![]() |
مزامير المصاعد
مزامير المصاعد http://www.coptictamgeed.com/P-KingDavid.jpg مزامير المصاعد (120 - 134) هي الترانيم التى كان الشعب القديم يشدو بها أثناء ترحاله فى طريق الحج إلى أورشليم وقت الأعياد، وفي الترجمة السبعينية (ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية)، يرد عنوان هذه المزامير : ترانيم الدرجات أو المراقى. لقد كان الشعب اليهودي يُعَيِّد ثلاثة أعياد كبرى فى السنة: 1- عيد الفصـح : وفيه يجددّون ذكريات خلاص الله العظيم لهم حينما كانوا مستعبدين في أرض مصر. 2- عيد الخمسين : ويجدّد الشعب خلاله ذكريات تكريسهم للعهد. 3- عيد المظـال : وفيه يجدّد الشعب فرحه ووحدته. فى الطريق الطويل ، المرتفع جغرافياً، إلى الربوة العالية المقامة عليها مدينة أورشليم كان الشعب يسترجع الذكريات الجميلة، ذكريات معاملات الله العظيمة معه (خر 23 : 14-17، 34 : 22 - 24). وهذه الرحلة ربما تعنى لنا اليوم الصعود في سياحتنا المسيحية نحو الله من مجد إلى مجد (في 3 : 14). إنها تجسيد لرحلة الإيمان للفرد والشعب التى تذكرنا دائماً بـ : - من نحن. - إلي أين نحن ذاهبون (إش 2 : 3 ، 30 : 29). على طريق الصعود نرتفع، ليس فقط على المستوى الجغرافى، بل أيضاً على المستوى الروحي والفكري والمعنوي ... وإلي المدينة السماوية التى صانعها وبارئها الله نتفكّر بهذه المعاني : إننا الشعب المفدى الذي تمتع بالخلاص، وشعب الطاعة المدعو لحفظ العهد ، والشعب الذى اختبر البركة والفرح. في هذه المزامير، نجد كل احتياجات الطريق. لنا فيها أغانى مبهجة ومنعشة تُدخل السرور إلى القلب المشتاق للوصول، وكذلك لنا فيها الجانب العملي الذي يشبه الدليل أو الخريطة التي ترشد المسافر إلى وجهته الصحيحة. إنها كالعلامات الإرشادية على طريق سياحتنا المقدسة. قد نرى هذه المزامير كآثار . وقد ننظر إليها كذلك على أنها آثار خطوات، فالآثار تشير إلى البعد التاريخي لهذه المزامير، ووقع الأقدام يذكرنا بمكان التحرك الصحيح بعيداً عن المزالق والمعاثر. بعض الملاحظات على هذه المجموعة من المزامير : 1- هذه المجموعة تشبه سفر المزامير فى مجموعه، لأن السفر ينتهى ببركة وتمجيد، ونفس التمجيد يظهر فى نهاية مزمور 134. 2- البعض يقسّم سفر المزامير إلى خمسة أجزاء ويقسّم هذه المجموعة أيضاً إلى خمسة أجزاء كل جزء عبارة عن ثلاثة مزامير. 3- يقول بعض الشرّاح إن هذه المزامير كانت تتغنى بها الفرقة الموسيقية المختصّة بالغناء فى الهيكل، وهى تقف على درجات السلم الذى يفصل بين الدار الداخلية والدار الخارجية. 4- البعض الآخر من المفسرين يقول إن سرّ تسمية مزامير المصاعد بهذا الاسم، هو أن كل ترنيمة تسير فى تكوينها سيراً تصاعدياً، بحيث أن كل عدد يكمّل العدد الذى يليه، وهكذا إلى أن تصل الترنيمة إلى قمتها فى النهاية على طريقة القصائد. القسم الأكبر من الدارسين يقول بأن الشعب كان يرددها وهو فى طريق صعوده إلى بيت الرب فى الأعياد اليهوديّة الكبرى |
مزمور 120 محنة الغربة 1 إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِي صَرَخْتُ فَاسْتَجَابَ لِي. 2يَا رَبُّ نَجِّ نَفْسِي مِنْ شِفَاهِ الْكَذِبِ مِنْ لِسَانِ غِشٍّ. 3مَاذَا يُعْطِيكَ وَمَاذَا يَزِيدُ لَكَ لِسَانُ الْغِشِّ؟ 4سِهَامَ جَبَّارٍ مَسْنُونَةً مَعَ جَمْرِ الرَّتَمِ. 5وَيْلِي لِغُرْبَتِي فِي مَاشِكَ لِسَكَنِي فِي خِيَامِ قِيدَارَ! 6طَالَ عَلَى نَفْسِي سَكَنُهَا مَعَ مُبْغِضِ السَّلاَمِ. 7أَنَا سَلاَمٌ وَحِينَمَا أَتَكَلَّمُ فَهُمْ لِلْحَرْبِ الحياة رحلة يسافر فيها الإنسان من العالم إلى الأبدية، والحياة المسيحية على وجه الخصوص هى نوع من السياحة أو السفر إلى الله. يبدأ الإنسان هذه السياحة حينما يسمع دعوة الله له لأول مرة فيتجاوب مع الصوت الإلهى بقبول المسيح مخلصاً ورباً، وعندئذٍ تتحول الحياة من رحلة سياحة عادية إلى رحلة سياحة يختبر فيها حضور ومعيّة الله، أو لنَقُلْ رحلة سياحة إلى الله من خلال المسيح، الذى قال - بصدق - عن نفسه : " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي " (يو 14 : 6). ولعل هذا هو سبب تسمية المسيحية بـ "الطريق" فى سفر الأعمال. لذلك فحينما ندخل المسيحية نحن ندخل الطريق، فالمسيحية إذن هى نوع من "السَفَر" أو "الخروج"، لأنها تحرك دائم نحو الآب .. نحو السماء ومزمور 120 هو أول مزامير السياحة الخمسة عشر. يبدو هذا المزمور شخصياً بدرجة كبيرة حتى إن البعض اعتبره غريباً عن مزامير المصاعد. لكننى أرى أنه بداية موفقة لأنه يعبّر عن مشاعر الحجاج وهم فى بلاد بعيدة غريبة، وهم يبدأون الآن الرحلة إلى أورشليم وإذ نقرأ هذا المزمور بعناية نكتشف أنه ليس أغنية فَرِحَة، بل بالأحرى صرخة يبدأها المرنم بالتعبير عن ضيقه (1) وتنتهى بالحرب (7). لكنها - على كل حال - صرخة أمينة وضرورية. فى هذه الصرخة نرى ثلاثة أشياء : 1- الطلب إلى الله (1و2) يبدأ المرنم صراعه فى ضيقه باسترجاع واستعادة صرخته إلى الله. فيقول فى (1) " إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِي صَرَخْتُ فَاسْتَجَابَ لِي". وهذا الاختبار المشجع دفعه إلى تكرار طلبه فى (2) "يَا رَبُّ نَجِّ نَفْسِي مِنْ شِفَاهِ الْكَذِبِ مِنْ لِسَانِ غِشٍّ". هنا نرى شخصاً يتعرض لحملة من الافتراءات والأكاذيب والغش، لذا نشعر وكأن المرنم ينزف من الألم والصدمة والإحباط والظلم. ويقول بعض المفسرين إن المناسبة التاريخية التى تعبّر عنها هذه الكلمات هى حملة الوشاية والافتراءات السامرية التى وُجِهت ضد اليهود أثناء إعادة بناء الهيكل والأسوار (عز 4 ، نح 4: 1 - 15، 6 : 1 - 14). وقد يكون هذا التخمين صحيحاً، لكن من المؤكد أيضاً أن هذه الكلمات يمكن أن تعبر عن حالة شخص أو جماعة تشقى بالغربة فى مجتمع مختلف، ممتلىء بالكذب والافتراء والخداع كجو عام. وبالتالى تصرخ هذه الجماعة إلى الله صرخة إنقاذ : "يَا رَبُّ نَجِّ نَفْسِي مِنْ شِفَاهِ الْكَذِبِ مِنْ لِسَانِ غِشٍّ" 2- العقاب للأعداء (3و4) فى هذين العددين نجد الاستجابة لطلب المرنم .. وغريب أن الإجابة تأتى فى صورة سؤال ! يقول : "ماذا يعطيك وماذا يزيد لك لسان الغش؟". صحيح أن الكذاب يجرح الأمناء، لكنه ورغم ذلك لابد أن يتحطم بسهام أقوى من أكاذيبه هى سهام الله (الجبار) المسنونة، سهام الحق. ولابد أن يواجه المفترىِ الدينونة والعقاب. "مع جمر الرتم" ويقصد بها قطع أشجار الرتم المتفحمة رمز الدينونــة (مز 140 : 1و3و9 - 11، مز 64 : 1-8). نعم .. إن الخطية خاطئة جداً وأول ضحاياها هو الخاطىء نفسه. وهكذا تَصْدُقُ من جديد كلمات الحكيم : "أيأخذ إنسانُُ ناراً فى حضنه ولا تحترق ثيابه ؟ أو يمشى إنسان على الجمر ولا تكتوى رجلاه؟" (أم 6 : 27و28) 3- المأزق (5 - 7) يواصل المرنم صرخته ليعبر عن المأزق الذى يعيش فيه، مأزق الإحساس العميق بالغربة والوحدة. ليس فقط جغرافياً بمعنى أنه يسكن وسط وثنيين غرباء يرمز إليهم بماشك (سكان السهل أقصى شمال وغـرب إيـران وأرمينيـا الآن) وكـانـت ضمـن آسيـا الصغـرى (تــك 10 : 2 ، حز 32 : 26و27، 38 : 1، 39 :1)، وقيدار (منطقة من الصحراء السورية جنوب دمشق) (تك 25: 13، إر 2 : 10 ، 49 : 28 – 30). لكنه أيضاً يشعر بالاغتراب معنوياً وروحياً لأنه يسكن وسط مجتمع مختلف عنه فى أساليب التفكير وأنماط الحيـاة وفى الدوافع والاتجاهات والأهداف، فيضيف فى (6و7): "طال على نفس سكنهـا مـع مبغـض السلام. أنا سلام وحينما أتكلم (مهما حاولتُ أو فعلتُ) فهم للحرب". يا له من شعور قاسى بالغربة الشديدة جداً يؤكد قوله فى (5) : "ويلى لغربتى فى ماشك لسكنى فى خيام قيدار". معاني كلمات ماشك اسم سامي ومعناه "طويل" أو "ممتد"، وهو: أحد ابناء يافث بن نوح السبعة (تك 10: 2). الإشارة الوحيدة في سفر المزامير إلي "ماشك"، هي إشارة رمزية "فماشك وقيدار" يمثلان المجتمع الشرير الذي يعيش في وسطه المرنم (مز 120: 5). كان ورود أول ذكر لشعب ماشك في التاريخ المدني في كتابات تغلث فلاسر الأول، ملك أشور في نحو 1100 ق. م. فيقول ملك أشور إنه حارب خمسة من ملوك "موشكي". ومع أنه يدعي أنه انتصر عليهم، إلا أنه من الواضح أنه وجد منهم مقاومة شديدة. قيدار كلمة سامية معناها "أسود أو داكن البشرة". وهو اسم الابن الثاني من أبناء إسماعيل بن إبراهيم (تك 25 : 13). وهو جد القبائل العربية التي يطلق عليها هذا الاسم في النبوات الكتابية من عصر سليمان إلى زمن السبي البابلي. والصورة التي يقدمها لنا الكتاب المقدس عن قيدار هي صورة شعب من البدو لم يكونوا يعبدون الرب. ولكن إشعياء يتنبأ بأنهم سيكونون من الشعوب التي ستستمتع في المستقبل بملكوت الله (إش 42 : 11) رتمة الرتمة من أشهر الشجيرات في صحراء فلسطين وجنوبها حتى سيناء. ومع أنها لا تلقى ظلالاً كثيفة على الأرض إلا أنها تستخدم كملاذ يلتجئ إليه المسافر احتماء من قيظ حرارة الشمس، فنقرأ عن إيليا: " ثم سار في البرية مسيرة يوم حتى جاء وجلس تحت رتمة" (1 مل 19 : 14). وتستخدم جذور الرتم وجذوعه في إنتاج نوع جيد من الفحم يعطي طاقة حرارية كبيرة. وتستخدم أغصان الرتمة في صنع نوع من المقشات. وتوجد شجرة الرتم بوفرة في جنوبي فلسطين وشبه جزيرة سيناء. وأغصان الرتمة رفيعة وطويلة وأوراقها قصيرة تعطي ظلاً ضئيلاً متفرقاً وزهورها بيضاء أو صفراء. والقيمة الغذائية للرتم كعلف للماشية ، ضعيفة ولا تستخدم إلا في حالات الحاجة الشديدة |
مزمور 121 مخاطر الطريق ومصادر المعونة 1أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي. 2مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. 3لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ. 4إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. 5الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى. 6لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ. 7الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. 8الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ كاتب مزمور 121 استطاع أن يجد رفيق الرحلة الذى يقتسم معه الظلال، كما يقتسم معه النور والبريق فى نفس الوقت. إن هذا المزمور من أجمل أغنيات السياحة وفيه يواجه المرنم مخاطر الطريق، لكنه يرفع عينيه ليكتشف مصادر المعونة. ويقول المفسرون إن هذا المزمور عبارة عن حوار، لكنهم انقسموا إلى آراء مختلفة حول هذا الحوار : 1- قال البعض إنه حوار بين الإنسان ونفسه : "أرفع عينّى إلى الجبال .. ترى من أين يأتى عونى؟". إنه حوار النفس، وما أكثر المرات التى نجرى فيها حواراً مع أنفسنا عبر رحلة الحياة، وعندما ننظر إلى ثقل المسؤوليات وإلى مخاطر ومخاوف الطريق.. نرفع عيوننا إلى أعلى ونقول : ترى من أين يأتى عوننا؟ هل نستطيع السفر؟ هل يمكن أن نستكمل المسيرة؟ هل ننجح فى إنجاز الأهداف التى وضعناها أمام عيوننا؟ من أين يأتى العون.. إنه الحوار مع النفس . 2- هناك رأى يقول إنه حوار بين متعبد وكاهن فى هيكل العبادة. لكن هذا الرأىّ لا يتفق كثيراً مع تسلسل هذه المجموعة من الأغنيات، لأن السائح مازال فى بداية رحلته، لم يصل بعد إلى أورشليم أو الهيكل. 3- رأىّ ثالث يقول إنه حوار بين مجموعة المسافرين وبين قائد الرحلة. كتعبير عن الغناء الفردى والجماعى (واحد يغنى وباقى المجموعة ترد عليه) وهذا الرأىّ هو أكثر الآراء ترجيحاً. ولقـد اختــلف علمـاء الكلمـة المقدسـة حول المقصود بـ "الجبال" (1)، قال البعض إن هذه الجبال كانت مأوى اللصوص وقطاع الطرق، الذين يكمنون للحجاج وينقضّون عليهم فجأة ويسلبون أموالهم وأمتعتهم ويهددون حياتهم. وبذلك ينظر الحاج إلى الجبال بأخطارها ويتسـاءل : من أين يأتى عونى وقت الخطر الشديد؟ لكن البعض الآخر قال إن المرنم لا ينظر إلى الجبال كمصدر تهديد وخوف، بل كمكان للحماية والمـــلاذ، فهنـاك على قمم الجبال وضعت "أكشاك" لحراسة الحجاج والمسافرين وإمدادهم بالإسعافات الأولية فى حالة الإصابات. والمرنم حين يقول فى ترجمة أخرى : "أرفع عينّى إلى الجبال نحو هناك حيث يأتى عونى" فإنه يقصد أن الحارس البشرى قد يترك نوبتـه أو ينام من التعب، قـد يفـشـل فى أداء واجبه فى الحراسـة والإنـقاذ، لكن الرب خلـف هذا الحارس: "إنه لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" (4). والمزمور يبدأ بتساؤل كأنه مرثاة، تعبّر عن حالة من عدم الاستقرار، والخوف، والقلق، بشأن متغيرات الحياة، لكنه يعرض هذه المتغيرات فى نور إيمانه بالإله الحافظ. ويستخدم المرنم بمهارة القمم وتكرار التوازيات كالموسيقى الذى يُخْرج من فكره عملاً غاية القوة والجمال. يرتكز هذا العمل فى كل أجزائه على وعد يتزايد ويرتفع إلى أن يصل إلى قمته فى النهاية. وهكذا من جيل إلى جيل أمدّت كلمات هذا المزمور شعب الله بعون كبير وثقة فى وقت الأزمات، وكانت إلهاماً دائماً فى الحياة والعبادة. ويمكننا أن نجد فى هذا المزمور ثلاث أفكار رئيسية : 1- الخالق المعين (1 و2) : "أرفع عينّى إلى الجبال من حيث يأتى عونى، معونتى من عند الرب صانع السموات والأرض". لقد كانت الرحلة إلى أورشليم تضطر المسافرين إلى السير والمبيت فى أماكن صحراوية جافة بين الجبال المحيطة بها (مز 125 : 2) والمليئة بالأخطار. والسؤال : لماذا ينظر المرنم إلى الجبال ويتساءل من أين يأتى العون؟ هل ذلك تعبير عن حالة الخوف والقلق وعدم الاستقرار، أم تعبير عن عدم الإحساس بالأمان فى ظل الحارس البشرى؟ هل الجبال مصدر تهديد أم مصدر سلام؟ هل هناك أكشاك للحراسة ونخشى عدم قدرتها على فرض الأمان بسبب الأخطار (مز 11 : 1 - 3) ؟ هل تذكرنا هذه الكلمات بعبادات الوثنيين فوق المرتفعات أو عبادة الشمس والقمر؟ الاجابـة : "معـونتى مـن عنـد الرب صـانع السموات والأرض" (2). (إر 3 : 23، مز 33 : 13- 22، أم 15 : 3، رو 8 : 35 - 39، عب 4 : 13). إن المرنم بهذه الكلمات ينظر إلى ما وراء الجبال والكون. إنه يتخطى المنظور ليرى الله خلف الجبال. إنه صاحب الرحلة ومصدر القوة والمعونة التى تصل فى حينها. إن المرنم يريد أن يقول : لا تضعوا قلوبكم على الخليقة ولا تتكلوا عليها ، بل وجهوا أنظاركم إلى السيد الخالق فهو لا يمكن أن يتخلى عن عمل يديه. إن كل الأفكار التى سبقت المسيحية قالت إن هناك قوة مجهولة أوجدت هذا الكون. وحينما ارتقت هذه الأفكار قالوا إن هناك خالق أوجد الكون وخلقه ثم تركه لنواميسه الطبيعية وهو الآن لا علاقة له به. لكن المسيحية جاءت لتعلن أن خالق هذا الكون مازال يحميه ويرعاه فى كل يوم . لذا فنحن نقرأ كثيراً فى العهدين القديم والجديد العديد من الأغانى التى تربط بين الخليقة وبين العناية. (إش 44: 1 - 5) 2- الرفيق الساهر (3 و4) : يُعتقد أن عدد 3 جاء فى الأصل العبرى فى شكل سؤال أو استفهام، أو كتعبير عـن أمنية أو رغبة قلبية. "ليته لا يدع رجلك تزل، ليته لا ينعس حافظك" (3). وفكرة نوم الإله فكرة موجودة فى العهد القديم (مز 35 : 23 ، 44 : 23 ، 59 : 5) لذا نقرأ كثيراً تعبيرات "استيقظ يارب. انتبه يارب .." وكأن الإله يمكن أن يغفل أو ينام. ولقد استخدم إيليا هذه الصورة ساخراً من البعل وأنبيائه فى 1مل 18 : 27 قائـلاً لهم: "أدعوا بصوت عال لأنه إله! لعله مستغرق أو فى خلوة أو فى سفر! أو لعله نائم فينتبه!". وتأتى الإجابة فى (4) :"إنه لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل". قد ينعس الحارس لكن الله لا ينعس ولا يـنام . إنه الرفيق الساهر كل الرحلة، وهو كما قال عنه الرسول بولس بصدق : "عن كل واحد منا ليس بعيداً". (أع 17 : 27). إنه لا ينام ولا يترك خدمته، بل يعمل عمله ليس فقط للحراسة بل لتقويتنا وتجديد قوانا. إنه مستعد دائماً للإنقاذ، ويسير معنا فى كل ظروف الحياة وفى كل مراحل العمر المختلفة. إنه هو الذى بدأ الرحلة معنا وهو الذى ينتظرنا بنفسه فى نهايتها. 3- الرب الحافظ (5-8) : فى تدرج واضح : يتحدث أولاً عن الخالق المعين وثانياً عن الرفيق السائر وأخيراً عن الرب الحافظ. إن الرب يحفظنا من مخاطر كثيرة. فهناك أولاً مخاطر قوى الشر والغدر، وهناك ثانياً مخاطر الطبيعة ممثلة فى الشمس والقمر. وقديماً كانوا يعتقدون أن هناك شيطاناً داخل الشمس وآخر داخل القمر. وهذا الشيطان هو الذى يتسبب فى أذية الناس لأنه وكيل الشر (إش 24 : 23). وهو الذى يسبب تغيّر الفصول المناخية مما يهيج أعصاب البشر ويثير أحاسيسهم بشكل قد يؤدى إلى الجنون. هذه الأفكار الكثيرة المغلوطة والغريبة كانت تسيطر بقوة على أذهان الناس، وقد قادهم ذلك لعبادة إله الشمس وعبادة إله القمر الذى يكفيهم شر شيطان القمر. لكن المرنم بإزاء مثل هذه المخاوف يقدم حقيقة جامعة مانعة "الرب حافظك"، ثم يقدم لنا تفصيلات هذه الحقيقة المفرحة، إذ يقدم وعوداً للحفظ والحماية والعناية والمعونة. ويلاحظ فى هذه الوعود تكرار كلمتين هما (الرب والحفظ). هكذا يبدأ المرنم بيقين جامع مانع "الرب حافظك" يقين الدفاع والحماية "الرب ظل لك عن يدك اليمنى" الستر والهيبة (عدد 14 : 9). لذلك "لا تضربك الشمس فى النهار ولا القمر فى الليل" الحفظ الدائم ليلاً ونهاراً. "الرب يحفظك من كل شر . يحفظ نفسك". الرب يحفظك من الشر المادى المحيط بك : الشمس والقمر، ويحفظ نفسك ومعنوياتك وإنسانك الداخلى فلا تخور ولا تنهار. إنه يجعلك فوق الظروف والأحداث، لذا فحتى فى وقت هزيمتنا لا نخور ولا نستسلم، بل نصمد بمعونته ونكمِّل حياتنا فى ظل هذه المعونة. "الرب يحفظ خروجك ودخولك. من الآن وإلى الدهر". * الرب يحفظنا خلال أنشطتنا اليومية. وهذه العبارة "خروجك ودخولك" تعنى : * الرب يحفظك من بداية اليوم (خروجك) إلى نهايته (دخولك مرة أخرى إلى بيتك). * الرب يـحفظك خلال رحلة العمر كلـه. (خروجك من العالم ودخولك للأبدية). ونحن فى رحلة الحياة يمكننا أن نستمتع بملء اليقين والإيمان أن الله سيحفظنا.. إنه يحفظ سلامتنا طوال الرحلة، وهو الضامن لها منذ البداية : منذ قبولنا للمسيح وبداية سياحتنا المقدسة، وحتى النهاية : حينما نصل بسلام إلى بيتنا الأبدى حيث نستمتع برفقته دون فراق. ألا يستحق كل ذلك أن نعطيه وحده كل المجد؟ |
مزمور 122 مشهد الوصول 1فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: [إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ]. 2تَقِفُ أَرْجُلُنَا فِي أَبْوَابِكِ يَا أُورُشَلِيمُ. 3أُورُشَلِيمُ الْمَبْنِيَّةُ كَمَدِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ كُلِّهَا 4حَيْثُ صَعِدَتِ الأَسْبَاطُ أَسْبَاطُ الرَّبِّ شَهَادَةً لإِسْرَائِيلَ لِيَحْمَدُوا اسْمَ الرَّبِّ. 5لأَنَّهُ هُنَاكَ اسْتَوَتِ الْكَرَاسِيُّ لِلْقَضَاءِ كَرَاسِيُّ بَيْتِ دَاوُدَ. 6اسْأَلُوا سَلاَمَةَ أُورُشَلِيمَ. لِيَسْتَرِحْ مُحِبُّوكِ. 7لِيَكُنْ سَلاَمٌ فِي أَبْرَاجِكِ رَاحَةٌ فِي قُصُورِكِ. 8مِنْ أَجْلِ إِخْوَتِي وَأَصْحَابِي لَأَقُولَنَّ: [سَلاَمٌ بِكِ]. 9مِنْ أَجْلِ بَيْتِ الرَّبِّ إِلَهِنَا أَلْتَمِسُ لَكِ خَيْراً. يتفق عدد كبير من دارسى العهد القديم عامة وسفر المزامير خاصة، أن هذا المزمور يعود فى تاريخ كتابته إلى فترة ما بعد السبى. وهو يعبر عن البهجة والفرحة الغامرة بزيارة أورشليم، ويعكس الإثارة العاطفية والروحية للوجود فى بيت الرب مع شعب الرب، فى عيد من الأعياد اليهودية الكبرى وهو عيد المظال. وفى هذا المزمور نجد الحديث عن: أولاً : مشاعر الفرحة (1و2) : واضح أن أورشليم بدأت تظهر للحجاج المسافرين، أو أنهم بالفعل قد وصلوا ودخلوا فناء الهيكل. وهنا عمت الفرحة وغمرت البهجة مشاعر الحجاج، فعبروا بصوت رجل واحد"فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: [إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ]."وسواء كانت هذه الكلمات كما هى فى ترجمتنا العربية، أو كما جاءت فى بعض التراجم الأخرى"فرحت عندما قالوا لى ..." أو "فرحت مع القائلين لى ..." أو"فرحت بما قالوه لى ..."، فكلها تعبر عن مشاعر فرحة الوصول إلى بيت الرب وإلى مدينة الرب. وفى العدد الثانى يؤكدون هذا الوصول بقولهم "تَقِفُ أَرْجُلُنَا فِي أَبْوَابِكِ يَا أُورُشَلِيمُ.". والترجمة الحرفية للأصل تعنى صارت واقفة "Have been standing". أى والآن ها نحن واقفون داخل أبوابك يا أورشليم. والكلمات سواء فى هذين العددين أو فى المزمور ككل، تعكس تغليب مشاعر الفرح والشوق التى دفعت إلى الرحلة أصلاً، بتشجيع المجموعة، على محنة الغربة فى مزمور 120، ومخاطر الطريق فى مزمور 121. هذا الفـرح نراه فى "ترنيمة السبـت" فى مزمور 92 : 1 - 5 ، 12 - 15 "1حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَالتَّرَنُّمُ لاِسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. 2أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ 3عَلَى ذَاتِ عَشْرَةِ أَوْتَارٍ وَعَلَى الرَّبَابِ عَلَى عَزْفِ الْعُودِ. 4لأَنَّكَ فَرَّحْتَنِي يَا رَبُّ بِصَنَائِعِكَ. بِأَعْمَالِ يَدَيْكَ أَبْتَهِجُ. 5مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ وَأَعْمَقَ جِدّاً أَفْكَارَكَ...12اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو. 13مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي دِيَارِ إِلَهِنَا يُزْهِرُونَ. 14أَيْضاً يُثْمِرُونَ فِي الشَّيْبَةِ. يَكُونُونَ دِسَاماً وَخُضْراً 15لِيُخْبِرُوا بِأَنَّ الرَّبَّ مُسْتَقِيمٌ. صَخْرَتِي هُوَ وَلاَ ظُلْمَ فِيهِ." كما نرى الفرح أيضاً مع رؤية بيت الرب فى "تسبيحة الشكر" فى يهوذا 24، التسبيحة التى ترفع إلى الله "القادر أن يحفظكم غير عاثرين" فى توازى مع مزمور 121، والتى تعبر عن فرحة الوصول والوقوف قدامه "ويوقفكم أمام مجده بلا عيب فى الابتهــاج" فى تــوازى مع مزمور 122. والآن، بعــد أن تحققت الــزيارة يعبر عـن امتلائه العميق بالبهجة والسرور كما فى مزمور 84 : 1و2 "1مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ. 2تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلَهِ الْحَيِّ." ثانياً : قوة الوحدة (3 - 5) : فى هذه الأعداد يتحدث المرنم، عندما رأى كل الشعب الذى جاء من كل مكان ليعيد معاً، يتحدث عن الوحدة فى جمالها وهدفها وقيمها. 1- جمال الوحدة (3) : يقول "أُورُشَلِيمُ الْمَبْنِيَّةُ كَمَدِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ كُلِّهَا" والفعل المستخدم فى كلمة "متصلة" نجده فى خروج 26 : 11 عند الحديـث عن صنـاعة الـخيام ".. وتـصل الخيمة فتصير واحدة". والكلمة "متصلة" لا تـشيـر فقط إلى وحدة الشكل والمبنى Bound firmly together، بل تشير إلى المعنى والمضمون، إلى وحدة الشعب، وحدة الأسباط معاً فيها. فالعبارة تشير إلى اتحاد شركــاء أو أعضـاء فى مجموعة واحدة، كما جاءت فى الترجمة السبعينية والفولجاتا، بمعنـى "أورشليم المدينة التى بنيت ليتحد ويترابط بها الإخوة معاً". ويقول البعض إن هذه العبارة تشير أيضاً إلى جمال وحدة شعب الرب فى حقيقته النهائية التى نجدها فى سفر الرؤيا فى رؤيا 21 : 10 - 27 ). 2- هدف الوحدة (4) : إن هدف هذا التجمع "حيث صعدت أسباط اسرائيل" فـى المدينة المقدسة، فـى هيكل الرب مكان اللقــاء معه، هو "ليحمدوا اسم الرب". ثم يضيف "شهادة إسرائيل" هذه الشهادة التى جاءت فى تثنية 16 : 16 و 17 "16«ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَحْضُرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ فِي عِيدِ الفَطِيرِ وَعِيدِ الأَسَابِيعِ وَعِيدِ المَظَالِّ. وَلا يَحْضُرُوا أَمَامَ الرَّبِّ فَارِغِينَ. 