه المسيح الى السماء كعربون لصعود جميع القدّيسين بأجسادهم الى السماء". |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
ج) انتقال مريم العذراء في الصلوات الليترجيّة هذا الإيمان بانتقاله مريم العذراء قد عبّرت عنه الكنيسة في صلواتها الليترجيّة. نقتطف بعضًا من هذه الصلوات من رتبة عيد رقاد السيّدة في الطقس البيبزنطي: "أيّتها البتول، لقد أوليتِ الطبيعة جوائز الغلبة إذ ولدت الإله، ولكنّك خضعتِ لنواميس الطبيعة مماثلة ابنكِ وخالقكِ، ومن ثمّ متِّ لتنهضي معه الى الأبد". "إنّ الملك إله الكلّ قد منحكِ ما يفوق الطبيعة، لأنّه كما صانكِ في الولادة عذراء، كذلك صان جسدكِ في الرمس بغير فساد، ومجّدكِ معه بانتقالكِ الإلهيّ، وأولاكِ شرفًا شأن الابن مع أمّه". "أمّا في ميلادكِ، يا والدة الإله، فحبل بغير زرع. وأمّا في رقادك فموت بغير فساد. إنّ في ذلك أعجوبة بعد أعجوبة. إذ كيف العادمة الزواج تغذّي ابنًا وتلبث طاهرة، أم كيف أمّ الإله تُشَمُّ منها رائحة ثوب الممات؟ فلذلك نرنّم لك مع الملاك قائلين: السلام لك يا ممتلئة نعمة" "أيتّها النقيّة، إنّ المظالّ السماويّة الإلهيّة قد تقبّلتك كما يليق، بما أنّك سماء حيّة ومنزّهة عن كل وصمة". د) أبعاد انتقال مريم العذراء الى السماء ومعانيه ما آمنت به الكنيسة منذ القرون الأولى وعبرّت عنه بطرق متنوّعة في الصلوات الليترجيّة ومواعظ الآباء، وتحديد العقيدة في الكنيسة الكاثوليكيّة في موضوع انتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى المجد السماوي، هو إعلان للعظائم التي صنعها الله في مريم العذراء، بحسب قولها: "ها منذ الآن تغبّطني جميع الأجيال، لأنّ القدير صنع بي عظائم، واسمه قدّوس، ورحمته الى جيل وجيل للّذين يتّقونه" (لو 1: 48- 50). إنّ عظائم الله قد رافقت مريم العذراء طوال حياتها، وبما أنّ الله هو إله الحياة التي لا نهاية لها، تؤمن الكنيسة أنّ ما صنعه الله من عظائم لا يتوقّف عند حدود هذه الحياة بل يمتدّ الى ما بعد الموت. ويستطيع كلّ مؤمن أن يقرأ في مسيرة حياة مريم العذراء مسيرة إيمانه، وفي مصير مريم العذراء بعد الموت مصير كيانه ومصير شخصه في نهاية الزمن. الروح القدس أحيا جسد العذراء يقول بولس الرسول: "إذا كان روح الذي أقام يسوع من بين الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح يسوع من بين الأموات يحيي أيضًا أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم" (رو 8: 11). انتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى السماء هو نتيجة لعمل الروح القدس فيها. فالروح القدس الذي حلّ عليها وأحيا جسدها لتصير أمًّا لابن الله هو نفسه يكمّل عمله فيها ويحيي جسدها المائت وينقله الى المجد السماوي. الروح القدس هو قدرة الله المحيية، وهذه القدرة لا يوقفها شيء: إنّها حركة دائمة، وديناميّتها تفوق ما يستطيع عقلنا البشري تصوّره. بهذه القدرة كان يسوع يشفي المرضى ويخرج الشياطين ويقيم الموتى (راجع لو 4: 18- 19؛ مر 12: 18- 28). وبهذه القدرة قام هو نفسه من الموت. وبهذه القدرة سيقيم الأموات في الدينونة العامة. ولأنّ مريم العذراء كانت في جسدها ونفسها مستسلمة استسلامًا تامًّا لعمل الروح القدس، آمن المسيحيّون منذ القرون الأولى أنّها حصلت حالاً بعد موتها على قيامة الجسد التي هي مصير كلّ المؤمنين في نهاية الزمن. بهاء القيامة الخلاص في الديانة المسيحيّة ليس إنقاذ الإنسان من الخطايا بقدر ما هو إعادته الى بها الصورة الإلهيّة التي خُلق عليها.. الديانة المسيحيّة هي ديانة البهاء والمجد، وتلك السمة هي التي تبرّر وجودها وتثّبت صحتّها. فإذا كان لله وجود، وإذا كان الله قد ظهر لنا في شخص ابنه وكلمته وصورة مجده يسوع المسيح، فلا بدّ من أن يكون الله إله المجد والبهاء. وهذا ما تعبّر عنه الكنيسة في اعتقادها بانتقال مريم العذراء. تقول الكنيسة البيزنطية في إحدى صلوات عيد رقاد السيّدة: "ما أعجب أسرارك أيّتها السيّدة النقيّة، لأنّك ظهرت عرشًا للعليّ، واليوم قد انتقلت من الأرض الى السماء. فمجدك وافر البهاء، ويعكس أشعّة المواهب الإلهيّة" (صلاة المساء الكبرى). إنّ أشعّة المواهب الإلهيّة التي حصلت عليها مريم العذراء تنعكس في حياتها. فهي السيّدة النقيّة لأنّها "ممتلئة نعمة"، وقد "ظهرت عرشًا للعليّ"، لأنّ ابن الله سكن فيها، وتكلّلت تلك المواهب "بانتقالها من الأرض الى السماء"، وظهر فيها مجد الله الوافر البهاء. لا يمكننا التنكّر للواقع والتغاضي عن الخطيئة في العالم. ولكنّ قيامة المسيح هي أيضًا جزء من هذا الواقع. من قبر المسيح انبعث نور الله، ومع المسيح القائم من بين الأموات دخل مجد الله العالم، ويعمل كالخمير على تجديده من الداخل. تاريخ العالم ليس تاريخ معركة مجهولة المصير بين الحقّ والباطل، بل تاريخ ولادة جديدة. يقول بولس الرسول: "إنّ الخليقة قد أُخضعت للباطل.. إنّما على رجاء أنّ الخليقة ستُعتَق، هي أيضًا، من عبوديّة الفساد الى حريّة مجد أبناء الله. فنحن نعلم أنّ الخليقة كلّها معًا تئنّ حتى الآن وتتمخَّض، وليس هي فقط، بل نحن أيضًا الذين لهم باكورة الروح، نحن أيضًا نئنّ في أنفسنا منتظرين التبنّي افتداء أجسادنا" (رو 8: 20- 23). نحن من الآن أبناء الله، ولنا باكورة الروح، ولكنَّ ما نحن عليه سيتجلّى على أتمّ وجه في المجد الخالد، فيكون عندئذ للجسد المفتدى، القائم، قسط من السعادة كبير، حسب قول بولس الرسول:" الإنسان الأوّل من الأرض، من التراب، والإنسان الثاني من السماء. فعلى مثال الترابي يكون الترابيّون، وعلى مثال السماوي يكون السماويّون، وكما لبسنا صورة الترابي نلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كور 15: 47- 49). في وسط عالمنا لبس المسيح السماوي جسدنا الترابي، وبهذا الجسد ارتبط بعالمنا. وقيامته الجسديّة لم تفقده ارتباطه بنا، بل بدخوله مجد الآب، صار ارتباطه بنا أكثر اتّساعًا. ارتفع عن الأرض ليجتذب اليه الجميع (يو 12: 32)، ارتفع الى السماوات ليملأ مجده جميع الأرض، بحسب قول المزمور: "ارتفع اللهمّ على السماوات، وليكن مجدك على جميع الأرض" (مز 57: 12؛ راجع أيضًا أف 4: 8- 10). المسيح لم يتمجّد وحده. "فبعد إذ أميت بالجسد، استردّ الحياة بالروح، وبهذا الروح عينه مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن" (1 بط 3: 19)، أي إنّه نزل الى "الجحيم" مقرّ الأموات حيث كانت نفوس الصدّيقين تنتظر، كفي سجن، مجيئه الخلاصي وصعودها معه الى السماء، وبشّرها بأنّ عمل الفداء قد تحقّق، وتمّ الانتصار على الموت. وفي الموضوع عينه يتكلّم إنجيل متّى عن عامه كسيرين من الأموات مع المسيح: "القبور تفتّحت، وكثيرون من القدّيسين الراقدة أجسادهم فيها قاموا، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدّسة، وتراءوا لكثيرين" (متّى 27: 52- 53). إنّ ابن الله الذي "له مجد الآب من قبل كون العالم" (يو 17: 5) قد تجسّد في أحشاء مريم العذراء. وبسبب تلك الشركة الروحيّة في المجد والبهاء بين السيّد المسيح وأمّه، آمنت الكنيسة أنّ مريم العذراء، بعد موتها، شاركت ابنها مجد قيامته كما شاركته، في تجسده، مجد ظهوره. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