17كُلُّ وَاحِدٍ حَسْبَمَا تُعْطِي يَدُهُ كَبَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ التِي أَعْطَاكَ." وهو هدف مجيد فى حياة الشعب قديماً، وفى حياة الكنيسة. بل هو سر القوة دائماً، حتى أن يربعام الملك ملك اسرائيل خاف من نقطة القوة هـذه، قـوة التجمع معاً فى بيت الرب ليحمدوا اسم الرب، فحاول بخطيته - عندما صنع عجلين من ذهب ووضع واحداً فى بيت إيل والآخر فى دان- أن يقسم المملكة، وأن يشتت وحدة الشعب وأن يضرب تجمعه، لئلا يرجع قلب الشعب كلـه إلى رحبعـام ملك يهوذا (1 مل 12 : 26 - 30). وبـذلك تعـدى يربعام على الأمر الذى قرره الرب فى تثنية 12 : 13و 14 "13«اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تُصْعِدَ مُحْرَقَاتِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَرَاهُ. 14بَل فِي المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ فِي أَحَدِ أَسْبَاطِكَ. هُنَاكَ تُصْعِدُ مُحْرَقَاتِكَ وَهُنَاكَ تَعْمَلُ كُل مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ." كما تعدى وخالف شرط الوعد الذى قدّمه له الرب فى الملوك الأول 11 : 38 "38فَإِذَا سَمِعْتَ لِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ وَسَلَكْتَ فِي طُرُقِي وَفَعَلْتَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيَّ وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَوَصَايَايَ كَمَا فَعَلَ دَاوُدُ عَبْدِي، أَكُونُ مَعَكَ وَأَبْنِي لَكَ بَيْتاً آمِناً كَمَا بَنَيْتُ لِدَاوُدَ، وَأُعْطِيكَ إِسْرَائِيلَ." 3- قيم الوحدة (5) : وفى هذا العدد يريد المرنم أن يقول إن جمال الوحدة وقوتها، حيث يتجمع شعب الرب فى بيت الرب للعبادة ولحمد اسمه، يجب أن يظهر فى حيــاة الشعب وفى قيمهم. ويركز هنا على قيمة "العدل" كأعظم قيمة يجب أن تسود حياة شعب الرب، فيقول "لأَنَّهُ هُنَاكَ اسْتَوَتِ الْكَرَاسِيُّ لِلْقَضَاءِ كَرَاسِيُّ بَيْتِ دَاوُدَ" فالعدل هو القيمة الكبرى التى يجب أن تسود وتُمارس فى حياة شعب الرب، وهو القيمة التى يجب أن يقود شعب الرب المجتمع إليها. فالمرنم لم يذكر أورشليم كمدينـة وحدة فقـط بـل كمركـز للحكم لملوك يهوذا. يقول المرنم فى مزمور 72 : 1 - 4 "1اَللهُمَّ أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ وَبِرَّكَ لاِبْنِ الْمَلِكِ. 2يَدِينُ شَعْبَكَ بِالْعَدْلِ وَمَسَاكِينَكَ بِالْحَقِّ. 3تَحْمِلُ الْجِبَالُ سَلاَماً لِلشَّعْبِ وَالآكَامُ بِالْبِرِّ. 4يَقْضِي لِمَسَاكِينِ الشَّعْبِ. يُخَلِّصُ بَنِي الْبَائِسِينَ وَيَسْحَقُ الظَّالِمَ." ويقـول إشعياء فى اشعياء 2 :3و4 "3وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: «هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ إِلَى بَيْتِ إِلَهِ يَعْقُوبَ فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. 4فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكاً وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفاً وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ." ثالثاً : دعوة للصلاة (6 - 9): وهنا رفع المرنم يديه إلى فوق وطلب من الشعب أن يصلّى ليحفظ الرب مدينته وشعبه. وثمر العدل الذى تحدثنا عنه كقيمة من قيم الوحدة التى ذكرت فى الفقرة السابقة هو"السلام" و "السلامة" بمعنى الأمان والخير. والسلام مأخوذ من اسم أورشليم (عب 7 : 2). ولذلك يقول المرنم "اسْأَلُوا سَلاَمَةَ أُورُشَلِيمَ." (6 أ). وفى دعوته للصلاة يطلب من أجل الأمان والسلام، ومن أجل الترابط والالتحام. 1- الأمان والسلام (6 ب – 7 ) : "لِيَسْتَرِحْ مُحِبُّوكِ." أى ليسترح كل محبيك، كل الشعب. فعندما يكون "سَلاَمٌ فِي أَبْرَاجِكِ" وهنـــا إشــارة إلى السلام والهدوء وإلى النجاح والوفرة كما فى مزمور 48: 12 - 14، تكون "رَاحَةٌ فِي قُصُورِكِ" أى أمان وسلام بلا حروب أو معاناة. 2- الترابط والالتحام (8 و9) : "مِنْ أَجْلِ إِخْوَتِي وَأَصْحَابِي لَأَقُولَنَّ: [سَلاَمٌ بِكِ]." (8)، "إخوتى وأصحابى" إشارة إلى الترابط والالتحام والتوحد مع رفاق الرحلة، الذين ارتبطوا معاً كإخوة وأصدقاء، والآن يرفعون بصوت واحد ونفس واحدة طلبة واحدة "لأقولن سلام بــك". فأورشليم مركز الجذب وبوتقة الصهر والترابط، إنها ملتقى حياة الشعب ومصدر وحدته وقوته. ثم يضيف "مِنْ أَجْلِ بَيْتِ الرَّبِّ إِلَهِنَا أَلْتَمِسُ لَكِ خَيْراً." (9)، هنا تحولت الصلاة إلى "عهد" و "نذر". فمن أجل وجود بيت الرب فيك، من أجل هذا السبب فـوق كـل الأسبـاب الأخـرى "التمس لك خيراً". والصلاة ككل شكل من أشكال البركة لأورشليم، وككل وعد بالبركة، تحمل كلمات البركة قوة تحقيقها. وواضح ان المرنم أخذ من اسم أورشليم ومن تركيبته العبرية مضمون البركة. فالإسم به وجوه عديدة تعنى الصلاة (شالو)، والسلام (شالوم)، والنجاح والتقدم (يشلايو)، والراحة والهدوء (شالواه). |
مزمور 123 مركز التوَجُّه 1إِلَيْكَ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ يَا سَاكِناً فِي السَّمَاوَاتِ. 2هُوَذَا كَمَا أَنَّ عُيُونَ الْعَبِيدِ نَحْوَ أَيْدِي سَادَتِهِمْ كَمَا أَنَّ عَيْنَيِ الْجَارِيَةِ نَحْوَ يَدِ سَيِّدَتِهَا هَكَذَا عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلَهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا. 3ارْحَمْنَا يَا رَبُّ ارْحَمْنَا لأَنَّنَا كَثِيراً مَا امْتَلَأْنَا هَوَاناً. 4كَثِيراً مَا شَبِعَتْ أَنْفُسُنَا مِنْ هُزْءِ الْمُسْتَرِيحِينَ وَإِهَانَةِ الْمُسْتَكْبِرِينَ. إن الانتقال من مزمور 122 إلى مزمور 123 كالانتقال من الليل إلى النهار. الأول يكسوه الفرح والثانى يمتلئ بصرخات الهوان. وهذا يشير إلى التاريخ الكثير المتقلب للشعب القديم – بل ولكل الشعوب والأفراد – وندرك من خلال هذا المزمور أن توالى الفرحة والصرخة هو أمر طبيعى فى حياة البشر. مزمور 122 يشير إلى نور الصباح ووقت البهجة، أما مزمور 123 فيظهر فيه انقلاب الحال وتغير الجو وظلام الليل "ارحمنا لأننا كثيراً ما امتلأنا هوانا". مزمور 122 نشيد ابتهاج "فرحت بالقائلين لى ..." أما مزمور 123 فيعبر عن صرخة هوان وألم ومعاناة. يبدأ المزمور كمرثاة أو كصرخة فردية (1) . ثم تتحول هذه الصرخة إلى صرخة قومية أو جماعية (2 – 4) . فهل يردد هذا المزمور – كالمزامير السابقة – حيث يرنم القائد العدد الأول ثم تردد المجموعة كلها الأعداد الباقية؟ ربما، وهذا هو تفسيرنا الوحيد للانتقال من ضمير المتكلم المفرد إلى ضمير المتكلم الجمع. ويتشابه هذا المزمور مع مز 120 فى خلفية الاستهزاء والإهانة وحرب الألسنة الكاذبة من المحيطين بهم (نح 2 : 19 ، 4 : 2 – 4). ويتشابه مع مز 121 فى رفع العينين إلى الرب، إله المعونة. ويتشابه مع مز 122 فى الاتكال على الله، إله العدل. ونستطيع أن نرى فى هذا المزمور ثلاث أفكار رئيسية .. يمكننا أن نضعها فى صورة ثلاثة أسئلة : 1- من هو مركز التوجه ؟ والإجابة هى : الله 2- كيف نقترب إلى هذا المركز ؟ والإجابة هى : روح الانتظار والاتضاع. 3- ماهى المشكلة أو القضية التى تدفعنا للاقتراب من الله؟ والإجابة هى : الوضع المؤلم والحالة السيئة التى نختبرها اليوم. أولاً : من هو مركز التوجه؟ (1)) إن السائح – مع سائر الحجاج المسافرين معه – بعد أن يرفع عينيه إلى الجبال فى مز121، حيث تأتى معونته من عند الرب صانع السموات والأرض، يضع الآن قضيته وقضية شعبه فى الاتجاه الصحيح وبتحديد واضح .. فهو لا يرفع عينيه فقط إلى الجبال، بل إلى الرب، ففى وسط مشكلات الأيام وآلام الحياة يتجه المرنم إلى الله مباشرة : "إِلَيْكَ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ" إليك وحدك . كم من مرات اتجهت أنظارنا إلى أشخاص أو إلى أشياء أخرى ؟ كم من مرات اتكلنا على البشر ففشلنا ؟ هنا يقول المرنم إنه لا يستمد ثباته ولا أمانه إلا من الله السرمدى الذى لا يتغير، "يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ." ( عب 13 : 8). ثم يصف المرنم هذا الإله الذى يتكل عليه بالقول " يَا سَاكِناً فِي السَّمَاوَاتِ" . وهذه العبارة تشير إلى إيمان المرنم بسلطان الله المطلق فوق الجميع (مز 2 : 4، 11 : 4، 36 : 5، إش 57 : 15، 66 : 1). فالله الذى يسكن السموات هو الذى يملك التاريخ ويضبط الظروف ويقود الأيام ويضمن المستقبل. إنه صاحب السلطان المطلق فوق الملوك والحكام والشعوب والقضاة، بل "قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ كَجَدَاوِلِ مِيَاهٍ حَيْثُمَا شَاءَ يُمِيلُهُ." (أم21 :1). ثم يقول المرنم عن هذا الإله ما يعبر عن العلاقة الخاصة بين الرب وشعبه، علاقة العهد "هكذا عيوننا نحو الرب إلهنا"، فهو ليس فقط الإله العالي صاحب السلطان المطلق فى كل الأكوان، لكنه أيضاً الإله القريب منا الذي قطع العهد ليكون لنا إلهاً ونكون نحن شعبه وغنم مرعاه.إنه الإله الذي ارتضى أن يرتبط بنا – إنه خالقنا ونحن عمل يديه. إنه أبونا المحب ونحن أولاده. لذلك هو يعرفنا ويعرف ظروفنا، ويكفى أن نرفع عيوننا نحوه، بل هو يعلم ما نحتاج إليه قبل أن نسأله. تُرى من هو إلهك – عزيزى؟ هل لك هذا الإيمان؟ هل تستطيع أن تضع ثقتك وطموحك وتوقعاتك فيه وحده وليس سواه؟ ثانياً : كيف نقترب من هذا المركز؟ (2) إن كان إلهنا هكذا، المرتفع صاحب السلطان المطلق، وإله العهد المحب، فكيف يمكن أن نضع أقدارنا بين يديه؟ كيف يمكن أن نلقى رجاءنا عليه؟ كيف نقترب إليه؟ فى العدد الأول يتحدث المرنم عن التوجه الشخصى العام نحو الله. فى العدد الثانى نجد التركيز والانتباه فى كيفية وروح التوجه إلى الله. إن المرنم هنا يستعير إحدى الصور التى كانت منتشرة ببلاد الشرق وقت كتابة المزمور. كان العبيد والجوارى يقفون على أهبة الاستعداد لتنفيذ الأمر الذى يصدر من السيد فوراً. كانت وقفتهم تدل على قمة التركيز والانتباه والاستعداد الكامل للطاعة الفورية. ويقول البعض الآخر من الشّراح والمفسرين إن العبيد والإماء كانوا يظهرون الاهتمام والتركيز لتعلم مهارة معينة من خلال يد السيد التى يحركها لإدارة شؤون البلاط. لكن فريقاً ثالثاً من الدارسين قال إن العبيد والجوارى يثبتون أنظارهم إلى أيدى السادة طلباً للعون وانتظاراً للرحمة والرأفة . ولعل الموقف هنا في خلفية هذا المزمور يؤكد هذا المعنى الأخير فيقول " عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلَهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا". والجميل أيضاً الذى نراه فى "روح" هذا الانتظار أنه ليس فقط انتظار العبيد الذين يتوقعون الرحمة والرأفة من السيد، بل أيضاً هو الانتظار الواثق الذى يتجلى فى التأكيد والإلحاح : "3ارْحَمْنَا يَا رَبُّ ارْحَمْنَا ". إن المرنم يطلب طلبته بلجاجة شديدة وكأنه يقول للرب : ننتظر رحمتك وتدخلك وعونك .. ليس فى تركيز وانتباه فقط ، بل فى يقين وتوقع وانتظار، وفى تواضع وانكسار وانسحاق.. فى اتضاع أرتمى عليك وأطلب منك وحدك الرحمة والرأفة. هذه هى الكيفية التى ينبغى أن نتوجه بها إلى الله . ثالثاً : لماذا نقترب إلى الله؟ ما هى المشكلة؟ (3 –4) يشخص المرنم المشكلة بقوله: "لأَنَّنَا كَثِيراً مَا امْتَلَأْنَا هَوَاناً. 4كَثِيراً مَا شَبِعَتْ أَنْفُسُنَا مِنْ هُزْءِ الْمُسْتَرِيحِينَ وَإِهَانَةِ الْمُسْتَكْبِرِينَ". ونلاحظ هنا ثلاثة أشياء: التكـرار: تكرار المشكلة واستمرارها كثيراً ... كثيراً. النوعية: الهوان .. الهزء ... الاهانة. فلقد صَدَرَ الهزء من المستريحين Those at ease الذين قيل عنهم "ويل للمستريحين" (عا 6 : 1) الذين لا يبالون. وجاءت الإهانة من المستكبرين Arrogant الذين يعيشون فى غطرسة ولامبالاة بالآخرين .. فى طغيان واحتقار للناس بسبب السلطة التى يتمتعون بها أو الطبقة التى ينتمون إليها أو الحقد الذى يملأ صدورهم والذى يخرج ويجد متنفسه فى "الهزء" و"الإهانة". وهناك فارق بين الألم والهوان، فالألم قد يجرح ولكن الهـوان Contempt يمـزق النفـس لهذا يُشَبَّه بـ "جهنم" في (مت 5 : 22)، و"بالازدراء" في (دا 12 : 2). الدرجة: " امْتَلَأْنَا هَوَاناً... شَبِعَتْ أَنْفُسُنَا". والمرنم يقصد بهذه الكلمات أن نفسه ونفوس شعبه قد: "تشبعت فوق طاقة الاحتمال" من الإهانة والهزء. والمرنم بذلك يظهر اهتمامه بقضية شعبه العامة والمحنة القومية التى يجتاز فيها هذا الشعب... ثم يترك المرنم النهاية مفتوحة، بلا إجابة... وأود أن أضع بعض الأفكار التطبيقية الهامة التى يمكن أن نخرج بها من هذا المزمور: 1- إن المرنم مشغول جداً بقضية عامة ومهموم بسبب معاناة شعبه، لـذلك لم يذكر المرنم ظروفه الشخصية قدام الله- مع أن هذا ليس عيباً – بل خرج من ذاته ومن ظروفه لكى يحاجج الله ويكلمه نيابة عن كل الشعب. فهل أنت سجين لظروفك الشخصية؟ إننى أعتقد أن جزءاً من حل مشاكلنا الخاصة هو الانشغال والاهتمام بالقضايا المصيرية الهامة والعامة، لاسيما تلك القضايا التى تختص بالكنيسة العامة فى بلادنا وتلك التى تختص بمشكلات الوطن التى ينبغى أن نساهم بإيجابية – مصلين ومشاركين – فى حَلَّها . اخرج من رتابة الحياة اليومية إلى الانشغال بالقضايا العامة، ولاتقل إنك لا تملك شيئاً، فأنت ابن لله المتسلط فى مملكة الناس، الساكن فى السموات. 2- المرنم يترك النهاية مفتوحة، بلا إجابة... تُرى هل استجاب الله لطلبة المرنم أم لم يستجب؟ هذا الأمر غير واضح، فنهاية المزمور لا تخبرنا بشئ عن ذلك. هل يريد المرنم أن يقول إن الهوان من أجل المسيح شرف وامتياز وينبغى أن نقبله كما قبله المسيح أيضاً؟ المسيح الذى قيل فيه إنه "..الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِالْخِزْيِ،.." (عب 12 : 2). هل ينبغى أن نتصرف كالرسل الأوائل الذين "..َذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ." (أع 5 : 41). 3- هل نستطيع أن نميّز بين الاحتمال من أجل المسيح، وبين الوقوف في وجه المستكبرين والمناداة بالحق والعدل – كما فعل المسيح أيضاً ؟ لقد وقف المسيح بجسارة في أثناء محاكمته ودافع عن الحق قدام بيلاطس حتى قيل عن الوالى إنه "ازداد خوفاً". ولقد تكرر نفس الشئ مع بولس الرسول الذى "ارتعب" قدامه فيلكس الوالى رغم أن الرسول كـان يقـف قدامه مقيـداً فى سلاسل (أع 25 : 10 ، 11، 22 : 25 – 29). 4- أخيراً، هل نتيقن من سلطان الرب وتدخله فى الوقت المناسب لصالحنا، وقدرته على ضبط ظروف الحياة؟ هل يقودنا هذا الإيمان إلى الإحساس بالراحة والحماية والأمان في ظله؟ إنه هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد. لم تقصـر يــده عن أن يخلص (مز 5 : 8 – 12 ، 13 : 3 – 6). "اَلآنَ أَقُومُ يَقُولُ الرَّبُّ. الآنَ أَصْعَدُ. الآنَ أَرْتَفِعُ." (إش 33 : 10). هل نردد مع المرنم "11وَيَفْرَحُ جَمِيعُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ. إِلَى الأَبَدِ يَهْتِفُونَ وَتُظَلِّلُهُمْ. وَيَبْتَهِجُ بِكَ مُحِبُّو اسْمِكَ. 12لأَنَّكَ أَنْتَ تُبَارِكُ الصِّدِّيقَ يَا رَبُّ. كَأَنَّهُ بِتُرْسٍ تُحِيطُهُ بِالرِّضَا."(مز 5 : 11و12) |
مزمور 124 موقف الشكر
مزمور 124 موقف الشكر 1 [لَوْلاَ الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا]. لِيَقُلْ إِسْرَائِيلُ: 2[لَوْلاَ الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا عِنْدَ مَا قَامَ النَّاسُ عَلَيْنَا 3إِذاً لاَبْتَلَعُونَا أَحْيَاءً عِنْدَ احْتِمَاءِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنَا 4إِذاً لَجَرَفَتْنَا الْمِيَاهُ لَعَبَرَ السَّيْلُ عَلَى أَنْفُسِنَا. 5إِذاً لَعَبَرَتْ عَلَى أَنْفُسِنَا الْمِيَاهُ الطَّامِيَةُ]. 6مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْنَا فَرِيسَةً لأَسْنَانِهِمْ. 7انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا. 8عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. لعلك لاحظت التسلسل المنطقى الواضح لترانيم المصاعد، فـفى مواقـعهم البعيدة واجه الحجاج محنة الغربة (مز120)، وفى الطريق إلى أورشليم قابلوا مخاطر وصعوبات السفر واختبروا مصادر المعونة (مز121)، ومع فرحة الوقوف على أعتاب أورشليم كان مشهد الوصول (مز122)، وداخل الهيكل رفعوا عيونهم إلى الله الساكن فى السموات لأنه مركز التوجّه (مز 123). ولعلك لاحظت أيضاً أن مز123 ينتهى نهاية "مفتوحة"، إذ أن كاتب المزمور لم يضع خاتمة، وكأنه بذلك يقصد أن يحرك فكر القارئ أو السامع ليضع هو النهاية بنفسه. وحقيقة الأمر أنه يمكننا القول إن هذه النهاية المنطقية المطلوبة لمزمور 123 نستطيع أن نجدها فى المزمور التالى 124 الذى نتأمل فيه الآن. إن هذا المزمور يصور تدخل الله المعجزى والمفاجئ لإنقاذ شعبه من المحن التى تواجهه، ولهذا يعبَّر الشعب من خلال هذا المزمور عن مشاعر الشكر العميقة التى ملأت قلوبهم. لذا فالمزمور عبارة عن ترنيمة شكر يشدو بها الشعب أمام الرب، وفى هذه الترنيمة يعرض الشعب سلسلة لوحات أو صور تبرز إنقاذ الرب لهم، ونجاتهم من أخطار شديدة بسبب تدخل الرب فى الوقت المناسب. وتتوالى هذه اللوحات أو الصور بسرعة لاهثة لكى تعبّر عن الأزمة والأخطار العنيفة المفاجئة من ناحية، وعن يد الرب المقتدرة التى أخرجتهم منها من ناحية أخرى، وبالتالى نرى خلف الصور المشاعر المتزاحمة التى تتجه بالشكر والعرفان للرب. والسؤال الذى يواجهنا الآن هو : هل هذه الأزمة التى يتحدث عنها المرنم هنا حدثت أيام داود النبى كما يبدو من العنوان ولذا يشير إلى المخاطر التى تعرضت لها مملكته من البداية، خاصة من الفلسطينيين (2 صم 5)؟ أم أنها المخاطر التى أشرنا إليها فى الأغنيات السابقة، بما أن الاتجاه الغالب أن هذه المجموعة ترجع إلى ما بعد السبىّ خاصة أيام نحميا (نح 6 : 15 و 16)؟ يرجح أن الاحتمال الثانى هو الأصوب، خاصة أن بعض الشراّح والدارسين يؤكدون أن كلمة " لداود " الموجودة فى العنوان هى فى واقع الأمر غير موجودة فى كثير من النسخ القديمة. ويمكننا أن نجد فى هذا المزمور فكرتين أساسيتين : أولاً : مصدر النجاة (1–5) العبارة المركزية فى هذا الجزء هى "لَوْلاَ الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا" وهذه العبارة تكشف عن حقيقة تقلبات الزمن ويقين تدخل الرب. كما أن المقابلة واضحة بين "الرب" (2و8) وبين "الناس" (حرفياً آدم أى من الأرض). صحيح أن المؤمن لا يستطيع أن يتجنب مفاجآت الزمن أو مصائب الأيام، لكنه فى وسط كل هذه يتمتع بمعونة الله القدير الذى يضبط كل شئ بين يديه. والمؤمن لا يستطيع أن يأمن جانب الناس "الأشرار"، لكنه فى نفس الوقت يدرك أن الرب ترس له من مكائدهم. فمهما كانت تقلبات ومفاجآت الزمان، هناك الرب الذى كان لنا (معنا – بجانبنا)، الذى أمسك بنا وضمن حياتنا. واضح أن العدد الأول كان يترنم به القائد أو الكاهن، وعبارة "لِيَقُلْ إِسْرَائِيلُ" هى إشارة للشعب أو لمجموعة الحجاج ليردد الكل باقى المزمور بصوت عالٍ كالرعد. ونلاحظ تكرار نفس العبارة فى مزمور 129 : 1 مما يدل على أن هذه الطريقة كانت طريقة التسبيح المألوفة عند الشعب. وهنا تبدأ اللوحات أو الصور تتوالى بعد عبارة "عِنْدَ مَا قَامَ النَّاسُ عَلَيْنَا". وكل صورة تبدأ بـ "إذاً". الصورة الأولى (3) : "إِذاً لاَبْتَلَعُونَا أَحْيَاءً عِنْدَ احْتِمَاءِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنَا". هذه الاستعارة تصور الأشرار فى صورة وحش ضخم هائج يرغب فى ابتلاع فريسته أو التهامها فى قضمة واحدة سريعة (أم 1 : 12، يون 1 : 17). أو ربما تشير إلى زلزال عنيف مفاجئ يشق الأرض فيبتلع الناس والبيوت والأملاك كما حدث مع قورح وجماعته (عد 16 : 32، 33). هذه الصورة تكشف لنا عن مفاجأة وهول الهجمة القوية التى قام بها الأشرار بالإضافة إلى عنف وشراسة تبعت هذه الأزمة. أمام هذا الوحش، عندما قام الناس علينا، كان الرب لنا. لقد اختبر داود هذا الاختبار فكتب يقول : "ارحمنى يا الله فإن الإنسان يجد فى مطاردتى ليفترسنى .. يحاربنى اليوم كله يضايقنى .. فى يوم خوفى أنا عليك أتكل. توكلت على الله الـذى أحمـده. علـى كلامه فلا أخاف. ماذا يستطيع أن يصنع بى البشر؟... لأنك أنقذت نفسى من الموت. وحفظت رجـلىّ من الزلق لكى أسلك أمام الله فى نور الحياة" (مز 56 : 1 – 4 و 13 – كتاب الحياة). الصورة الثانية (4 و5) : "إذاً لجرفتنا المياه .. لعبر السيل على أنفسنا إذاً لعبرت على أنفسنا المياه الطامية". هذه الكلمات ترسم لنا صورة السيل الكاسح المنحدر من جبل عال لكى يدمر كل ما يقابله فى طريقه من مدن وقرى، وتعطى أيضاً الاحساس بصـراع النجـاة والرغبـة فى البقاء (مز 42 : 7 ، 88 : 17). وسط هذا السيل الجارف الطامى الكاسح، عندما قام الناس علينا، كان الرب الذى لنا (مز 32 : 6، 69 : 1 - 2، 93 : 3 و4). هذه الصور تعبر عن المشكلة والأزمة وفى نفس الوقت تظهر تدخل الله المباشر فى وقت الأزمة بإيجاد النجاة والإنقاذ لشعبه، مما يدفع الشعب إلى التعبير عن مشاعر الشكر بالتسبيح "لولا الرب". تأتى معونته من عند الرب صانع السموات والأرض، يضع الآن قضيته وقضية شعبه فى الاتجاه الصحيح ثانياً : موقف الشكر(6 – هذا الجزء يعـبر عن موقـف الشكر لله لما صنعه فى الأعداد السابقة. يبدأ بعبارة "مُبَارَكٌ الرَّبُّ" (6) إنه مستحق كل الحمد والشكر والتمجيد، وينتهى بخاتمة عامة "عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ ..." (8). ثم يعود إلى الصور المجازية من جديد، فيقول وهو يستحضر الصورة الأولى، صورة الوحش :"مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْنَا فَرِيسَةً لأَسْنَانِهِمْ.". إنه يعـبر عـن آلام تشبه آلام التهام الفريسة (مز 22 : 13 – 20، 79 : 7، إش 38 : 13)، لكنه يبارك الرب ويشكره لأنه لم يسمح بذلك بل أنقذ شعبه مـن أعدائهم ورد سهام الأعداء إلى نحورهم. (مز 3 : 7و8، 41 : 1و2). فى العدد السابع يضيف صورة أخرى هى صورة الفخ الذى انكسر بفعل الرب، ولذلك "انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا." (عا 3 : 5، أم 7 : 23) نعم يقول المرنم "...لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ" (مز91 : 1-3). فى العدد الثامن يقدم لنا المرنم خاتمة عامة وإعلاناً صحيحاً وشاملاً عن شخص الله. يستند هذا الإعلان فى صحته على أساس اختبار النجاة والخلاص : "عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ." لقد أعاننا الله وخلصنا عندما صرخنا إليه ... إنه هو وحده الذى يخلص وينقذ عندما نلجأ إليه. لاشئ ولا شخص آخر يصلح. لأنه "صانع السموات والأرض". إنه رب القدرة والجلال .. إيل شدّاى.. الله القدير مصدر القوة والمعونة التى توافينا فى حينها. إن معونته حقيقية وفعّالة. فمهما كان فخ الناس يكسره الرب، ويُطلق أنفسنا فى اختبار جديد. ونحن كم مرة اختبرنا نفس الاختبار ؟ · كأمة، قام الناس علينا ليبتلعونا أحياء، لكن وسط ضيقتنا وضعفنا تأتى النجاة والخلاص من عند الرب ... ولعل حرب أكتوبر 1973 خير شاهد على تلك الحقيقة فى تاريخنا الحديث. "وانفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين". · والكنيسة، كم من ظروف عصيبة ومخاطر شديدة واجهتها، وفى الوقت المناسب كان الرب يتدخل بطريقة لم تخطر ببال أحد (إش 25 : 1-5، إش 37 : 14 –20، 33 – 38). نعم لقد اختبرت الكنيسة صدق القول "كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ." (إش 54 : 17). لقد وعدنا المسيح : "..أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا." (مت 16 : 18) إن الكنيسة - رغم ضعفها الظاهر ورغم الاضطهاد العنيف لها من البداية –عاشت ونمت. تتضح هذه الحقيقة بجلاء حينما نلقى نظرة عابرة على تاريخها. فلقد واجهت المؤامرات الكثيرة ابتداء بتلك التى واجهت الطفل يسوع منذ نعومة أظافره، فهرب به يوسف ومريم إلى مصر. واستمرت المؤامرات والمكائد تحاك لـه حتى بلغت ذروتها فى الصليب (مز22). ولكن انفلت مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر وقام يسوع وأقام معه كنيسته فى بداية صغيرة كفتيلة مدخنة يمكن إخمادها سريعاً. هكذا ظنت السلطات اليهودية وأباطرة الرومان، لكن الكنيسة استمرت بل واتسعت ونمت وغزت العالم وفتنت المسكونة كلها.. هذا هو التاريخ القديم، لكن الذكريات الحية تتحدث عن طغاة اضطهدوا الكنيسة لكنهم انتهوا وانهارت ممالكهم العظمى، وانفلتت الكنيسة كالعصفور من فخ الصيادين صامدة أقوى مما كانت. ولعل البعض منا مازال يذكر أسطورة الاتحاد السوفيتى السابق. وكيف انتهى، لتخرج الكنيسة من تحت الأرض هناك لترى النور. وكأشخاص وعائلات : فى مواجهة الناس والظروف، فى هجمات التجارب والوحش والسيل والفخ والمحن.. كدنا نضيع لولا الرب الذى كان لنا ومازال. لذلك نهتف "عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ." إن شكرنا القلبى العميق لله يستند على المرات الكثيرة التى صدق وعده وأظهر أمانته من نحونا، فله وحده كل المجد. فهل تستطيع – عزيزى – أن تكتب بكلماتك وأسلوبك الخاص ترنيمة مماثلة لهذه الأنشودة. ترى ماذا تستطيع أن تقول فيها؟ |
مزمور 125 ملجأ الأمان 1اَلْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى الرَّبِّ مِثْلُ جَبَلِ صِهْيَوْنَ الَّذِي لاَ يَتَزَعْزَعُ بَلْ يَسْكُنُ إِلَى الدَّهْرِ. 2أُورُشَلِيمُ الْجِبَالُ حَوْلَهَا وَالرَّبُّ حَوْلَ شَعْبِهِ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ. 3لأَنَّهُ لاَ تَسْتَقِرُّ عَصَا الأَشْرَارِ عَلَى نَصِيبِ الصِّدِّيقِينَ لِكَيْ لاَ يَمُدَّ الصِّدِّيقُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى الإِثْمِ. 4أَحْسِنْ يَا رَبُّ إِلَى الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمُسْتَقِيمِي الْقُلُوبِ. 5أَمَّا الْعَادِلُونَ إِلَى طُرُقٍ مُعَوَّجَةٍ فَيُذْهِبُهُمُِ الرَّبُّ مَعَ فَعَلَةِ الإِثْمِ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ. رأينا فيما سبق أن هذه المجموعة من ترانيم المصاعد تتميز بصياغتها المملوءة الصور واللوحات، والآن أضيف أن هذه الصور مأخوذة من لقطات حية من الحياة اليومية، فصورة الحارس (مز121)، والزارع (مز126)، والأسرة (مز128)، والعشب الجاف على السطوح (مز129)، والرقـيب (مز130)، والطفل النائم "الفطيم" (مز131)، ومدينة أورشليم المحاطة بالجبال (مز125)، كل هذه الصورة مأخوذة من البيئة المألوفة للحجاج اليهود. وهذا المزمور (125) يعبر عن الثقة والثبات فى وسط مخاطر الحياة بسبب الإيمان العميق بقوة الرب الثابتة وأمانته الأبدية (انظر مز 23، 123، 131). ففى أوقات الضغط والاضطهادات والظروف الصعبة كثيراً ما تغيب هذه الحقيقة عنا، فيخور إيماننا وتفشل حياتنا الروحية لأن اليأس يتسرب إلينا ونعجز عن رؤية الله وسط كل مشكلاتنا. لقد كتِب هذا المزمور فى فترة قلق وخوف بعد حرب الأعصاب التى شَنّها السامريون على اليهود العائدين من السبىّ. (عز 9 : 4 ، 10 – 14 ، نح 4 : 7 – 9 ، 6 : 9 – 14 ). ولقد تأثر بعض اليهود بسبب هذه الفترة لدرجة حدوث هزة إيمان وضعف ويأس دفع المرنم إلى طلب تدخل الله، ليخلّص شعبه ويطرد أصحاب الطرق المعوجة. ويُختَم المزمور بصلاة تعبدية، لسلام الشعب "سلام على إسرائيل" وهى خاتمة متكررة فى المزامير، ففى مزمور 29 : 11، يقول المرنم "الرَّبُّ يُعْطِي عِزّاً لِشَعْبِهِ. الرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِالسَّلاَمِ. " وفى مزمور 122 : 7 و8، "لِيَكُنْ سَلاَمٌ فِي أَبْرَاجِكِ..". وفى مزمور 128: 6، "سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ". والسؤال الذى يجيب عنه هذا المزمور هو : كيف يمكننا أن نختبر الإحساس العميق بالسلام وسط ضغوط الحياة اليومّية والمشكلات المتعددة؟ والإجابة التى يقدمها المرنم والتى تعبر عن قناعته واختباره هى : نحن نختبر الأمان والسلام حين نتعلق بشخص الرب ونحتمى فيه، لأنه ملجأ الأمان الثابت والدائم الذى لا يتغير، ولا يسقط، ولا يمكن اختراقه. وفى "ملجأ الأمان" يمكننا أن نرى فكرتين كبيرتين : أولاً : الرب الحامى (1 – 3) : الرب يحيط (1 و 2) : يقول المرنم : "1اَلْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى الرَّبِّ مِثْلُ جَبَلِ صِهْيَوْنَ الَّذِي لاَ يَتَزَعْزَعُ ... 2أُورُشَلِيمُ الْجِبَالُ حَوْلَهَا وَالرَّبُّ حَوْلَ شَعْبِهِ". فكما تحيط الجبال بأورشليم من الشمال والشرق والجنوب (2)، هكذا يحيط الرب بشعبه ليحميهم، فجملة "الرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر" هى رمز لعلاقة الرب بشعبه وحضوره الدائم حول شعبه، كما تشير إلى ثبات هذه العلاقة وعدم تغيّرها. كذلك توِّضح هذه الكلمات "جماعيّة" العلاقة مع الرب، أى أنه اختبار كل الشعب "الرب حول شعبه"، وهو أوسع وأبعد من اختبار الفرد (يؤ3 : 16 - 18). إن المؤمن يجد حمايته عندما يرتبط بالرب وبشعبه، فنحن فى المسيح وفى الكنيسة، ولا يمكن أن نكون فى المسيح وخارج الكنيسة، تماماً كما لا يجب أن نكون فى الكنيسة وخارج المسيح. إن قبول عمل نعمة الله والخلاص بالمسيح يشتمل فى ذات الوقت على الانضمام إلى كنيسة المسيح لأنها الجسد المبارك لشخصه الكريم. وعلاقة الإيمان هذه هى التى تميِّز وتجمع شعب الرب (1)، فهم "المتوكلون على الرب"، والمؤمنون والواثقون به وحده، والذين لهم عهد معه، واختارهم كما اختار صهيون قديماً (مز 78 : 68 - 69)، وهم الذين يلمسون ويرون حضوره حولهم، ولذلك هم "مثل جبل صهيون الذى لا يتزعزع بل يسكن إلى الدهر". إنهم راسخون كالجبل برغم الظروف الصعبة لأنهم ينظرون الرب ويثبتون النظر على شخصه. الرب يحرر شعبه (3) : إنه يحيط بهم ليحمى من الخارج ويحررهم ليحمى من الداخل، وهنا نبوة تؤكد حقاً ثابتاً : "3لأَنَّهُ لاَ تَسْتَقِرُّ عَصَا الأَشْرَارِ عَلَى نَصِيبِ الصِّدِّيقِينَ". إن سلطة الأشرار وحكم الأجنبى وقسوة الظروف لا تدوم على نصيب الصديقين. والصديقون هم المتوكلون على الرب. وهم المؤمنون العابدون حقيقة (1)، وهم كذلك السالكون فى بره (3). (انظر إر 7 : 1 – 7) ولعل القارىء العزيز يلاحظ هنا المقابلة بين "الصديقين" و "الأشرار". كذلك بين "نصيب" و "عصا". والفكرة هنا أن الأرض كانت تحت سلطة المقاومين، وكان الشعب يشعر بالقهر والظلم واليأس حتى إن البعض فشل فى إستمرار إيمانه فارتكب أعمالاً أثيمة، لأن الشر يفسد كل شىء. وهنا يأتى هذا الحق أن الرب يُقَصِّر هذه المدة ويُحّرر الأرض والشعب ويشجع المؤمنين به "لكيلا يمد الصديقون أيديهم إلى الإثم" أى لكيلا يفشل إيمان الشعب. فالمؤمنون الصديقون لهم إله عادل وأب محب يحيط بهم، ويحررهم ويخلصهم من قهر الناس أو الظروف. يحميهم من الخارج ومن الداخل وهو لا يسمح بدوام الأوضاع المقلوبة إلى الأبد، بل سيتدخل ويحرر ويسند إيمان أولاده. "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ(يمكن يحتملها البشر، أو يتعرض لها كل البشر).. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا."(1 كو 10 : 13) ثانياً : الرب المُجازي (4 و5) : ويتم هذا الجزاء فى شكلين : إيجاباً (4) : حينما "يحسن الرب إلى الصالحين وإلى المستقيمى القلوب". وهذه هى الطلبة التى يرفعها المرنم فى صلاته، فمجد الصلاح يقوم فى قدرة الله على كشف الحقيقة "أَنَّ الرَّبَّ اللهَ شَمْسٌ وَمِجَنٌّ. الرَّبُّ يُعْطِي رَحْمَةً وَمَجْداً. لاَ يَمْنَعُ خَيْراً عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَالِ." ( مز 84 : 11) كذلك ".. وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ." ( مز34 :10). سلباً (5) : "5أَمَّا الْعَادِلُونَ إِلَى طُرُقٍ مُعَوَّجَةٍ فَيُذْهِبُهُمُِ الرَّبُّ مَعَ فَعَلَةِ الإِثْمِ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ." ويقصد بذلك أن الرب يطرد الراجعين إلى الطرق المعْوَجَّة بعيداً مع فعلة الشر. ثم يختم المرنم مزموره بصلاة تعبديـة حتى يحقق الله الخير، الذى هـو السلام والأمان لشعبه، فيقول "سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ." وهكذا يبدأ المزمور بالاتكال على الرب ويختم بالسلام للمتوكلين على الرب، فبين الاتكال والسلام يعيش المؤمن حياته كلها. أفكار تطبيقية مفهوم الأمان فى عالم متغير : كيف يمكن أن نختبر الأمان فى هذا العالم؟ بالنسبة للإنسان البعيد عن الله قد تبدو الحياة مليئة بالحقائق المسّرة والمؤلمة، وقد يعجز عن تفسير ظواهرالحياة الصعبة، وكل ما يمكنه عمله هو محاولة تَحمُّل مشكلاتها. أما بالنسبة للمؤمن، فالحياة مليئة بنفس الحقائق، لكن الإيمان يتعامل مع حقائق الواقع ويستخدمها، حتى المؤلمة منها يُحِّولها إلى تدريب للعقل والنفس وأيضاً إلى اختبار وانتصار للروح. لم تعد تصلح العقيدة الاسرائيلية، إن الصالح دائماً فى نجاح والشرير دائماً فى فشل وخراب (مز 1) ، لكن الكتاب المقدس يناقش هذه العقيـدة فى حياة أيوب وآسـاف (مز 73) وموقف يونان من أهل نينـوى (يون 3 : 1 - 4 : 3 وحب 1 : 1 – 4 : 12 و13). ولقد ناقش الرب يسوع أيضاً هذه العقيدة فى سياق الحديث عن المولود أعمى ( يو 9 : 3) وقال فى عظته الشهيرة على الجبـل إن الله ".. يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ"(مت 5 : 45). وهذا المزمور - مع ما سبق-هو إعادة صياغة لهذا المفهوم، مفهوم الأمان، إن شعب الرب - كغيره - ُمَعَّرض للظروف المختلفة : المُسِّرة والمحزنة على السواء. فهذا هو واقع الحياة والعالم. والإيمان الذى يغلب العالم لا يضمن دائماً الحصانة من الألم، لكنه يمنح يقين الأمان والسلام الداخلى وسط الظروف وبرغم الظروف، لأنه إيمان يرتبط بشخص الرب الحال حول شعبه. هذا ما يؤكده الأنبياء فى العهد القديم (2 مل 6 : 8 - 23) فلقد رأى أليشع مثلاً مركبات من نار وجيشاً إلهياً جباراً يحرسه ويحوطه وقت أن هاجمته قوى الأعداء. إن الإيمان يرى الرب خلف الأحداث ووسطها. وحياة الرب يسوع تؤكد هذا المفهوم ويُظهر الصليب هذا الإيمان الغالب الذى لا يقهر. كذلك تؤكده حياة وخدمة وشهادة الرسل، وقبل المسيح ورسله ظهـر هـذا المفهـوم أيضـاً فـى حياة أبطال الله القديسين (عب 11 : 36 - 39 ). مفهوم السلام فى عالم مُعَوّجٍٍ : لقد ارتبط تحقيق السلام فى هذا المزمور بالبروالعدل فى النهاية. ودام هذا السلام للصِدَّيِقين الصالحين ومستقيمى القلوب، وليس بالتنازلات والعدول إلى طرق مْعَوجَّة. (قض 5 : 6). ويمكننا أن نرى خلف كلمات هذا المزمور نوعين من السلام : أ- سلام النفس والقلب : لأن الله يقف بجوار المؤمنين به رغم مشكلات الأيام ومصائب الدهر. وهو الذى يمنح سلاماً يفوق كل تصور بحيث يحفظ القلب والفكر فى المسيح يسوع (فى 4 : 7). ولا يمكن للإنسان أن يحظى بربح هذا السلام ما لم ينل أولاً نوعاً آخر من السلام هو سلام المصالحة مع الله . "1فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ 2الَّذِي بِهِ أَيْضاً قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. 3وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضاً فِي الضِّيقَاتِ عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْراً 4وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً 5وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا.". (رو 5 : 1 - 5) ب- سلام المنطقة والعالم : وهذا السلام كان - ولا زال - يُبْنَى على العدل، فالسلام العادل والشامل لكل الأطراف فى نزاع ما هو الحلُ. إن سلام منطقتنا العربية لا يقوم بالطرق المعْوَجَّة مثل تكديس الأسلحة النووية أو تهديد الناس والأرض أو غيرها ... بل يقوم على التفهم الكامل لظروف واحتياجات الطرف الآخر المتنازع معى. إن هذا فقط هو ما يحقق السلام المنشود. السلام القائم على العدل للجميع، والمنافع المشتركة للكل |
مزمور 126 مبعث الرجاء 1عِنْدَمَا رَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ صِهْيَوْنَ صِرْنَا مِثْلَ الْحَالِمِينَ. 2حِينَئِذٍ امْتَلَأَتْ أَفْوَاهُنَا ضِحْكاً وَأَلْسِنَتُنَا تَرَنُّماً. حِينَئِذٍ قَالُوا بَيْنَ الأُمَمِ: [إِنَّ الرَّبَّ قَدْ عَظَّمَ الْعَمَلَ مَعَ هَؤُلاَءِ]. 3عَظَّمَ الرَّبُّ الْعَمَلَ مَعَنَا وَصِرْنَا فَرِحِينَ. 4ارْدُدْ يَا رَبُّ سَبْيَنَا مِثْلَ السَّوَاقِي فِي الْجَنُوبِ. 5الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالاِبْتِهَاجِ. 6الذَّاهِبُ ذِهَاباً بِالْبُكَاءِ حَامِلاً مِبْذَرَ الزَّرْعِ مَجِيئاً يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ حَامِلاً حُزَمَهُ. عرفنا سابقاً أن هذه المجموعة من الترانيم تنقسم إلى خمس ثلاثيات صغيرة، تبدأ كل ثلاثية منها بقصيدة يغلب عليها الحزن (أنظر مثلاً مز 120 ومز 123)، لكن الثلاثية "الثالثة" والتى تبدأ بمزمور 126، تختلف عن ذلك قليلاً ، فبرغم مسحة الحزن ونغمة الدموع، إلا أنها أيضاً تمتلئ بروح الفرح والابتهاج. ويعيش المرنم هنا فترة صعبة فى حياة الشعب، الذى يواجه مشكلات إعادة البناء وتعمير الهيكل والمدينة والأرض، بعد الخراب والإتلاف والإهمال الذى خلفه السبى البابلى بعد عام 537 ق.م. وينظر المرنم إلى الماضى المُلوَّن بكلمات الأنبياء (عزرا – إش 55 : 12 – 13 ، حج 2، زك 8 ) وما سمعه من الآخرين كعصر ذهبى لعمل الرب العظيم معهم، فامتلأت أفواههم ضحكاً وألسنتهم ترنماً حتى شهدت الأمم بهذا العمل العظيم ... لقد كانوا فى حلم كبير، والآن أصبح الحلم مجرد ذكرى جميلة، وكل ما يعيشونه اليوم هو مشكلات وعقبات الحاضر. وبين العصر الذهبى للخلاص والحرية التى اختبروها فى الماضى، ومشكلات ومتغيرات الواقع الحاضر، يضيف المرنم كلمة تعزية ورجاء وتشجيع تحتوى على إعلان عصر ذهبى جديد يحمل بين جوانحه ثانية صيحات الابتهاج. فدموع الحاضر تسقى بذور حصاد أفراح المستقبل، إن المرنم يحاول حفظ الرجاء حيّاً فى قلوب الشعب وسط توالى القضايا والأحداث والمشكلات القومية. علق "J.E Mc Fadyen " على هذا المزمور بقوله : "إن هذا المزمور يُعَبِّر عن طبيعة التجربة الإنسانيةّ، التى فيها يختلط ويمتزج الضحك والدموع، الحزن والفرح، الرفض والشكر، السبىّ والحرية، الربيع والخريف، الحلم الجميل والواقع الصعب .. لكن الحزن يُبتلع فى الرؤيا الجميلة التى ينتهى بها". ويمكننا أن نرى فى هذا المزمور فكرتين كبيرتين : أولاً : مجد الماضى (1- 3) نظر بعض الدارسين مثل Duhm, Gunhel, Oesterley إلى الأفعال التى تَرِد فى هذه الأعداد على أنها أفعال مستقبلية، وبالتالى يجب أن تُفَسَّر اسخاتولوجياً كتعبير عن رجاء سوف يتحقق يوماً ما كتحقيق لنبوة إشعياء. البعض الآخر نظر إلى هذه الأفعال على أنها أفعال ماضية : كما جاءت فى صيغتها اللغوية وفى ترجمات هامة أخرى مثل الفولجاتا والسبعينية والترجوم - وهو ما نراه أيضاً فى الترجمة العربية - ومن هؤلاء العلماء Kittel, Schmdt ”" ،” Cales Herkenne” والكاتب من جانبه يفضل هذا الرأى الأخير. وإذا كان الاتجاه إلى الماضى هو التفسير الصحيح لهذه الأعداد، فهل تشير الأفعال فيه إلى العودة من السبىّ، أو إلى أحداث أخرى كبرى كالنجاة من وبأ أو مجاعة أو حصار؟ الرأى الأرجح أنها تشير إلى أمجاد الماضى بصفة عامة، والعودة من السبىّ بصفة خاصة. إنها تشير إلى تَدخل وعمل الرب العظيم الذى كان موضوع حديث الكـل، والذى ظـل ذكـرى قومية حية. إن الشعب لم ينس هذه التجربة القاسية بما فيها من هزيمة ورحلة هوان وإذلال، وتفريق عائلات، ومرارة سبى وحنين إلى العودة، وموت الشيوخ منهم فى أرض غريبة، وولادة جيل لم ير مدينة الآباء بعد. لقد كانوا فى صراع اليأس والرجاء، ثم تَدخل الله وأعادهم إلى بلادهم. كان الأمر كالحلم أن "يرد الرب سبىّ صهيون". ولقد تذكر الشعب "كم ضحكنا، كم رنمنا فى فرح .. كم كنا سعداء" الترجمة التفسيرية TEV ، أو كم ضحكنا من عدم التصديق (تك 17 : 17، 21 : 6)، لكننا ترنمنا من شدة الفرح وعظمة العمل الذى شهدت به الأمم ... نعم "3عَظَّمَ الرَّبُّ الْعَمَلَ مَعَنَا وَصِرْنَا فَرِحِينَ.". ومن خـلال التوقف أمام مجد الماضى، نستطيع أن نرى بعض الأفكار التطبيقية : أ - رسالة الماضى : إن للماضى رسالة وحديث يتجه بنا أولاً إلى شخص الرب الذى يستحق كل المجد، لأنه رد سبيّنا، وهو الذى عظم العمل معنا. "لقد عمل الرب من أجلنا أعمالاً عظيمة وصرنا فرحين" (RSV)، حتى إن الأمم شهدت بذلك (2). كم عمل الرب معنا فى الماضى أعمالاً مباركة؟ كم غفر لنا؟ كم من مرات أنقذ فيها حياتنا؟ كم حفظ ورعى بيوتنا وشفى أجسادنا وأثمر فى خدمتنا؟ ألا يحق لنا أن نشكر وأن نعطى لاسمه مجداً؟ ألا يليق بنا أن نضم أصواتنا إلى صوت المرنم الذي قال : 1بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. 2بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. نعم إن كل إنجازات حياتنا الماضية ... كل إنجازات خدمتنا وأعمالنا هو فضل نعمة الله الغنية علينا ولنا ومعنا، فنحن شركاء فى عمل الرب. وتتجه رسالة الماضى ثانياً إلينا، وهى رسالة تحيى فينا الرجاء وتجَدِد الطاقة والهمة وتشَدِد العزائم. إنها رسالة موحية بالأمل والعمل بدلاً من الانهزامية والشكوى واليأس. رسالة تفجر القدرات وتصون الجهد وتبعث على الرضى وتحقيق الذات، وتدفع وتشجع على المثابرة وتجاوز العقبات والمشكلات... إن رسالة الماضى إلينا تجدد آمالنا وطاقتنا مرة أخرى، وتحرر النفس من سجن رثاء الذات والخوف على المستقبل. ب- صناعة الماضى : إن الحاضر هو نتاج ما نصنعه ... ونحن الآن نشارك فى صنع الأحداث التى ستصبح ماضياً بعد قليل. فإن كانت رسالة الماضى المجيد بهذه الأهمية فلننتبه إلى ما نصنعه الآن. وإلى شهادة ما نقوم به لدى الناس من حولنا، شهادة الإيمان الذى تعلنه الحياة، وشهادة الإله الذى فينا. أنت تنسج ثوب الماضى اليوم، فالحاضر بعد قليل سيصبح تاريخاً. لذا اغتنم فرصة الحياة لتصنع منها عملاً رائعاً للرب إلهك. ج - طبيعة الماضى لايجب أن نتجاهل الماضى، بل علينا أن نذكره ونستذكره باستمرار لنأخذ منه العظة والعبرة والرسالة. نأخذ منه حديث الأيام وحس التاريخ. "قُلْتُ: الأَيَّامُ تَتَكَلَّمُ وَكَثْرَةُ السِّنِينَِ تُظْهِرُ حِكْمَةً." (أي 32 : 7). لكن يجب أن ننتبه أن لا نسكن الماضى، ولا نعمل بأدواته أو بطريقة تفكيره، لكن فى مرونة نتعلم من أمجاده وأخطائه ونستلهم الصالح فيه بأدوات ووسائل وطريقة تفكير الحاضر المعاصر والمعاش. نحن نحترم الماضى ونأخذ منه الدروس والعظات، لكننا لا نعود إليه، فالماضى ولىَّ بلا رجعة ... وليس لنا اليوم إلا اليوم. ثانياً : تجديد الحاضر(4 – 6) : وتنقسم هذه الفكرة إلى : أ- الصلاة (4) : ملؤها الرجاء أن يكرر الرب عمله، ويعيد لشعبه أمجاد ماضية فى بناء وتجديد حاضره مهما كانت مشاكل إعادة البناء، وحجم الإتلاف والخراب الذى حدث من جراء السبىّ. لذلك يصلى فى عدد 4 "ارْدُدْ يَا رَبُّ سَبْيَنَا" وهى طلبه تتماشى مع ما ورد فى عدد 1. وهى تعنى اما "حَررِّنا" من قسوة مشاكل حاضرنا وساعدنا للتغلب عليها، أو "أعد" ما تبقى من المسبيين هناك. أما "سواقى الجنوب" فهى مجارى الأنهار فى الاقليم الجاف فى صحراء النقب جنوب فلسطين، وهى جافة معظم السنة، لكن عندما يأتى موسم المطر يملأ مجارى وجداول الأنهار ويصبح الإقليم مزدهراً. إن حالة الشعب أشبه بجفاف النقب، لكن كما ينزل المطـر ويروى ويزهر، هكذا يعيد الرب إلى الشعب ثرواته وأزهاره ويجـدد حياتـه وحاضـره مرة أخـرى (أنظر مز85 :1 - 7 ). ب- الإجابة (5 – 6) : وتَرِد فى عددى 5 و6 على هيئة نبوة أو مَثَل، ولنا فيها ثلاث حقائق : 1- تكاتف صورتى التجديد : نجد صورتين فى الأعداد 4ب ، 5 ، 6. الأولى فى عدد 4ب إلهية، لأننا نرى دور الله فى التجديد، والتجديد هنا لا يعنى التغير لحياة الإيمان (Conversion) ، بل يعنى البعث والإحياء والتجدد المستمر الذى يصنعه الله فينا فى كل المجالات. أما الصورة الثانية نجدها فى عددى 5 و6 ونرى فيها الإنسان يقوم بدور حيوى فى هذه العملية. وعلى هذا فإن صناعة الحاضر هى شركة بين الله وبين الإنسان، فالله قام ويقوم بدوره، وعلينا نحن إذا أردنا حصاداً وفيراً أن نقوم بدورنا، وهكذا يصدق قول الشاعر : إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ندمت على التفريط فى زمن البذر والتكرار فى "الذَّاهِبُ ذِهَاباً .. مَجِيئاً يَجِيءُ" يفيد التوكيد وتثبيت الدور لبشرى فى بذل الجهد والعرق (2كو 9 : 6 – 10). إن الحياة فرصة للزرع باجتهاد ومثابرة مسؤولة وتيقن الحصاد، وفى مجال العمل وتربية الأبناء والخدمة الدينية تصدق الحكمة القائلة "من جَدَّ وجد ومن زرع حصد" ولذا فلنجتهد فى وقت الزرع حتى نحصد فى وقته. 2- نوع الحصاد يكون من نوع الزرع : وهذا بالضبط ما يعلمه الكتاب المقدس فى مواضع أخرى كثيرة... "فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. 8لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً.". (غل 6 : 7 و 3- الحياة فى المسيح تنتهى بالانتصار: قد نزرع "بالبكاء ... بالدموع"، وهذه الكلمات تشير إلى الإحساس بالمسؤولية، فالزارع لا يعرف الاستهتار أو اللامبالاة. وهـذه الكلمات تعنى فى الأصل أن الزارع "يبكى فى كل خطوة"، ولعل هذا هو نـفس إحساس إرميا الذى قال : "ياليت رأسى ماء وعينى ينبوع دموع". إنها المعاناة العظيمة لكل عامل أمين فى كرم الرب (2كو 5 : 11، 6 : 1 - 10). "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.". (يو 12 : 24) لقد أنهى أرنسـت رينـان "حياة المسيح" بالصليب، لكن الحقيقة الكتابية أن "القيامة" هى النهاية. وهى حقيقة إيمانية مسيحية "عِنْدَ الْمَسَاءِ يَبِيتُ الْبُكَاءُ وَفِي الصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ." (مز30 : 5) نعم إن الألم جزء من الحياة المسيحية، فالإيمان لا يعصمنا من الألم، لكن النصرة هى فى النهاية من نصيب شعب الرب. وهى حقيقة تشجعنا فى الحياة وتعزينا عند الموت، وتجعلنا نتعامل مع المستقبل بنفس مستوى بركات الماضى، بل "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا،" (أف 3 : 20) |