قيامة الأجساد جسد الإنسان، في نظر الكتاب المقدّس، ليس سجنًا يجب التخلّص منه للوصول الى العالم الحقيقي، عالم الأرواح. نظرة الكتاب المقدّس الى الإنسان لا تقوم على التناقض بين الجسد والروح، بل على التناقض بين الفرد المنعزل المتقون على ذاته والشخص المنفتح في علائقه على الكون وعلى الآخرين وعلى الله. والجسد هو ما يتيح للإنسان الحيّ أن يرتبط بعلائق بنّاءة بالكون والآخرين والله. فالجسد هو إذن الإنسان ذاته من حيث ارتباطه بالعالم الخارجي. لذلك أيضًا رأى معظم آباء الكنيسة، ولا سيّمَا في الشرق، أنّ التجسّد كان لا بدّ منه، ولو لم يخطأ الإنسان، وذلك ليكتمل ارتباط الله بالإنسان وارتباط الإنسان بالله، ونعمة الله التي تعمل في الإنسان تعمل فيه حيث يبني ذاته ويحقّق كيانه العلائقي، فتجعله في روحه وفي جسده أكثر انفتاحًا على الله وعلى الآخرين. للنعمة قوّة تغيير وانفتاح، وعملها هو عمل الحياة الإلهيّة نفسها. كلّ اتصال بالله لا بدّ له من أن يغيّر الإنسان، وإلاّ كان الله مجرّد وهم ابتكره خيال الإنسان ليكوّن لنفسه ما يتعلّق به في هذه الحياة المتقلّبة. إلهنا شخص حيّ يحوّل كلّ من يتّصل به، يدخل أعماق الإنسان ليملأه بحياته الإلهيّة. وقيامة الأجساد هي امتلاء الإنسان من تلك الحياة الإلهية في كل أبعاد كيانه وفي كل ارتباطاته بالله وبالكون وبالآخرين. إيمان الكنيسة بانتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى السماء هو اعتراف بأنّ اتّحادها الصميم بالله بجسدها ونفسها، هذا الاتحاد الذي تحقّق لها بتجسّد ابن الله في أحشائها، كما تحقّق لها أيضًا بأمانتها لمحبّة الله واستسلامها لعلم الله فيها طوال حياتها، هذا الاتّحاد يستمرّ بعد موتها باشتراكها في مجد القيامة. فكما تمجّد ابنها وصار مرتبطًا بدخوله مجد الله بالعالم كلّه، هكذا أيضًا تمجّدت مريم العذراء وصارت مرتبطة بالعالم كلّه. وما سيحدث لجميع المؤمنين في القيامة العامة، أي ارتباطهم الكامل الممجّد بالعالم وبالله، قد حدث لمريم العذراء كما حدث لابنها يسوع المسيح لدى قيامته من بين الأموات. ثمّ إنّنا في انتقال مريم العذراء الى المجد السماوي نقرأ عمل الروح القدس في الإنسان. وكل مؤمن يعرف أنّ مسيرة حياته هي مسيرة عمل الروح القدس فيه. ومريم هي في الكنيسة رمز عمل الله في كل مؤمن. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
الفصل الثالث مريم العذراء فى سرّ الكنيسة وصلاتها تمهيد 1- مريم العذراء رمز الكنيسة أ- مريم العذراء في تدبير الخلاص ب- مريم العذراء قدوة الكنيسة 2- مريم العذراء أمّ وشفيعة في الكنيسة أ- شفاعة مريم العذراء ب- تكريم مريم العذراء في الكنيسة 3- أعياد مريم العذراء أ- عيد حبل القدّيسة حنّة بمريم العذراء ب- عيد ميلاد مريم العذراء ج- عيد البشارة د- عيد ميلاد السيّد المسيح 4- مريم العذراء في صلوات الفرض الكنسى والأناشيد الطقسيّة 5- النصوص الكتابية التي تقرأ في أعياد مريم العذراء أ- نصوص العهد القديم ب- المزامير ج- نصوص العهد الجديد |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
تمهيد الصلاة هي قبل أيّ أمر آخر اتّصال بالله لذكر أعماله وتسبيح عظائمه، ليصير الإنسان بهذا الاتّصال أقرب الى الله ويحقّق على أكمل وجه في ذاته وفي العالم صورة الله الذي يتقرّب اليه: "أذكر أعمال الربّ، أذكر عجائبك القديمة، وأهذّ بجميع أفعالك، وأتأمّل في أعمالك" (مز 77: 12- 13). وذكر مريم العذراء في صلاة الكنيسة يندرج في ذكر أعمال الله الخلاصيّة فعلى غرار الكتاب المقدّس، تذكر الكنيسة مريم في إطار الخلاص الذي جاءنا به ابنها الإلهي، وفي إطار الجماعة المسيحيّة المدعوّة الى تبنّي هذا الخلاص ونشره. لذلك مريم هي أوّلاً رمز الكنيسة التي تسهم في الخلاص بتقبّله والاضطلاع بتطلّباته. وهي أيضًا في الكنيسة أمّ وشفيعة وفي أعيادها تحتفل الكنيسة بالخلاص الذي حصلنا علمه كان فيه لمريم دور وشأن. وكل ذلك ليس لمجرّد العيش بضع لحظات في تذكارات الماضي، بل لتجسيد الإيمان الذي هو تقبّل لعمل الله وإسهام في بناء كنيسة اليوم. 1- مريم العذراء رمز الكنيسة في المجمع الفاتيكاني الثاني، لم يشأ الآباء تكريس وثيقة خاصّة بمريم العذراء، فأوردوا ذكرها في الفصل الثامن والأخير من الدستور العقائدي في الكنيسة، بعنوان: "في الطوباوية مريم والدة الإله في سرّ المسيح والكنيسة" (رقم 52- 69). وبذلك يظهر بجلاءٍ أكثرَ دورُ مريم ضمن تاريخ الشعب المؤمن وتنوّع وظائفه. فالكنيسة في مجملها جسد المسيح، والمؤمنون متّحدون كلّهم معًا في عمل الروح القدس فيهم، إذ لا أحد يمكنه أن يصير عضواً في الكنيسة ما لم تنسكب عليه قدرة الروح القدس. على هذا الصعيد مريم العذراء هي عضو في الكنيسة ملأها الروح القدس وتجاوبت مع عمله، فكانت لجميع المسيحيين قدوة ومثالاً في الإيمان والمحبّة، كما يوضح المجمع في مختلف النقاط التي يتوسّع فيها عن دور مريم العذراء في تدبير الخلاص وفي علاقتها بالكنيسة. أ) مريم العذراء في تدبير الخلاص لقد وعد الله أبوينا الأوّلين بالنصر على الشيطان. وقد تحقّق هذا الوعد في مريم العذراء التي حبلت وولدت ابنًا اسمه عمّانوئيل. الخلاص هو عمل الله الذي أرسل ابنه الى العالم. ولكنّ لمريم دورًا هامًّا في التجاوب مع عمل الله. يقول المجمع: "فهي التي تحتلّ المحلّ الأوّل بين أولئك الوضعاء وفقراء الربّ الذين يرتجون منه