مزمور 127 مدخل النجاح إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ. 2بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْماً. 3هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. 4كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. 5طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ. لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ. إن الخلفية التاريخية لهذا المقطع من كلمة الله ليست وقت سليمان كما يظن البعض، الذين فهموا أن البيت هو الهيكل، بل هى فترة ما بعد العودة من السبى البابلى. فى هذه الفترة واجه شعب الله واقعاً صعباً فى مهمة إعادة البناء مرة أخرى بعد حالة الدمار التى وصلت إليها البلاد. واجهوا الأعداء والمقاومة الشديدة والإمكانات المحدودة أمام المهمة الصعبة الملقاة على عاتقهم .. فى كل ذلك صارعوا بين النجاح والفشل. ولذلك يدور هذا المزمور حول فكرة واحدة كبيرة هى "مدخل النجاح" ومن زاوية أخرى يُعَّدُ هذا المزمور واحداً من بين كتابات "الحكمة" التى تظهر فى مزامير 1و49 و73 و128. ويقدم المزمور بعض المبادئ والتطبيقات فى أربع كلمات تشغل العالم اليوم هى : البناء والأمان والأسرة والعمل ، وهذه المبادئ إذا أحسن تطبيقها تحقق للإنسان السعادة والنجاح. وينقسم المزمور إلى جزئين رئيسيين (1 - 2) و (3 - 5). وهما وإن كانا مستقلين إلا أنهما متداخلان معاً تحت اتجاه واحد هو بطلان المجهودات البشرية بدون الله ، فالله يعمل فى المجهودات والإنجازات البشرية ، وهذه المجهودات والإنجازات تحقق النجاح الحقيقى والقوة إذا تناغمت مع الهدف الإلهى. هذا الاتجاه نجده بوضوح فى تك 11، ففى الأعداد تك 11 : 1-9 نرى الإنسـان يبنى لنفسه برجاً لتخليد اسمه. "«هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجاً رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْماً لِئَلَّا نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ»." (تك 11 : 4)، وكانت نتيجة هذا العمل الفشل والبلبلة والتبديد. أما فى تك 11 : 10-32 فنرى الله يعطى لتارح فى هدوء ابناً هو إبرام، ومن إبرام وفى نسله تضاعفت البركة على مدى الأيام. ويعود هذا المزمور إلى فترة كان معلمو الحكمة فيها يعلّمون بأن خوف الله أساس ومقوم متين لسعادة الإنسان ونجاح الحياة، ويعدّد المرنم أربعة مجالات فى الحياة لا يمكن أن تتحقق بنجاح لو أننا أغفلنا من حساباتنا دور الرب فيها، سواء فى البناء والخلق أو فى الصيانة والحفظ. أولاً : بناء البيت "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ". والكلمة المستخدمة "البيت" لها معنيان : السكن أو أفراد الأسرة، فهناك تشابه فى الكلمتين العبريتين bonim أى "بناوؤن" ، banim أى " بنون" (عدد 3). والأسرة مجال هام وحجر أساس فى استقرار واستمرار الكنيسة والمجتمع. ويذكر المرنم هنا شيئاً عن الثراء المادى أو المركز الاجتماعى لأن الأسرة القوية المتماسكة هى فى حد ذاتها ثروة وكرامة عظيمة. وفى المجتمع المعاصر تعرّضت مكانة الأسرة للاهتزاز الشديد نتيجة عوامل كثيرة مثل غياب المفهوم الحقيقى للزواج كغرض إلهى وعلاقة مقدسة وغاية اجتماعية سامية، أو إساءة فهم الحرية الشخصية، أو ضغوط المادية والمدنية، أوغياب الله كالبانى والراعى لحياة الأسرة، أو غياب أحد الوالدين أو انشغالهم عن مسئولية تربية الأبناء. والبناء يقصد به التشكيل والخلق، والرعاية والحفظ أى البناء المستمر لتجنب مضاعفات عديدة كتفاقم المشكلات والتفكك وأزمات الانفصال والطلاق والانحراف … الخ. والحقيقة أن المجال لا يتسع هنا للإسهاب فى هذا الموضوع، لكن الدراسات الأسرية الآن تتزايد، والوعى الكنسى بدأ يستيقظ، أما فى هذا المزمور فالوحى يضع لنا المبدأ الأساسى : "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ .." أىّ ليشترك الرب فى تشكيل البيت وفى تأهيله باستمرار. والرب يصنع ذلك من خلال نعمة الاختيار أى مساعدتنا على الاختيار المناسب لشريك الحياة "فالذى جمعه الله …" (مت 19 : 6) ومن خلال مساعدتنا على تطوير ونمو الزواج باستمرار كبيت يؤسس على الرب يسوع (مت 7 : 24 ، 25)، وأخيراً فهو يعلّمنا حكمة الحوار والاتصال والتفاهم المبنى على الحب والاحترام لشريك الحياة " بِالْحِكْمَةِ يُبْنَى الْبَيْتُ وَبِالْفَهْمِ يُثَبَّتُ" (أم 24 :3) هذا يعنى أنه بدون الرب لن يكتمل مشروع الأسرة الناجحة. لقد كان الوثنيون القدماء – وقت كتابة هذا المزمور – يعتقدون أن القوى الشريرة تصُبُّ لعنتها على البناء بالمرض أو الزلازل أو أية مصائب أخرى، ولكن إذا كان الرب هو المدافع، والبنّاء فإن البيت يُبنى فى ثقة وأمان "9لأَنَّكَ قُلْتَ: [أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي]. جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ 10لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ." (مز91 : 9و10) إن البيت يُبنى بالرب وفى الرب. ثانياً : حفظ المدينة "إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ". فبرغم الحراس قد تسقط المدينة بمجاعة أو وبأ أو خيانة أو هجوم مفاجئ. فى أغنية الثقة يقول إشعياء : "1فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُغَنَّى بِهَذِهِ الأُغْنِيَةِ فِي أَرْضِ يَهُوذَا: «لَنَا مَدِينَةٌ قَوِيَّةٌ. يَجْعَلُ الْخَلاَصَ أَسْوَاراً وَمِتْرَسَةً. 2اِفْتَحُوا الأَبْوَابَ لِتَدْخُلَ الأُمَّةُ الْبَارَّةُ الْحَافِظَةُ الأَمَانَةَ. 3ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِماً سَالِماً لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ. 4تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ لأَنَّ فِي يَاهَ الرَّبِّ صَخْرَ الدُّهُورِ." (إش 26 : 1-4). ويقول الرب فى سفر زكريا عن أورشليم : "5وَأَنَا يَقُولُ الرَّبُّ أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا وَأَكُونُ مَجْداً فِي وَسَطِهَا." (زك 2 : 5). وفى الأمثال " اَلْفَرَسُ مُعَدٌّ لِيَوْمِ الْحَرْبِ أَمَّا النُّصْرَةُ فَمِنَ الرَّبِّ." (أم 21 : 31). إن هذه الآية تقدم لنا حفظ المدينة أو المجتمع كشىء يقع فى قلب اهتمام الله. "إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ.." وإرادة الله أن تُحفظ المجتمعات مستقرة مهيأة لحياة أفضل لكل إنسان. ومعنى هذا أيضاً أن المؤمنين الحقيقيين يتجاوبون مع هذا الاهتمام الإلهى بالمجتمع، من خلال اهتمامهم – هم أيضاً – بمدينتهم ومجتمعهم فيعملون على استقراره وتقدمه وحفظه بعيداً عن التطرف الذى يؤدى إلى الإرهاب المدّمر، وبعيداً عن السلبية والانعزالية التى تعطى الفرصة لغير الأسوياء أن يخترقوا المجتمع وأمنه وسلامته. "بِبَرَكَةِ الْمُسْتَقِيمِينَ تَعْلُو الْمَدِينَةُ وَبِفَمِ الأَشْرَارِ تُهْدَمُ.." (أم 11 : 11). إن حفظ المجتمع لا يكون بتكديس الأسلحة والترسانات والحروب والهيمنة والقوة ، بل بالتعاون والسلام والتكيف والتعايش إنه لا يكون بالعلم وحده - رغم الأهمية القصوى للعلم كطريق للتقدم – ولكن أيضاً ببناء الإنسان من الداخل فى علاقة حّية مع الله تحفظ له التوازن وبناء القيم الروحية والانسانية الصالحة. ثالثاً : مجال العمل "بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ..." وربما كان تفكير المرنم متجهاً إلى الشخص الذى يبدأ عمله فى الصباح الباكر حتى ساعة متأخرة من الليل. ويقدم المرنم لنا هذه الحقيقة : لا ثمر بدون الرب الذى يُكَلِّلُ هذا الجهد بالنجاح. ثم يقول المرنم " مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ" وبالعبرية تعنى Being late to sit down (to eat) إذ أن الوجبة الرئيسية للعامل والفلاح تتناول فى نهاية اليوم." لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْماً" وفى هذه الجملة مشكلتان لغويتان : الأولى: هى الكلمة المترجمة "لكن" إذ أنها يمكن أن تكون بمعنى "لأن أو لذلك" = For ، والبعض الآخر يرى أنها تعنى "حقا أو بالتأكيد" Surely. والكاتب يرجح أن الأولى قد تكون أفضل. الثانية: هى الكلمة المترجمة "نوماً" ، فهل هى "حال" وبالتالى تشير إلى الوقت أو الكيفية التى يعطى بها الله البركة؟ أم أنها تشير إلى النوم كبركة فى حد ذاته؟ إن القرينة تشير إلى موقفين تجاه الله هما: الاعتماد عليه أو الاستقلال عنه وليس بين موقفين تجاه العمل ، وبالتالى لا منافسة بين العمل الشاق والنوم. إذن، ما المعنى أو المعانى المقترحة لكلمة "نوم" هنا ؟ قال داهود إن معناها "غنى"، أما امرتون فقد قال إن معناها "المراكز الرفيعة أو الكرامة". ومع أن هذه المعانى تستند إلى تأييد لغوى إلا أن المعنى الذى قاله Weiser هو أقرب المعانى للصواب من وجهـة نظرنـا: "لكنه يعطى حبيبه فى النوم الشئ المناسب" أو "لأنه يعطى حبيبه فى النوم"For he gives his beloved in sleep فى هذا المعنى أيضاً يقول Malthias Claudius : "نحن نحرث الحقول ونلقى البذار الجيدة .. نطعمها ونرويها .. بيد الله القوية". والمعنى العام يعطينا : 1- راحة اليقين : فالعمل الناجح هو ذلك العمل المنظم الجاد الذى يتم فى إطار الثقة فى الرب والاتكال عليه. وفى تشبيهه للملكوت – والحديث عن ثقتنا فى الله كالراعى والأب لنا – عَلَّمَ الرب يسوع هذا المعنى تماماً. (راجع مر 4 : 26 – 29 ، ولو 12 : 22 – 31). إن الله يعمل فى ومن خلال مجهودنا البشرى وأعمالنا: "وَلْتَكُنْ نِعْمَةُ الرَّبِّ إِلَهِنَا عَلَيْنَا وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْ عَلَيْنَا وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْهُ." (مز 90 : 17)، وكما سبق القول إن الله يُنجح أعمالنا عندما تنسجم وتتلاقى مجهوداتنا البشرية مع هدفه الإلهي. يقول الرسول بولس : إِذاً يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ." (1كو 15 : 58) ويقول نحميا : "إِلَهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي." (نح 2 : 20). إن الله هو صاحب النجاح والثمر والانتصار، فشكراً لله الذى يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح. إذن فالمرنم يقدم لنا دعوة لكى يكون الله فى مكانه اللائق والصحيح فى الحياة العاملة، وعندما يكون الله فى مكانه اللائق والصحيح يعطينا راحة فى النهار فى حياتنا ويجعلنا نشتغل بهدوء ونأكل خبزناً بلا كسل أو تواكل، وبلا توتر أو هم أو قلق، بل نعمل فى ثقة ويقين وراحة مدركين أن الله يعمل معنا وبنا. "28تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ .. وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.. فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. " (مت 11 : 28 – 29) "إِذاً بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ!" (عب 4 : 9) والله يعطي راحة حتى فى النوم : راحة الضمير الذي ينتج نوماً عميقاً، "بِسَلاَمَةٍ.. أَنَامُ ..فِي طُمَأْنِينَةٍ" (مز4: 8 )، وراحة الأجير النشيط عند انتهاء يومه فيتمتع بتجديد الطاقة، وسلام النفس، وإستقرار الفكر والإرادة، ووضوح الرؤية فى مواقف الحياة المتشابكة، واكتشاف الحلول الممكنة للمشكلات. لقد نام بطرس فى السجن ونام يسوع فى العاصفة. 2- نعمة الاكتفاء : عندما يكون الله فى مكانه اللائق والصحيح فى حياتنا فإنه يعطينا نعمة الاكتفاء. إن المزمور كله عبارة عن شرح للآية الواردة فى أم 10 : 22 "بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي وَلاَ يَزِيدُ الرَّبُّ مَعَهَا تَعَباً.". ويقول الرسول بولس : "..تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ." (فى 4 : 11)، "8فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا." (1 تى 6 : 8). إنه الإحساس الرائع بالرضى. 3- حكمة التنظيم : وعندما يكون الله فى مكانه اللائق والصحيح، يمنحنا حكمة التنظيم للوقت، القائم على بركة إدراك الأولويات الصحيحة فى الحياة .. الله – الأسرة – العمل – الخدمة. رابعاً : الأولاد "3هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. 4كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. 5طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ. لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ." إذا أراد الإنسان أن يبنى عائلة، عليه أن يتذكر أن البنين ميراث من عند الرب. هم ليسوا فقط لامتداد النسل واستمراره، بل كأبناء الشبيبة للدفاع ضد الأعداء كسهام بيد جبار. وإذا اُتهم رب الأسرة، لا يخشى الذهاب إلى المحكمة عند باب المدينة وبجوار أعدائه لأن أبناءه حوله. وترد هذه الآية فـى الترجمة السبعينية (LXX ) أن الأب لا يخزى بل يكلم الأعداء فى الباب. والأولاد مسؤولية قبل أن يكونوا أصولاً حية. إنهم : * ميراث من عند الرب أو عطية منه تعالى * أجرة كثمرة البطن. مكافأة ، ولكنهم * سهام بيد جبار لأنهم أبناء الشبيبة، وهذه الجملة تحتمل معنيين: الأول : أنهم الأبناء الذين بلغوا سن الشباب. الثانى : أنهم الأبناء الذين ولدوا فى شباب والديهم. والسهام تحتاج إلى عناية فائقة. وتحتاج إلى قدرة فى الاستقامة لسرعة وقوة الانطلاق لمسافة أكبر. وتحتاج إلى دقة فى التصويب نحو الهدف، كما تحتاج إلى دراية ومران فى الرماية. هكذا يحتاج الأبناء إلى رعاية فائقة واهتمام دائم ليصبحوا شخصيات مؤثرة قادرة أن تحقق أهدافها فى الحياة. ثم يقول المرنم "طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ "، فبقدر عظم الوعد بقدر ما يكون الأولاد ملء اليد handful قبل أن يكونوا ملء الجعبة للدفاع. من يملأ جعبته منهم يكون صاحب مركز قوى فى المجتمع، وعندما يقف أمام أعدائه فى المحكمة "الباب" أى باب المدينة لا يخزى، وهو يكلمهم لأن أولاده حوله.... ولا يخزون هم بل يكلمون الأعداء فى الباب فلا يستطيع الأعداء الوصول لأبيهم فيتمتع الجميع بالأمن والأمان. يقول المرنم : " 1هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَِّ الْمَسْرُورِ جِدّاً بِوَصَايَاهُ. 2نَسْلُهُ يَكُونُ قَوِيّاً فِي الأَرْضِ. جِيلُ الْمُسْتَقِيمِينَ يُبَارَكُ. 3رَغْدٌ وَغِنًى فِي بَيْتِهِ وَبِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ.". (مز 112 :1 – 3) |
مزمور 128 مخافة الرب "1طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ 2لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ. طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ. 3امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ. 4هَكَذَا يُبَارَكُ الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الرَّبَّ. 5يُبَارِكُكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ وَتُبْصِرُ خَيْرَ أُورُشَلِيمَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ 6وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ". يعتبر هذا المزمور من كتابات الحكمة (مثله فى ذلك مثل مزمور 127) ومن السمات التى تميّز هذا النوع من الكتابة سمة تكرار الفكرة عدة مرات بهدف تأكيد الحقائق الهامة. والحقيقة الهامة التى ينبّر عليها كاتب المزمور هنا هى أن للتقوى ولمخافـة الـرب مكافـأة هى الاستقرار والنجاح والسلام (أم 2 : 10 - 22، 3 : 5 - 10، 4 : 5 - 13). إن كل فرد أو جماعة تعيش فى دائرة خوف الله ستحظى بدون شك بالنجاح والتقدم. كُتب المزمور فى فترة الأزمة التى عاشها الشعب فى فترة ما بعد العودة من السبى، وقت أن كانت الإمكانيات ضئيلة والبلاد منهارة والأعداء تتربص بالشعب من كل جانب. كانت الحالة قاسية للغاية، ووقتها رفع المرنم صوته بالتسبيح قائلاً "طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ". ويرسم المزمور صورة لفلاح أو مزارع تدرّب أن يرى بركات الله لأمانته، ونتائج علاقته الحية مع الرب. ويمكننا أن نرى ثلاثة أفكار رئيسيّة فى هذا المزمور :1-العامـل الأمين 1و2 : دائرة الفرد. 2-العائلة الموفّقـة 3 و4 : دائرة الأسرة. 3-المجتمع المستقر 5 و6 : دائرة الكنيسة والمجتمع. وهكذا نرى ثلاث دوائر تتسع كل منهما عن الأخرى التى تسبقها، دائرة الفرد ثم الدائرة الأوسع : العائلة، وأخيراً الدائرة الأكثر شمولاً : المجتمع والكنيسة. أولاً : العامل الأمين (1 و2) : "1طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ 2لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ. طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ." يقول المرنم : يا لسعادة الشخص الذى يتقى الرب. والتقوى هى الإيمان بوجود الله والحياة فى مخافته. وتقوى الله عكس الجهل، فالجاهل هو الذى لايؤمن بوجود الله. "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: [لَيْسَ إِلَهٌ]." (مز 14 : 1)، وبالتالى فالجاهل يحيا وكأن الله غير موجود - على الأقل بالنسبة له - أما الشخص التقى فهو الذى يمارس حضور الله يومياً فى كل مجالات الحياة والسلوك فى دائرة الله . إن التقوى ليست كلمات ولا مظهراً أجوف، كذلك ليست هى مجرد مشاعر أو انفعالاً، لكن التقوى موقف فكرى نحو الله ينتج سلوكاً عملياً مستقيماً أميناً قدام الله فى البيت أو الحياة العامة أو كما يقصد هنا فى العمل. لقد كان اليهود فى القديـم يتجنبون ذكر اسمه " الله " كنوع من المبالغة فى التكريم والتقـديس، وكان كتبـة التوراة يغسلـون القلم ويُغَيِّرون قارورة الحبـر ويبــدّلون ملابسهـم ويتطهـرون طقسياً قبل كتابة "الاسم " أو " أدوناى". فهل هذه كلها دلالات صحيحة عن التقوى الحقيقية ؟؟! والكلمــة " طوبـى " هنا هى فى الأصل تعنى Blessed وهى تختلف عن الكلمة التـى جـاءت فى صـدد المزمور الأول فالكلمـة الواردة فى مز 1 : 1 تعنى حالة البركة الثابتة، أما الكلمة الواردة هنا فتتضمن دلالة اجتماعية ديناميكية. إنها بركة نامية متزايدة فى الخير. "2لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ" (2) إن تقوى الله تنعكس على العمل فيجتهد الإنسان ويبدع ويبتكر ويعطى، وينتج عن هذه الأمانة فى العمل الحصاد الوفير والخير الفياض. "فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ." (2 أخ 7 : 14). والعكس أيضاً صحيح فـى "12مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الْحَكِيمُ الَّذِي يَفْهَمُ هَذِهِ وَالَّذِي كَلَّمَهُ فَمُ الرَّبِّ فَيُخْبِرُ بِهَا؟ لِمَاذَا بَادَتِ الأَرْضُ وَاحْتَرَقَتْ كَبَرِّيَّةٍ بِلاَ عَابِرٍ؟ 13فَقَالَ الرَّبُّ: [عَلَى تَرْكِهِمْ شَرِيعَتِي الَّتِي جَعَلْتُهَا أَمَامَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِي وَلَمْ يَسْلُكُوا بِهَا. 14بَلْ سَلَكُوا وَرَاءَ عِنَادِ قُلُوبِهِمْ وَوَرَاءَ الْبَعْلِيمِ الَّتِي عَلَّمَهُمْ إِيَّاهَا آبَاؤُهُمْ." (إر 9 : 12 - 14). إن تقوى الله لا تدفع إلى حياة الكسل، لكنها تظهر فى العمل والعطاء والإنجاز. إن معجزة الإنجاز اليوم تكمن فى شعور المؤمن أنه يحيا ويعمل فى محضر الله، فيخطط ويدرس، ويجتهد ويعمل، ويبتكر ويخترع، وهكذا يختبر بركة الرب له فى مجال العمل عن طريق الاجتهاد. المرنم - فى كل ذلك - يفرِّق بين الجهد العادى، والجهد النابع من موقف إيمانى، الذى يجعل المؤمن يعمل ويجتهد متكلاً على وعد الله المشجع بالنجاح. "طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ" (هذا هو المفهوم). "تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ." (هذا هو التطبيق). "َخَيْرٌ لَكَ" (هذه هى النتيجة). ثانياً : العائلة الُموفَقَّة (3و4) : "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ" ... المرأة "بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ." ... الأولاد "هَكَذَا يُبَارَكُ الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الرَّبَّ."... الرجل لقد فسَّر بعض آباء الكنيسة - مثل يوحنا فم الذهب وأغسطينوس - الآية الثالثة تفسيراً رمزياً، فقالوا إن المرأة هى الكنيسة زوجة المسيح. لكن لوثر أعادنا فى عصر الإصلاح إلى المعنى الطبيعى فى النص، وابتعد عن المدرسة الرمزية وعن الفصل الزائف بين الحياة الدينية والحياة اليومية. وأكّد لوثر أن الكرمة هى "الزوجة". وهكذا كان للإصلاح فضل نشر هذا المبدأ التفسيرى : لا نجد غضاضة فى الربط بين "المقدس" و "الدنيوى"، بين "الحياة الدينّية" و "الحياة الدنيويّة اليوميّة". لقد أعطانا اللهُ الإيمان لكى نحياه ونطبقه فى الحياة الدنيويّة، "وما جمعه الله لا يفرقه إنسان". "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ" والإثمار لا يقصد به فقط الإنجاب، ولكن يقصد به أيضاً البهجة والجاذبية. وهذان المعنيان ارتبطا بالكرمة فى الكتاب المقدس. فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ : يقصد بهذه الكلمات أن امرأة الرجل التقى تعطى الأولوية المطلقة لبيتها فتملأه بالرائحة العطرة والبهجة والسعادة، ويكون لها القدرة على طرد الملل من البيت وتجديد علاقات الأسرة، فيمتلئ كل أفراد البيت بالمشاعر والمعانى الجميلة نحو بعضهم البعض. إنها ليست دعوة لكى تلتزم السيدات ببيوتهن فلا يخرجن إلى العمل، بل هى دعوة لكل السيدات لكى يعطين الأولوية المطلقة لبيوتهن فى الاهتمام. والكرمة تحتاج باستمرار إلى السند والمعونة والمشاركة، وهكذا يتحقق لها -هى نفسها - النمو والازدهار. إن جاذبية المرأة مرتبطة : * بإخلاصها وأمانتها. * واهتمامها الواجب والمعقول ببيتها وأفراد أسرتها. * واستعدادها لتَقَبلُها المشاركة والمعونة. كل ذلك يؤدى إلى تجديد الحياة والعهد والحب فى الأسرة. ثم يقول المرنم : "بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ." (3 ب). إنهم "كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ." (127 :4). وهم "غُرُوسِ الزَّيْتُونِ" التى تنطق بالحيوية والنضارة. إن أولادنا وشبابنا فى حاجة إلينا، لكى نبذل الوقت والجهد والتفكير والصلاة من أجلهم. إنهم فى حاجة إلى الرعاية الطويلة والصبر والتوجيه حتى يكبروا فى خوف الرب وانذاره. إنهم يطلبون منا الحوار الهادئ والاتصال الواعى وبناء جسور من الثقة بينهم وبيننا كآباء وأمهات. إنهم أمل ورجاء المستقبل لذا فهم جديرون بكل اهتمام ورعاية : "ِكَيْ يَكُونَ بَنُونَا مِثْلَ الْغُرُوسِ النَّامِيَةِ فِي شَبِيبَتِهَا. بَنَاتُنَا كَأَعْمِدَةِ الزَّوَايَا مَنْحُوتَاتٍ حَسَبَ بِنَاءِ هَيْكَلٍ." (مز 144 : 12). إن تشبيه غُرُوسِ الزَّيْتُونِمُكمّل لتشبيه السهام (مز 127 : 4)، وهما معاً يشكلان مرحلتين من مراحل نمو الشباب تتميزان بالحماس والفورة وتحتاجان إلى الرعاية والعناية الخاصة والتنمية الصحيحة. ثالثاً : المجتمع المُستقرّ (5و6) : "5يُبَارِكُكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ وَتُبْصِرُ خَيْرَ أُورُشَلِيمَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ 6وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ" . إن خوف الرب عندما يظهر فى حياة الإنسان الواعى المدرك، يجعله يؤمن أن سعادته كفرد أو كأسرة لا تكتمل إلا عندما يبصر "خير أورشليم" ويرى "سلام إسرائيل". إن اهتماماته لا تقتصر على حياته الشخصية والعائلية، بل تشمل حتماً "سلام الكنيسة" - كمجتمع المؤمنين - وسلام المجتمع ككل. إن خير المؤمن لا يكتمل إلا إذا رأى خير الكنيسة ووحدتها وسلامتها. "اسْأَلُوا سَلاَمَةَ أُورُشَلِيمَ. لِيَسْتَرِحْ مُحِبُّوكِ ... مِنْ أَجْلِ بَيْتِ الرَّبِّ إِلَهِنَا أَلْتَمِسُ لَكِ خَيْراً" (مز122: 6و9). كذلك يلتمس المؤمن خير المجتمع الأكبر "وَاطْلُبُوا سَلاَمَ الْمَدِينَةِ.. وَصَلُّوا لأَجْلِهَا إِلَى الرَّبِّ لأَنَّهُ بِسَلاَمِهَا يَكُونُ لَكُمْ سَلاَمٌ." (إر 29: 7). والبركة التى تصاحب ذلك هى بركة الحياة الطويلة والأجيال المتواصلة. "وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ"(6). إن خوف الرب وتقواه على المستوى الشخصى وعلى المستوى الأسرى ينبغى أن يتسع ليصل إلى الدائرة الأكثر شمولاً، فيتفادى بذلك الفردّية والاستقلالية والإحساس الأنانى بالعزلة . وفى غلا 6 : 16 نرى صدى كلمات مز 128 : 6 فى العهد الجديد. "فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هَذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ،" إن الرسول يقصد أن يعلمنا ضرورة أن لا يضع المؤمنون أية حواجز أو فواصل عن بعضهم البعض كما فى (غلا 6 : 15)، "لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئاً وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ." فأورشليم هى أمنا جميعاً (4 : 26). إن كل البركة والخير لنا كأفراد وعائلات هما فى ارتباطنا ووحدتنا ككنيسة، وخير المؤمن لا يكتمل إلا إذا رأى خير الكنيسة وخير المجتمع. وبناء عليه، فالمؤمن يصلى ويشارك فى تقدم المجتمع بعمله الناجح ومشاركته الايجابيّة فى قضايا المجتمع. إن المؤمن التقى لا يعيش لنفسه، ولا تنحصر اهتماماته فى نفسه وأسرته، لكنه ينشغل بقضايا المجتمع لأنه يؤمن أنه قد صار ابناً لله، والله أبوه هو رب المجتمع الذى يهتم باستمرار بحياة البشر جميعاً، لذا، فالمؤمن فى انشغاله واهتمامه بقضايا مجتمعه يشارك الله الأب فى محبته للبشر |