الخلاص بثقة وينالونه... ويبدأ التدبير الجديد عندما اتّخذ ابن الله منها الطبيعة البشريّة ليحرّر الإنسان من الخطيئة بسرّ جسده" (رقم 55). ثمّ يوضح المجمع دور مريم العذراء في البشارة (رقم 56)، وفي طفولة يسوع (رقم 57)، وفي حياته العلنية وموته على الصليب (رقم 58)، ومن ثمّ بعد صعوده الى السماء (رقم 59). ب) مريم العذراء قدوة الكنيسة في هذه الأحداث كلّها تبدو مريم العذراء قدوة الكنيسة. يقول المجمع: "والعذراء الطوباوية، بحكم موهبة الأمومة ومهمّتها اللتين تربطانها بابنها الفادي، وبحكم النعم والمهامّ الفريدة التي لها، تتّحد أيضًا بالكنيسة اتّحادًا وثيقًا: فأمّ الله، بحسب تعليم القدّيس أمبروسيوس، هي للكنيسة قدوة في الإيمان والمحبّة والاتّحاد الكامل بالمسيح. ففي سرّ الكنيسة، التي تُنعَت بحقّ هيّ أيضًا بالأمّ والعذراء، تحتلّ العذراء الطوباويّة مريم المحلّ الأوّل، قدوةً مُثلى وفريدة للعذراء وللأمّ: بإيمانها وطاعتها ولدت على الأرض ابن الآب ولم تفقد بتوليّتها، وغمرها الروح القدس بظلّه، فكانت حوّاء جديدة تولي، لا الحيّة القديمة بل مرسل الله، ثقة لا يشوبها أيّ شكّ: لقد ولدت ابنها الذي جعله الله بكرًا بين الإخوة الكثيرين (رو 8: 29)، أي بين المؤمنين الذين تسهم بحبّها الأمومي في مولدهم وتربيتهم" (رقم 63). "والكنيسة بتأمّلها في قداسة العذراء العجيبة، واقتدائها بمحبّتها، متمّمة بأمانة مشيئة الآب، تصير هي أيضًا أمًّا بقبولها بالإيمان كلمة الله: فبالكرازة والمعمودية تلد، لحياة جديدة خالدة، أولادًا يُحبَل بهم من الروح القدس، ويولدون من الله. وهي أيضًا عذراء إذ قطعت لعريسها عهدًا تحفظه كاملاً غير مشوب بشائبة. واقتداءً بأمّ ربّها، تحفظ بقوّة الروح القدس، في نقاوة عذريّة، الإيمان كاملاً، والرجاء راسخًا، والمحبّة خالصة" (رقم 64). "وإذا كانت الكنيسة قد بلغت، في شخص العذراء الطوباويّة، الكمال في غير كَلَف ولا غضْن (أف 5: 27)، فإنّ مؤمني المسيح أيضًا يجدّون بنشاط في طريق النموّ في القداسة بالتغلّب على الخطيئة. لذلك يشخصون بأبصارهم الى مريم مثالاً للفضيلة يشعّ نوره على أسرة المختارين جميعًا. والكنيسة إذ تختلي بتقوى في التأمّل في مريم، على ضوء الكلمة الذي صار إنسانًا، تلج باحترام وإمعان في أغوار سرّ التجسّد العظيم، وتتمثّل أكثر فأكثر بعريسها. فمريم، بدخولها تاريخ الخلاص دخولاً صميمًا، تجمع وتعكس في ذاتها، من بعض الوجوه، ملتمسات الإيمان العظمى، وتُرجِع المؤمنين الى ابنها وذبيحته، والى حبّ الآب، عندما تكون موضوع الوعظ والتكريم. والكنيسة في مسعاها الى تمجيد المسيح، تتشبّه أكثر فأكثر بمثالها العظيم بنمائها بلا انقطاع في الإيمان والرجاء والمحبّة، وابتغائها في كلّ شيء إرادة الله والعمل بها. لذلك تنظر الكنيسة، في ممارسة عملها الرسولي، الى التي ولدت المسيح، الذي حُبل به من الروح القدس وولد من العذراء، لكي يولد ويكبر أيضًا، بواسطة الكنيسة، في قلوب المؤمنين. ولقد كانت العذراء بحياتها مثالاً لهذا الحبّ الأمومي الذي يجب أن يحيا به جميع الذين باشتراكهم في رسالة الكنيسة الرسوليّة، يعملون في سبيل ميلاد الناس ثانية" (رقم 65). |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
2- مريم العذراء أمّ وشفيعة في الكنيسة أ) شفاعة مريم العذراء إنّ ذكر مريم في صلاة الكنيسة يهدف إذن الى التأمّل في ما صنعه الله تجاهها وفي تجاوبها مع عمل الله، للاقتداء بها والاشتراك معها في قصد الله الخلاصي. وفي هذا الإطار أيضًا يجب فهم دورها كأمّ لنا وشفيعة. ويؤكّد المجمع أنّ شفاعتها لا تُنقص شيئًا من وساطة المسيح. يقول: إنّه واحد وسيطنا، كما يقول الرسول: "إذ ليس سوى إله واحد، وليس أيضًا إلاّ وسيط واحد بين الله والناس، المسيح يسوع، الإنسان هو أيضًا، الذي بذل نفسه فدية عن الجميع" (1 تي 2: 5- 6). وأمّا الدور الوالدي الذي تقوم به مريم تجاه الناس فلا يُضير شيئًا ولا يُنقص البتة من وساطة المسيح الواحدة هذه، بل يظهر، على خلاف ذلك، فعاليّتها. "فإنّ كلّ تأثير خلاصي من العذراء الطوباوية في الناس يصدر عن تدبير مجّاني محضٍ من الله: إنّه لا يصدر عن ضرورة موضوعّية، بل ينبع من فيض استحقاقات المسيح، ويستند الى وساطته التي بها يتعلّق في كل شيء، ومنها يستمدّ كل فعاليّته. ومن ثمّ فاتّحاد المؤمنين رأسًا بالمسيح لا يجد منه أيّ حائل، بل يجد منه، على خلاف ذلك، عونًا وسندًا" (رقم 60). ثمّ يضيف المجمع: "ومنذ الرضى الذي أظهرته بإيمانها في يوم البشارة، والذي احتفظت به على ثباته بحذاء الصليب، تستمرّ أمومتها هذه، بلا انقطاع، في تدبير الخلاص، الى أن يكتمل نهائيًّا جميع المختارين. فإنّها بعد انتقالها الى السماء لم تنقطع مهمّتها في عمل الخلاص: إنّها بشفاعتها المتّصلة لا تني تستمدّ لنا النّعم التي تضمن خلاصنا الأبدي، وحبّها الأمومي يجعلها عينًا ساهرة على إخوة ابنها الذين لم ينته شوطهم بعده، أو تساورهم الأخطار والمحن الى أن يبلغوا الوطن السعيد. من أجل ذلك تدعى العذراء الطوباويّة في الكنيسة بألقاب مختلفة. فهي: المحامية والنصيرة والظهيرة والوسيطة، على أنّ هذا كلّه يُفهَم بوجه لا ينجم عنه أيّ انحراف أو زيادة بالنسبة الى كرامة الوسيط الواحد وفعاليّته، يسوع المسيح. "فإنه ما من خليقة البتة يمكن جعلها على مستوى الكلمة المتجسّد والفادي. ولكن، كما أنّ كهنوت المسيح يشترك فيه، على وجوه مختلفة، الخدّام المكرّسون والشعب المؤمن، وكما أنّ جودة الله الواحدة تفيض بوجوه مختلفة على المخلوقات، كذلك وساطة الفادي الواحدة لا تنفي، بل تبعث في المخلوقات، على خلاف ذلك، تعاونًا مختلفًا مرتبطًا بالمصدر الواحد. وهذا الدور النسبي الذي تقوم به مريم تعترف بها الكنيسة بدود ما تردّد، ولا تني تَخْبُره وتوصي به قلب المؤمنين لكي يساعدهم هذا السند والعون الأمومي على التمسّك بالوسيط والمخلّص تمسّكًا أوثق" (رقم 62). ترتكز إذن شفاعة مريم العذراء على كونها أمّ المسيح الفادي، وعلى كونها اشتركت مع ابنها في عمله الخلاصي، وبذلك صارت أمًّا للمؤمنين الذين هم أعضاء جسد المسيح. ويشير المجمع إلى قول القدّيس أوغوسطينوس: مريم هي "أمّ أعضاء المسيح... لاشتراكها بمحبّتها في ميلاد المؤمنين في الكنيسة الذين هم أعضاء هذا الرأس" (رقم 53). جوابًا على الذين يتردّدون