مزمور 129 مراجعة التاريخ 1[كَثِيراً مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي]. لِيَقُلْ إِسْرَائِيلُ: 2[كَثِيراً مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي لَكِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيَّ. 3عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ الْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلاَمَهُمْ]. 4الرَّبُّ صِدِّيقٌ. قَطَعَ رُبُطَ الأَشْرَارِ. 5فَلْيَخْزَ وَلْيَرْتَدَّ إِلَى الْوَرَاءِ كُلُّ مُبْغِضِي صِهْيَوْنَ. 6لِيَكُونُوا كَعُشْبِ السُّطُوحِ الَّذِي يَيْبَسُ قَبْلَ أَنْ يُقْلَعَ 7الَّذِي لاَ يَمْلَأُ الْحَاصِدُ كَفَّهُ مِنْهُ وَلاَ الْمُحَزِّمُ حِضْنَهُ. 8وَلاَ يَقُولُ الْعَابِرُونَ: [بَرَكَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ. بَارَكْنَاكُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ]. "التاريخ هو ذاكرة الشعوب" هذا القول المأثور صحيح تماماً لذا فإن مراجعة التاريخ أو العودة إليه بين الحين والآخر، شىء هام فى حياة الشعوب. ومن أخطر الأمور أن تُفقد هذه الذاكرة أو يُشَوَّه هذا التاريخ. وفى هذا المزمور لا يتوقف القائد أمام حياته الشخصيّة، بل يتوقف طويلاً مع مجموعته أمام تاريخ شعبه، وأمام المراحل الطويلة التى عانوا فيها صراع البقاء وسط عالم عدوانى وقاسى يضمر لهم الكراهية. ولذلك يعود المرنم بالشعب من التوقف أمام المعاناة الطويلة إلى الجوانب المشرقة فى هذا التاريخ، برغم كل هذه المعاناة، ليبرز نعمة الله الحافظة لهم، وليستمد الشعب الشجاعة من الماضى، وروح الشكر والرجاء والعمل المطلوب لمواجهة الحاضر. ولأن المرنم لم يتوقف أمام حياته الشخصية، ولكنه توقف طويلاً، كصاحب رسالة أمام تاريخ أمته وذاكرة شعبه، لذا يجب أن نتعلم أن المؤمن الناضج صاحب الرسالة والرؤية لا يعيش لذاته منحصراً فى همومه الشخصية، لكنه باستمرار مهموم بقضايا شعبه ورؤى كنيسته، وكذلك الكنيسة التى دعاها الرب، هى بدورها، لا ينبغى أن تتقوقع داخل جدرانها، بل ينبغى أن تتسع اهتماماتها إلى الاهتمامات العامة، وفى كل ذلك علينا أن نرى يد الرب العاملة معنا لنستمد الشجاعة من هذه الحقيقة. ونلاحظ أن هذا المزمور ينقسم إلى جزئين كبيرين: أولاً : عبرة الماضى (1-4) : يذكرنا هذا المزمور فى محتواه وبنائه ولغته بما جاء فى مزمور 124. فمثلاً فى هذا المزمور يبدأ المرنم الترنيم ثم يتوقف لينادى الشعب "ليقل إسرائيل"، ثم تبدأ كل المجموعة فى ترديد باقى المزمور، ونجد أن نفس طريقة الترنيم تتكرر هنا فى مزمور 129. إن التشابه بين المزمورين واضح جداً فى الصياغة الأدبية، وفى المحتوى، وفى الفكرة، وفى التوجه العام للنص الذى يعود إلى ذاكرة وعبرة التاريخ. وكلمة "كثيراً" التى تُفتتح بها الترنيمة تشير إلى الكم "مرات كثيرة" وتشير إلى الكيف "مضايقات عنيفة" ومنها إذن نفهم أن الشعب تعرض "فترات كثيرة لمضايقات شديدة". "منذ شبابى" ترد فى معظم الترجمات العربية والإنجليزية "منذ صباىّ أو منذ حداثتى"، وربما يريد المرنم - بهذه الكلمة - أن يُرجع الشعب إلى التاريخ المبكر الذى قد يعود إلى أيام العبودية المُرَّة فى مصـر والخروج منهــا بيد الرب القديرة. (خر 3 : 7، 5 : 14، 6 : 9، هو 11 : 1) والمرنم يسترجع كذلك الـتاريـخ الطويل من المعاناة والضيق الشديد على يد المصريين والكنعانيين والفلسطينيين والآراميين (1 مل 20، 2 مل 6) والآشوريين (2 مل 18، 19) والكلدانيين (2 مل 25) والفرس وغيرهم ممن عاصروا فترة ما بعد السبىّ. إن المرنم بهذه الجملة القصيرة : "كَثِيراً مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي" يُسَرِّب الكثير من الأفكار والذكريات إلى ذهن المستمعين عن ذلك التاريخ الطويل المملوء بالمضايقات العنيفة والمواقف المشرفة لشخص الرب الذى وقف إلى جوار شعبه فى هذه الضيقات. والمرنم - كعادته فى هذه المجموعة من الترانيم - يكسو أفكاره بالصور الحية من الاستعارات والتشبيهات، مثل تشبيه "الحقل المحروث" فيقول "عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ الْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلاَمَهُمْ" (3). إنه يشبه تـاريخ الشـعب بالحقل المحروث، ويشبـه الآلام والمضايقات التى جاءت عليهم بالخطـوط التـى يتـركها المحراث فـى الأرض، وكلما كانت أتـلام المحراث طويلة، كلما زاد عمق الحفر فى الأرض. إن هذا التشبيه يذكرنا بصورة رجل تنفذ فيه عقوبة الجلد، وهو حامل فى ظهره علامات الجلد العميقة والطويلة كخطوط المحراث، وهو تشبيه قوى يبرز شدة وعمق وطول معانـاة الشعب (نح 9 : 6، مز 68، 78، 105، 134). لكن بالرغم من شدة وطول المعاناة وبقاء الشعب مجروحاً نازفاً، إلا أنه ظل حيّاً يناضل من أجل فجر جديد ومستقبل أفضل أكثر إشراقاً، فيقول فى (2) " لَكِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيَّ". تُرى، ما سرُّ بقاء وصمود شعب الرب؟ ما سِرّ بقاء الكنيسة حتى اليوم؟ برغم كل الاضطهادات والمضايقات عبر التاريخ الطويل ؟ يقول فى (4) شهادة مؤثرة وقوية تمثل قلب ومركز المزمور وتكشف عن سر بقاء الشعب:"الرَّبُّ صِدِّيقٌ" أو "الرب الصديق". إنه الله البار العادل، الأمين لإقرار الحق، والضامن لإجراء العدل فى الأرض. ثـم يعـود المرنـم إلى الاستعارات مـرة أخرى، فيقـول فى (4 ب) "... قَطَعَ رُبُطَ الأَشْرَارِ". إنه يعود إلى صورة المحراث ولكن فى شكل آخر، شكل ثور مربوط ومقيد إلى المحراث بربط قوية، هذه الربط هى إشارة واضحة إلى العبودية والتسخير، لكن الرب العادل قطع هذه الربط، وحَــرَّرَ وفـدى شعبـه، وكسـر نير الأشرار (إش 45 : 20، 25، نح 9 : 8). إنه نفس المعنى تقريباً الذى نجده فى مز 124 : 6و7 "6مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْنَا فَرِيسَةً لأَسْنَانِهِمْ. 7انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا.". هذا هو السر الذى أعُلن : الرب الصدّيق الساهر على شعبه، ضامنُ مسيرته، وِفَىّ لحقه، أمين لعهوده. إن عبرة الماضى ومراجعة التاريخ، تؤكد لنا حقيقتين كبيرتين : الحقيقة الأولى : إن حياة المؤمن وتاريخ الكنيسة لا يخلوان من الألم والاضطهاد والمرض والمعاناة فى أوقات كثيرة "كَثِيراً مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي.. عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ الْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلاَمَهُمْ". ومجرد قبول هذه الحقيقة فـيه قدر كبـير من نضوج الإيمان. والرب يسوع نفسه هو مثالنا "بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ...." (إش 50 : 6) "وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (إش 53 : 5) وهو الذى علّمنا: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ .." (يو 16 : 33). وفى هذا لم يسعَ المسيح وراء الجماهير الكاذبة أو الشعبيّة المزيفة، ولم يخدعنا، لكنه علّمنا الحقيقة كاملة. إن الألم ضرورة تصاحب رحلة الإيمان ورحلة الإنسان عموماً. الحقيقة الثانية: برغم الألم والمعاناة إلا أن النتيجة باستمرار فى صالح المؤمن وفى صالح شعب الله. إن أظلم ساعات الليل هى تلك التى تسبق الفجر مباشرة، ولابد للصليب أن يعقبه قيامة. إن هذه الحقيقة تستحق أن نشكر الرب لأجلها. وكما قال أحد اللاهوتيين مرة : إن الانتصار هو القرار الجميل لترنيمة الألم المتعددة الأبيات. كَثِيراً مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي... مقدمة 1. لَكِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيَّ... نتيجة1. عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ الْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلاَمَهُمْ ... مقدمة 2. الرَّبُّ صِدِّيقٌ. قَطَعَ رُبُطَ الأَشْرَارِ.... نتيجة2. ويستطيع كل منا أن يُكمِّل الترنيمة كالآتى : الاضطهاد والجلد وموت الصليب .. مقدمة 1. القيامة والفجر الجديد ... نتيجة 1. دم الشهداء وعصور الاضطهاد والإرهاب .. مقدمة 2. أبواب الجحيم لن تقوى عليها ... نتيجة 2. عالم المعاناة والألم والمرض والصراع ... مقدمة 3. الرب راعىّ فلا يعوزنى شىء ... نتيجة 3. إن شعار مزمور 124 : لولا الرب. وشعار مزمور 129 : الرب صديقّ. فهل نذكر ونشكر؟ ثانياً : طلبة الحاضر (5 – : ترتبط هذه الطلبة بالعبارة المركزية : "الرب صدّيق". الرب عادل لذلك قطع ربط الأشرار فى الماضى وحَرَّرَ شعبه، لكن الحاضر لا يخلو أيضاً من المبغضين والأعداء كالسامريين وغيرهم. وعلى هذا يطلب المرنم بصوت الجماعة فى عدد (5) "فَلْيَخْزَ وَلْيَرْتَدَّ إِلَى الْوَرَاءِ كُلُّ مُبْغِضِي صِهْيَوْنَ." وصهيون هنا هى "اسرائيــل" (عدد 1)، وهى"مدينة إلهنا" (مز 48 : 1)، "وهى الجبل الذى اشتهاه لسكنــه" (مز68 : 16)، وهـى "مكان مقدسات كل العالم" (مز 78). إن صهيون بالنسبة للمرنم - بل وبالنسبة للرب - ليست مدينة عادية. لذلك يارب، يامن قطعت كل ربط الأشرار فى التاريخ الطويل، يا من حررتنا وفككتنا ورددت سبينا فى الماضى، أيها الرب الصدّيق العادل اعمل على خزىّ وانكسار كل المبغضين والمقاومين لشعبك. وفى الأعداد (6 - يبرز المرنم الكيفية التى يحقق بها الرب هذه الطلبة، وفيها أيضاً يعود المرنم إلى الصور الحية التى يستوحيهــا من البيئة، فيقول "ليكونوا كعشب السطوح ...". وفى هذه الأعداد يتحدث عن ثلاث مقارنات: 1- الوجود والتعبير : فهم "كَعُشْبِ السُّطُوحِ " (6 أ) الذى ينبت وينمو عشوائياً فى شقوق السطوح الريفية وأحياناً فى جدران المنازل فى بلاد الشرق. فالوجود عشوائى (أو كما يقولون فى الشرق شيطانى)، على عكس الوجود الإرادى للقمح فى حقول المزارعين وما يحتاجه من جهد ورعاية واهتمام. يريد المرنم أن يقول "ليكن وجود المبغضين أيها الرب العادل عشوائياً عابراً". 2- النهاية والمصير: ".... يَيْبَسُ قَبْلَ أَنْ يُقْلَعَ". إن العشب دائماً يشير إلى النهاية السريعة والمصير المحتوم (مز 90 : 5 و6، إش 40 : 6-8) مقابل خلود كلمة الله (1 بط 1 : 23-24، 1 يو 2 : 17) وبقاء شعب الله (مت 16 : 18). إن "أبواب الجحيم لا تقوى على الكنيسة، وكل آلة تُصوَّر ضد الكنيسة لن تنجح، وكل لسان يقوم عليها فى القضاء تحكم هى عليه". وفى المزمور الأول يقارن المرنم بين الأبرار والأشرار فيذكر نفس هذه الحقيقة فى مز1 : 4 "لَيْسَ كَذَلِكَ الأَشْرَارُ لَكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ." وفى مزمورنا يضيف المرنم "الَّذِي يَيْبَسُ قَبْلَ أَنْ يُقْلَعَ" وفى بعض التراجم "قبل أن يصبح فى مرحلة الحصاد" ييبس بفعل حرارة الشمس، ويسقـط بفعل الريح. أىّ: "ليكن مصير هؤلاء المبغضين يا رب هو الزوال السريع والنهاية العاجلة". 3- البركة والتأثير : "7الَّذِي لاَ يَمْلَأُ الْحَاصِدُ كَفَّهُ مِنْهُ وَلاَ الْمُحَزِّمُ حِضْنَهُ. 8وَلاَ يَقُولُ الْعَابِرُونَ: [بَرَكَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ. بَارَكْنَاكُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ]." (7و8). أى لا يجد الحاصد شيئاً ليمسكه بيده اليسرى عندما يهّم بالحصيد باليد اليمنى، وبالتالى لا يجد من يأتى ليجمع الحصيد فى حضنه شيئاً ليضعه فى حزم أو أغمار. لماذا ؟ لأنه يبس وسقط، فلا تأثير ولا قيمة لحفنة من العشب اليابس مقابل تأثير وقيمة حزم القمح التى تستدعى إلى الذهن التبادل المفرح للبركة بين العابرين الذين يتطلعون إلى الحصاد فى توقع واهتمام ورجاء (را 2 : 4) "وَلاَ يَقُولُ الْعَابِرُونَ: [بَرَكَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ." فيرد الحاصدون " بَارَكْنَاكُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ". إن هذه الكلمات تضع أمامنا الحقائق التالية : 1- الكراهية تدمّر نفس صاحبها: لذا لنطهر نفوسنا منها، ليس فقط من أجل الآخرين، بل أيضاً من أجل صحتنا وحياتنا، إن من يكره يدمر نفسه، فالكراهية تقتل أما الحب فيحيى من جديد. 2- الضمان الحقيقى والأمان الكامل: فى هذا العالم المتغير القاسى، لا يمكن أن نجد الضمان الحقيقي والأمان الكامل إلا فى شخص الرب، فى ثقتنا به وفى يقيننا أنه صديق وعادل، لا يسمع للذين يقاومون وجود ورخاء شعبه أن يحققوا أبداً نتيجة تدبيراتهم. إن الأشياء تزول، والأشخاص يرحلون، والمستقبل مجهول، والأيام لا أمان ولا ضمان لهــا، لكن الرب يبقى كما هو : "إله أمانة لا جور فيه. صديق وعادل هو" "أما المستمع لى فيسكن آمناً ويستريح من خوف الشر". (تث 32 : 4، أم 1 : 33). لذا فلنتعلم من التاريخ، ولنحيا الحاضر مستمتعين بوجود الرب الصديق فيه، ولنتطلع إلى المستقبل بإيمان وأمان فى شخص إلهنا |
مزمور 130 معادلة الغفران 1مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. 2يَا رَبُّ اسْمَعْ صَوْتِي. لِتَكُنْ أُذُنَاكَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. 3إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ يَا سَيِّدُ فَمَنْ يَقِفُ؟ 4لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ. 5انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي وَبِكَلاَمِهِ رَجَوْتُ. 6نَفْسِي تَنْتَظِرُ الرَّبَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. 7لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ لأَنَّ عِنْدَ الرَّبِّ الرَّحْمَةَ وَعِنْدَهُ فِدًى كَثِيرٌ 8وَهُوَ يَفْدِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ آثَامِهِ. سُئِل مارتن لوثر عن أية مزامير هى العظمى. أجاب بدون تردد إنها المزامير البولسية(نسبة للرسول بولس)، فهى أعظم المزامير على الإطلاق. وهذه المزامير هى تلك التى يظهر فيها طابع التوبة والاعتراف، مثل مز 32، 51،130، 143. وهذا المزمور لا يكشف بالتحديد الظروف المحيطة بالمرنم والتى دعته إلى رفع صرخته، لكن من خلال النص نكتشف أنه يعانى من ضغط نفسى شديد، نتيجة لتعرضه لخطر محيط به، ولإحساسه بثقل خطاياه وبشعور الاغتراب عن الله. لكن المرنم ينتظر مصلياً وواثقاً فى استجابة الرب لصلاته، فى شوق للغفران، وعودة الشركة، ونغمة الإنقاذ. البعض يرى أن هذا المزمور هو أغنية أُسر تعود للأمة كلها وهى فى أسرها وعندما أدركت خطاياها التى قادتها إلى محنتها، وهى تطلب الغفران والعودة فى روح الثقة والرجاء. بكل هذا الزحام من المشاعر والأحاسيس المختلطة :إحساس الذنب والاغتراب عن الله، وشعور الشوق الجارف للعودة والتوبة، ورغبة التمتع بالشركة من جديد مع الله، بكل هذه المشاعر والأحاسيس يقدم المرنم كلمات هذا المزمور للرب. يبدأ هذا المزمور من أعماق الضيق، وينتهى بأعالى الرجاء. ويمكننا تقسيم المزمور إلى أربع أفكار رئيسية : أولاً : صرخة من الأعماق (1 و2) : "1مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. 2يَا رَبُّ اسْمَعْ صَوْتِي. لِتَكُنْ أُذُنَاكَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. ". "من الأعماق صرخت". والبعض يترجم هذه الآية : "من الأعماق أصرخ" فعندما نصل إلى الأعماق، إلى الهاوية، إلى المياه الطامية، إلى العش المقلوب، إلى ضغط الذنب... نصرخ ونتعلق بالرب لعل هذه الكلمات تشبه إلى حد كبير الكلمات الواردة فى إش 51 : 10 حيث يقول المرنم : أَلَسْتِ أَنْتِ هِيَ الْمُنَشِّفَةَ الْبَحْرَ مِيَاهَ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ الْجَاعِلَةَ أَعْمَاقَ الْبَحْرِ طَرِيقاً لِعُبُورِ الْمَفْدِيِّينَ؟ لا يوجد شخص مؤمن لم يختبر يوماً هذا الشعور بالمعاناة والوحدة، وفى ظروفنا الصعبة أحياناً لا نجد الشخص الذى يمكنه أن يمد يد المساعدة والمعونة. لكننا نشكر الرب لأنه ترك لنا باباً مفتوحاً باستمرار لا يُغْلَق أبداً. إن يده تمتد لكى تنقذ وتنجى وترفع من الأعماق. ثانياً : رحمة الرب (3 و4) : " 3إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ يَا سَيِّدُ فَمَنْ يَقِفُ؟ 4لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ. ". أليسـت هـذه الكلمات صدى لما كتبـه الرسول بولس فى رومية 3 ؟ يقول الرسول : "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ." (رو3 : 12). إن الكلمة "تراقب" تعنى "تظل تحسب". إن كنت تظل تحسب الآثام يارب (يـاه) يا سيد (أدوناى) فمن يقف فى محكمة عدلك الإلهى (ملا 3 : 2). "وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئِهِ وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهُورِهِ؟" فى أي 9 : 15 يقول الوحىّ : "لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي."، وداود النبى يردد صدى هذا المعنى فى مزمور الاعتراف قائــلاً "لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً." (مز51 : 3). لكن المرنم يستدرك قائلاً "لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ"، ففى وسط الآثام التى لا تُحصى، والتى تقيد المرنم، انتقل المرنم من الصراخ من ثقل الأثم والاحساس بالغم إلى ترجّى وإدراك رحمة الله التى تفوق كل المعاصى. لقـد كان المرنم مُحقاً حينما قررّ أن "إِلَهِي رَحْمَتُهُ تَتَقَدَّمُنِي." (مز 59 : 10) لأن "لأَنَّ رَحْمَتَكَ قَدْ عَظُمَتْ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَإِلَى الْغَمَامِ حَقُّكَ." (مز 57 : 10). ثالثاً : انتظار الرب (5 و6) : "5انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي وَبِكَلاَمِهِ رَجَوْتُ. 6نَفْسِي تَنْتَظِرُ الرَّبَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ" يمكننا أن نترجم "وبكلامه" ترجمة أفضل فنقول "وفى كلامه رجوت" وكلام الله هو علامة العفو الإلهى وكل المراحم التى تتبعه. إن المرنم يتمسك بكلام الله ووعوده ويثق فى صدقها وأمانتها. "أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ" إن "المراقب" هو الشخص الساهر بالليل فى نوبة حراسة لحماية مدينة أو معسكر. إن هذا الشخص عادة ما يشعر أكثر من الجميع بثقل وبطء الليل. إنه ينتظر أول أشعة النور حتى تنتهى مهمته ويستريح، وهو فى أعماقه يؤمن أنه حتى وإن طال الليل إلا أن نور النهار لابد أن يهزم ظلمة الليل. فى يوم أول أغسطس عام 1830 صدر الحكم الكبير بتحرير العبيد فى المستعمرات الهندية الغربية. فى هذه الليلة - كما يـروى بعض المؤرخين - لم ينم الجميع. لقد أدرك العبيد أن أشعة النهار الجديد سوف تحمل لهم الحرية التى طالما انتظروها. لقد عاش هؤلاء الناس نفس مشاعر التوقع والانتظار والشوق والفرح التى عاشها المرنم. "اِنْتِظَاراً انْتَظَرْتُ الرَّبَّ فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي" (مز 40 : 1). "تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ." (مز 119 : 81). إن خلاص الرب الذى ينتظره المرنم بشوق، يُبنىَ على ثقته الكبيرة فى كلمة الرب الصادقة. لذا فما أحرانا أن نتمسك بمن لا يمكن أن يخزى منتظروه. رابعاً : الرجاء فى الرب (7 و8) : "7لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ لأَنَّ عِنْدَ الرَّبِّ الرَّحْمَةَ وَعِنْدَهُ فِدًى كَثِيرٌ 8وَهُوَ يَفْدِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ آثَامِهِ." فى هذين العددين ينتقل المرنم من نفسه إلى شعبه بعد استجابة الرب له، والمرنم يدعو أمته أن تتعلم من حالته وأن تترجى الله وتنتظر البركة والخير والسلام منه، كما نالها هو. لقد استمتع المرنم بغفران الله وبرحمته وإنقاذه، ولذلك يقدم اختباره الشخصى لشعبه وأمته. إنه قد اختبر أن غفران الله أكبر من آثامه وخلاص الله أعظم من خطاياه ومشاكله مهما عظمت هذه الخطايا والمشاكل. لذا فإنه يدعو شعبه لكى يضع ثقته ورجاءه فى شخص الرب. إن "الفدى الكثير" هو الفدى الغزير الغامر الوافر الذى يفوق خطايانا. وهذا الفدى هو ما دعا المرنم لتقديم هذه الدعوة لشعبه. وهذا المزمور يضع أمامنا عدة حقائق : معادلة الغفران : إن الاساس الصحيح للغفران - والذى غالباً ما يغيب عن أذهاننا للأسف - هو عمل المسيح الذى ظهرت فيه عدالة الله جنباً إلى جنب وبالمساواة مع رحمته. إن "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6 : 23). لذا فموت المسيح على الصليب لا يعنى فقط نعمة الرب ورحمته، لكنه يعنى النعمة الغالية والرحمة المقدسة، تلك الرحمة التى تستند على أساس متين من العدل. إن ارتباط الرحمة مع العدل هو مركز وجوهر فكرنا اللاهوتى والكتابى للمسيحية الصحيحة. ولذا فالوجه الأول للنعمة هو الخلاص - لكل من يقبل النعمة - والوجه الثانى لها هو الدينونة لكل من يرفض. إن الفصل بين الرحمة والعدل يؤدى إلى أن يفقد الإنجيل طبيعته كاحتياج مُلّح للناس، كما ويؤدى إلى فقدان الكرازة والعمل المرسلى قوة الدفع. إن غياب معادلة الغفران الصحيحة يؤدى إلى اختلال القيم والأخلاقيات فى الكنيسة والمجتمع، فحينما يغيب العقاب وراء ستار كثيف من "المحبة" الغشيمة، فلماذا يتوب المخطئ ؟ واختلال ميزان القيم يؤدى إلى تفسخ المجتمع وضياع الحقيقة، وهذا ما نراه حادثاً اليوم فى المجتمع الغربى الذى يعانى من عوامل الانحلال والضعف فى الداخل. وإننى أخشى أن أقول إن نفس هذا التفسخ يتسلل إلى كنيستنا الإنجيلية اليوم بسبب غياب مفهوم "التأديب الكنسى". إن المسيحية لا تعنى أبداً التساهل والتسيب حتى أن الإنســان يتعبد ويتقـدم إلى المائدة بكل الأخطاء التى لم يتب عنها بعـد، وكأن هذا الأمر شىء عادي. إن مز 130 يضع مفهوماً مختلفاً، هذا المفهوم يتحدث عن الغفران المشروط، فالله يغفر "لكى يُخاف منك" ويثمر هذا الخوف فى حياة التائب أسلوب حياة جديد. إن أولئك الذين يظنون أن غفران الله شيئاً بسيطاً لم يدركوا بعد خطورة الخطية ومعناها الحقيقى كثورة ضد الله |
مزمور 131 مرفأ السلام 1يَا رَبُّ لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي. 2بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ. 3لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ. ينسب البعض هذا المزمور القصير والغنى إلى داود النبى - كما جاء فى عنوانه - وهو يتذكر تعليقات أخيه القاسية ضده قبيل لقائه مع جليات الفلسطينى (1صم 17 : 28). على أن البعض الآخر يربطه بباقى أغنيات المصاعد خاصة فى العـدد الأخير (3) الذى يتشابه فى لغته مع مزامير 130 : 7 "الَّذِي لاَ يَمْلَأُ الْحَاصِدُ كَفَّهُ مِنْهُ وَلاَ الْمُحَزِّمُ حِضْنَهُ."، مز 121 : 8 "الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ"، مز 125 : 2 "أُورُشَلِيمُ الْجِبَالُ حَوْلَهَا وَالرَّبُّ حَوْلَ شَعْبِهِ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ." مز 131 : 3 "لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ "، ولذلك يعتقد هذا الفريق أن هذا المزمور يُعَّد من النسيج الحقيقى لمجموعة ترانيم المصاعد. ولنتوقف قدامه كالتالى: أولاً : النفس الثائرة (1) : يصوّر المزمور فى تركيز شديد، طبيعة النفس الإنسانيّة، ومأساتها وشططها، ومراحل عودتها وشفائها، فمن خلال الكلمات تلمح ثورة وألماً وصراعاً وجنوح النفس البشرية. جنوح وثورة تتمثل فى قلب يندفع بنوازعه إلى المال أو الترف أو الملذات بلا شبع ... وفى عين تتجه إلى القوة والنفوذ والسلطة بلا حدود .. وفى عقل ينشغل فى شطحاته بأمور أعلى من قدرته على الفهم .. وفى نفس تمتلىء أمام مآسى الحياة بالصخب والتمرد والألم والتمزق والشك .. وفى كيان يغوص، نتيجة لهذا كله، فى متاهات القلق والكبرياء والحسد والصراع والمرارة، وينحدر فى إحساس مريض بالعظمة إلى الإقلال من قدر الآخرين وإلى المغالاة فى تقدير الذات. وكل هذا يحدث للفرد كما للشعوب، وللحكام وللمحكومين ، ويعبر عن تشامخ فكرى أو اجتماعى طبقى أو عنصرى عرقى أو عسكرى أو دينى. وهكذا تعيش النفس الثائرة الصاخبة فريسة المطامع والمطامح الخيالية الوهمية اللانهائية، ومستعبدة للمخاوف المضللة فى روح التذمر والشكوى والأسى والأنين .. لاتهدأ .. لا تشبع .. لا تعرف حدوداً للشطط مع النفس أو مع الآخرين .. هى فى حالة حرب أهلية داخلية مستمرة من جراء تعُبدها لأنانيتها. قال أحد الحكماء مرة : "من الممكن ترويض أسد أسهل من ترويض نفس ثائرة". وحتى تاريخ الأديان - بما فيه تاريخ المسيحّية- يحكى الفواجع من الصراعات والدماء والسلطة والتعصب والتكفير ونفىّ الآخر واحتقاره وصلبه. هذه هى "تراجيديا" النفس الإنسانية التى اكتوى بنارها المرنم عندما واجه معاناته وآلام شعبه، فصرخ من أعماقه إلى الله، وانتظرت نفسه الرب اكثر من المراقبين الصبح، فاختبر صلاحه وقوته المخلصة، وعاوده من جديد هدوء النفس وسلام الضمير، وعبر منطقة الليل إلى نور الصباح، وتطهر من نوازعه الجامحة، وتحرر من قلقه المدمر، وعاد إلى الاتضاع الناضج والبساطة النقية والمحبة الخادمة (مت 18 : 1 - 4) فيقول فى اتضاع القلب أو الفكر أو النظر والسلوك : "يَا رَبُّ لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي " Iam not high minded "وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي"... فما يختزنه القلب من تشامخ وكبرياء يظهر فى العينين . وهذه الفكرة تتضح فى كثير من كتابات الحكمة فمثلاً : "مُسْتَكْبِرُ الْعَيْنِ وَمُنْتَفِخُ الْقَلْبِ لاَ أَحْتَمِلُهُ" (مز 101 : 5) ، و"11جِيلٌ يَلْعَنُ أَبَاهُ وَلاَ يُبَارِكُ أُمَّهُ 12جِيلٌ طَاهِرٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ وَهُوَ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ قَذَرِهِ 13جِيلٌ مَا أَرْفَعَ عَيْنَيْهِ وَحَوَاجِبُهُ مُرْتَفِعَةٌ 14جِيلٌ أَسْنَانُهُ سُيُوفٌ وَأَضْرَاسُهُ سَكَاكِينُ لأَكْلِ الْمَسَاكِينِ عَنِ الأَرْضِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ." (أم 30 : 11 - 14). لكن المرنم يقول لله هنا : "َلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ .." أىّ : لم أتخذ من الأشياء والشكلياّت طريقاً للعظمة المريضة. ثم يقول "وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي" أى لم أسلك فيما يفوق إدراكى. وهذه الكلمات لا تعنى كبح روح المغامرة والتقدم بل تعنى التوجه الصحيح للنفس البشرية (رو 12 : 16 ، فى 2 : 3 ، 4). ولكن ما هو السر وراء هذا الفهم الصحيح الذى توصَّل إليه المرنم ؟ يقول المرنم فى العدد الثانى : "بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ". ثانياً : النفس المطمئنة (2 و3) : إن المرنم يقول هنا إننى سكنَّتُ أو سوّيتُ أو مهدت نفسى. أى إن رغائبى وعواطفى الهائجة المتلهفة كبحر هائج أو كريح عاصف قد أصبحت متزنة هادئة .. " كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ" أىّ قد أصبحت فى اطمئنان واثق كالطفل الذى فطم، فلم يعد محتاجاً أو مهتاجاً أو مغتاظاً لعدم وجود ما كان لا يمكنه الاستغناء عنه قبلاً، ولكن الآن يكفيه أن يستند إلى أمه فى استسلام هانئ، لا يفكر فى الأشياء أو الأشخاص بل قد صارت أمه كلِّ شىء بالنسبة له. هكذا " نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ". نفسى داخلى كفطيم نحوك .. أنت كل ما أشتهى، أنت كل الشبع الأعلى فى الحياة .. أنت اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن.. فيك أهدأ واستريح .. بك أثق وأتعلق وأغلب .. ومعك تحلو الحياة. إن هذه الآية ترد فى ترجمة كتاب الحياة : "ولكنى سكّنت نفسى وهدّأتها فصار قلبى مطمئناً كطفل مفطوم مستسلم بين ذراعىّ أمه". ولذلك يختم مزموره بالقول "لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ" ليكن فيه وحده كل الرجاء وكل اليقين .. كل الاتكال على مدى السنين .. إذا أردت هدوء النفس وسط صخب الحياة .. إذا أردت راحة للضمير وسط قلق الأيام .. إذا طلبت الاطمئنان والسلام وسط عواصف الدهر .. إذا التمست كل ذلك فضع رجاءك فى الله وحده. سكّن نفسك أمام الرب ليعيد إليها راحتها وسكينتها. قل له يارب إننى أجد العظمة فى الاتضاع عند قدميك وأجد شبعى فيك ورجائى فى الوجود بجوارك. إن رسالة هذا المزمور تمثل الاحتياج الملِّح لعالمنا الهائج الثائر اللاهث وراء المادة والسلطة والنفوذ، لكن الشبع الحقيقى الذى يسكن النفس هو فى الوجود الرائع فى محضر الله. نحن مشهورون جداً بالفخر، نتحدث كثيراً ونجيد فى الكلام، واُعتُبر الفخر - من قرون طويلة - أنه لون من ألوان الأدب والشعر. وهناك بيت شعر معروف للشاعر العربى أبى الطيب المتنبى ، يقول فيه : الخيلُ والليلُ والبيـداءُ تَعْرِفُـنى والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ أنا الذى نَظَرَ الأعمـى إلى أدبى وأسمعـتْ كـلماتى مـَنْ به صَمَمُ وهى حقيقة ظاهرة للكل، أن النفس التى تتربى داخلها مشاعر الفخر والقوة والتفوق والجدارة الشخصية والاستحقاق، هذه النفس من الصعب أن تنفطم بالمعنى الذى سبق شرحه. لذا فإن السؤال الذى يُلَّح علينا هو : كيف يحدث فطام النفس ؟ أولاً : بالتوبة والإيمان بعمل الله فى المسيح: هذه هى الخطوة الأولى والرئيسية لكل من يريد أن يختبر فطام النفس الداخلية. فى رواية "ترويض النمرة" للأديب الإنجليزى وليم شكسبير، يحكى الكاتب قصة رجل له بنتان، البنت الكبرى تتميز بالشراسة والصرامة والتمرد والقسوة، أما الصغرى فعلى النقيض من ذلك تماماً، فهى وديعة مسالمة هادئة. وذات يوم تقدم أحد الشبان لخطبة الابنة الصغرى قبل أختها الكبرى. وعرض الأب على العريس المتقدم أن يطلب الكبرى وأخبره عن أخلاقها الحقيقية وعن شراستها. وأحس الشاب أن هذا الزواج سيمثل نوعاً من التحدى له، فقبل. وبعد الزواج استطاع هذا الشاب أن يروض زوجته العنيدة من خلال اتباع سياسة التجويع، حى أصبحت طوع يديه تأتمر بكل ما يأمرها به. أما اللاهوتى الشهير رينهولد نيبور فيقول : "الإنسان يقف فى مفترق طرق بين الطبيعة والروح، أو بين الطبيعة Nature والروحانية .. لذلك فهو متورط فى كل من الحرية والضرورة". وهو يقصد أن الإنسان كشخصية روحية له قدرة وإمكانية نتيجة الحرية التى له، وكجزء من الطبيعة فهو محدود ومحكوم بقواعد معينة وقوانين ثابتة.. إن الإنسان (حلقة اتصال) بين الروح والطبيعة .. بين المحدودية والحرية.. بين العجز والعظمة فى نفس الوقت. وقد عَبِّر بسكال عن نفس هذه الحقيقة فقال : "الإنسان يقع فى موقع متوسط بين الملاك والوحش، وعليه أن يتجنب التطرف فى الجانبين، فيؤكد عظمته وبؤسه فى نفس الوقت". والفكر المسيحى يبتعد بالإنسان عن انحطاط النظرة الطبيعية وغرور النظرة المثالية .. ويرجع سبب بؤس الإنسان وعجزه إلى الخطية، فالإنسان بسبب الخطية يناقض طبيعته العليا وهدفه الأسمى ككائن روحى. هذا التناقض يسبب الانقسام والنشاز والصراع والثورة والجموح والسقوط والعجز عن إشبـاع أشواقـه الروحيـة، فالخطيـة تمنـع النفس من فعل ما تراه خيراً (رو 7 : 15 - 18) وتفسد وظائف الذات وتمسخ القلب فينشغل بأمور زائلة، وتشوه الخيال فيمتلىْ بتصورات حسّية وقتية، وتشوش العقل فينشغل بتوافه الأمور.. إنها حالة النفس عندما تغترب عن الله وتتمركز حول ذاتها. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التوبة والإيمان بعمل الله فى المسيح، وتظهر حاجتنا إلى نعمة الله المخلصة التى تغير حياة الإنسان وتدفعه إلى "نظام المحبة" وتعطيه نظرة جديدة للحياة وثقة واعتماداً كاملاً على الرب واتضاعاً قدامه وطاعة لفكره. إن الله هو الذى خلق النفس البشرية ، وهو بالتالى القادر على التعامل معها لكى تُفطم وتتحرر تدريجياً من قيودها. إنها لن تتحرر كلية مرة واحدة، لكنها بعمل الله والتدريب المتواصل ومعونة الروح القدس، تختبر مرحلة متقدمة من هذا الفطام الذى يشير إليه كاتب المزمور. ثانياً : الحياة فى المسيح فى الروح فى الكنيسة فالحياة المسيحيّة ليست مصالحة مع الله فحسب، بل هى صراع دائم ضد الخطية، وجهاد روحىّ مشفوع بروح المسؤولية، ومقاومة حتى الدم (عب 12 : 1 – 5 ، رو 6 : 11 - 14) ضد الخطية حتى لا تملك فى أعضائنا بل نقدمها آلات بر لله. يقول الرسول بولس : "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ،" (2 تى 4 : 7) ويقول أيضاً : "لِذَلِكَ أَنَا أَيْضاً أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِماً ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ." (أع 24 : 16). إذن الحياة فى المسيح فى الروح هى الجهاد الأكبر، لأنها الجهاد من أجل فطام النفس. والطريق إلى الغلبة هو ممارسة حضور المسيح وقوة الروح، فالروح القدس هو روح المسيح العامل دائماً فى الإنسان المؤمن ليخضع نفسه لفكر المسيح. والكنيسة هى المجال الذى يستمر فيه عمل المسيح الواهب حياة أفضل، وعمل الروح المانح للقداسة. هى مجال الغذاء للنمو، والشركة للتعضيد، والخدمة للتدرب، وممارسة وسائط النعمة من كلمة وفرائض مقدسة. وبالإجمال هى مجال النضوج كعملية دائمة لفطام النفس عندما تترجى وجه الله وحده .. فى النهاية ، كيف نتعرف ونختبر فكرة الفطام من خلال هذين العاملين ؟ إن فطام النفس حالة من الشبع بالله والاطمئنان والثقة والسلام بجواره وفيه. وفى المقابل، هى حالة من القناعة والاكتفاء والاستغناء عن الأشياء والأشخاص .. هذا بالطبع ليس معناه أن نتبنى موقفاً ضد الأشياء والأشخاص بل هو فقط عدم سيادة الأشياء والأشخاص على الحياة. أود الآن أن أضع بعض النماذج الكتابية وغير الكتابية لأشخاص تعلموا فطام النفس : موقف إبراهيم من المال حينما عُرضت عليه من ملك سدوم، فرفع يده إلى السماء قائلاً : "21وَقَالَ مَلِكُ سَدُومَ لأَبْرَامَ: «أَعْطِنِي النُّفُوسَ وَأَمَّا الأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ». 22فَقَالَ أَبْرَامُ لِمَلِكِ سَدُومَ: «رَفَعْتُ يَدِي إِلَى الرَّبِّ الإِلَهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ 23لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطاً وَلاَ شِرَاكَ نَعْلٍ وَلاَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ لَكَ فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ." . (تك 14 : 21 - 23). أظهر أبرام حالة من الاستغناء والاكتفاء. موقف الرسول بولس أيضاً حين قال : "11لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ. 12أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. 13أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي. 14غَيْرَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ حَسَناً إِذِ اشْتَرَكْتُمْ فِي ضِيقَتِي." (فى 4 : 11 - 13). موقف يوسف كفطام نفس عن الجنس فى مواجهة التجربة القاسّية التى جاءت إليه عن طريق امرأة سيده، ويالها من كلمات رائعة : "..فَكَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك 39 : 9)، كذلك فطامه لنفسه عن الانتقام من إخوته الذين آذوه. "4فَقَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ». فَتَقَدَّمُوا. فَقَالَ: «أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ. 5وَالْآنَ لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا لأَنَّهُ لِاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ." (تك 45 : 4-5). موقف الفطام من النفوذ والسلطة والمجد العالمى الذى ظهر فى حياة دانيال حين رفض أطايب الملك "أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ." (دا 1 : 8)، والفتية "16فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو: [يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. 17هُوَذَا يُوجَدُ إِلَهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. 18وَإِلاَّ فَلِْيَكُنْ مَعْلُوماً لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ]." (دا 3 : 16 - 18) والمثال الأسمى هو الرب يسوع "5فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: 6الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. 7لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. 8وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ." (فى 2 : 5 - 8). موقف الراوئى الروسى الثرى تولستوى الذى افتتح عام 1829 مدرسة لتعليم الفلاحين فى مزرعته، واشترك من ماله الخاص فى حملات إغاثة الجوعى، ولذلك أراد أن يوزع أرضه على الفلاحين فرفضت أسرته واتهمته بالجنون، فعاش حزيناً حتى مات عام 1910 . موقف دى كليرك الرئيس الأسبق لجمهورية جنوب أفريقيا حينما سَلَّم السلطة بهدوء إلى نيلسون مانديلا لأنه يمثل رغبة أغلبية الشعب ، وقد صنع كليرك ذلك بناءً على توجيهات ونصائح أمه له، وهى بدورها كانت قد اختبرت من قبل حقيقة الشبع فى المسيح. فى كل هذه النماذج يصدق من جديد القول الحكيم : النفسُ كالطِّفِلِ إن تَتركَهُ شَبِّ على حبِ الرضاعِ وإنْ تَفْطِمَهُ يَنْفَطِمُ إذن : "لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ" ليكن فيه وحده هو كل الرجاء، وكل الكفاية. لنتضع قدامه فى إدراك واع بقصر الحياة، وضآلة الإنسان مهما كبر، وبعظمة إلهنا فنرجو رحمته ورضاه |
مزمور 132 موكب الملك 1اُذْكُرْ يَا رَبُّ دَاوُدَ كُلَّ ذُلِّهِ. 2كَيْفَ حَلَفَ لِلرَّبِّ نَذَرَ لِعَزِيزِ يَعْقُوبَ: 3[لاَ أَدْخُلُ خَيْمَةَ بَيْتِي. لاَ أَصْعَدُ عَلَى سَرِيرِ فِرَاشِي. 4لاَ أُعْطِي وَسَناً لِعَيْنَيَّ وَلاَ نَوْماً لأَجْفَانِي 5أَوْ أَجِدَ مَقَاماً لِلرَّبِّ مَسْكَناً لِعَزِيزِ يَعْقُوبَ]. 6هُوَذَا قَدْ سَمِعْنَا بِهِ فِي أَفْرَاتَةَ. وَجَدْنَاهُ فِي حُقُولِ الْوَعْرِ. 7لِنَدْخُلْ إِلَى مَسَاكِنِهِ. لِنَسْجُدْ عِنْدَ مَوْطِئِ قَدَمَيْهِ. 8قُمْ يَا رَبُّ إِلَى رَاحَتِكَ أَنْتَ وَتَابُوتُ عِزِّكَ. 9كَهَنَتُكَ يَلْبِسُونَ الْبِرَّ وَأَتْقِيَاؤُكَ يَهْتِفُونَ. 10مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ. 11أَقْسَمَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ لاَ يَرْجِعُ عَنْهُ: [مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ. 12إِنْ حَفِظَ بَنُوكَ عَهْدِي وَشَهَادَاتِي الَّتِي أُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا فَبَنُوهُمْ أَيْضاً إِلَى الأَبَدِ يَجْلِسُونَ عَلَى كُرْسِيِّكَ]. 13لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَ صِهْيَوْنَ. اشْتَهَاهَا مَسْكَناً لَهُ: 14[هَذِهِ هِيَ رَاحَتِي إِلَى الأَبَدِ. هَهُنَا أَسْكُنُ لأَنِّي اشْتَهَيْتُهَا. 15طَعَامَهَا أُبَارِكُ بَرَكَةً. مَسَاكِينَهَا أُشْبِعُ خُبْزاً. 16كَهَنَتَهَا أُلْبِسُ خَلاَصاً وَأَتْقِيَاؤُهَا يَهْتِفُونَ هُتَافاً. 17هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْناً لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجاً لِمَسِيحِي. 18أَعْدَاءَهُ أُلْبِسُ خِزْياً وَعَلَيْهِ يُزْهِرُ إِكْلِيلُهُ]. للمؤرخ دور هام يلعبه فى الحياة المعاصرة، فهو يستطيع أن يرينا الآن كل الأجيال السابقة وما عاصره الأقدمون من مشكلات، وكيف واجه قادة كل جيل مشكلات عصرهم. وبإضافة قدر من الخيال والدراما إلى مادة التاريخ، يستطيع العمل الأدبى أو الفنى أن يعيد صياغة الأحداث التاريخية مرة أخرى، فنراها حية تجرى أمام عيوننا الآن فتشد انتباهنا وتحمل لنا رسالة لظروفنا الحالية، وهذا ما ينطبق على سفر المزامير بشكل عام وينطبق أيضاً على مز 132 على نحو الخصوص. فـى ترجمـة KJV - وترجمــات كثيرة أخرى – سُمىَّ هذا المزمور "مزمور السائح". كان موكب الملك يسير عبر الشوارع المزدحمة من غرب مدينة أورشليم حتى الهيكل حيث يوضع تابوت الرب. وهنا تتدفق فى أذهان الناس صور الماضى، وقيمة الرموز الدينية (كالتابوت مثلاً)، وذكريات عن موسى وما صنعه لتحرير وتوحيد الأسباط، وعن داود ورغبته فى بناء بيت للرب يوضع فيه التابوت فى مكان مناسب .... إلخ، وهكذا كان الإسرائيليون فى كل جيل يحملون التابوت، فى نفس الموكب خلال الاحتفال السنوى ليندمج ويستيقظ التاريخ والشريعة والفلكلور معاً من جديد فى داخل الشعب. ومزمور 132 يشابه مزمور24، ومزمور68، فكل هذه المزامير عبارة عن أغنيات وتسبيحات تُستخدم فى العبادة، وكل منها يستخدم فى مناسبة الاحتفال بإحضار داود للتابوت من قرية يعاريم إلى صهيون أو أورشليم، وكل منها يذّكر بالأحداث الدرامية الحيوية المرهبة التى حدثت فى المرة الأولى، وكل منها يحتوى على المقاطع التى تُرنَم بشكل فردى وجماعى. لقد كان الشعب يتذكر خلال هذه المناسبة أحداثاً كثيرة حدثت خلال قرون طويلة منذ أيام سيناء حتى عهد المملكة، ولذلك كان هدف هذه المناسبة أن تترك انطباعاً لدى كل المشاركين أو المشاهدين لها، وكيف أن مصير المدينة – كمكان سكنى الرب - ومصير بيت داود – خادم الرب – متلازمان ومتدخلان. ففى النصف الأول من المزمور نقرأ قرار داود الحاسم بأن يجد المكان المناسب لتابوت عهد الرب، وفى النصف الثانى نلتقى مع قرار الله الحاسم وقسمه لداود بمساندة ملكه واختيار صهيـون، وبالتالى يمكننـا أن نـرى المزمـور كمزمور ملكى مثل مزامير 20و21و45 أو كأغنية لصهيون مثل مز 46و87. توقيت كتابة المزمور: يعتقد البعض أن المزمور كتب فى وقت معاصر لحكم داود (10) أو فى أيام سليمان على الأكثر، بينما يعتقد البعض الآخر مثل Mowinckel أنه كتب فى فترة ما قبل السبىّ وكان يستخدم فى الاحتفال بعيد جلوس الملك الذى كان مرتبطاً بالاحتفال بعودة تابوت الرب إلى مكانه. تقسيم المزمور: وهذا المزمور من المزامير الطويلة التى لا تظهر كثيراً فى مزامير المصاعد، ويمكننا أن نرى فيه أكثر من فكرة : أولاً : الدعـاء (1 – 5) : مواكب الاحتفالات فى الشرق تتحرك ببطء، وفى أثناء تحرك الموكب قد تُعرض رقصات وحركات درامية وطقوس ليتورجيّة. فى هذه المناسبة، الشعب والكهنة والملك مع حشد من حراسه ومرافقيه، الكل يجتمعون فى مكان ما خارج المدينة المقدسة من جهة الغرب. يبدأ الموكب إلى الهيكل فى الشوارع المزدحمة بدعاء من الملك، فيه يطلب نعمة الله للبيت الملكى وللشعب عن طريق تذكيرهم بحماس داود أن يجد مكاناً مريحاً لتابوت الرب. وتذكرهـم نفـس هذه الكلمات بحادثـة فقد التابوت فى (1 صم 4 : 1 – 7 : 2) والخطوات التى اتخذهـا داود لاستعادتـه. (2 صم 6 : 1 – 15). وفى هذا الدعاء : الثمن والمسؤولية : "1اُذْكُرْ يَا رَبُّ دَاوُدَ كُلَّ ذُلِّهِ." ومن الأفضل أن تترجم هذه العبارة "اذكر يارب لداود"، أما الذل المشار إليه هنا فربما يعود إلى الجهد الكبير المبذول فى سبيل التغلب على كل المصاعب التى واجهت داود من أجل إعادة التابوت، أو قد تشير إلى صدمة داود عند موت "عُزّة". إن فقدان التابوت بالنسبة للشعب كان معناه فقدان حضور الله فى وسطهم وفقدان إرشاد الله لهم، لذلك سعى داود إلى إرجاع التابوت. لكن فى أثناء ذلك أمات الرب عُزّة بسبب غفلته ولأنه أراد أن يسند التابوت بيده، فى هذا الموقف خاف داود من الرب لأنه رأى اقتحام الرب لعُزّة أمام عينيه. وقد تشير هذه الكلمات إلى كل معاناة داود قبل أن يكون ملكاً، وكيف أن دافعه الوحيد غيرته على مجد الرب إذ أراد أن يجد لتابوته مكاناً. القسم والنذر - اتخاذ القرار: لقد اتخذ داود القرار وكان على استعداد لدفع ثمن تنفيذه، "كيف حلف للرب نذر لعزيز يعقوب"، لكننا لانجد تسجيلاً لهذا القسم فى العهد القديم، لكننا نقرأ فقط أن داود وضع ذلك فى قلبه (2 صم 7 : 1 – 3 ، 1 مل 8 : 17)، كذلك لا نقرأ أن لقب "عـزيـز يـعـقوب" ورد على لسان داود، فهو لقب قديم (تك 49 : 24، إش 49 : 26، 60 : 16، 1 : 24) وهذا اللقب يعنى "رئيس يعقوب" وهو من فترة ما بعد الوقت الموسوى. السرعة والحسم : "4لاَ أُعْطِي وَسَناً لِعَيْنَيَّ " أى أن داود رفض أن ينام قبل أن ينفذ ما بقلبه. إن هذا التعبيــر المجــازى يقصد به العزم والتصميم. (أم 6 : 4). " 4لاَ أُعْطِي وَسَناً لِعَيْنَيَّ وَلاَ نَوْماً لأَجْفَانِي 5أَوْ أَجِدَ مَقَاماً لِلرَّبِّ مَسْكَناً لِعَزِيزِ يَعْقُوبَ". هذا يقودنى إلى الحديث عن بعض الأفكار التى أشعر أن هذا النص يوحى بها إلينا كتطبيقات معاصرة لنا نحن اليوم: * كثرة الكلام وقلة الإنجاز : · لكى نحقق شيئاً جديداً فى الحياة والخدمة علينا أن نتمتع بـ "الرؤية والحلم" فلا يمكن عمل شئ عظيم بدون حلم عظيم. لقد حلم داود بإرجاع التابوت إلى إسرائيل، وقد كان له ما أراد. ولقد صدقت فيه الحكمة القائلة : "احلم كما تشاء فستجد أن الله يحقق فيك ما هو أكثر بكثير من أسعد أحلامك". * ينبغى أن يصاحب الحلم الرغبة فى دفع الثمن والعمل على تحقيق الرؤية بمثابرة وعزم وتصميم: وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تُؤخَذُ الدنيا غِلاباً وليس ذلك فقط بل يعتمد إنجاز الأعمال العظيمة على السرعة والحسم فى أداء الأعمال، لقد رأى داود الفراغ والضياع والواقع المؤلم فاتخذ القرار المناسب واستعد لدفع الثمن وأنجز أمره بسرعة وحسم. * فى بعض المؤسسات الكبرى بالخارج تُتخَذ البوم (بالباء وليس بالياء) كشعار للمؤسسة، فالبومة تمثل الصمت الدائم المصحوب بالإنجاز السريع فى الوقت المناسب. * كان "غاندى" يصوم عن الكلام تماماً يوماً واحداً كل أسبوع، يختلى بنفسه ويتخذ قرارات جديدة ويفكر فى الرسالة التى عليه إتمامها. * كان " فورد" رجل الأعمال المعروف يوظف عدداً كبيراً فى مصانعه من البكم. ظن البعض أنه يريد أن يصنع عملاً خيرياً، لكنه كان يريد قيادات عاملة وليس قيادات مثرثرة دون إنجاز حقيقى. أحبائى، متى نتحول من حضارة اللفظ إلى حضارة العمل؟ إن هذه الظاهرة التى تسود مجتمعنا تنطبق أيضاً على الكنيسة، فكم يحلو لنا الجلوس والثرثرة والمجادلات الطويلة المجهدة لكن دون إنجاز يُذكر. يعلّمنا الكتاب المقدس : عندما تدخل إلى بيت الله "لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً" (جا 5 : 1 – 7) "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!" (يع 3 : 1)، "16مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ." (أف 5 : 16). ثانياً : التحرك (6 –10) : فى الأعداد 6و 7 "6هُوَذَا قَدْ سَمِعْنَا بِهِ فِي أَفْرَاتَةَ. وَجَدْنَاهُ فِي حُقُولِ الْوَعْرِ. 7لِنَدْخُلْ إِلَى مَسَاكِنِهِ. لِنَسْجُدْ عِنْدَ مَوْطِئِ قَدَمَيْهِ." هذه الكلمات تبرز لهفة كل الشعب من خلال تجاوبه مع قرار داود بإحضار التابوت من قرية يعاريم، وفى أذهانهم كيف ظل التابوت مدة عشرين سنة فى بيت أبيناداب – كما نعلم من (1 صم 7 : 1 ، 2). وترسم لنا الكلمات أيضاً فرقة ترنيم كاملة من داود والشعب، وتقدم هذه الفرقة قصة البحث عن التابوت وأحداث اكتشافه. تقول القصة إنهم سمعوا به فى أفراتة، ووجدوه فى حقول الوعر (2 صم : 2 – 12 ، 1 أخ 13 : 1-14). سميت هذه البقعة " بعلة يهوذا" (2 صم 6 : 2) أو"بعلة قرية يعاريم التى ليهوذا" (1 أخ 13 :6)، "والوعر" مفرد كلمة يعاريم فى العبرية، وقرية يعاريم تعنى قرية أو مدينة الغابات. "وأفراتة" هى بيت لحم وما جاورها (مي 5 : 2) وقرية يعاريم تعرف بأنها "كالب أفراتة" (1 أخ 2 : 24 مع عددى 4 ، 5) نسبة إلى أفراتة زوجة كالب وابنهما حور الذى سُمىّ (أبى بيت لحم )، وابنه شوبال يُسمى بدوره (أبو قرية يعاريم). وتحث كلمات هذين العددين كل الشعب أن يسرعوا فى إحضار التابوت إلى الهيكل، وأن يعبدوا الرب قدامه فى نداء يشبه الدعوة الواردة فى (مز 99 : 5 و9 ، 122 : 2)، وهى كلمات تشير إلى حرارة وغنى العبادة. ومن الملاحظ أن التابوت والله يشيران مرات إلى كيان واحد هو شخص الرب نفسه، يقول الكتاب "33فَارْتَحَلُوا مِنْ جَبَلِ الرَّبِّ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَتَابُوتُ عَهْدِ الرَّبِّ رَاحِلٌ أَمَامَهُمْ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِيَلتَمِسَ لهُمْ مَنْزِلاً. 