في الاعتراف باشتراك مريم العذراء في الفداء، يجدر التنبّه الى التعبير الذي يستخدمه القدّيس أوغسطينوس والذي يورده المجمع: إنّ مريم "اشتركت بمحبّتها في ميلاد المؤمنين في الكنيسة". وهذا يعني أنّ اشتراكها ليس على مستوى العمل الخلاصي الذي قام به المسيح بموته وقيامته. فالمسيح هو إله وإنسان، ولذلك هو مخلّصنا الأوحد. والعذراء لا يمكن أن تدعى "شريكة ابنها الإلهي في الفداء" بالمعنى الكامل، بل يمكن القول فقط إنّها أسهمت مع ابنها بمحبّتها وطاعة إيمانها، كما يقول بولس الرسول عن الرسل: "فإنّنا، نحن، عاملون مع الله" (1 كو 3: 9)، و"معاونو الله" (2 كو 6: 1). وترتكز أيضًا شفاعة مريم علي كونها اشتركت مع ابنها في المجد السماوي، بانتقالها بالجسد والنفس الى السماء. إنّ شفاعة القدّيسين يذكرها الكتاب المقدّس. في العهد القديم في سفر المكّابيين الثاني، إذ قصّ يهوذا المكّابي على رفاقه "نوعًا من رؤيا تجلّت له في حلم جدير بأن يصدّق، فشرح لهم صدورهم أجمعين. وهذه هي الرؤيا. قال: رأيت أونيّا، عظيم الكهنة السابق، رجل الخير والصلاح، المتواضع المنظر الحليم الأخلاق، صاحب الأقوال الطريفة، المواظب منذ صباه على جميع أعمال الفضيلة، باسطًا يديه يصلّي من أجل جماعة اليهود بأسرها. ثمّ تراءى كذلك رجل كريم المشيب، أغرّ البهاء، عليه جلال عجيب سام. فتكلّم أونيّا وقال: هذا محبّ الإخوة، المكثر من الصلوات لأجل الشعب والمدينة المقدّسة، إرميا نبيّ الله" (2 مك 15: 12- 14). أونيّا الكاهن يواصل بعد موته دور الشفيع الذي أدّاه مدّة حياته، وكذلك إرميا الذي تألّم كثيرًا في سبيل شعبه هو أيضًا شفيع له في السماء. هذا الدور المنسوب الى أونيّا وإرميا هو الشهادة الأولى لصلاة الأبرار الأموات لأجل الأحياء. والسفر عينه يذكر أيضًا صلاة الأحياء لأجل الأموات (2 مك 12: 39- 46). وتتّخذ شفاعة القدّيسين في العهد الجديد بعدًا جديدًا بقيامة السيّد المسيح التي بها انتصر على الموت. فالذين يقدّمون حياتهم شهادة للمسيح، إمّا بالاستشهاد وإمّا بحياة البرّ والقداسة، "يحيون ويملكون مع المسيح... ويكونون كهنة لله وللمسيح ويملكون معه"، كما جاء في سفر الرؤيا (20: 4- 6)، ومعه يتشفّعون لأجل الأحياء. فإذا كان القدّيسون في السماء يتشّفعون مع المسيح لأجل الأحياء، فكم بالحريّ مريم العذراء، التي انتقلت الى السماء بجسدها ونفسها، تتشفّع أيضًا مع ابنها لأجل خلاص العالم. فبمَا أنّها حيّة في المجد السماوي، لم تترك العالم كما ترتّل لها الكنيسة البيزنطيّة في طروباريّة عيد رقادها وقنداقه: "في ولادتك حفظت البتولية، وفي رقادك ما تركت العالم، يا والدة الإله. فإنّك انتقلت الى الحياة بما أنّك أمّ الحياة، وبشفاعتك تنقذين من الموت نفوسنا". "إنّ والدة الإله التي لا تكفّ عن الشفاعة، والرجاء الوطيد في النجدات، لم يضبطها قبر ولا موت، بل بما أنّها أمّ الحياة، نقلها الى الحياة من سكن في حشاها الدائم البتولية" ويقول القديس تيودورس الأستوذي: "إنّ والدة الإله قد أغمضت جفني جسدها، ولكنّها ترفع الآن ألحاظ نفسها كنيّرين مشعّين عظيمين لا يستطيعان أن ينطفئا. لأنّها تسهر علينا وتتشفّع لدى الله في حماية العالم". والكنيسة البيزنطيّة، مع إيمانها بأنّ المسيح هو المخلّص الأوحد، توجّه الى العذراء الدعاء التالي: "يا والدة الإله الفائقة القداسة خلصينا". فمريم تخلّص بشفاعتها وصلواتها لأنّها والدة الإله الفائقة القداسة، ولأنّها أمّنا جميعًا، ولأنّها انتقلت الى الحياة حيث تقف كملكة الى يمين ابنها، حسب ما جاء في المزمور 44 الذي ترى فيه الليترجيّا وصفًا لمريم العذراء: "قامت الملكة عن يمينك". فشفاعتها تستمدّها من وجودها الى جانب ابنها الإلهي لذلك يتمسّك التقليد في الأيقونة أن لا تُرسم العذراء وحدها، بل دومًا حاملة ابنها الذي هو المخلّص والفادي الأوحد، ولا شفاعة لأيّ من الناس بمعزل عنه. ب) تكريم مريم العذراء في الكنيسة إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني، في الوثيقة عينها، يحثّ المؤمنين على تكريم مريم العذراء تكريمًا خاصًّا، موضحًا طبيعة هذا التكريم وأساسه، والاختلاف الجوهري أن هذا التكريم وعبادة الله، فيقول: "إنّ مريم قد رُفعت بنعمة الله، وإنّما دون ابنها، فوق جميع الملائكة وجميع البشر بكونها والدة الإله الكلّية القداسة الحاضرة في أسرار المسيح. لذلك تكرّمها الكنيسة بحقّ بشعائر خاصّة. والواقع أنّ العذراء الطوباويّة، منذ أبعد الأزمنة، قد أكرمت بلقب "والدة الإله". والمؤمنون يلجأون الى حمايتها مبتهلين إليها في كلّ مخاطرهم وحاجاتهم. وقد ازداد تكريم شعب الله لمريم ازديادًا عجيبًا، خصوصًا منذ مجمع أفسس، بأنواع الإجلال والمحبّة والتوسّل اليها والاقتداء بها، محقّقًا بذلك كلماتها النبويّة: "جميع الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع فيّ عظائم" (لو 1: 48). وهذا الإكرام، على النحو الذي وُجد عليه دائمًا في الكنيسة، يتّصف بطابع فريد على الإطلاق. غير أنّه يختلف اختلافًا جوهريًّا عن العبادة التي يُعبَد بها الكلمة المتجسّد مع الآب والروح القدس، وهو خليق جدًّا بأن يُعزَّز: إذ إنّ مختلف صيغ التقوى نحو والدة الإله التي تظلّ في حدود التعليم الأرثوذكسي السليم، وتوافق عليها الكنيسة مراعية ظروف الزمان والمكان وأمزجة الشعوب المؤمنة وعبقريّاتهم، تجعل أنّ الابن الذي لأجله وُجد كلّ شيء (كو 1: 15- 16)، والذي ارتضى الآب الأزلي أن يحلّ فيه الملء كلّه (كو 1: 19) يُعرَف ويُحَبّ ويُمجَّد ويطاع في وصاياه من خلال الإكرام لأمّه (رقم 66). "فهذا المعتقد الكاثوليكي يعلّمه المجمع المقدّس بوجه صريح، ويُهيب، في الوقت نفسه، بأبناء الكنيسة لأن يسهموا بسخاء في الإكرام، ولا سيّمَا الليترجي، للعذراء الطوباويّة، وأن يبالوا مبالاة بالغة بالممارسات والشعائر التقويّة المتعلّقة بها والتي أوصت بها السلطة المعلّمة في غضون الزمن، ويوصي بالحفاظ بتديّن على جميع ما أُقِرَّ، في ما سلف من الزمن، بشأن تكريم صور المسيح، والعذراء الطوباويّة، والقدّيسين، ويحرّض بإلحاح علماء اللاهوت والمبشرّين بكلمة الله أن يمتنعوا بحرص، إذا ما تكلّموا على كرامة أمّ الله الفريدة، من كل غلوّ يخالف الحقيقة، وكل تزمّت لا مبرّر له. وإنّ لهم، من إكبابهم على الكتاب المقدّس ومؤلفّات الآباء والمعلّمين، ودراسة الليترجيّات بقيادة السلطة الكنسية المعلّمة، ما يجعلهم يستجلون، بوجه سويّ، مهمّة العذراء الطوباويّة وامتيازاتها الموجّهة على الدوام شطر المسيح معين الحقيقة الكاملة والقداسة والتقوى. وليحترسوا بحرص شديد من كلّ كلمة وكلّ فعل من شأنهما تضليل إخوتنا المنفصلين أو أيّ شخص آخر، بالنسبة الى تعليم الكنيسة الصحيح. وليذكر المؤمنون أنّ الورع الحقيقي لا يقوم البتّة على حركة من العاطفة عقيمة عابرة، ولا على السذاجة الباطلة، بل ينبثق من الإيمان الحقّ الذي يحملنا على الاعتراف بكرامة أمّ الله السامية، ويحفزُنا الى محبّة هذه الأمّ محبّة بنويّة والاقتدار بفضائلها" (رقم 67). |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
3- أعياد مريم العذراء تكرّم الكنيسة مريم العذراء بنوع خاصّ في الاحتفال بأعيادها. وما تلك الأعياد إلاّ مناسبات تتّخذها الكنيسة للتعبير عن فرحها بالخلاص الذي حصلت عليه بتجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء. وتتنوّع الأعياد المريميّة: فمنها تذكارات لأحداث تاريخيّة ورد ذكرها في الإنجيل المقدّس، ومنها تأمّلات حول أحداث مستقاة من التقليد الشفويّ أو من الأناجيل المنحولة. ومعظم هذه الأعياد يرافق مراحل حياة العذراء: في الحبل بها (9 كانون الأوّل) مولدها (8 أيلول) دخولها الى الهيكل (21 تشرين الثاني) بشارة الملاك جبرائيل لها (25 آذار) زيارتها لأليصابات (يوم الجمعة من أسبوع الفصح في الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة) ميلادها المسيح (25 كانون الأوّل) تهنئتها بهذا الميلاد والاحتفال بأمومتها الإلهيّة (26 كانون الأول) تقدمتها ابنها الى الهيكل (2 شباط) رقادها (15 آب) وتضيف الكنيسة الى هذه الأعياد المرتبطة بمراحل حياتها أعيادًا أخرى أُدخلت بمناسبة تدشين كنيسة أو تكريس إيقونة للعذراء أو وجود ذخيرة من ثيابهما، وفيها تطلب شفاعتها وحمايتها. من هذه الأعياد: عيد وضع ثوبها (2 تمّوز) عيد وضع زنّارها (31 آب) عيد الأكاثستون أو المدايح (في السبت الخامس من الصوم) عيد سيّدة الينبوع الحامل الحياة (يوم الجمعة من أسبوع الفصح في الكنيسة الأرثوذكسيّة) عيد سيّدة الحماية (1 تشرين الأوّل في الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة) عيد إكرام إيقونتها في مياسينا (1 أيلول). في صلوات هذه الأعياد، تحرص الكنيسة على أن تقرن دومًا ذكر مريم العذراء بذكر ابنها الإلهي. ولذا نرى تقليد الكنيسة الشرقي لا يعتبر العذراء مريم أبدًا موضوعًا مستقلاً وقائمًا بحدّ ذاته أو موضوعًا. مدًا، بل يراها دائمًا من خلال دورها في التاريخ وفي تدبير الله العامّ للخلاص. ومن زاوية ديناميّة هذا الدور، ينظر الى الله من خلالها أو ينظر اليها كشفّافة لله، مع كل ما يحتويه الشفوف والصفاء من عمل حيّ وحركة: قبول كامل من جهة وعطاء مطلق من جهة أخرى. صحيح أنّ تقليد آباء الكنيسة هو برمّته مدائح للعذراء، ولكنّه، في الوقت نفسه، لم يحسبها في يوم من الأيّام موضوع بحث نظري خاصّ يُدرَس في ذاته، أو مسألة عقائديّة مستقلّة. فالآباء تكلّموا عن مريم في سياق "المناسبات"، فقط إذا جاز القول، وليست امتيازات والدة الإله في نظرهم منّات ممنوحة لها على وجه التخصيص الشخصيّ أو بصورة كيفيّة، ولكنّها ترتبط جميعًا برسالتها داخل المخطّط الإلهي العامّ. وقد قال القدّيس يوحنّا الدمشقي مخاطبًا العذراء: "ستخدمين خلاص كلّ الناس لكي يتمّ بواسطتك قصد الله القديم". لذلك تتّسم معظم صلوات أعياد مريم العذراء بأنّها لا تتوجّه مباشرة الى العذراء بقدر ما تدعو الى الفرح والى تسبيح الله للعمل الذي حقّقه الله فيها، هذا العمل الذي يقودنا دومًا الى ابنها المسيح مخلّص العالم. وتتّسم أيضًا هذه الصلوات بأنّ موضوعها ومضمونها الأساسي هما الإشادة بالعظائم الثلاثة التي صنعها الله في مريم العذراء، والتي توسّعنا فيها في الفصل الثاني: مريم هي "والدة الإله" لأنّها ولدت المسيح ابن الله، مريم هي دائمة البتوليّة، مريم هي كلّية القداسة. سنعطي بعض الأمثلة عن صلوات مستقاة من خدمة الأعياد المريميّة في الطقس البيزنطي، وفيها تظهر بوضوح هاتان السمتان. أ) عيد حبل القدّيسة حنّة بمريم العذراء (9 كانون الأوّل) "اليوم قيود العقم تنحلّ، لأنّ الله يستجيب يواكيم وحنّة، فيعدهما وعدًا جليًّا أن يلدا على غير أمل فتاة الله، التي ولد منها غير المحدود نفسه لمّا صار إنسانًا، آمرًا الملاك أن يهتف اليها: السلام لك يا ممتلئة نعمة. الربّ معك" (الطروبارية). "اليوم تعيّد المسكونة لحبل حنّة الذي تمّ بقدرة الله، فإنّها ولدت التي ولدت الكلمة ولادة تفوق الوصف" (القنداق). نلاحظ أنّ الكنيسة، من خلال الاحتفال بالحبل بمريم العذراء، تدعونا الى النظر الى "غير المحدود" الذي سيولد منها، هي "الممتلئة نعمة"، الى "الكلمة" الذي ستلده بشكل بتولي "ولادة تفوق الوصف". ب) عيد ميلاد مريم العذراء (8 أيلول) "ميلادك يا والدة الإله بشّر بالفرح المسكونة كلّها، لأنّه منك أشرق شمس العدل المسيح إلهنا. فحلّ اللعنة، ووهب البركة، وأبطل الموت، ومنحنا الحياة الأبديّة" (الطروبارية). "اليوم حنّة العاقر تلد فتاة الله، التي سبق انتخابها من بين جميع الأجيال مسكنًا للخالق المسيح الإله ملك الكلّ، إتمامًا لتدبيره الإلهي الذي به أُعيدت جبلتنا نحن الأرضيّين وانتقلنا من الفساد الى الحياة الأبديّة" (صلاة المساء). من ميلاد العذراء تنقلنا الكنيسة بشكل طبيعي للتأمّل في عمل المسيح الخلاصي: فقد حلّ اللعنة وأبطل فساد الموت ومنحنا الحياة الأبدية. ج) عيد البشارة (25 آذار) "اليوم بدء خلاصنا، وظهور السرّ الذي منذ الأزل. فإنّ ابن الله يصير ابن البتول، وجبرائيل بالنعمة يبشّر. فلنهتف معه نحو والدة الإله: السلام لك يا ممتلئة نعمة، الرب معك" (الطروبارية). ابن الله يصير ابن البتول الممتلئة نعمة. هذا هو بدء خلاص البشريّة كلّها. وفي قطع مزامير الغروب، نستمع الى حوار بين جبرائيل والعذراء، يتضح فيه دور العذراء في القصد الإلهي الذي منذ الأزل: "إنّ جبرائيل قد وافى اليك أيّتها الفتاة، فكشف لك القصد الذي قبل الدهور، وسلّم لك بلهجة مطربة قائلة: افرحي يا أرضًا غير مزروعة، افرحي يا علّيقى غير محترقة، افرحي يا عمقًا لا تدركه الأبصار، افرحي يا جسرًا ناقلاً الى السماوات، افرحي يا جرّة المنّ الإلهيّة، افرحي يا ناقضة العنة، افرحي يا معيدة دعوة آدم، الرب معك". "إنّ الفتاة العذراء كلّمت زعيم الأجناد قائلة: إنّك قد استعلنت لي كإنسان. فما بالك إذن تنطق بكلمات تفوق الإنسان قائلاً لي إنّ الربّ يكون معي ويسكن في مستودعي؟ فأبِنْ لي كيف أصير محلاً رهيبًا ومقام تقديس للراكب على الشيروبيم، ولا تخدعني بالباطل، لأنّي لا أعرف لذّة ولا زواجًا. فكيف إذن أَلد ابنًا؟" "أجابها الذي لا جسد له قائلاً: حيثما يشاء الإله يغلب نظام الطبيعة، ويجري ما يفوق الإنسان. فكوني على يقين من صدق مقالتي، يا فائقة القداسة والنزاهة. فأردفت قائلة: ليكن لي بحسب قولك أن ألد الذي لا جسد له، آخذًا منّي جسدًا، لكي يرفع باتّحاده الإنسان الى الرتبة الأولى، بما أنّه العزيز وحده" (صلاة المساء). د- عيد ميلاد السيّد المسيح (25 كانون الأوّل) "الآب قد ارتضى والابن صار جسدًا، والبتول ولدت إلهًا متأنّسًا، والكوكب يبشّر، والمجوس يسجدون، والرعاة يسهرون، والخليقة تبتهج". "يا والدة الإله العذراء، لقد ولدت المخلّص، ونقضت لعنة حوّاء القديمة، لأنّك قد صرت أمًّا بمسرّة الآب، حاملة في أحضانك كلمة الله المتجسّد. فالسرّ لا يحتمل فحصاً، بل جميعنا نمجّده بالإيمان فقط، صارخين معك وقائلين: أيّها الربّ الذي لا يدرك المجد لك". "هلمّوا أيّها الشعوب لنمدح والدة المخلّص، الّتي لبثت عذراء بعد الولادة: افرحي أيّتها المدينة الناطقة للإله الملك، التي لمّا سكن فيها المخلّص صنع لنا خلاصاً. فمع جبرائيل نمدحك، ومع الرعاة نمجّدك هاتفين: يا والدة الإله تضرّعي إلى المتجسّد منك لكي يخلّصنا" (قطع الباكرية في سحر العيد). تنطوي هذه الصلوات على تعليم لاهوتي بشأن مريم التي ولدت إلهًا متأنّسًا وبقيت بتولاً، وترنّم لها لأنّها ولدت المخلّص، وتطلب منها أن تتضرّع إليه لكي يخلّصنا. فدور مريم في القصد الإلهي هو أن تعطينا ابن الله المخلّص. |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
4- مريم العذراء في صلوات الفرض الكنسى والأناشيد الطقسيّة هذه العلاقة بين مريم العذراء وابنها التي تبرز دور مريم في تاريخ الخلاص نجدها أيضاً في سائر صلوات الفرض الكنسي وفي الأناشيد التي تترنّم بها الكنيسة في مختلف المناسبات. سنعطي مثالاً على ذلك القطع التالية المأخوذة من كتاب الأوكتوئيخوس (أي كتاب الألحان الثمانية) وهو مِن وضع القدّيس يوحنّا الدمشقي. وهذا الكتاب مليء بالصلوات الموجّهة إلى مريم العذراء والتي يظهر فيها السيّد المسيح حاضرًا على الدوام وهو الذي يعطيها معناها وبعدها الأخير: "بقدرة الروح الإلهي، وبمشيئة الآب، صرتِ أمًّا بتولاً لابن الله الذي وُلد قبل الدهور من الآب بغير أمّ، ولأجلنا وُلد منك بالجسد بغير أب، وقد أرضعته طفلاً. فلا تبرحي متشفّعة إليه في خلاص نفوسنا" (غروب الأحد، اللحن الثالث، الأبوستيخن). "يا والدة الإله، إنّ داود النبّي... قد تنبّأ عنك منشدًا للصانع بك العظائم: قامت الملكة عن يمينك. فإنّ الإله قد أظهركِ أمًّا تعطي الحياة، إذ ارتضى أن يتأنّس منك، من غير أب، ليجدّد إبداع صورته التي أفسدتها الأهواء، ويجد الخروف الذي ضلّ في الجبال، ويحمله على منكبيه، ويقدّمه للآب، ويضمّه بمشيئته الى القوّات السماويّة، ويخلّص العالم. وهو المسيح المالك الرحمة العظيمة الوافرة" (مزامير غروب الأحد، اللحن الرابع). "من لا يغبّطك أيّتها العذراء الكاملة القداسة؟ من لا يشيد بولادتك البتوليّة؟ فإنّ الابن الوحيد الذي أشرق من الآب بلا زمن، هو نفسه أرى منك، يا نقيّة، متجسّدًا بحال تعجز البيان. والإله بالطبيعة قد صار لأجلنا إنسانًا بالطبيعة غير منقسم إلى أقنومين، بل معروفًا بطبيعتين لا امتزاج بينهما. فإليه ابتهلي أيّتها الكاملة الغبطة والوقار أن تُرحَم نفوسُنا" (مزامير غروب الاحد، اللحن السادس). "إنّ السرّ الخفيّ منذ الأزل، والذي لا تدركه الملائكة، قد ظهر للذين على الأرض بك يا والدة الإله، لمّا تجسّد الإله باتّحاد لا اختلاط فيه، وتقبّل الصليب طوعًا من أجلنا، وبه أقام أوّل من جبل، وخلّص من الموت نفوسنا" (ثيوطوكيون القيامة، اللحن الرابع). في هذه الصلوات موجز لاهوتي لإيمان الكنيسة بشخص يسوع المسيح ابن الله المتجسّد وإشادة بدور مريم العذراء في هذا التجسّد، ودخول في حياة الله النبي أتتنا بواسطة مريم العذراء. والطريقة عينها في التعبير عن دور مريم العذراء نجدها في سائر الصلوات والأناشيد، ولا سيّما في نشيد الأكاثِسْتوس (أو مدائح العذراء)، ونشيد الباراكليسي. ففي هذين النشيدين، نتوجّه إلى مريم العذراء بمدائح وابتهالات تبرز من خلالها علاقاتها بابنها الإلهي مخلّص العالم. فنحيّيها قائليين: "السلام لك يا من بها يشرق الفرح. السلام لك يا من بها تضمحلّ اللعنة. السلام لك يا منهضة آدم الساقط. السلام لك يا منقذة حوّاء من الدموع. السلام لك لأنّك عرش الملك. السلام لك لأنّك تحملين حامل الكائنات. السلام لك يا كوكبًا مظهرًا الشمس. السلام لك يا بطن التجسّد الإلهي. السلام لك يا من بها تتجدّد الخليقة. السلام لك يا من بها يصير الخالق طفلاً. (نشيد الأكاثستوس، البيت الأوّل) السلام لك يا سلّمًا سماويّة بها انحدر الإله. السلام لك يا جسرًا ناقلاً الأرضيين إلى السماء" (البيت الثالث). السلام لك يا أرض الميعاد. السلام لك يا من تدرّ اللبن والعسل" (البيت الحادي عشر). السلام لك يا من بها زالت المعصية. السلام لك يا من بها فتح الفردوس. السلام لك يا مفتاح ملكوت المسيح. السلام لك يا رجاء الخيرات الأبديّة (البيت الخامس عشر). لا بدّ من قراءة هذا النشيد بكامله والتأمّل في كل ما يحويه من صور كتابية ومعان لاهوتية. فكل ما ورد في العهد القديم عن علاقة الله بالإنسان تؤمن الكنيسة أنّه قد تحقّق على أكمل وجه في تجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء لذلك تدعو مريم بالألقاب التالية: * سلّم يعقوب (تك 28: 12- 13)، لأنّها وصلت السماء بالأرض بولادتها يسوع مخلّص العالم، الذي هو إله وإنسان. وبالمعنى عينه تدعوها "جسرًا ناقلاً بالحقيقة من الموت إلى الحياة" (الأكاثستوس، الأوذية الرابعة، 2). * العلّيقة الملتهبة (خر 3: 1- 16)، والأتّون المتّقد (د 31: 26- 90) لأنّ الألوهة سكنت فيها ولم تحرقها، والملقط الذي حمل الجمرة