34وَكَانَتْ سَحَابَةُ الرَّبِّ عَليْهِمْ نَهَاراً فِي ارْتِحَالِهِمْ مِنَ المَحَلةِ. 35وَعِنْدَ ارْتِحَالِ التَّابُوتِ كَانَ مُوسَى يَقُولُ: «قُمْ يَا رَبُّ فَلتَتَبَدَّدْ أَعْدَاؤُكَ وَيَهْرُبْ مُبْغِضُوكَ مِنْ أَمَامِكَ». 36وَعِنْدَ حُلُولِهِ كَانَ يَقُولُ: «ارْجِعْ يَا رَبُّ إِلى رَبَوَاتِ أُلُوفِ إِسْرَائِيل»." (عد 10 : 33 – 36)، ويقول أيضاً "وَوَقَفَ دَاوُدُ الْمَلِكُ وَقَالَ: «اِسْمَعُونِي يَا إِخْوَتِي وَشَعْبِي. كَانَ فِي قَلْبِي أَنْ أَبْنِيَ بَيْتَ قَرَارٍ لِتَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ وَلِمَوْطِئِ قَدَمَيْ إِلَهِنَا, وَقَدْ هَيَّأْتُ لِلْبِنَاءِ." (1 أخ 28 : 2). فى (أعداد 8-10) "8قُمْ يَا رَبُّ إِلَى رَاحَتِكَ أَنْتَ وَتَابُوتُ عِزِّكَ. 9كَهَنَتُكَ يَلْبِسُونَ الْبِرَّ وَأَتْقِيَاؤُكَ يَهْتِفُونَ. 10مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ.". يتحرك الموكب الآن نحو أبواب صهيون فى إتجاه الهيكل فى هتاف عظيم "قُمْ يَا رَبُّ إِلَى رَاحَتِكَ أَنْتَ وَتَابُوتُ عِزِّكَ" (8). إنهم يتذكرون الآن الأحداث المؤثرة التى صاحبت حضور التابوت فى (يش 3 : 14 – 17 ، 1صم 6 : 1-21)، وهى عبور الأردن وضربة الفلسطينيين عندما أخذوه، حتى أرسلوه إلى قرية يعاريم. ويتقدس الكهنة لحمل التابوت فى مشهد مهيب، وكلما تقدم الموكب حياّ الشعب التابوت بصيحات الفرح، "كَهَنَتُكَ يَلْبِسُونَ الْبِرَّ وَأَتْقِيَاؤُكَ يَهْتِفُونَ." (9) مع (إش 61 : 10). وفى (10) يتغير المشهد إلى قاعات الهيكل ويقدم الملك الصلوات والذبائح لنوال نعمة الرب. دعوة للعبادة الفاعلة : وهنا نرى حضور الله وطبيعة العبادة الحقيقية فى مفهومها وفى أساليب ممارستها، العبادة الحارّة الغنيّة والفعالّة فى تغييرها للحياة. إنها عبادة لإله قدوس عظيم ومهوب (إش 6 : 1-10)، ولذلك فهى تتطلب الخشوع والوقار والترتيب فى العبادة، والقداسة فى الحياة ككل، وهى عبادة لإله يعمل فينا وبنا، ولذلك فهى رد فعل طبيعى لهذا العمل. إن الإخلال بهذه المعادلة فى العبادة يبعدها عن مفهومها الكتابى الصحيح البعيد عن الجمود والجفاف والبعيد كذلك عن التشويش والسطحيّة، كما يفرغها من قوة فاعليتها وعمقها فى إشباع الحياة الروحية وتغييرها المستمر، وتجديد الحياة الكنسيّة الدائم، ولذلك نلاحظ التجاوب من الرب فى (عدد 16). أيضاً نجد تطبيقاً عملياً فى نفس القصة حول هذه المعادلة، فى أحداث إحضار التابوت. كانت هناك تجربة أولى (1 أخ 12 : 10 - 14) بدأت بالإهمال وانتهت بمأساة هى موت عُزَّة لتجاوزه المقدسات، وتُرك نتيجة لذلك التابوت فى بيت عوبيد أدوم الجتىّ ثلاثة أشهر. أما الإهمال فقد ظهر فى غياب الكهنة وعدم تقديسهم وعدم قيامهم بحمل التابوت على الأكتاف كما أمر الرب. ولذلك صَحًّح داود طريقه وقام بتجربة ثانية قال فيها للكهنة واللاويين "«أَنْتُمْ رُؤُوسُ آبَاءِ اللاَّوِيِّينَ, فَتَقَدَّسُوا أَنْتُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَصْعِدُوا تَابُوتَ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ إِلَى حَيْثُ أَعْدَدْتُ لَهُ. 13لأَنَّهُ إِذْ لَمْ تَكُونُوا فِي الْمَرَّةِ الأُولَى, اقْتَحَمَنَا الرَّبُّ إِلَهُنَا, لأَنَّنَا لَمْ نَسْأَلْهُ حَسَبَ الْمَرْسُومِ». 14فَتَقَدَّسَ الْكَهَنَةُ وَاللاَّوِيُّونَ لِيُصْعِدُوا تَابُوتَ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ. 15وَحَمَلَ بَنُو اللاَّوِيِّينَ تَابُوتَ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ مُوسَى حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ بِالْعِصِيِّ عَلَى أَكْتَافِهِمْ." (1 أخ 15 : 12 – 15). وهكذا نرى فى هذه الأعداد المعادلة قائمة وكاملة : القداسة والفرح معاً. إنها العبادة بالروح والحق… بالروح كطبيعة الله ضد كل ما هو جسدانى وحرفى وشكلى، بل عبادة القلب. وبالحق الذى هو فكر الله وإرادته، ضد كل ما هو باطل أو وهمى أو خرافى .. وهى عبادة تجمع شعور العابد وفكره معاً، وتربط بين العقيدة والحياة اليوميّة، وبين دعم الحاضر والتطلع بأمل ورجاء إلى المستقبل. "1فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. 2وَلاَ تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ.". (رو 12 : 1 و 2) ثالثاً : الاستجابة (11– 18) : فى هذه الاستجابة يتوافق قسم الله مع قسم داود فى (2)، وتتوافق مواعيد الله مع صلوات كل الشعب فى (9 و10)، وتتمثل هذه الاستجابة فى نبوة من قسمين : الأول (11 و12) عن النسل والعهد : وهى كلمات وأسلوب ناثان النبى لداود (2 صم 7 : 1– 16) خاصــة الأعداد (14 – 16). وفى هذه النبوة نرى الوعد والالتزام (11)، والشرط والتحذير (12) وهذه الكلمات قريبة إلى الكلمات التى جاءت فى (مز 89 : 19 – 37). وفى هذه النبوة أبدل الله فكرة داود ببناء مسكن ثابت له من حجر (لأنه كان يفضل مسكناً متحركاً)، بفكرة حلوله فى جسد بشرى... فمسكن الرب (برغم العلاقة الخاصة بين الرب وبين الموقع المادى كما نرى فى 13 – 18) شخصى لا معمارى (أع 7 : 46– 50) كما جاء فى خطاب استفانوس.. وهنا تتجه النبوة إلى ابــن داود، إلـى المسيا، إلى"وَﭐلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً." (يو 1 : 14). الثانى (13 – 18) عن الموقع والشعب : وفى هذا القسم نرى ما يلى : أ) الاختيار(13 – 14) : وفى هذه الأعداد نجد ثراء ودفء وعود المحبة والاستجابة والتجاوب معها لكى تتحقق .. هنا التابوت أخذ مكانه، واستجيبت الصلاة فى (8) "قُمْ يَا رَبُّ إِلَى رَاحَتِكَ أَنْتَ وَتَابُوتُ عِزِّكَ."، ولذلك من الطبيعى والمناسب أن يكون الاختيار الدائم لصهيون التى اشتهاها الله كمكان لراحته إلى الأبـد. (انظر مزمور 46 : 4 ، 48 : 1-3، 87 : 1-3 ، 122: 6- 9) ونحن نعلم أن هذا الاختيار عندما أُسئ فهمه كلية، بسبب قساوة وأنانية الشعب، واستغلالهم له واتجارهم به، واستعلائهم على الآخرين بسببه بدلاً من أن يكونوا جسراً لكل الشعوب، فعندما أسئ فهمه تحقق هذا الاختيار فى شعب الرب الجديد، الكنيسة. ففى القسم الأول من النبوة ابن داود المسيا المخلص الرب الملك، وفى القسم الثانى الكنيسة عروس المسيح وجسده .. وهنا أهمية موقع الكنيسة مادياً وروحياً وأهمية الانتماء والانضمام لها. ب ) البركات (15 – 18) : وحيث حضور الرب فى كنيسته وبين شعبه فى العبادة وفى الحياة أفاح ناردينى رائحته فى البركات العديدة المادية والروحية : * الوفرة والشبع حتى للفقراء (15). * الخلاص والفرح للكهنة والشعب (16). * ازدهار واستمرار البيت والتاج الملكى (17و18) فى قوة ونقاء وجلال. والكلمة "قرناً" المستخدمة فى عدد 17 تشير إلى القوة والحيوية والخلق، وقد تذكرنا هذه الكلمة بعصا هارون التى أفرخت وتصديق الرب عليه كرئيس كهنة (عد 17 : 8). أما "السراج" فهى تشير إلى الوريث أو الحفيد (1 مل 11 : 36 ، 15 : 4 ، 2 أخ 21 : 7). أى أن البيت أو النسل لن يكون فارغاً أو مظلماً بعـد، بـل منتصراً ومزدهراً "وعليه يزهر إكليله". لقد بدأ المزمور بالمصاعب والذل والقرار الصعب، وانتهى بالمجد والازدهـار والانتصار. وهنا التـوازن الوثيـق فى الفكـر بين الطلبة (1، 8 – 10) والاستجابة (11 ، 14 ، 16 ، 17)، وهنا نرى: * دعوة للإنتظار الواثق : إن الاستجابـة والمكافـأة للأمنـاء يقينية "مـال إلـىّ وسمع صراخى" (مز 40 : 1)، "عالمين أن تعبكم ليس باطلاً فى الرب" (1 كو 15 : 58). لكن علينا أن ننتظر ذلك منه فى وقته بإيمان وصبر وتصحيح مسار دائم بلا فشل. لقد فشل داود فى إحضار التابوت فى المرة الأولى ومال به إلى بيت عوبيـد وبقـى هنـاك ثلاثة أشهر (1 أخ 13 : 12 – 14)، لكنه حاول مرة أخرى ونجح فى (1 أخ 15 : 1 – 15). إن الرب فى جوده ورحمته لا يقابلنـا بفشلنـا بـل يتجـاوب مع تصحيحنا ويحقق وعوده لنا (12). لقد فشل يشوع أمام عاى (يش 7 : 1 – 9)، لكنه صَحَّحَ مسار شعبــه (يش 10 – 26)، وحقق الرب انتصاره فى (يش 8). وفشل أيضاً بطرس وأنكر سيده، لكنه ندم وبكى، فظهر له الرب وشجعه وحَمّله مسئوولية الرعاية والخدمة (يو 21). لننتظر الرب بإيمان وثقة، بصبر ورجاء، بضمير صالح وقلب ملتهب، بيقين راسخ "أما منتظرو الرب فيجددون قوة يرفعون أجنحة كالنسور يركضون ولا يتعبون يمشون و لا يعيون" (إش 40 : 27 – 31). لنتمسك إذن بشخصه وكلمته، ولنحرص ولنحذر من اليأس : "إن توانت فانتظرها لأنها ستأتى إتياناً ولا تتأخر".(حب 2 : 3) * دعوة لتحقيق القصد : لقد اختارنا الله لنفسه لنكون ضمن شعبه، والطريق إلى تحقيق قصد الله هو أن نقبل عمل الرب وأن ننضم لشعب الرب : "وكان الرب يضم كل يوم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2 : 47 ب)، ثم علينا أن نحقق هدف القصد والاختيار، لأن الله اختارنا بنعمته ومحبته، لا لفضل فينا ولكن لنكون بركة لمن حولنا فى انفتاح ووعىّ وحب لكل الناس، وليس فى انغلاق أو أنانّية أو استعلاء أو تعصب (تث 7 : 6 – 11، يو 15 : 16و17) |
مزمور 133 مسكن الاخوة http://www.hechurch.org/EditorImage/...33-for-web.jpg 1هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعاً! 2مِثْلُ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ عَلَى الرَّأْسِ النَّازِلِ عَلَى اللِّحْيَةِ لِحْيَةِ هَارُونَ النَّازِلِ إِلَى طَرَفِ ثِيَابِهِ. 3مِثْلُ نَدَى حَرْمُونَ النَّازِلِ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ. لأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ. هذا المزمور يعتبر واحد من مزامير الحكمة والتى تشمل أيضاً مزامير 1، 49 ، 73 ، 127، وهو قصيدة رائعة زاخرة بالحيوية عن الروح الجماعيّة والوحدة الأخويّة، وفيه يمتدح الكاتب روح الأخوة وروح الصفاء والود الدائم حينما يجتمع شعب الله من كل حدب وصوب بنفس واحدة ولهم هدف واحد. ويعتقد البعض أن هذا المزمور كان يُستخدم بعد السبىّ لتشجيع الراجعين من العبوديّة على السكن فى أورشليم، وكأنى بالكاتب يعطى ويقدم فى ترنيمته الطمأنينة والأمان، وأنه لن يكون هناك ذل وسبىّ وعبوديّة، بل حيث يجتمع الإخوة وحيث يتآخى الجميع هناك البركة. (نح 11 : 1)"وَسَكَنَ رُؤَسَاءُ الشَّعْبِ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَلْقَى سَائِرُ الشَّعْبِ قُرَعاً لِيَأْتُوا بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةٍ لِلسُّكْنَى فِي أُورُشَلِيمَ مَدِينَةِ الْقُدْسِ وَالتِّسْعَةِ الأَقْسَامِ فِي الْمُدُنِ." (عزرا 3 : 1)"وَلَمَّا اسْتُهِلَّ الشَّهْرُ السَّابِعُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ فِي مُدُنِهِمُِ اجْتَمَعَ الشَّعْبُ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ." أما البعض الآخر من الشّراح فيعتقد أن هذا المزمور يشير إلى اجتماع كل إسرائيل حول داود فى حبرون (2 صم 5 : 1 - 5) "1وَجَاءَ جَمِيعُ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى دَاوُدَ إِلَى حَبْرُونَ قَائِلِينَ: «هُوَذَا عَظْمُكَ وَلَحْمُكَ نَحْنُ. 2وَمُنْذُ أَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ، حِينَ كَانَ شَاوُلُ مَلِكاً عَلَيْنَا، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ تُخْرِجُ وَتُدْخِلُ إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ قَالَ لَكَ الرَّبُّ: أَنْتَ تَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْتَ تَكُونُ رَئِيساً عَلَى إِسْرَائِيلَ». 3وَجَاءَ جَمِيعُ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمَلِكِ إِلَى حَبْرُونَ، فَقَطَعَ الْمَلِكُ دَاوُدُ مَعَهُمْ عَهْداً فِي حَبْرُونَ أَمَامَ الرَّبِّ. وَمَسَحُوا دَاوُدَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ. 4كَانَ دَاوُدُ ابْنَ ثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. 5فِي حَبْرُونَ مَلَكَ عَلَى يَهُوذَا سَبْعَ سِنِينٍ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَفِي أُورُشَلِيمَ مَلَكَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ سَنَةً عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا." إلا أن حياة داود التالية كانت مأساوية وحَلَّ السيف فيها بدل السلام (2 صم 12 : 10) "وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً." ويعتقد فريق ثالث من العلماء أن هذا المزمور كان يستخدم فى الأعياد الثلاثة حين يجتمع اليهود من كل مكان فى الهيكل فى أورشليم للتعبد. فما أجمل وما أعذب وجود الاخوة معاً فى بيت الرب فى يوم الرب ... بالنسبة للكاتب : يعترض البعض على أن داود هو كاتب هذا المزمور حيث لم يُذكر اسمه فى الترجمة السبعينية وبعض الترجمات القديمة الأخرى، ويقولون إن اللغة المستخدمة تنم عن حداثة نظمه، لكننا نجده - أى داود - مذكوراً فى النص العبرى الأصلى. وهنا ينقسم الفكر فى المزمور إلى نقطتين : أولاً : الوحدة ومظاهرها : 1- الجمال (1) : "هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعاً!". يُعتبر هذا العدد محور المزمور كله حيث أن الأعـداد التى تليـــه هى تشبيهات تشرحه. والكلمة "هوذا" يُراد منها شد الانتباه إلى الحقيقة المحوريّة، إذ يصور لنا الكاتب عظم وجمال وبهجة وجود الإخوة معاً، فما أحسن أن يترابط الإخوة معاً دون أى تنازع أو تصارع ، بل فى محبة وسلام وتآخ. وما أجمل هذا المنظر بالنسبة للرب. ما أجمل أن يرى الإخوة فى ارتباط كامل يربطهم هدف واحد ورؤية ورسالة واحدة. وعبارة " يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعاً" تشير إلى العادات الشرقية واليهودية خاصة فى الميل إلى العيش فى مساكن متجاورة متلاصقة (حارة اليهود)، وفى مجتمع ما بعد السبىّ اعتاد الناس على السفر والهجرة والتفرق، وافتقد الجميع وجود كل الإخوة معاً. وهذه العبارة لها مشابه فى: (تث 25 : 5 و 6) "5«إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعاً وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَليْسَ لهُ ابْنٌ فَلا تَصِرِ امْرَأَةُ المَيِّتِ إِلى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَليْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً وَيَقُومُ لهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. 6وَالبِكْرُ الذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ المَيِّتِ لِئَلا يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيل." وتركز على العائلة الكبيرة التى تسكن معاً فى مساكن متجاورة، ولذلك فهم البعض أن العبارة تركز على العلاقات الأسرية كنموذج اجتماعى هام، لكن البعض الآخر رأى أن تشمل أيضاً الإطار الأوسع، الكنيسة والأمة ككل (تك 13 : 8) "8فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ." (خر 2 : 11) "11وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ" (أع 7 : 26) "26وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ظَهَرَ لَهُمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ فَسَاقَهُمْ إِلَى السَّلاَمَةِ قَائِلاً: أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ إِخْوَةٌ. لِمَاذَا تَظْلِمُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؟" 2- الكرم والقوة (2) : " مِثْلُ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ عَلَى الرَّأْسِ النَّازِلِ عَلَى اللِّحْيَةِ لِحْيَةِ هَارُونَ النَّازِلِ إِلَى طَرَفِ ثِيَابِهِ.". هذا هو التشبيه الأول الذى يقدمه المرنم : الدهن الطيب له قيمة عظيمة جداً فى مكوناته، ونستطيع أن نرى ذلك بوضوح فى: (خر 29 : 7) " وَتَأْخُذُ دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَتَسْكُبُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَتَمْسَحُهُ." (خر30 : 22 - 30) "22وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: 23«وَأَنْتَ تَأْخُذُ لَكَ أَفْخَرَ الأَطْيَابِ. مُرّاً قَاطِراً خَمْسَ مِئَةِ شَاقِلٍ وَقِرْفَةً عَطِرَةً نِصْفَ ذَلِكَ: مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَقَصَبَ الذَّرِيرَةِ مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ 24وَسَلِيخَةً خَمْسَ مِئَةٍ بِشَاقِلِ الْقُدْسِ وَمِنْ زَيْتِ الزَّيْتُونِ هِيناً. 25وَتَصْنَعُهُ دُهْناً مُقَدَّساً لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْناً مُقَدَّساً لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ. 26وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاِجْتِمَاعِ وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ 27وَالْمَائِدَةَ وَكُلَّ آنِيَتِهَا وَالْمَنَارَةَ وَآنِيَتَهَا وَمَذْبَحَ الْبَخُورِ 28وَمَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ وَالْمِرْحَضَةَ وَقَاعِدَتَهَا - 29وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّهَا يَكُونُ مُقَدَّساً. 30وَتَمْسَحُ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي." وكذلك الغرض الذى يعد من أجله. وسكب الزيت أو الدهن الطيب الثمين على الرأس شىء معتاد فى الشرق إذ كان المضيف يسكب الدهن بغــزارة علــى رأس ضيفـه حتى يغمر لحيته: (مز 23 : 5) " تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا." فيصل إلى الدهن إلى طرف ثيابه، وهـى تعنى حرفياً "فم ثيابه". لكن هنا يشير إلى مسح هارون كرئيس كهنة، وكل رؤساء الكهنة من بعده لهذا الزيت (الدهن) المقدس لتقديسهم. وصورة الوحدة هنا تظهر بأجلى معانيها فى أن الزيت أو الدهن يسيل حتى يصل إلى حجرى الجزع على صدرة هارون، وهما يحملان أسماء الأسباط الاثنى عشر، وكأنه بذلك يغمر كل الأسباط بالبركة ويشملهم وهم فى وحدة كاملة وارتباط أخوى بزيت البركة. وهذه ولاشك أعظم صورة لاجتماع الإخوة معاً رغم المسافات والشتات، فهو حين يجتمع فى أورشليم يصبح شعب الله الواحد المتآخى. وكون الكاتب يعطى هذه الصورة البديعة فى تشبيهه، فهو يريد أن يوضح عظمتها وجمالها فى الاجتماع معاً. 3- المحبة (3 أ) : ثم يقدم لنا الكاتب فى العدد 3 تشبيهه الثانى : " مِثْلُ نَدَى حَرْمُونَ النَّازِلِ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ." وهنا نجد عدة آراء نسردها على النحو التالى : 1- المقصود هنا ليس هو جبل صهيون الذى فى أورشليم ، ولكن "سيئون" الذى هو جزء من حرمون أو هو اسم آخر لحرمون وهذا واضح فى (تث 4 : 48) "...إِلى جَبَلِ سِيئُونَ (الذِي هُوَ حَرْمُونُ)" 2- لا يوجد ارتباط بين حرمون وصهيون، لأن ندى حرمون لا يمكن أن يصل إلى صهيون. لذلك رُفض هذا العدد. 3- ربما حدث خطأ فى نقل الحروف العبرية، فالمقصود هنا ليس هو "صهيون" بل "عيون". ونحن نعلم أن حرف ال (ص) فى العبرية يشــابه حرف ال (ع) و "عيون" هو اسم بلد بجانب جبـل حرمون (1 مل 15 : 20) " فَسَمِعَ بَنْهَدَدُ لِلْمَلِكِ آسَا وَأَرْسَلَ رُؤَسَاءَ الْجُيُوشِ الَّتِي لَهُ عَلَى مُدُنِ إِسْرَائِيلَ، وَضَرَبَ عُيُونَ وَدَانَ وَآبَلَ بَيْتِ مَعْكَةَ وَكُلَّ كِنَّرُوتَ مَعَ كُلِّ أَرْضِ نَفْتَالِي." 4- أما الرأى الرابع فهو أن النص صحيح وأن كل هذه الاعتراضات باطلة وهناك الحقيقة الثابتة التى تتضح بأكثر لمعان مع كل يوم من أيام التاريخ، وإن كل اعتراض على الكتاب المقدس لابد أن يرتد على صاحبه، أما تعليل هذه الكلمات فهو أن الأسلوب الشعرى ملىء بالتشبيهات. والمقصود هنا أن الندى يغمر كل الشعب، كل إسرائيل، من أقصاها إلى أقصاها العالى كحرمون والمنخفض كصهيون، ولقد ذكر جبل حرمون هنا لأن الثلج يظل على قمته على مدار السنة كلها، الذى يهطل منه الندى وينزل بكثرة طوال العام. ويقال أن هذا الندى كان يجعل خيامهم فى الليلة الجافة مبللة كما لو كانت تمطر طوال الليل. ويغمر الندى الأرض - كما يغمر البشر - بالجمال والحيوية والإثمار والخصب ويلف ويوحد الجميع بمشاعر دافئة منعشة. وكما يأتى الندى من أعالى الجبال لكى يلطف الهواء حوله لا سيما بعد أوقات الجفاف التى تحيط بجبال اليهودية، هكذا فإن المحبة الأخوية تلطف الحياة الإنسانية وتنعشها. هذا هو الهدف من الربط بين جبل حرمون وجبل صهيون فى وحدة تامة فى التأثير والتعبير، رغم التباعد الجغرافى فى المسافة. ثانياً : الوحدة والموقف : 1- موقف الرب منها: البركة الإلهية : "هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ." (3 ب). عندما ينظر الرب إلى جماعة المؤمنين فيجدها فى تآخ ومحبة وعشرة طيبة، لاشك أن هذا يفرح قلب الآب، فقد انتهى الصراع والتنافس والغيرة والتناحر، ولم يعد يطلب التلاميذ منه أن يبقى واحد عن اليمين والآخر عن اليسار، لذلك يأمر الرب بالبركة: (لا 25 : 21) "فَإِنِّي آمُرُ بِبَرَكَتِي لَكُمْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ فَتَعْمَلُ غَلَّةً لِثَلاَثِ سِنِينَ." (تث 28 : 8) "يَأْمُرُ لكَ الرَّبُّ بِالبَرَكَةِ فِي خَزَائِنِكَ وَفِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِليْهِ يَدُكَ وَيُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ." وما أعظمها بركة أن نكون فى روح المحبة والترابط والتآخى والسلام ، هناك حيث هو يحيا معنا إلى الأبد، بركة شاملة غامرة من حرمون إلى صهيون. والعبارة تركز بشدة على المبادرة الإلهية (أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ) بركة الشىء الذى يستطيع الله وحده أن يعطيه "حياة إلى الأبد" أى الوعد بحياة متجددة ناهضة ممتدة: (مز 132 : 14 - 17) "14[هَذِهِ هِيَ رَاحَتِي إِلَى الأَبَدِ. هَهُنَا أَسْكُنُ لأَنِّي اشْتَهَيْتُهَا. 15طَعَامَهَا أُبَارِكُ بَرَكَةً. مَسَاكِينَهَا أُشْبِعُ خُبْزاً. 16كَهَنَتَهَا أُلْبِسُ خَلاَصاً وَأَتْقِيَاؤُهَا يَهْتِفُونَ هُتَافاً. 17هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْناً لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجاً لِمَسِيحِي." كبركة للانسجـام والسلام والتناغم، "هناك" حيث الوحدة والادراك الواعى للدور والرسالة والزمن، أو "هناك" حيث التفرق والتمزق والتشرذم يتم تدمير الجماعة وانقسام الأمة كما تم أيام داود نفسه. هذه النوعية من الحياة المتجددة الممتدة بركة أمر بها الرب، الدهن نازل من الرأس إلى الثياب، والندى نازل من حرمون إلى جبل صهيون، والحياة المتجددة بركة نازلة من الرب إلى الشعب فى غنى وغزارة. 2- موقفنا منها : التجاوب والجهد : من كل ما سبق يتضح أن البركة نتيجة الوحدة والمحبة وسكن الإخوة معاً. ولأنها نتيجة الوحدة، ولكى نضمن البركة، نحتاج إلى جهد لصناعة الوحدة والسلام، ونحتاج إلى جهد اكبر لصيانة الوحدة والسلام. نحتاج إلى حب صادق، وإلى وعى ناضج، وإلى فهم مستنير لقيمة التنوع الغنى فى إطار الوحدة، تنوع الأفكار والمواهب والشخصيات والأساليب، ووحدة القلب والصف والهدف والرسالة والمصلحة العامة، نحتاج إلى توازن رائع بين تميز الفرد وحريته وكرامته من جهة وصالح الجماعة وتماسكها وأمنها ومستقبلها، وإلى تدرب وقدرة على الحوار المتحضر الراقى الموضوعى، وإلى نظرة كلية شاملة لا تتوقف وتختلف وتنقسم وتتحطم حول الجزئيات، وإلى روح وثابة تستنير من خبرات الماضى لكنها تتطلع بقوة إلى المستقبل، وإلى إدراك لعنصر الزمن وقيمة الوقت ، والاندفاع بقوة فى تيار الحياة، بثقة وإيجابية للبناء، لا بريبة وتشكيك فى كل إنجاز للهدم، أو تضخيم السلبيات والعجز، بل التكتل وتحقيق الأهداف. وحيث يسكن الاخوة معاً هناك يأمر الرب بالبركة، حياة إلى الأبد، حياة السلام والثمر والبهجة. وبالاجمال، نحتاج إلى قوة الروح القدس التى تفجر فينا المحبة، وتنير الأذهان والبصائر والضمائر، وتثير الوعىّ والإدراك، وتجمع أولاد الله المتفرقين إلى واحد لأن كل بيت منقسم على ذاته يسقط، وكل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب: (لو 11 : 17) "فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تَخْرَبُ وَبَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى بَيْتٍ يَسْقُطُ." بعض مجالات إظهار الوحدة نحتاج إلى كل هذا لنعمق الوحدة ولنختبر البركة فى مجالات ثلاثة : المجال الأول : الأسرة البيت المؤسس على الصخر، على شخص الرب يسوع وعلى كلمته: (مت 7 : 24 - 27) "24«فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ. 