الإلهيّة المطهّرة من الخطايا (أش 6: 1- 7). تدعوها أيضاً الصلوات الليترجيّة بألقاب متنوّعة تظهر علاقتها بابنها الإلهي: * الفردوس الذي يحوي في وسطه الربّ عود الحياة (تك 2: 9) * المسكن المقدّس (خر 25: 8) * تابوت العهد الذي كان يحوي وصايا الله لأنّها هوت كلمة الله (خر 26) * المائدة (خر 25: 28- 30) * مائدة الحكمة (أم 9: 1- 11) * الجرّة الذهبيّة الحاوية المنّ، الغذاء النازل من السماء (خر 16: 32- 34) * المنارة (خر 25: 31) * عمود النار الذي يهدي السائرين نحو أرض الميعاد (خر 13: 21) لأنّها ولدت المسيح نور العالم * جزّة جدعون المندّاة (قض 3: 36- 40) لأنّ كلمة الله نزل عليها كالندى وحلّ فيها * جبل الله المقدّس (أش 2: 2؛ 30: 9؛ مي 4: 8؛ حب 3: 1- 4) * أورشليم الجديدة. ففي العهد القديم، كان الناس يصعدون إلى جبل أورشليم للاستماع إلى شريعة الله، أمّا في العهد الجديد فمريم هي الجبل المقدّس الذي يحوي كلمة الله. * الجبل الذي، حسب نبوءة دانيال، "انفصل عنه حجر، لا بقوّة اليدين"، فسحق الممالك الأرضيّة، وأنشأ مملكة لا تنقض إلى الأبد" (راجع دا 2: 31- 45). * الكرمة التي زرعها الله لتعطي عنقودًا إلهيًّا ثمرة الحياة (مز 80 (79): 9- 16) * الأرض المباركة التي تعطي غلّة وافرة (مز 67 (66): 7). 5- النصوص الكتابيّة التي تُقرأ في أعياد مريم العذراء هذه العلاقة بين مريم العذراء والسيّد المسيح، ابن الله المتجسّد ومخلّص العالم، تتغنّى بها الكنيسة في كل صلواتها الليترجيّة. وفي أعياد مريم العذراء تختار نصوصاً من الكتاب المقدّس تتحدّث عن علاقة الله الخلاصيّة بالإنسان. وفي هذه النصوص لا ترى الكنيسة نبوءات بحصر المعنى عن مريم العذراء، بل تؤكّد من خلال اختيارها هذه النصوص أنّ علاقة الله بالإنسان التي ظهرت في العهد القديم في رواية الفردوس، وفي كلّ ما يرتبط بهيكل أورشليم من تابوت العهد والمائدة والجرّة الذهبية والحكمة والمدينة المقدّسة والجبل المقدّس، قد وصلت إلى كمالها في تجسّد كلمة الله في أحشاء مريم العذراء. فمريم هي إذن مسكن الله الذي حلّ فيه ابن الله ليتّحد من خلاله بالبشر ويمنحهم الخلاص والحياة الأبديّة. والكنيسة، لدى قراءتها هذه النصوص، تقرأ فيها في الوقت عينه سيرة تكوينها على مدى التاريخ عبر تلمّسات البشر ومحاولاتهم الوصول إلى الاتّحاد بالله، وسرّ كيانها الراهن: إذ هي الآن نقطة التلاقي بين وحي الله وتوق الإنسان ورغبته في الاتّحاد بالله. أ) نصوص العهد القديم * من نصوص العهد القديم تقرأ الكنيسة البيزنطيّة في عيد البشارة (25 آذار)، وعيد ميلاد العذراء (8 أيلول)، وعيد رقادها (15 آب) المقاطع التالية في صلاة الغروب: القراءة الأولى: حلم يعقوب: السلّم المنتصبة على الأرض ورأسها إلى السماء، وملائكة الله تصعد وتنزل عليها (تك 28: 10- 17). فكما أنّ الله اختار يعقوب في العهد القديم ليوصل من خلاله الخلاص إلى شعبه ويربط هكذا الأرض بالسماء إذ لا خلاص إلاّ من الله، هكذا في تمام الأزمنة اختار مريم لينزل من خلالها ابن الله على الأرض ويحقّق الخلاص. وكون السلّم تنتصب من الأرض يشير إلى دور مريم العذراء ودور البشريّة وإسهامها في الخلاص بإيمانها وانفتاحها على عمل الله. القراءة الثانية: رؤيا حزقيال: الباب المغلق في الهيكل (حز 43: 27- 44: 4) يتكلّم النصّ على "باب يكون مغلقًا، لا يفتح ولا يدخل منه إنسان، لأنّ الربّ، إله إسرائيل، قد دخل منه... "ونظرت، فإذا بمجد الربّ قد ملأ بيت الرب". في هذه الصورة إشارة إلى قداسة الله وقداسة مسكنه وقداسة عمله. وقد رأت الكنيسة فيها رمزًا لأمومة مريم البتوليّة. فابن الله دخل أحشاءها ولم يكن لها علاقة مع أيّ إنسان، لا قبل ولادتها يسوع ولا بعد الولادة. فيها حضر الله، ومجد الربّ ملأها ليتجلّى من خلالها للعالم. والليترجيّا البيزنطيّة تذكر هذا الرمز في صلوات عدّة: "السلام لك يا باب الله، الذي اجتازه الخالق متجسّدًا وحفظه مختومًا. السلام لك أيّتها السحابة الخفيفة الحاملة المسيح المطر الإلهي. السلام لك أيّتها السلّم والعرش السماويّان. السلام لك أيّتها الجبل المقدّس المخصب غير المقتطع منه" (أوكتوئيخوس الآحاد، اللحن الثالث، آخر قطعة من قطع التيبيكا والتطويبات التي تتلى في القداس الإلهي). |
رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس
القراءة الثالثة: وليمة الحكمة (أم 9: 1- 11) يشبّه العهد القديم حضور الله بين الناس بوليمة. فالإنسان الذي يتّحد بحكمة الله كأنّه يأكل خبز الله ويتناول خمر الله: "الحكمة بنت بيتها ونحتت أعمدتها السبعة. ذبحت ومزجت خمرها وصفّفت مائدتها. أرسلت جواريها تنادي على متون مشارف المدينة: من هو ساذج فليمل إلى هنا. وتقول لكلّ فاقدي اللبّ: هلمّوا كلوا من خبزي واشربوا من الخمر التي مزجت. اتركوا السّذاجة واحيوا. إنهجوا طريق الفطنة" (9: 1- 6). بتجسّد ابن الله وكلمته، ظهرت حكمة الله بين البشر. فالمسيح هو نفسه حكمة الله، وقد ظهر لنا في مريم العذراء. ووليمة الحكمة هي أيضاً صورة لمائدة الملكوت السماويّ التي أعدّها الله في حياة المجد. وقراءة هذا النصّ في أعياد مريم العذراء إشارة إلى أنّ الملكوت قد بدأ على هذه الأرض بتجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء. - في عيد دخول السيّدة إلى الهيكل (21 تشرين الثاني)، يقرأ عوضاً عن القراءتين الأولى والثالثة نصّان يشيران إلى أنّ مريم العذراء هي مسكن الله الحقيقي، وتابوت العهد الجديد: القراءة الأولى: نصب المسكن وتقديسه على يد موسى (خر 40: 1- 5، 9- 10؛ 16: 34- 35). القراءة الثانية: نقل تابوت العهد إلى هيكل أورشليم (1 مل 8: 1- 11). وتنتهي القراءتان بتأكيد حضور الله: "ومجد الربّ قد ملأ المسكن" (خر 40: 35)، "ومجد الرب قد ملأ بيت الرب". - في عيد البشارة (25 آذار) تضاف قراءتان: القراءة الأولى: العلّيقى الملتهبة التي لا تحترق (خر 3: 1- 8). وتوضح إحدى الصلوات سبب اختيار هذا النص: "إنّ ظلّ الشريعة قد جاز بورود النعمة. فكما كانت العلّيقى متوقّدة ولم تحترق، كذلك أنت يا عذراء، ولدت ولبثت عذراء. وعوض عمود النار أشرق شمس العدل، وعوض موسى المسيح مخلّص نفوسنا" (الأكتوئيخوس، غروب الأحد على اللحن الثاني، آخر قطعة من قطع مزامير الغروب). القراءة الثانية: الحكمة الأزليّة التي بها خلق الله العالم (أم 8: 22- 31). إنّ ابن الله وكلمته هو تلك الحكمة التي كانت لدى الله منذ الأزل وبها تمّ خلق العالم. وقد ظهرت لنا تلك الحكمة في تجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء. وهكذا اعتلن في العالم السرّ الذي منذ الأزلي، وتحقّق قصد الله في خلاص الإنسان. - في عيد دخول السيّد إلى الهيكل (2 شباط) الذي هو في آن واحد عيد مريمي، تقرأ ثلاث قراءات خاصة: القراءة الأولى: مختارات من شريعة موسى حول تكريس الأبكار لله وتطهير الأمّ (خر 13: 1- 3، 10- 12، 14- 16؛ أح 12: 1- 4، 6- 8؛ عد 8: 16- 17). القراءة الثانية: رؤيا أشعيا في الهيكل حول قداسة الله وتنقيته على يد ملاك بجمرة أخذها بملقط من المذبح ومسّ بها فمه (أش 6: 1- 12). القراءة الثالثة: مختارات من نبوءة على مصر وارتدادها إلى الله، "لأنّهم يصرخون إلى الربّ من مضايقيهم، فيرسل لهم مخلّصاً وربًّا فينقذهم" (أش 19: 1- 21). والمسيح المولود من مريم العذراء هو، حسب نبوءة سمعان، "نور يضيء للأمم" (لو 1: 32). ب) المزامير في هذه الذهنيّة نفسها يجب النظر إلى المزامير التي اختارتها الكنيسة لتتلوها في أعياد مريم العذراء، وأهمّها المزموران: 45 (44) و132 (131). فالمزمور 45 هو نشيد دنيوي لعرس ملك في إسرائيل، يعظّم الملك والملكة القائمة عن يمينه. وقد استخدمته الكنيسة لتعظيم السيّد المسيح، ملك الشعب الجديد، ومريم العذراء أمّه الملكة التي منها ولد الملك (راجع هذا المزمور). والمزمور 132 يشيد بتابوت العهد في احتفال انتقاله إلى مدينة داود الملكية. ومريم العذراء هي تابوت العهد الجديد، لأنّ كلمة الله حلّ فيها (راجع هذا المزمور). إضافة إلى هذين المزمورين، تختار الكنيسة من مزامير أخرى آيات تتلوها في صلوات السحر والغروب والقدّاس الإلهي (في الأنديفونات قبل دورة الإنجيل. وآيات هللويا قبل الرسالة)، نقتطفه منها المقاطع التالية: - المزمور 46 (45): 5: "لقد قدّس العليّ مسكنه". 6: "الله في وسطها فلن تتزعزع". - المزمور 48 (47): 2: "عظيم الربّ ومسبّح جدًّا في مدينة إلهنا في جبله المقدّس". 4: "الله في أبراجها يُعرَف، عندما ينصرها". 9: "كما سمعنا كذلك رأينا، في مدينة ربّ القوّات، في مدينة إلهنا". - المزمور 65 (64) 5: "قدّوس هيكلك وعجيب في العدل". - المزمور 72 (71): 1: "أللهمّ أعطِ حكمَك للملك وعدلك لابن الملك". 3: "بشّروا من يوم إلى يوم بخلاص الهنا". 6: "ينزل كالمطر على الجزّة، كالقطر على الأرض". - المزمور 87 (86) 1: "أساسُها على الجبال المقدسة". 2: "الرب يؤثر أبواب صهيون على جميع مساكن يعقوب". 3: "لقد قيلت الأمجاد فيك يا مدينة الله". من المزامير اختارت إذن الكنيسة الآيات التي تشيد بمسكن الله وبين البشر، بمدينة الله التي قدّسها العليّ نفسه، ومن خلالها تشيد لعمل الله في مريم العذراء التي هي مسكن الله الجديد بين البشر ومدينة الله المقدّسة التي قيلت فيها الأمجاد، وفجها تحقّق ما قالته في نشيدها في زيارتها لأليصابات: "ها منذ الآن تغبّطني جميع الأجيال، لأنّ القدير صنع بي عظائم" (لو 1: 48- 49). هكذا يتّضح لنا أنّ الكنيسة في عودتها إلى نصوص العهد القديم لا تقصد أن تستخرج منها نبوءات حول مريم العذراء، بل ترى فيها وسيلة للتغنّي بعمل الله الخلاصي الذي رافق مسيرة البشريّة منذ نشأتها وبلغ كماله في تجسّد ابنه كلمته في أحشاء مريم العذراء. ج) نصوص العهد الجديد في أعياد مريم العذراء تُقرأ أيضاً نصوص خاصّة مستقاة من العهد الجديد: من الإنجيل المقدّس ومن الرسائل. - في صلاة السحر: يقرأ في جميع أعياد العذراء نصّ زيارة مريم العذراء إلى أليصابات مع نشيد مريم العذراء "تعظّم نفسي الربّ" (لو 1: 39- 56)، ما عدا عيد دخول السيّد إلى الهيكل حيث يقرأ نصّ تقدمة السيّد المسيح إلى الهيكل (لو 2: 25- 32). - في القدّاس الإلهي: يُقرأ من الرسائل إمّا نص تواضع ابن الله وتمجيده (في 2: 5- 11)، وإمّا وصف مسكن الله وخيمة الموعد وتابوت العهد كما جاء في الرسالة إلى العبرانيّين (عب 9: 1- 17). وفي عيد تهنئة مريم العذراء في اليوم الثاني لعيد ميلاد السيّد المسيح، يُقرأ نصّ التجسّد في تصميم الله الخلاصي (عب 2: 11- 18). وفي عيد دخول السيّد إلى الهيكل، يقرأ نصّ تفوّق كهنوت المسيح على كهنوت هرون (عب 7: 7- 17). - من الإنجيل المقدّس يقرأ في عيد البشارة رواية لوقا لحدث البشارة (لو 1: 24- 38) - في عيد تهنئة العذراء يقرأ نصّ يروي ما جرى بعد ميلاد المسيح أي الهرب إلى مصر (متى 2: 13- 23) - في عيد دخول السيّد إلى الهيكل تقرأ رواية الحدث بحسب إنجيل لوقا (لو 2: 22- 40) - في سائر الأعياد المريميّة (عيد ميلاد العذراء، عيد دخولها إلى الهيكل، عيد رقادها)، يقرأ نص استقبال مريم ومرتا للسيّد المسيح في بيتهما (لو 10: 38- 42)، ويضاف إلى هذا النصّ مقطع "طوبى للبطن الذهب حملك" (لو 11: 27- 28). إنّ اختيار هذه النصوص الإنجيليّة يستند إمّا إلى كونها تروي حدث العيد، إذا كان للعيد ذكر في الإنجيل المقدّس، وإمّا إلى قداسة مريم العذراء التي يمكن قراءتها من خلال هذه النصوص. فمن خلال إنجيل لوقا (10: 38- 42؛ 11: 27- 28)، يتّضح أنّه، كما أنّ مريم أخت لعازر "قد اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزَع منها" (لو 10: 42) وهو "أن تجلس على قدمي يسوع وتسمع كلامه" (لو 10: 39)، كذلك مريم العذراء تميّزت بقبولها كلام الربّ، وقد استحقّت الطوبى ليس فقط لأنّها حملت المسيح في أحشائها ("طوبى للبطن الذي حملك...")، بل لأنّها "سمعت كلمة الله وعملت بها" (لو 11: 27- 28). ولوقا نفسه يضع على لسان أليصابات الطوبى عينها، توجهها لمريم العذراء: "طوبى للتي آمنت بأنّه سيتمّ ما قيل لها من قبل الربّ" (لو 1: 45). ولذلك اختارت أيضاً الكنيسة المقطع من الرسالة إلى الفيليبيّين الذي يتكلّم على اتّباع المسيح في طاعته التامّة لإرادة الآب، "فإنّه قد وضع نفسه وصار طائعًا حتى الموت، موت الصليب، لذلك رفعه الله..." (في 2: 5- 11). وهكذا أيضاً في قراءات العهد الجديد تبدو مريم العذراء رمز الكنيسة المدعوّة إلى أن تحمل في ذاتها المسيح كلمة الله فتحيا به وتلتزم استعداداته، فيتاح لها أن تعطيه للعالم، ليتقدّس به ويتألّه. |
| الساعة الآن 10:27 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026