25فَنَزَلَ الْمَطَرُ وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ وَوَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ. 26وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ. 27فَنَزَلَ الْمَطَرُ وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ وَصَدَمَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً!»." فى ارتباط وتفاهم وإحساس مشترك .. هنا أمر الرب بالبركة حياة إلى الأبد للزوجين معاً وللوالدين والأبناء ككل. لقد طالعتنا الصحف قبل بعض الوقت بخبر طالب الثانوى الذى قتل أخاه الذى يبلغ من العمر أربع سنوات وأخته الجامعية بنت السبع عشرة سنة، والنتيجة الأب مشلول والأم منهارة والشاب فى الأحداث. لقد دمرت الأسرة وانهدمت بالكامل بسبب الإهمال والإنقسام والتمييز بين الأبناء. إلى هذا الحد تصدق من جديد كلمات المسيح : كل بيت منقسم على ذاته يسقط، لذا فما أحوجنا إلى الوحدة على المستوى الأسرى. المجال الثانى : الكنيسة إن النهضة والامتداد كبركة وحياة فى الكنيسة مرتبط بوحدتها وسلامها، والكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة يشهدان بذلك. ولذلك يركـز الرسول بولس فى كل كنيسة على حتميـة وضرورة تحقيق الوحدة، ولعل الرسالة إلى أهل فيلبى خيـر شـاهـد عـلى ذلك: (فى1 : 27) "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِباً أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ،" (فى2 : 2 - 4) "2فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً، 3لاَ شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. 4لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً." (فى2 : 14 - 15) "14اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، 15لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَداً للهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ." (فى4 : 2 - 3) "2أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْراً وَاحِداً فِي الرَّبِّ. 3نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضاً، يَا شَرِيكِي الْمُخْلِصَ، سَاعِدْ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي الإِنْجِيلِ، مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضاً وَبَاقِي الْعَامِلِينَ مَعِي، الَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ." إن الكنائس المحلية والكنيسة العامة فى حاجة ماسة إلى رسالة الكتاب المقدس بخصوص هذا الأمر، فلا رجاء فى حياة ورسالة متجددة مع انقسام وتجذر وتشتت القوى: (أع 9 : 31) "وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ." وإن كانت الطوائف المختلفة، كتعبيرات مختلفة عن أشكال متنوعة للعبادة، حقيقة لا يمكن الهروب أو التنصل منها، إلا أن ذلك لا يمكن أن يمنع الكنيسة الحقيقية من التواصل والاتحاد لأجل تحقيق رسالتها وأهدافها العامة لنشر ملكوت الله. لقد كان وليم تمبل ابناً لرئيس أساقفة، لكنه تشرب علاقات المحبة مع الكنائس الأخرى وعمل على خلق روح التفهم المتبادل وابتكار طرق جديدة للتعاون بين الكنائس، وهكذا ساهم تمبل بقوة فى ايجاد الحركة المسكونية ومجلس الكنائس العالمى. المجال الثالث : المجتمع والمنطقة العربية والعالم من الضرورى أن يلتف أبناء المجتمع الواحد حول الأهداف المرجو تحقيقها، هذه القاعدة تنطبق على بلادنا كما وعلى كل الدول الأخرى، فيجب حشد كل قوى وطاقات المجتمع ونحن فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الحديث، يجب أن نحفظ بلادنا من كل صراعات أو انقسام يمكن أن يهدد أو يعيق مسيرة التقدم للمستقبل. ولعلنا نلاحظ أن كل الاتجاهات اليوم تسعى نحو التكتل والوحدة وتجمع القوى، ونحن نرى ذلك فى كل مناطق العالم، وها نحن نرى الوحدة الأوربية قد صارت حقيقة ماثلة. زالت الحدود وتوحدت العملة وأنشئت الأسواق الموحدة، فهل آن الأوان لنرى شيئاً مماثلاً على مستوى المنطقة العربية؟ كان روبرت سيسل ابن رئيس وزراء محافظ، ولقد صدمته الحرب العالمية الأولى إذ رأى وعانى مما رآه من الآلام والحروب وما جرته على البشر. وكانت نتيجة معاناته وأفكاره ظهور عصبة الأمم التى فتحت الطريق بعد ذلك لوجود الأمم المتحدة. ويتذكر الكل أنه أخذ كلمات المزمور القديم وصاغها فى قرينة جديدة أعطته معنى جديد وقوة جديدة |
1هُوَذَا بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ عَبِيدِ الرَّبِّ الْوَاقِفِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ بِاللَّيَالِي. 2ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ نَحْوَ الْقُدْسِ وَبَارِكُوا الرَّبَّ. 3يُبَارِكُكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ الصَّانِعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. بركة العبادةبهذا المزمور تنتهى أغنيات السفر والمقصودة هنا بترانيم المصاعد، بنغمة التسبيح، ومشهد العبادة الدائم فى هيكل الرب، الذى يشمل كل الشعب مع الكهنة واللاويين وكل آلات الغناء: (مزمور 150) "1هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا اللهَ فِي قُدْسِهِ. سَبِّحُوهُ فِي فَلَكِ قُوَّتِهِ. 2سَبِّحُوهُ عَلَى قُوَّاتِهِ. سَبِّحُوهُ حَسَبَ كَثْرَةِ عَظَمَتِهِ. 3سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ الصُّورِ. سَبِّحُوهُ بِرَبَابٍ وَعُودٍ. 4سَبِّحُوهُ بِدُفٍّ وَرَقْصٍ. سَبِّحُوهُ بِأَوْتَارٍ وَمِزْمَارٍ. 5سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ التَّصْوِيتِ. سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ الْهُتَافِ. كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرَّبَّ. هَلِّلُويَا." ويقول المفسرون إن هذه الأغنية كانت تستخدم إما فى نهاية العبادة عند خروج الشعب كبركة ختاميّة، أو فى نهاية خدمة تكريسيّة، أو فى الاحتفال بعيد المظال: (زك 14 : 16) "وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ الْبَاقِي مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ جَاءُوا عَلَى أُورُشَلِيمَ يَصْعَدُونَ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ لِيَسْجُدُوا لِلْمَلِكِ رَبِّ الْجُنُودِ وَلِيُعَيِّدُوا عِيدَ الْمَظَالِّ." وليــس فى عيد الفصح: (خر 12 : 18 - 20) "18فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ مَسَاءً تَأْكُلُونَ فَطِيراً إِلَى الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ مَسَاءً. 19سَبْعَةَ أَيَّامٍ لاَ يُوجَدْ خَمِيرٌ فِي بُيُوتِكُمْ. فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ مُخْتَمِراً تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ الْغَرِيبُ مَعَ مَوْلُودِ الأَرْضِ. 20لاَ تَأْكُلُوا شَيْئاً مُخْتَمِراً. فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ تَأْكُلُونَ فَطِيراً»." ويتأكد لنا هذا التخمين عند فهم الإشارة الواردة " الْوَاقِفِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ بِاللَّيَالِي." لأن عيد المظـال يستـمر سبعــة أيام: (لا 23 : 39 - 43) "39أَمَّا الْيَوْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ فَفِيهِ عِنْدَمَا تَجْمَعُونَ غَلَّةَ الأَرْضِ تُعَيِّدُونَ عِيداً لِلرَّبِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ عُطْلَةٌ وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ عُطْلَةٌ. 40وَتَأْخُذُونَ لأَنْفُسِكُمْ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ ثَمَرَ أَشْجَارٍ بَهِجَةٍ وَسَعَفَ النَّخْلِ وَأَغْصَانَ أَشْجَارٍ غَبْيَاءَ وَصَفْصَافَ الْوَادِي وَتَفْرَحُونَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. 41تُعَيِّدُونَهُ عِيداً لِلرَّبِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي السَّنَةِ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ. فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ تُعَيِّدُونَهُ. 42فِي مَظَالَّ تَسْكُنُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كُلُّ الْوَطَنِيِّينَ فِي إِسْرَائِيلَ يَسْكُنُونَ فِي الْمَظَالِّ. 43لِكَيْ تَعْلَمَ أَجْيَالُكُمْ أَنِّي فِي مَظَالَّ أَسْكَنْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ»." والأغنية عبارة عن مطلب للشعب أو تحية فى شكل هتـاف منه فى عددىّ (1و2)، أو من اللاويين نيابة عن الشعب، ثم الرد من الكهنة فى العدد الثالث. والأغنية - ككل مجموعة ترانيم المصاعد - ترجع إلى فترة ما بعد السبىّ Postexilic . والفكرة الرئيسية التى تتكرر فى كل الأعداد سواء فى مطلب الشعب أو فى رد الكهنة عليهم هى"البركة" والتى نراها فى عبارتىّ : "َبَارِكُوا الرَّبَّ" و" يُبَارِكُكَ الرَّبُّ" . وينقسم هذا المزمور إلى فكرتين : أولاً : مطلب الشعب (1و2) عدد 1 : " هُوَذَا" نفس الاستهلال الموجود فى مز133 : 1، ويقصد بهذه الكلمة جذب الانتباه والتأكيد .. "َبَارِكُوا الرَّبَّ" أى سبحِّوه واعبدوه بالطريقة اللائقة التى تعلن عن عظمة وصلاح الرب. وهذه الدعوة لتكريم الرب إله إسرائيل هى الدعوة التى يتبناها العهد القديم كله، فيقول المرنم فى: (مز66 : 8) " بَارِكُوا إِلَهَنَا يَا أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَسَمِّعُوا صَوْتَ تَسْبِيحِهِ." وكذلك القصة الواردة فى يش 22 خاصة الأعداد: (1، 9 - 16 ، 26 - 29 ، 32 و 33) "1حِينَئِذٍ دَعَا يَشُوعُ الرَّأُوبَيْنِيِّينَ وَالْجَادِيِّينَ وَنِصْفَ سِبْطِ مَنَسَّى.. 9فَرَجَعَ بَنُو رَأُوبَيْنَ وَبَنُو جَادَ وَنِصْفُ سِبْطِ مَنَسَّى، وَذَهَبُوا مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ شِيلُوهَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ لِيَسِيرُوا إِلَى أَرْضِ جِلْعَادَ، أَرْضِ مُلْكِهِمِ الَّتِي تَمَلَّكُوا بِهَا حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ عَلَى يَدِ مُوسَى. 10وَجَاءُوا إِلَى دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. وَبَنَى بَنُو رَأُوبَيْنَ وَبَنُو جَادَ وَنِصْفُ سِبْطِ مَنَسَّى هُنَاكَ مَذْبَحاً عَلَى الأُرْدُنِّ، مَذْبَحاً عَظِيمَ الْمَنْظَرِ. 11فَسَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَوْلاً: «هُوَذَا قَدْ بَنَى بَنُو رَأُوبَيْنَ وَبَنُو جَادَ وَنِصْفُ سِبْطِ مَنَسَّى مَذْبَحاً فِي وَجْهِ أَرْضِ كَنْعَانَ فِي دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ مُقَابَِلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ». 12وَلَمَّا سَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْتَمَعَتْ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي شِيلُوهَ لِيَصْعَدُوا إِلَيْهِمْ لِلْحَرْبِ. 13فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى بَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ وَنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى إِلَى أَرْضِ جِلْعَادَ، فِينَحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنَ 14وَعَشَرَةَ رُؤَسَاءَ مَعَهُ، رَئِيساً وَاحِداً مِنْ كُلِّ بَيْتِ أَبٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ، كُلُّ وَاحِدٍ رَئِيسُ بَيْتِ آبَائِهِمْ فِي أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ. 15فَجَاءُوا إِلَى بَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ وَنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى إِلَى أَرْضِ جِلْعَادَ، وَقَالَ لَهُمْ: 16«هَكَذَا قَالَتْ كُلُّ جَمَاعَةِ الرَّبِّ: مَا هَذِهِ الْخِيَانَةُ الَّتِي خُنْتُمْ بِهَا إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، بِالرُّجُوعِ الْيَوْمَ عَنِ الرَّبِّ، بِبُنْيَانِكُمْ لأَنْفُسِكُمْ مَذْبَحاً لِتَتَمَرَّدُوا الْيَوْمَ عَلَى الرَّبِّ؟.. 26فَقُلْنَا نَصْنَعُ نَحْنُ لأَنْفُسِنَا. نَبْنِي مَذْبَحاً، لاَ لِلْمُحْرَقَةِ وَلاَ لِلذَّبِيحَةِ، 27بَلْ لِيَكُونَ هُوَ شَاهِداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَجْيَالِنَا بَعْدَنَا، لِنَخْدِمَ خِدْمَةَ الرَّبِّ أَمَامَهُ بِمُحْرَقَاتِنَا وَذَبَائِحِنَا وَذَبَائِحِ سَلاَمَتِنَا، وَلاَ يَقُولُ بَنُوكُمْ غَداً لِبَنِينَا: لَيْسَ لَكُمْ قِسْمٌ فِي الرَّبِّ. 28وَقُلْنَا: يَكُونُ مَتَى قَالُوا كَذَا لَنَا وَلأَجْيَالِنَا غَداً، أَنَّنَا نَقُولُ: انْظُرُوا شِبْهَ مَذْبَحِ الرَّبِّ الَّذِي عَمِلَ آبَاؤُنَا، لاَ لِلْمُحْرَقَةِ وَلاَ لِلذَّبِيحَةِ، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. 29حَاشَا لَنَا مِنْهُ أَنْ نَتَمَرَّدَ عَلَى الرَّبِّ وَنَرْجِعَ الْيَوْمَ عَنِ الرَّبِّ لِبِنَاءِ مَذْبَحٍ لِلْمُحْرَقَةِ أَوِ التَّقْدِمَةِ أَوِ الذَّبِيحَةِ، عَدَا مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلَهِنَا الَّذِي هُوَ قُدَّامَ مَسْكَنِهِ».. 32ثُمَّ رَجَعَ فِينَحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ الكَاهِنِ وَالرُّؤَسَاءُ مِنْ عِنْدِ بَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ مِنْ أَرْضِ جِلْعَادَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ خَبَراً. 33فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَارَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اللّهَ، وَلَمْ يَفْتَكِرُوا بِالصُّعُودِ إِلَيْهِمْ لِلْحَرْبِ وَتَخْرِيبِ الأَرْضِ الَّتِي كَانَ بَنُو رَأُوبَيْنَ وَبَنُو جَادَ سَاكِنِينَ بِهَا." ولقد ظهر دور المغنين اللاويين الذين كانوا مكرسيّن للرب ولخدمته ليلاً ونهاراً: (تث 10 : 8) "فِي ذَلِكَ الوَقْتِ أَفْرَزَ الرَّبُّ سِبْطَ لاوِي لِيَحْمِلُوا تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ وَلِيَقِفُوا أَمَامَ الرَّبِّ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِهِ إِلى هَذَا اليَوْمِ." (1 أخ 9 : 33) "فَهَؤُلاَءِ هُمُ الْمُغَنُّونَ رُؤُوسُ آبَاءِ اللاَّوِيِّينَ فِي الْمَخَادِعِ، وَهُمْ مُعْفَوْنَ، لأَنَّهُ نَهَاراً وَلَيْلاً عَلَيْهِمِ الْعَمَلُ." (1 أخ 25) وهذا الدور حدّده موسى، لكن بعدما استراح تابوت الله فى مكانه جدّد داود مسؤولياتهم وهى: (1 أخ 23 : 30) ".. الْوُقُوفِ كُلَّ صَبَاحٍ لِحَمْدِ الرَّبِّ وَتَسْبِيحِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسَاءِ" (2 أخ 29 : 11) "يَا بَنِيَّ لاَ تَضِلُّوا الآنَ لأَنَّ الرَّبَّ اخْتَارَكُمْ لِتَقِفُوا أَمَامَهُ وَتَخْدِمُوهُ وَتَكُونُوا خَادِمِينَ وَمُوقِدِينَ لَهُ" ولذلك يقول المرنم هنا " الْوَاقِفِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ بِاللَّيَالِي" إشارة إلى اللاويين "كعبيد الرب" وأنهم رمز لكل الشعب المعيّد فى عيد المظال . عدد 2 : " ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ" (مز 28 : 2) ".. وَأَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى مِحْرَابِ قُدْسِكَ." (مز 63 : 4 ب) ".. بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ" إن هذه العبارة المتكررة تشير إلى اعتقاد أن الأيدى المرفوعة تمتلىء بقوة بركة الكاهن للشعب ... "نحو القــدس" قد تشير هذه الكلمة إلى حال المتعبدين فتعنى (العبــادة فى قداسـة) وفى هذا المعنى يقول الرسول بولس: (1 تى 2 : 8) "رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً " أو قد تعـنـى (المكان المقدس).. فى إشـارة إلى قداسة أماكن العبادة "ببيتك تليق القداسة". ثانياً : رد الكهنة (3) "يُبَارِكُكَ الرَّبُّ" (لا 9 : 22 ، 23) "22ثُمَّ رَفَعَ هَارُونُ يَدَهُ نَحْوَ الشَّعْبِ وَبَارَكَهُمْ وَانْحَدَرَ مِنْ عَمَلِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَالْمُحْرَقَةِ وَذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. 23وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ. فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْبِ" وقد تشير إلى البركة الكهنوتية الواردة فى: (عد 6 : 23 – 26) "23«قُل لِهَارُونَ وَبَنِيهِ: هَكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيل: 24يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. 25يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ. 26يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَليْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاماً." إن عبارة "َبَارِكُوا الرَّبَّ" الواردة فى مطلب الشعب تهدف إلى التعرف على شخص الرب. من هو؟ وماذا عمل ويعمل؟ وتقدم الشكر والحمد له لأجل كل مراحمه وإحساناته. أما "يُبَارِكُكَ الرَّبُّ" فيقصد بها تحول الإنسان أو تغيير الإنسان إلى حالة مختلفة أفضل من التى عليها الآن فعلاً، وأن يحقق له ويعطيه ما ليس عنده بالفعل. وجاءت بالمفرد لتخصص البركة لكل عابد على حدة. وهنا يُرى الله أنه "الصَّانِعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ"، فهو إله القوة الخالقة دائماً، المتجدد فى عطاياه بلا حدود، وهو أيضاً يبارك "من صهيون" ، وهى المكان الخاص المحدد الذى يمكن الوصول إليه .. فالله وبركاته قريب منا جداً وكما أن وصاياه قريبة: (تث 30 : 11 – 14) "11«.. ليْسَتْ عَسِرَةً عَليْكَ وَلا بَعِيدَةً مِنْكَ. 12ليْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ .. 13وَلا هِيَ فِي عَبْرِ البَحْرِ.. 14بَلِ الكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدّاً فِي فَمِكَ وَفِي قَلبِكَ.." (رو 10 : 6 - 8) "6وَأَمَّا الْبِرُّ الَّذِي بِالإِيمَانِ فَيَقُولُ هَكَذَا: «لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» (أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ) 7أَوْ «مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» (أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ) 8لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ «اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ» (أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا)" كذلك أيضاً شخصه قريب. صحيح أنه لا يسكن فى هياكل مصنوعة بالأيادى، وصحيح أن السموات وسماء السموات لا تسعه، لكنه رغم ذلك عن كل واحد منا ليس بعيداً: (أع 17 : 27) "لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً." وكما أن جبل صهيون الحقيقى يوجد حيث يوجد وسيط العهد الجديد، يسوع، وملكه وسط شعبه، كما فى: (عب 12 : 22 – 24) "22بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، 23وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، 24وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ: يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ." فهناك أيضاً "أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ." (مز 133 : 3). هذا المزمور يضعنا أمام بعض المفاهيم الخاصة بالعبادة الحقيقية والتى يمكن تلخيصها فى النقاط الأربع التالية : 1- إن العبادة الحقيقيّة ترتبط برؤيتنا لله ولعمله العظيم جداً .. القريب جداً الله الخالق، والفادى، والمخلص .... الله الملك والملجأ. 2- وعلى هذا لابد أن تشتمل العبادة الحقيقيّة على الفرح والابتهاج والتوقير والتبجيل معاً ... فالعبادة Worship فى الأصل هى Worthship أى استحقاق الله للاكرام والحب والسجود والمجد اللائق به، وبالإجمال "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ اسْمِهِ." (مز 96 : 8). إنها تحتوى على معانى الخضوع والانبطاح والطاعة والجهاد فى حياة القداسة .. خضوع الإرادة، وتحديد اتجاه القلب نحو الله، ويقين الإيمان والرجاء والمحبة: (مز 95 : 1 - 11) "1هَلُمَّ نُرَنِّمُ لِلرَّبِّ نَهْتِفُ لِصَخْرَةِ خَلاَصِنَا. 2نَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِحَمْدٍ وَبِتَرْنِيمَاتٍ نَهْتِفُ لَهُ. 3لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَظِيمٌ مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ. 4الَّذِي بِيَدِهِ مَقَاصِيرُ الأَرْضِ وَخَزَائِنُ الْجِبَالِ لَهُ. 5الَّذِي لَهُ الْبَحْرُ وَهُوَ صَنَعَهُ وَيَدَاهُ سَبَكَتَا الْيَابِسَةَ. 6هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ وَنَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا 7لأَنَّهُ هُوَ إِلَهُنَا وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ. الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ 8فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ كَمَا فِي مَرِيبَةَ مِثْلَ يَوْمِ مَسَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ 9حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي. أَبْصَرُوا أَيْضاً فِعْلِي 10أَرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتُّ ذَلِكَ الْجِيلَ وَقُلْتُ: [هُمْ شَعْبٌ ضَالٌّ قَلْبُهُمْ وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي]. 11فَأَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لاَ يَدْخُلُونَ رَاحَتِي!" 3- هذه العبادة الحقيقيّة مغيّرة للمتعبدين، فمن خلالها يخلق الله فينا باستمرار عملاً جديداً ويطور شخصياتنا، من خلال بركته وعطاياه التى بلا حدود. 4- هذه البركة مرتبطة برب الكون خالق السموات والأرض نعم ، لكنها أيضاً مرتبطة برب الكون الذى جاء إلينا فى المسيح يسوع كوسيط العهد الجديد وسكن فى كنيسته ووسط شعبه.. إن بركة وقوة العبادة مرتبطة بمفهوم الكنيسة كشعب ومكان خاص محدد تنساب فيه بركة الله إلى الشعب المصلى والمتعبد. ببيتك تليق القداسة يارب.. (مز 122 : 1) "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: [إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ]." (مز 84 : 1 - 2) "1مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ. 2تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ." ولعل ذلك يمثل اللوم الإلهى الرقيق لأولئك الذين - عن بساطة أو عدم فهم - يتخلون عن العبادة الكنسيّة ويهجرون الكنسيّة إلى اجتماعات البيوت |
شكرااااااااااااااااااااا جدااااااااااا
مستر مجدى ربنا يبارك خدمتك الجميله |
شكراً أختى مارى على مرورك الجميل
|
مشاركة جميلة جدا ربنا يفرح قلبك |
شكراً أختى مارى على مرورك الجميل
|
رد: مزامير المصاعد
شكرا على المشاركة المثمرة
ربنا يفرح قلبك |
رد: مزامير المصاعد
شكراً أختى مارى على مرورك الجميل |
رد: مزامير المصاعد
ربنا يبارك خدمتك
|
رد: مزامير المصاعد
شكراً على مرورك الجميل
|
| الساعة الآن 11:18 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026